المعنى، الكيف، المراد، الظاهر : ما الفرق؟
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: المعنى، الكيف، المراد، الظاهر : ما الفرق؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    24

    افتراضي المعنى، الكيف، المراد، الظاهر : ما الفرق؟

    السلام عليكم

    ما الفرق بين تفويض المعنى و تفويض الكيفية و أين (الحمل على الظاهر) من مذهب السلف هل هو عين مذهب السلف أم عدمه هو مذهب السلف؟ و هل عندما يقال (الحمل على الظاهر) يُراد به المعنى و الكيف؟

    قرأت بعضا من كتاب (أهل السنة الأشاعرة) يقرّر فيه كاتباه (حمد السنان و فوزى العنجرى) أمورا كثيرة من ضمنها أن الأشعري مرّ بمرحلتين في حياته الاعتزال ثم مذهب أهل السنّة و أن مذهب ابن كلاب (و الأشعري) هو عين مذهب السلف في الصفات، و أن مذهب السلف هو التفويض و أنه لا معنى لتفويض الكيفية مع إبقاء المعنى و في هذا الصدد يقولان : ((هذه النصوص المتشابهة في الصفات إما أن تُثبت أو تُنفى، ونفيها تعطيل ظاهر، لأنه نفيٌ لما أثبت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والإثبات إما أن يكون معه حمل الكلام على ظاهره وحقيقته التي يعهدها البشر، أو يصرف الكلام معه عن هذا الظاهر وهذه الحقيقة، والأول نعني حملَ الكلام على الظاهر والحقيقة يفضي قطعاً إلى التشبيه، لأن حقائق وظواهر هذه الألفاظ أجسام وكيفيات مخلوقة، والله تعالى منزه عنها.

    ولا يقال: نحملها على الظاهر ونفوض العلم بالكيفية إلى الله تعالى.

    لأن هذا القول تناقض صريح أوقعت فيه الغفلة، إذ ليس من ظاهر ولا حقيـقة هنـا إلا الجسم، وهذا لا يصح قطعاً وصف الله تعالى به.))

    و يستدلان بأقوال لأهل العلم منها : قول الترمذي : ((والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه)) و علّقا عليه قائلين : ((وقوله (يؤمن بها) إثبات لها، وبه يفارقون أصحاب التعطيل، وقوله (ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف) تفويض لله تعالى في معانيها، وقوله (ولا يقال كيف) أي بلا استفسار عن معانيها، أو تعيين المراد بها، وبه يفارقون أصحاب التشبيه.))

    و منها قول عدي بن مسافر : ((وتقرير مذهب السلف كما جاء من غير تمثيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا حمل على الظاهر))

    و نقول أخرى عن النووي و ابن الجوزي و ابن حجر و الأوزاعي رواية عن البيهقي ثم قالا : ((هذه نصوص صريحة في إثبات التفويض للسلف الصالح لا سبيل إلى إنكارها أو حملها على معاني أخرى لا تتفق وجلالة أقدارهم وتنزيههم للباري سبحانه، كمن ينسب لهم إثبات الحقائق الظاهرة المتعارف عليها بين البشر وتفويض كيفياتها لله تعالى، فيقول إنهم يثبتون المعنى الحقيقي ويفوضـون الكيف، وقائل هذا لا يدري ما يقول، وقد جره إلى هذا الفهم عبـارة (بلا كيف) التي كثيراً ما ترد على ألسنة السلف عند الكلام على النصوص المتشابهة، ففهم منها أنهم يثبتون المعنى الحقيقي ويفوضون الكيف، وهذا فهم باطل، بل هي عبارةٌ المقصودُ منها زجرُ السائل عن البحث والتقصِّي، لا إثبات المعنى الحقيقي وتفويض الكيف!!))

    ثمّ نبّها إلى التساؤل الذي يلزم من تفويض المعنى و هو هل تكون الآيات الممرّرة كما جاءت من قبيل الحروف الأعجمية التي لا معنى لها فقالا : ((هل كان السلف يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة؟ أم أنها بالنسبة لهم كالحروف التي في أوائل السور؟

    وإذا كانوا يدركون لها معنى، كيف يُوفَّق بين إدراكهم هذا وبين ما مرَّ من تفسير الإمرار بأنه عدم العلم بالمراد؟

    يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تعارض بين إدراك معاني هذا النصوص وبين إمرارها الذي هو عدم العلم بالمراد منها، وفي الحقيقة ليس ثمة أي تعارض بين الأمرين، فالمقصود بعدم العلم بالمراد الذي فُسِّر به الإمرار هو عدم العلم بالمراد تفصيلاً وعلى سبيل القطع والتحديد، وهذا لا يقتضي عدم علمهم بالمراد إجمالاً.

    مثال على هذا قوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان ) يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود المطلق والعطاء الذي لا ينقطع اللائق بصفة الرب تعالى، أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية فبعد استبعاد المعنى الظاهر المتبادر من إطلاقه وهو الحقيقة اللغوية التي وضع اللفظ ليدلَّ عليها بين المخلوقين وهي الجارحة، نقول بعد استبعاد هذه الحقيقة احتمل اللفظ عدة معانٍ مجازية، ولهذا الاحتمال توقف جمهور السلف عن التعيين والقطع بأحدها، وهذا هو معنى عدم علمهم بالمراد لا أنهم لا يفهمون لهذه النصوص أي معنى، تعالى الله أن يخاطب الناس بما لا يُفهم. ))


    لا أدري هل هما يزعمان كل هذا مع اقتناعهما به و فهمهما لهذه المسائل على هذا الوجه أم لا. في كل الأحوال أظن أنه من المهم تحرير المراد من (أمرّوها كما جاءت) و من (بلا كيف)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    579

    افتراضي رد: المعنى، الكيف، المراد، الظاهر : ما الفرق؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد بن عبد الجليل مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم
    وعليكم السلام ورحمة الله.
    ما الفرق بين تفويض المعنى و تفويض الكيفية و أين (الحمل على الظاهر) من مذهب السلف هل هو عين مذهب السلف أم عدمه هو مذهب السلف؟ و هل عندما يقال (الحمل على الظاهر) يُراد به المعنى و الكيف؟
    أخي الكريم أحمد بارك الله فيك, تفويض المعنى هو (أننا لانفهم معنى أسماء الله وصفاته فنكل معناها إلى الله, فلا ندري معنى سميع ولا بصير وهكذا), أما تفويض الكيفية فهو (أننا لاندرك كيفية ذات الله المقدسة ولانستطيع أن نحيط به علما), بالتالي يتوضح لك أن هناك فرق كبير بين التفويضين فالأول دلت عليه نصوص الكتاب والسنة بإثباته مثل قوله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ولايعقل أن يدعو الانسان ربه بإسم لايعرف معناه وهل كونه يدل على مايريد من دعاء أو لا,فإذا أراد مغفرة الذنوب لايستطيع حسب زعم الذين يقولون أنها أسماء لاتعرف معانيها أن يدعوه باسم الغفار أو الغفور لأنه لايدري هل يدل هذا الإسم على هذا المعنى أو لا, أما من السنة فقد ورد أن النبي تلى آية من كتاب الله آخرها (سميعا بصيرا) فوضع إصبعيه السبابة والإبهام على عينه وأذنه وفي هذا بيان لمعنى الصفة ولكن مع عدم المماثلة, أما تفويض الكيفية فإن الله قد بين لنا في كتابه أنه (ولايحيطون به علما), وأنه (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار), بالتالي حمل المعنى على الظاهر والذي ورد عن السلف الصالح هو معرفة معنى الأسماء والصفات وتفويض كيفيتها إلى الله بحسب مابينتُ في أعلاه.
    قرأت بعضا من كتاب (أهل السنة الأشاعرة) يقرّر فيه كاتباه (حمد السنان و فوزى العنجرى) أمورا كثيرة من ضمنها أن الأشعري مرّ بمرحلتين في حياته الاعتزال ثم مذهب أهل السنّة و أن مذهب ابن كلاب (و الأشعري) هو عين مذهب السلف في الصفات، و أن مذهب السلف هو التفويض و أنه لا معنى لتفويض الكيفية مع إبقاء المعنى و في هذا الصدد يقولان : ((هذه النصوص المتشابهة في الصفات إما أن تُثبت أو تُنفى، ونفيها تعطيل ظاهر، لأنه نفيٌ لما أثبت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والإثبات إما أن يكون معه حمل الكلام على ظاهره وحقيقته التي يعهدها البشر، أو يصرف الكلام معه عن هذا الظاهر وهذه الحقيقة، والأول نعني حملَ الكلام على الظاهر والحقيقة يفضي قطعاً إلى التشبيه، لأن حقائق وظواهر هذه الألفاظ أجسام وكيفيات مخلوقة، والله تعالى منزه عنها.
    أخي الكريم الأشعري مر بثلاث مراحل الثالثة هي رجوعه الى مذهب أهل السنة والجماعة وبإمكانك الرجوع الى كتاب الإبانة الذي ألفه أبو الحسن الأشعري بشهادة أقرب تلاميذه مثل إبن عساكر, وأهل السنة يثبتون ماأثبته الله لنفسه وينفون عنه ما نفاه عن نفسه وقد بينتُ لك أنهم يثبتون الأسماء وما تضمنت من صفات ومعاني على ما يليق بالله سبحانه وتعالى وينفون معرفة الكيفية لأن الله لم يخبرهم عنها وكما ذكرتُ في الأدلة أعلاه.
    ولا يقال: نحملها على الظاهر ونفوض العلم بالكيفية إلى الله تعالى.
    لأن هذا القول تناقض صريح أوقعت فيه الغفلة، إذ ليس من ظاهر ولا حقيـقة هنـا إلا الجسم، وهذا لا يصح قطعاً وصف الله تعالى به.))
    هؤلاء أخي الكريم أرادوا أن يفروا من التشبيه فوقعوا في التعطيل, وأهل السنة وسط فيقولون أن الله سميع لايماثل مخلوقاته كما أن ذاته لاتماثل ذوات مخلوقاته, ونقول لهم هل تثبتون لله ذات ليست كمثل الذوات من المخلوقين فإن نفوا كفروا وإن قالوا نعم فنقول فكذلك أثبتوا لله صفات ليست كمثل صفات المخلوقين.
    و يستدلان بأقوال لأهل العلم منها : قول الترمذي : ((والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه)) و علّقا عليه قائلين : ((وقوله (يؤمن بها) إثبات لها، وبه يفارقون أصحاب التعطيل، وقوله (ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف) تفويض لله تعالى في معانيها، وقوله (ولا يقال كيف) أي بلا استفسار عن معانيها، أو تعيين المراد بها، وبه يفارقون أصحاب التشبيه.))
    و منها قول عدي بن مسافر : ((وتقرير مذهب السلف كما جاء من غير تمثيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا حمل على الظاهر))
    و نقول أخرى عن النووي و ابن الجوزي و ابن حجر و الأوزاعي رواية عن البيهقي ثم قالا : ((هذه نصوص صريحة في إثبات التفويض للسلف الصالح لا سبيل إلى إنكارها أو حملها على معاني أخرى لا تتفق وجلالة أقدارهم وتنزيههم للباري سبحانه، كمن ينسب لهم إثبات الحقائق الظاهرة المتعارف عليها بين البشر وتفويض كيفياتها لله تعالى، فيقول إنهم يثبتون المعنى الحقيقي ويفوضـون الكيف، وقائل هذا لا يدري ما يقول، وقد جره إلى هذا الفهم عبـارة (بلا كيف) التي كثيراً ما ترد على ألسنة السلف عند الكلام على النصوص المتشابهة، ففهم منها أنهم يثبتون المعنى الحقيقي ويفوضون الكيف، وهذا فهم باطل، بل هي عبارةٌ المقصودُ منها زجرُ السائل عن البحث والتقصِّي، لا إثبات المعنى الحقيقي وتفويض الكيف!!))
    ثمّ نبّها إلى التساؤل الذي يلزم من تفويض المعنى و هو هل تكون الآيات الممرّرة كما جاءت من قبيل الحروف الأعجمية التي لا معنى لها فقالا : ((هل كان السلف يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة؟ أم أنها بالنسبة لهم كالحروف التي في أوائل السور؟
    وإذا كانوا يدركون لها معنى، كيف يُوفَّق بين إدراكهم هذا وبين ما مرَّ من تفسير الإمرار بأنه عدم العلم بالمراد؟
    أخي الكريم إمرارها على ظاهرها أي على المعنى الذي فهموه من كلام العرب والقرآن نزل بلسان عربي مبين فكما فهموا أنه (سميع بصير) فهموا أيضا أنه (ليس كمثله شيء), فاثبتوا له الاسم والصفة المتضمنة للمعنى من غير مماثلة لخلقه, ممكن نقرب المعنى نقول للفيل أذن يسمع بها وللإنسان أذن يسمع بها ولكن هل يتشابهان في السمع وهما مخلوقان, فكذلك الخالق جل جلاله, هناك قاعدة مفيدة تنفعك بإذن الله وهي (الكلام عن الصفات فرع عن الكلام عن الذات فكما نثبت لله ذات نثبت له صفات), وكما أن لله ذات تليق به فله صفات تليق به.
    يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تعارض بين إدراك معاني هذا النصوص وبين إمرارها الذي هو عدم العلم بالمراد منها، وفي الحقيقة ليس ثمة أي تعارض بين الأمرين، فالمقصود بعدم العلم بالمراد الذي فُسِّر به الإمرار هو عدم العلم بالمراد تفصيلاً وعلى سبيل القطع والتحديد، وهذا لا يقتضي عدم علمهم بالمراد إجمالاً.
    مثال على هذا قوله تعالى ( بل يداه مبسوطتان ) يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود المطلق والعطاء الذي لا ينقطع اللائق بصفة الرب تعالى، أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية فبعد استبعاد المعنى الظاهر المتبادر من إطلاقه وهو الحقيقة اللغوية التي وضع اللفظ ليدلَّ عليها بين المخلوقين وهي الجارحة، نقول بعد استبعاد هذه الحقيقة احتمل اللفظ عدة معانٍ مجازية، ولهذا الاحتمال توقف جمهور السلف عن التعيين والقطع بأحدها، وهذا هو معنى عدم علمهم بالمراد لا أنهم لا يفهمون لهذه النصوص أي معنى، تعالى الله أن يخاطب الناس بما لا يُفهم. ))
    أهل السنة يفهمون من النص أن لله يدان تليقان به كما بينا أعلاه فهو جل جلاله أعلم بنفسه, فنثبت ما أثبته لنفسه من غير تمثيل ولا تعطيل ولاتكييف ونثبت ما تضمنه النص من سعة خزائن الله التي لاينقصها عطاء كما ورد في الحديث (لو أن أولكم وآخركم قاموا في صعيد واحد فسألوني فاعطيت كل سائل مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا).أنصحك أخي الكريم بالرجوع الى كتاب شرح العقيدة الواسطية للشيخ العثيمين رحمه الله ففيها كل ما تسأل عنه بإذن الله.
    لا أدري هل هما يزعمان كل هذا مع اقتناعهما به و فهمهما لهذه المسائل على هذا الوجه أم لا. في كل الأحوال أظن أنه من المهم تحرير المراد من (أمرّوها كما جاءت) و من (بلا كيف)
    والله أعلم.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    24

    افتراضي رد: المعنى، الكيف، المراد، الظاهر : ما الفرق؟

    بارك الله فيك يا أبا عبد العزيز و نفع بك

    و أحسب أن كثيرا من الناس يلتبس عليهم إثبات المعنى دون إثبات كيفيّة لأنّ العقل يسترسل في تصوّر المعاني لكن كما قلت أنت و كما قال العلماء، كما يثبت السمع و معنى السمع، على سبيل المثال، دون إثبات الكيفية فكذلك يثبت غيره من الصفات و الأفعال دون كيفيّة و الحمد لله.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2017
    المشاركات
    8

    افتراضي

    الكلام فيه الكثير من الخلط .. ليس مسلم لهم بقولهم معنى وضعي فليس في اللغة معنى وضعي و معنى محدث فكل ما ورد عن العرب هو حقيقة في سياقه و الله اعلى و اعلم

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,340

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد بن عبد الجليل مشاهدة المشاركة
    تحرير المراد من (أمرّوها كما جاءت) و من (بلا كيف)
    يذكرشيخ الإسلام سبب نشوء هذه الشبهة فيقول عن المفوضة: (هم طائفة من المنتسبين إلى السنة، وأتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول، فأعرضوا عنها جميعاً بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين، فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار, والوعد والوعيد إنها نصوص متشابهة لا يعلم معناها إلا الله تعالى وهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها، الأولى تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء, ولا الملائكة, ولا الصحابة, ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.
    الثانية تقول: بل تجري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلاً يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها.
    وهم أيضاً طائفتان؛ من حيث علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمعاني النصوص الأولى تقول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحاً يقطع النزاع، وهذا هو المشهور عنهم، والثانية تقول: وهم الأكابر منهم، أن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمها إلا الله، لا الرسول، ولا جبريل، ولا أحد من الصحابة، والتابعين, وعلماء الأمة، وعند الطائفتين أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل الثواب بتلاوتها، وقراءتها، من غير فقه، ولا فهم) .
    وقد اشتبه على بعض المعاصرين قول بعض السلف (أمرّوها كما جاءت) فظنوا أن هذا القول موافق لمذهب القائلين بالتفويض ويبطل شيخ الإسلام هذه الدعوى، فيقول: (والمقصود هنا التنبيه، على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم، والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى، ولا بياناً للناس, وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, وإلى السلف من الجهل كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة) ) .
    ثم ذكر قول الأوزاعي: (كنا والتابعون متوافرون، نقول إن الله تعالى ذكره، فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته)
    ونسب للأوزاعي, ومكحول, والزهري، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد قولهم عن الأخبار التي جاءت في الصفات, فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيف (8) ، فقولهم رضي الله عنهم: (أمروها كما جاءت) رداً على المعطلة، وقولهم: بلا كيف رداً على الممثلة، وكان مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: (قال عمر بن عبدالعزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تغييرها، ولا النظر في شيء خالفها, من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور, ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً) ) .
    وعندما سئل مالك بن أنس، عن الاستواء أثبت المعنى، وترك القول بالكيفية، فقد جاءه رجل، فقال: يا أبا عبدالله, الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5], كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، ثم أمر به أن يخرج ، فقول مالك وربيعة موافق لقول الباقين أمرّوها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم، وأيضاً فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية, إذا أثبت الصفات، وأيضاً فقولهم: أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية، لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير المراد, أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة, وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت, ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول ) .
    وقال أبو الفضل إسحاق بن أحمد بن غانم العلثي (ت634هـ) في رسالة إلى عبد الرحمن بن الجوزي ينكر عليه أشياء، ومن جملتها التأويل، وزعمه أن جماعة من السلف فوضوا معنى الصفات، قال: (ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى كأنها صدرت لا من صدر سكن فيه احتشام العلي العظيم، ولا أملاها قلب مليء بالهيبة والتعظيم، وزعمت أن طائفة من أهل السنة الأخيار تلقوها، وما فهموا وحاشاهم من ذلك بل كفوا عن الثرثرة، والتشدق، ولا عجزاً بحمد الله عن الجدال والخصام, ولا جهلاً بطرق الكلام, وإنما أمسكوا عن الخوض في ذلك عن علم ودراية لا عن جهل وعماية) .
    ويرى شيخ الإسلام أن القول بالتفويض يفضي إلى (القدح في الرب جلا وعلا وفي القرآن الكريم، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بأن يكن الله تعالى أنزل كلاماً لا يفهم, وأمر بتدبر ما لا يتدبر, وبعقل ما لا يعقل, وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم سبب لأنواع الاختلافات، والضلالات، بل يكون بينهم، وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا يكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر) .
    وهكذا تبدو لنا خطورة القول بالتفويض الذي رده علماء السلف، وجعلوه بدعة تقابل بدعة التأويل، وأن القول به هو إزراء بمقام النبوة، ومقام الصحابة، وسلف الأمة جمعاء؛ فهموا مراد ربهم، وعبدوه العبادة الحقة، وآمنوا بأسمائه، وصفاته كما جاءت في الكتاب والسنة، وهم فوق جميع أهل العقول، والأفهام لا يدانيهم في هذه المكانة أحد على الإطلاق كما قال الإمام الشافعي، رحمه الله، (إنهم فوقنا في كل عقل, وعلم، وفضل، وسبب ينال به علم, أو يدرك به صواب، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا) المصدر هنا----------------------------------وتفاسير السلف لمعاني صفات الله تعالى يدل بشكل قاطع على أن ما يقصدونه بإمرار الصفات تفويض الكيفية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، أما المعاني فإنهم كانوا يفهمونها ) .
    3- أما قولهم إن السلف لم يكونوا يفهمون من النصوص ما يدل على التجسيم، ولا أنَّ ذاته تعالى فوق العرش – وهذا في مسألة العلو والاستواء – فقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه منها:
    أ- "أحدها: أن يقال: فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص إثبات العلو على العالم والصفات، ولا يجوز أن يقال: ظواهر هذه النصوص غير مراد، ولا أنه قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية، فإنه إذا قدر أنها لا تدل على الإثبات – لا دلالة قطعية, ولا ظاهرة – بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه الإثبات.
    ومن المعلوم أن هذه خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة والنفاة, حتى من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان، فإنهم معترفون بما اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات الصفات...
    ب- "الوجه الثاني: أن يقال: التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان تبين أنهم إنما كانوا يفهمون منها الإثبات، بل والنقول المتواترة المستفيضة عن الصحابة والتابعين في غير التفسير موافقة للإثبات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين حرف واحد يوافق قول النفاة، ومن تدبر الكتب المصنفة في آثار الصحابة والتابعين بل المصنفة في السنة، من: كتاب (السنة والرد على الجهمية)، للأثرم، ولعبدالله ابن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسماعيل البخاري.... (وذكر شيخ الإسلام عددا كبيرا من أئمة السنة وكتبهم)... – رأى في ذلك من الآثار الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين ما يعلم معه بالإضطرار أن الصحابة والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها، وأنهم كانوا على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه على خلقه، المثبتين لرؤيته، القائلين بأنَّ القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه.
    وهذا يصير دليلاً من وجهين:
    أحدهما: من جهة إجماع السلف، فإنه يمتنع أن يجمعوا في الفروع على خطأ، فكيف في الأصول.
    الثاني: من جهة أنهم كانوا يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها، لا يفهمون منها ما يناقض ذلك... .
    ومما سبق يتبين أن السلف فهموا من نصوص العلو والاستواء الإثبات، وهذا يبطل قول القائلين بأنهم كانوا مفوضة.
    4- أما احتجاجهم بآية آل عمران والوقوف على قوله: إِلاَّ اللّهُ – فمعلوم أن هؤلاء المتكلمين رجحوا القراءة الأخرى بالوصل ليجيزوا لأنفسهم التأويل باصطلاحهم المتأخر، ومعلوم أن من وقف على لفظ الجلالة فإنهم قصدوا التأويل الذي هو الحقيقة والمآل، ومعلوم أن كيفية أسماء الله وصفاته هي من ذاته لا يعلمها إلا الله، وهو من باب تفويض الكيفية التي هي جزء من مذهب السلف في الصفات ، وقد سبق – في الفرع السابق – تفصيل القول في مسألة التأويل -.
    ومسألة التفويض مبنية على مسألة المتشابه، وما يتعلق بها مثل ما سبق تفصيل القول فيه من أنه لا يجوز أن يكون في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لنا إلى العلم به.
    والتفويض الذي زعمه هؤلاء يؤدي إلى أن لا نفهم كتاب الله, ولا نفرق بين آية وآية، وإنما نتلوه كالأعاجم الذين لا يعرفون العربية مطلقاً، وهذا مآله إلى الضلال والإلحاد.
    ولشيخ الإسلام ردود أخرى – مجملة – على أهل التفويض – ومن ذلك ما ذكره في أثناء ردوده على القائلين بتعارض العقل والنقل، وأن غاية ما ينتهون إليه في كلام الله ورسوله: هو التأويل أو التفويض، قال رادًّا عليهم:
    "وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن، عن فهمه, ومعرفته, وعقله؟
    وأيضا: فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلى النُّور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منَّا أن نعرف لا ظاهره، ولا باطنه، أو أريد منَّا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلى التقديرين لم نخاطب بما يبين فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر.
    وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا: أنه لم يبيِّن الحقَّ، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به, وأمرنا بإتباعه, والردِّ إليه لم يبين له الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منِّا أن لا نفهم الحق، ولا كشفه، بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منَّا أن لا نفهم منه شيئاً، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه – وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد" ، ثم ذكر أن هذا كان سبباً في استطالة الملاحدة على هؤلاء في مسائل المعاد وغيرها.--https://dorar.net/firq/267-

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •