وقفات قرآنية .. نصرة لنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم ..



الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام المتقين وسيد ولد آدم أجمعين ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ...
أما بعد ..

فلقد انتفض العالم كله شرقيه وغربيه ، أقصاه وأدناه ، أفراده ومؤسساته وهيئاته، احمرت الآماق وسدتِ الآفاق، وارتفعت الهتافات تشدو حباً وتعظيماً ، وإجلالاً وتقديراً وانتصاراً، سار الناس أودية بشرية ترفرف عليهم أعلام الانتصار ، لسيد ولد آدم ، إمام الأولين والآخرين ، أعظم الأنبياء ، وسيد المرسلين ، الإمام القدوة ، والرسول الأسوة ، صاحب الحوض المورود واللواء المعقود ، العاقب الحاشر المقفي ، صاحب الخلق العظيم والمقام الرفيع ..
انبرى العالم كله مدافعاً هاتفاً : ( إلا رسول الله ):


مدحوك ما بلغـوا برغـم ولائهـم أسـوارَ مجـدك فالدنـو لِـمـامُ
يا ملء روحي وهج حبك في دمي قبس يضـيء سريرتـي وزمـامُ
أنت الحبيب وأنت من أروى لنـا حتـى أضـاء قلوبَنـا الإســلامُ
حوربت لم تخضع ولم تخشَ العِدى من يحمه الرحمـن كيـف يُضـامُ



رفع الله ذكره بين العالمين قال جلا وعلا : ( ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك ) ..
لقد رفع الله ذكره في العالمين .. فانتفض الملايين تصديقاً لهذا الشرف العظيم ..

إن أعظم سيرة هي سيرته ، وأعظمَ تاريخ هو تاريخه ، طالعوا سلمه وحربه ، أمنه وخوفه، غناه وفقره ، سروره وغضبه ..
صفحة بيضاءُ نقية ، وسيرة أخّاذةٌ زكية ،
.
من نبع هديك تُستقـى الأنـوار وإلى ضيائك تنتمـي الأقمـارُ
ربُّ العباد حباك أعظـم نعمـةٍ دينـا يعـز بعـزه الأخـيـارُ
حُفظت بك الأخلاق بعد ضياعها وتسامقت في روضها الأشجار
لو أطلق الكون الفسيح لسانَـه لَسَرَتْ إليك بمدحـه الأشعـارُ
لو قيل من خير العباد لـرددتْ أصوات من سمعوا هو المختارُ
ما أنت إلا الشمس يملأُ نورُهـا آفاقَنـا مهمـا أثـيـر غـبـارُ



إن الرسول
نورٌ ملأ الأرض نوراً ، وضياءٌ عمَّ الناسَ ضياءً ، وصفه ربه فأحسن وصفَه :
من أنْفَسِ الناس ، رؤوف رحيم ، رفيق بالمؤمنين : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) .
جم التواضع : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) [ الأنعام : 50 ] .
رحيم القلب لطيف المعاملة : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ).
وعده ربه بالرضا : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) .
وجعله أمنة للأمة من العذاب : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) [ الأنفال : 33 ] .
نصره الله بالرعب : ( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) [ آل عمران : 151 ] .
ونصره بالريح : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً ) [ الأحزاب : 9 ] .

لقد كان محمد
هداية للناس بعثه الله لإنقاذ البشرية وإخراجهم من الظلمات إلى النور ..
كان الناس في ظلام دامس وضلال بعيد ، أصنام تعبد ، وأوثان تقدس ، قطع للأرحام ، وإساءة للجار ، ووأد للبنات ، وظلم للزوجات ، وعقوق للآباء والأمهات ، حروب طاحنة ، وزعامات طاغية ، وخرافات سائدة ، وأديان محرفة ..
اختاره الله تعالى خياراً من خيار من خيار .. نسبه أفضل النسب قرشي من بني عدنان من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، واختار له أفضل النساء وأزكاهن عند الله ، واختار له خير الصحب والآل ، وأفضل الأمكنة وأرفعها عنده
..
لقد أذن الله للبشرية أن ترى النور ببعثته
:
ولد الهـدى فالكائنـات ضيـاءُ وفـم الزمـان تبسـم وثـنـاءُ
الروح والملأ الملائـك حولـه للديـن والدنيـا بـه بـشـراء
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا منهـا ومـا يتعشـق الكبـراء
زانتك في الخُلقِ العظيم شمائل يُغرى بهـن ويولـع الكرمـاء



إذا كان لكل أمة أن تفتخر بالقادات والعظماء ، فإننا أمام أعظم قائد وأفضل متبوع .. عليه الصلاة والسلام ...
[ أي عبارة تحيط ببعض نواحي تلك العظمة النبوية، وأي كلمة تتسع لأقطار هذه العظمة التي شملت كل قطر، وأحاطت بكل عصر، وكُتب لها الخلود أبد الدهر، وأي خطبة تكشف لك عن أسرارها وإن كُتبت بحروف من النور، وكان مدادها أشعة الشمس.
إنها العظمة الماثلة في كل قلب، المستقرة في كل نفس، يستشعرها القريب والبعيد، ويعترف بها العدو والصديق، وتهتف بها أعواد المنابر، وتهتز لها ذوائب المنائر.

ألـم تـر أن الله خلَّـد ذكـره إذ قال في الخمس المؤذن: أشهد
وشقّ لـه مـن اسمـه ليجلـه فذو العرش محمود وهذا محمد


"إنه النبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث الكمال الخُلقي بالذروة التي لا تُنال، والسمو الذي لا يُسامى، أوفر الناس عقلاً، وأسداهم رأيًا، وأصحهم فكرةً، أسخى القوم يدًا، وأنداهم راحة، وأجودهم نفسًا أجود بالخير من الريح المرسلة، يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر، يبيت على الطوى وقد وُهب المئين، وجاد بالآلاف، لا يحبس شيئًا وينادي صاحبه: "أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً".

أرحب الناس صدرًا، وأوسعهم حلمًا، يحلم على من جهل عليه، ولا يزيده جهل الجاهلين إلا أخذًا بالعفو وأمرًا بالمعروف، يمسك بغرة النصر وينادي أسراه في كرم وإباء: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
أعظم الناس تواضعًا، يُخالط الفقير والمسكين، ويُجالس الشيخ والأرملة، وتذهب به الجارية إلى أقصى سكك المدينة فيذهب معها ويقضي حاجتها، ولا يتميز عن أصحابه بمظهر من مظاهر العظمة ولا برسم من رسوم الظهور
ألين الناس عريكةً وأسهلهم طبعًا، ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مُحرمًا، أحزمهم عند الواجب وأشدهم مع الحق، لا يغضب لنفسه، فإذا انتُهِكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء، وكأنما يُفقأ في وجهه حب الرمان من شدة الغضب.

أشجع الناس قلبًا وأقواهم إرادةً، يتلقى الناس بثبات وصبر، يخوض الغمار ويُنادي بأعلى صوته:
"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"
هو من شجاعة القلب بالمنزلة التي تجعل أصحابه إذا اشتد البأس يتقون به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن قوة الإرادة بالمنزلة التي لا ينثني معها عن واجب، ولا يلين في حق، ولا يتردد ولا يضعف أمام شدة .

أعف الناس لسانًا، وأوضحهم بيانًا ، يسوق الألفاظ مُفصلة كالدر مشرقة كالنور، طاهر كالفضيلة في أسمى مراتب العفة وصدق اللهجة
أعدلهم في الحكومة وأعظمهم إنصافًا في الخصومة يَقِيدُ من نفسه ويقضي لخصمه، يقيم الحدود على أقرب الناس، ويقسم بالذي نفسُه بيده: " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ".
أسمى الخليقة روحًا، وأعلاها نفسًا، وأزكاها وأعرفها بالله ، وأشدها صلابة وقيامًا بحقه، وأقومها بفروض العبادة ولوازم الطاعة، مع تناسق في أداء الواجبات ، واستيعاب لقضاء الحقوق ، يُؤتي كل ذي حق حقه، أزهد الناس في المادة وأبعدهم عن التعلق بعرض هذه الدنيا، يَطعم ما يُقدم إليه فلا يرد موجوداً ولا يتكلف مفقودا ، ينام على الحصير والأدم المحشو بالليف .

قضى زهرة شبابه مع امرأة من قريش تكبره بخمس عشرة سنة، قد تزوجت من قبله وقضت زهرة شبابها مع غيره ، ولم يتزوج معها أحدًا وما تزوج بعدها لمتعة، وما كان في أزواجه الطاهرات بكرًا غير عائشة التي أعرس بها وسنها تسع سنين.

أرفق الناس بالضعفاء وأعظمهم رحمة بالمساكين والبائسين، شملت رحمته وعطفه الإنسان والحيوان، يحذر أصحابه، فيقول لهم: "إن امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".
لو لم يكن للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل هداية السماء إلى الأرض، وإيصال هذا القرآنِ الكريم إلى العالم لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره، ولا تقوم الإنسانية بكفائه، ولا يُوفى الناس حامله بعض جزائه.
ذلك قبس من نور النبوة، وشعاع من مشكاة الخلق المحمدي الطاهر، وإن في القول بعد لسعة وفي المقام تفصيلاً.
وسل التاريخ ينبئك هل مر به عظيم أعظم من النبي محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فقد عُصم من النقائص، وعلا عن الهفوات، وجلّ مقامه عن أن تلصق به هفوة.
خُلقتَ مُبرءًا من كل عيب كأنك قد خُلقت كما تشاء"(1).

وذكـرك يـا رسـول الله زاد تضـاء بـه أساريـر الحيـاة
وما لجنان عدن مـن طريـق بغيـر هـداك ياعلـم الهـداة
ولم تنطق عن الأهـواء يومـاً وروح القدس منك على صلات
عليك صـلاة ربـك ماتجلـى ضياء واعتلى صـوت الهـداة
يحاراللفظ في نجواك عجـزا وفي القلب اتقـاد الموريـات
ولوسُفكـت دمانـا ماقضينـا وفاءك والحقـوق الواجبـات


وإن من أعظم البلاء للأمة المحمدية أن تستهدف في دينها وعقيدتها ، وفي نبيها الكريم عليه الصلاة والسلام بالطعن والقدح ..
و إن ما حدث من اعتداء بابا الفاتيكان على النبي الكريم عليه الصلاة والسلام له دلالات مهمة ينبغي أن تعلم وتدرس ومنها :
أولاً : صدق القرآن ومن جاء به : لقد ذكر القرآن حقائق عظيمة يجب الإيمان بها ومن تلك الحقائق استمرار حقد اليهود والنصارى على الأمة الإسلامية ولو تبدلت الأجيال والأساليب قال تعالى : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) ..
كما ذكر القرآن حقيقة عظمى في رفعة هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام قال تعالى: ( ورفعنا لك ذكرك ) إن العجب ليتملك المرء وهو يرى اليوم دولاً كبرى تتحالف ورؤساء يصرحون ، وقنوات العالم كله تتناول هذا الحدث وملايين البشر يسيرون مسلمين وكفاراً محتجين ، دماء تنزف ومؤسسات تعقد ، كلها لأجل مَنْ ، إنها تدافع عن رجلٍ ولد قبل 1400 عام إنه الرفع في الذكر المذكور في القرآن ، ليزداد الذين آمنوا إيماناً ..

ثانياً: ومن الدلالات التي ينبغي معرفتها لهذا الحدث : أنه ينبغي استغلال الحدث في نشر سيرة النبي
وتعليمها والتأمل في جوانب عظمته والإكثار من ذكره في المجالس ، وقراءة الكتب التي تحكي سيرته . وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً عظيماً ..
ومن المهم أن يعلم أولئك المتورطون مكانته عليه الصلاة والسلام بين أمة الإسلام بجميع الطرق المشروعة ..
وبعد فقد قال تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذباً مهيناً )..
وقال تعالى في الحديث القدسي : ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) ومحمد
هو خير الأولياء وأعظمهم ..
فاللهم حارب من حاربه وأذل من عاداه ..
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
وللحديث بقية ...
ــــــــــــــ
(1) اقتباس من خطبة للشيخ محمد المنجد .