الحمدُ للهِ وَحْدَهُ، والصلاةُ والسلامُ على منْ لا نبيَّ بعدَهُ,


فبعدَ أنْ يُحاولَ المسلم نَفْضَ الغُبَار الذي عليهِ مُنْذُ سِنينَ طويلة مُحَاوِلاً البَدْء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وبعدَ أنْ قرأَ الآيات والأحاديث في الترغيب في القيامِ به والترهيب منْ تَركه، يَجِدُ الكثير والكثير من الخير يَعْتَاد الناس على تركِه والاستهانةِ به،


فحينما يَخرُج مَثلاً إلى صلاةِ الجَمَاعَة في إحدى المساجد يَجِد العشرات منَ الواقفين والجالسين في الطرُقات غير مُهتمِّينَ بالصلاةِ أصلاً، ظنَّ في واقعِ الأمرِ أنَّ الأمرَ مُقتصرٌ على شخصٍ أو شخصين، فإذا بالأمرِ قد اتسعَ وعَظم،


فيسأل نفسه عِدَّة أسئلة:


كيف أبدأ؟ ولماذا أبدأ؟ وما الفائدة في فِعْلِ ذلك؟ ولا مُعِين على ذلك؟ الأمر عظيم، إذن أسكُت، فلا قُدوة أقتدي بها، ولا مُشارِك يُعين على ذلك. فَعَلَيَّ الذهاب إلى المسجدِ ولا أتكلم مع هؤلاء الناس.لكنْ فقط أَدْعُوا اللهَ لهم في صلاتي أنْ يَهْدِيَهُم.


هذا حالُ كثيرٍ مِنَّا إلا منْ رحمَ الله، لا زالتِ السلبية فيهم، وحينما يَنشطُ أحدهم إلى التحركِ ومُـخاطبة هؤلاء الناس بالمعروف، يظنُّ أنه في مَوقِفِهِ هذا مُـخطئ، وأنَّ عليهِ الذهاب إلى الصلاةِ وتركهم وشأنهم، بِحُجَّةِ أنَّ الأمرَ كبيرٌ عليهِ وعليهم، وأنَّ اللهَ لا يُكلف نَفساً إلاَّ وُسْعَها.


ولكنْ مَنْ تَحَرَّكَ في سبيلِ اللهِ لا يُوقِفُهُ أيّ شيء، ولا يخذله عن القيامِ بِواجبه أيّ إنسان، فلا بدّ منَ البدايةِ الصعبة لتذليلها للآخرين، قال r]لا تزال طائفةٌ منْ أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون). وعنِ الفُضيْل قال: قال أبو حازم:اشتدتْ مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة، فأمَّا مؤونة الآخرة: فإنكَ لا تَجد لها أعواناً، وأمَّا مؤونة الدنيا: فإنك لا تَضرب بيدك إلى شيء منها إلا وجدتَ فاجراً قد سبقكَ إليها.


وتذكرْ مَقولة العلماء والدعاة إلى الله:(اثبَتْ وَلوْ كُنْتَ وَحدَك).


فما عليكَ إلا بالأمرِ،(والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)،فهذا كلّ ما تَقدر عليه، واعلم أنَّ بدايةَ تَحَرُّكِكَ لها إيجَابِيَّات كثيرة والتي منها: تَحرك الآخرين بِتحرككَ، وزيادة المعروف وتقليل المنكر، واستجابة الناس لكَ لأنَّ اللهَ معكَ حينَ تَنصره، ومحبة اللهِ لكَ، وتحسين صورة أهلِ الحقّ بأنهم يَخافون على الناسِ ويتمنون الخير لهم.


فلا بدَّ أنْ نبدأَ ولو مِنَ الصِّفْرِ وهكذا قامتْ دَعوات الأنبياء والمُصْلِحِينَ..