سِلْسِلَة مُحَاضَرَات الشرح النفيس علي الباعث الحثيث الْشَّيْخ الحويني
سِلْسِلَة مُحَاضَرَات


الشرح النفيس علي الباعث الحثيث


فَضِيْلَة الْشَّيْخ


أَبِي إِسْحَاق الْحُوَيْنِي


حَفِظَه الْلَّه


الدرس الأول


فهذا هو الدرس الأول من الشرح النفيس لعلوم الحديث ، وبداية لابد أن نعرف أهمية هذا العلم ، ولماذا اشتدت الحاجة إليه في هذا الزمان ثم ماهية هذا العلم وحدوده وقوانينه ، ثم نذكر بعد ذلك الطريقة المثلى لتحصيل هذا العلم والنبوغ فيه .
أسباب الحاجة الشديدة لعلم مصطلح الحديث: فأنا لا أعلم زمانًا اشتدت فيه الحاجة إلى هذا العلم مثل هذا الزمان ، وذلك بسبب التطاول من الجهلة على المصادر الأصلية التي هي عمود الإسلام ، فإننا نعلم أن الله- سبحانه وتعالى- أنزل الكتاب على نبينا- صلي الله عليه وسلم- وأمره بتبليغ الكتاب وبيان معناه ، ففي القرءان أشياء كثيرة مجملة بينها رسول الله- صلي الله عليه وسلم- بالتفصيل ، وكانت منزلة السنة بالنسبة للقرآن بمنزلة المبين للمجمل قال تعالي:﴿ وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ ﴾(النحل:64).
الرد علي القرآنيين الذين يقولون نعتمد علي القرآن وحده: فالجماعة الذين ظهروا وسموا أنفسهم بالقرآنيين ويقولون نعتمد على القرءان وحده هؤلاء قصدوا تضييع القرءان ، وهؤلاء هم أعداء القرءان على الحقيقة ، لأن السنة النبوية بينت القرءان ،حتى لو افترضنا جدلًا أن الآية قد تحتمل معنى أو معنيين من خلال الأحاديث ، فإن هؤلاء يقولون نفسر القرءان ونأخذه بلسان العرب .
مثال يوضح أن العربية لا تكفي لمعرفة مراد الله: ومعلوم عند أهل العلم أن العربية وحدها لا تكفي لمعرفة مراد الله تعالى ، ففي الصحيحين من حديث بن مسعود- رضي الله عنه- لما نزل قوله تبارك وتعالي:﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(الأنعام:82)، شق ذلك على أصحاب النبي- صلي الله عليه وسلم- وجاءوا فقالوا: يا رسول الله أينا لم يلبس إيمانه بظلم "، وهذا هو المفهوم العربي أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، وهذه قاعدة في العربية ، وقاعدة في أصول الفقه أيضًا ، ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ ﴾ ، (وَلَمْ) هذا حرف النفي ، ﴿ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ ، هذا ظلم نكرة ،فأي نكرةٍ جاءت بعد نفي تفيد العموم ، فمعنى الكلام:﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ ﴾ بأي ظلم كان مهما كان دقيقًا جليلًا ، فشملت كل أنواع الظلم ، حتى لو أنك عبثت في وجه أخيك ، لو أنك لم ترد عليه بالحسنى . لو فعلت أي شيء من المظالم ، ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾(الزلزلة:7)، فمثقال الذرة هذا داخل في معنى ظلم ، فأتوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالوا أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم ، قال ليس كذلك .
إذًا ما هو مراد الله- عز وجل- ؟ليس مراد الله- عز وجل- ما فهموه من ظاهر العربية ، قال ليس كذلك ، ألم تسمعوا قول العبد الصالح:﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(لقمان:13)، فهذا هو الظلم ، فلا تكفي العربية وحدها
فإن مراد الله- عز وجل- لا يتضح باللغة وحدها : واللغة مهمة ، لكن لا يتضح باللغة وحدها ، لكن الذي بين لنا مراد الله- تبارك وتعالى – هو رسول الله- صلي الله عليه وآله وسلم- . فجاء هؤلاء ولم يحترموا التخصص في العلوم ، يحترمون التخصص في كل شيء إلا في الدين ، فيعرضون المرويات على عقولهم ويتجاوزون قانون الرواية ، الشبهات التي يطرحونها الآن بعضها قديم ، أو جلها قديم ، ولكن في الزمان السالف كان أهل العلم كثرة فلا يستطع المبتدع أن يجهر ببدعته ، وإن جهر وجد ألوفًا يردون عليه ، أما في زماننا هذا فقل المحسنون لهذا العلم بحيث أنه لو مات واحدً من المحسنين لظل مكانه شاغرًا دهرًا من الدهور حتى يملأه إنسان .
الشَيخ الأَلبَاني– رَحِمَهُ اللهُ-:صاحب مدرسة في الحديث وفي التخريج وفي النقد على نهج القدامى ، وهو في اعتقادي أول من طول في النقد من المعاصرين .
الشيخ أَحمد شَاكر:- رحمة الله عليه- وكان له نفس ، لكن لم يكن عند الشيخ أحمد شاكر من الكتب الحديثية ما يعينه على أن يخرج موهبته كلها ، بحيث أنه لم يرى أغلب الكتب التي بين يدي طلبة العلم الآن مصنف عبد الرزاق لم يره بعينيه ولا مصنف بن أبي شيبة ، بل موارد الظمآن إلى زوائد بن حبان لم يره بعينيه ، وقال: لو ظفرنا بهذا الكتاب لكان نافعًا لنا في إخراج صحيح بن حبان , وأخرج من صحيح بن حبان جزءًا واحدًا تقريبًا مائة وثمانية وعشرون حديثًا ولم يطل عمره حتى يخرج الذي عنده ، حتى في مسند الإمام أحمد ، في تخريجه لمسند أحمد ترى أن نفسه يزداد وبدأ يظهر إلى حد ما بعد نصف الكتاب تقريبًا ، إنما في أول كان يقول مثلًا وأخرجه أصحاب السنن كما في المنتقى لابن تيمية ، السنن موجودة والسنن مطبوعة ، فكيف يشير على السنن بواسطة ؟ لم تكن هناك فهارس علمية ، والكتب كنوز مغلقة لا تفتح إلا بالفهارس .لأن مسألة الحفظ انتهى زمانها ، وصرنا الآن نعتمد علي الأفراد والفهارس في الوصول إلى الحديث ، فلأجل أن يصل مثلًا إلى حديث رواه أصحاب الكتب التسعة ، الستة: البخاري ومسلم والنسائي وأبي داود والترمذي وبن ماجه والدارمي والموطأ وأحمد ، وهذه هي الكتب التسعة فضلًا عن الدار قطني أو البيهقي ، وتدخل على الطحاوي في كتبه شرح معاني الآثار ؟أو مشكل الآثار ، أو بن خزيمة الذي لم يره بعينيه ، لأن بن خزيمة طبع من حوالي ثلاثة عشر أو أربعة عشر أو خمسة عشر سنة فقط لم يرى هذه الكتب ، لو أن هذا الحديث في هذه الكتب التسعة وأنت أحببت أن تخرجه من هذه الكتب بدون فهارس يلزمك أن تقرأ الكتاب كله لتخرج هذا الحديث من الكتاب ، أي أنني كلما أردت أن أخرج حديث من الكتب التسعة أقرأ الكتب التسعة ، هذه مسألة لا تطاق ، فلم يكن عنده الفهارس العلمية التي هي عندنا ، فلو كان موجودًا عنده من الكتب كما هو عندنا الآن لرأيت شيئًا عجيبًا .
لتحميل السلسلة كاملة ولاتنسو ا اختكم من دعوة بظهر الغيب
http://tafregh.a146.com/play.php?catsmktba=243