بسم الله الرحمن الرحيم

بيت العنكبوت 2

د. إبراهيم الحمامي

تنسيق وترتيب د. خالد سعد النجار



أما بعد، ففي مقال العدد قبل الماضي كانت هناك عبارة في المقدمة تنبئ عن مرارة الواقع الذي نحياه، قلت فيها: "و في زمن الغربة التي نحياها الآن بات الذي يمس أي قضية من تلك القضايا الشرعية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وقضية تحكيم الشريعة) ليبين ما يحتاج الناس إلى بيانه فيها، كالذي دخل بيت العنكبوت أو سقط في شبكتها، كلما حاول أن يخلص نفسه منها زاد الأمر تعقيدًا.... هكذا تبدو الصورة .. ولكنها صورة مشوشة غير حقيقية ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 41)..... و أصبح الذي يريد السلامة إما أن يبتعد عن الخوض في هذه القضايا أصلاً، وإما أن ينعق مع الناعقين بأن من يخوض فيها من الخوارج، وقد صحَّح العلامة الألباني ما رواه الترمذي وأبو نعيم في الحلية -واللفظ للترمذي- أنه لما كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ"( ).... و لا ندري لصالح من تعمل العنكبوت؟!! ولا ما جاء بها إلينا؟!! ومن ثم كانت تلك الكلمات محاولة لتمزيق لتلك الخيوط الواهية بالأدلة الواضحة الشافية - إن شاء الله - ولا بد"، ولنذكر القضية الثانية - بعون الله - :
الجهاد في سبيل الله:

في زمن الغربة الثانية التي نحياها الآن بات المسلمون يُغار عليهم ولا يُغيرون، ويُغزَون ولا يَغزون، ومآسي أمتنا المكلومة لم تعد تنته، وأعداؤها يأكلون منها في كل يوم ... ولست أريد رثاءً ولا بكاءً ولا نحيبًا؛ إنما أريد أن ألفت النظر إلى أن بعض الأصوات داخل الصف بدأت تمج الجهاد وتثبط عنه بحجة أنه قتال غير شرعي؛ وسر عدم مشروعيته أنه ليس تحت راية واحدة، ولم يأذن فيه إمام، ومن ثم حكم بعضهم على المجاهدين بأنهم خوارج!!!
فإذا كان يقصد بالخوارج أنهم يخرجون على الحكام فلا بد من السؤال: خوارج على من؟!!
هل المجاهدون في فلسطين خوارج؟!! على من؟! على اليهودي؟! أم البهائي؟؟ هل المجاهدون في العراق وفي أفغانستان والشيشان خوارج؟!! على من؟! على من نصبته أمريكا أو روسيا ليعذب المسلمين ويغتصب المسلمات ويكون أداةً لإذلال أهل السنة في العراق؟!

فنقول: بيننا وبين من يجيب بنعم، حديث الصحيحين في وصف الخوارج عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :".....يَقْرَءُون َ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُ مْ قَتْلَ عَادٍ". فمن هم الذين " يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ "؟! المجاهدون أم المذكورون؟! وإذا كان يقصد أنهم خوارج لأنهم يكفرون مرتكب الكبيرة؛ فإننا لو افترضنا – جدلاً – أن هذا متحقق في بعضهم فإن ذلك يعني تنبيه المجاهدين لضرورة أن يكون الصف صحيح العقيدة، ونصحهم بأن يظهروا لكل المقاتلين ضرر الخوارج على المسلمين وأن تكفير المعين لا يتحقق إلا بالضوابط الشرعية من توفر الشروط وانتفاء الموانع وإلا فإنه قد ثبت في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ". ونحو هذه الوسائل التي تتحقق بها البراءة من هذه العقيدة الباطلة.... أما أن نسحب الحكم على جميع المجاهدين فإلى الله المشتكى! وأين من يفعل ذلك من قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة : 8) و قوله عز وجل:( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(ال أنعام : 152)
و لست هنا بصدد تأصيل قضية الجهاد والتدليل لها – فليس هذا مما يحتاج إلى تفصيل – إنما أريد الجواب عن هذه الشبهة بما يتسع له المجال هنا فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: لا بد من التفريق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب، فجهاد الطلب فرض على الكفاية وجهاد الدفع فرض عين على من دخل العدو بلادهم، فإذا لم يندفع بهم العدو وجب على المسلمين عونهم حتى يخرج العدو، ولا يشترط فيه الإذن :
قال الكاساني في بدائع الصنائع 7/97 ” فَأَمَّا إذَا عَمَّ النَّفِيرُ بِأَنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى بَلَدٍ، فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ يُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى(انْف رُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) قِيلَ:نَزَلَتْ فِي النَّفِيرِ .وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى(مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ) وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْكُلِّ قَبْلَ عُمُومِ النَّفِيرِ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ عَنْ الْبَاقِينَ بِقِيَامِ الْبَعْضِ بِهِ، فَإِذَا عَمَّ النَّفِيرُ لَا يَتَحَقَّقُ الْقِيَامُ بِهِ إلَّا بِالْكُلِّ، فَبَقِيَ فَرْضًا عَلَى الْكُلِّ عَيْنًا بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَيَخْرُجُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ، وَالْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فِي حَقِّ الْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ عَيْنًا مُسْتَثْنَاةً عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ شَرْعًا، كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَكَذَا يُبَاحُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ لَا يَظْهَرُ فِي فُرُوضِ الْأَعْيَانِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ“.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الفتاوى الكبرى كتاب الجهاد - (ج 5 / ص 538): وَأَمَّا قِتَالُ الدَّفْعِ فَهُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَنْ الْحُرْمَةِ وَالدِّينِ فَوَاجِبٌ إجْمَاعًا فَالْعَدُوُّ الصَّائِلُ الَّذِي يُفْسِدُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا لَا شَيْءَ أَوْجَبَ بَعْدَ الْإِيمَانِ مِنْ دَفْعِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ شَرْطٌ بَلْ يُدْفَعُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ دَفْعِ الصَّائِلِ الظَّالِمِ الْكَافِرِ وَبَيْنَ طَلَبِهِ فِي بِلَادِهِ، وَالْجِهَادُ مِنْهُ مَا هُوَ بِالْيَدِ وَمِنْهُ مَا هُوَ بِالْقَلْبِ وَالدَّعْوَةِ وَالْحُجَّةِ وَاللِّسَانِ وَالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ وَالصِّنَاعَةِ فَيَجِبُ بِغَايَةِ مَا يُمْكِنهُ وَيَجِبُ عَلَى الْقَعَدَةِ لِعُذْرٍ أَنْ يَخْلُفُوا الْغُزَاةَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَالِهِمْ ..... ".
وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة : 41): ( إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعُقْر فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً شباباً وشيوخاً كلًّ على قدر طاقته من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم علم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضاً الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يدٌ على من سواهم حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين ولو قارب العدو بلاد الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضاً الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ولا خلاف في هذا) .
وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى - أحكام القرآن للجصاص - (ج 4 / ص 312)-: " ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم ولكن موضع الخلاف بينهم أنه متى كان بإزاء العدو مقاومين له ولا يخافون غلبة العدو عليهم ".
وقال أحمد بن إبراهيم الدمشقي المعروف بابن النحاس رحمه الله تعالى في كتابه مشارع الأشواق 1|101 : "فإن دخل الكفار في بلدة لنا أو أطلوا عليها ونزلوا بابها قاصدين ولم يدخلوا وهم مثل أهلها أو أقل من مثليهم صار الجهاد حينئذ فرض عين فيخرج العبد بغير إذن السيد والمرأة بغير إذن الزوج إن كان فيها قوة دفاع على أصح الوجهين وكذلك يخرج الولد بغير إذن الوالدين والمدين بغير إذن صاحب الدين وهذا جميعه مذهب مالك أيضا وأبي حنيفة وأحمد ابن حنبل فإن دهمهم العدو ولم يتمكنوا من الإجماع والتأهب للقتال فمن وقف عليه كافر أو كفار وعلم أنه يقتل إن استسلم فعليه أن يتحرك ويدفع عن نفسه بما أمكنه ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد والمرأة والأعمى والأعرج والمريض وإن كان يجوز أن يقتلوه أو يأسروه وإن أمتنع عن الاستسلام قتل جاز أن يستسلم وقتالهم أفضل ولو علمت المرأة أنها لو استسلمت امتدت الأيدي إليها لزمها الدفع وإن كانت تقتل، لأن من أكره على الزنا لا تحل له المطاوعة لدفع القتل .. أهـ .
وتأمل قوله رحمه الله تعالى: ( إذا دخل الكفار بلدة لنا أو أطلوا عليها) كيف وقد عاث الكفار في بلاد المسلمين. وتأمل قوله: ( أن المرأة تخرج بغير إذن الزوج إن كان فيها قوة دفاع ) قلت: فكيف بالرجال؟..
قال العلامة الألباني - رحمه الله -: "اعلم أن الجهاد على قسمين : الأول فرض عين وهو صد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين: فالمسلمون جميعا آثمون حتى يخرجوهم منها. والآخر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وهو الجهاد في سبيل نقل الدعوة الإسلامية إلى سائر البلاد حتى يحكمها الإسلام فمن استسلم من أهلها فبها ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا فهذا الجهاد ماض إلى يوم القيامة فضلا عن الأول ومن المؤسف أن بعض الكتاب اليوم ينكره وليس هذا فقط بل إنه يجعل ذلك من مزايا الإسلام وما ذلك إلا أثر من آثار ضعفهم وعجزهم عن القيام بالجهاد العيني وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليهم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم " " الصحيحة " ( 11 )( )
ثانيًا: لا شك أنه يجب على عموم المجاهدين أن يتخذوا أميراً لهم تجتمع عليه كلمتهم ويبايعونه بيعة شرعية. فعلى من يقول ذلك وغيره أن يسعوا إلى تحقيق ذلك، هل ينتظرون من قوات الكفر والاحتلال أن تولي عليهم المرتدين والملحدين والمنافقين .ثم إن هؤلاء المجاهدين لهم أمراء وقادة ميدانيون وزعماء يرجعون إليهم وهذا هو المتيسّر لهم الآن وقد قال تعالى :(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا ) وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :(وإذا أمرتكم بشيء فأتموا منه ما استطعتم) وهذا الذي يستطيعونه الآن .
ولحديثنا بقية في العدد القادم بإذن الله تعالى لنجيب على السؤال التالي:
في حالة كون الجهاد فرض عين هل يجوز أن نؤخره بسبب تخاذل أولياء الأمور؟
..................
أما بعد، فهذه آخر الكلمات التي نسأل الله أن تكون عونًا على تمزيق نسج العنكبوت الواهن، وقد لفت نظري هذا التوفيق الذي صاحب انتقاء الصورة المعبرة في مقال عدد الربيعين، حيث خيوط العنكبوت منسوجة داخل مربع في الأسلاك الشائكة... فراعني ما فيها من التعبير الدقيق عن الواقع؛ فإن تلك العنكبوت اختارت المكان الذي توقع فيه فريستها، ويساعدها على نسج خيوطها بأقل جهد.. وهذا ما تفعله عنكبوتنا معنا.. والآن إلى القضية الأخيرة: تحكيم الشريعة:
قد تناولت في مقال (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ) أدلة وجوب تحكيم الشريعة من الكتاب والسنة والإجماع، والذي يعنينا هنا هو نفي التهمة التي توجه إلى من يطالب بتحكيم الشريعة ويحث الناس على الاعتناء بهذه القضية في هذه الأيام
نعم ... أصبح الذي يطالب بتحكيم الشريعة و يحدث الناس عن وجوب تحكيم شرع الله، وضرورة السعي إلى ذلك، يُشبَّه في زماننا بالخوارج الذين رفعوا المصاحف في قضية التحكيم، وهذا التشبيه جائر من وجوه:
1- أن هؤلاء الخوارج ظهروا في زمن تهيمن فيه الشريعة على بلاد المسلمين وليس زماننا كذلك.
2- أن هؤلاء الخوارج فهموا قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ }( ) فهمًا خاطئًا، بينما الذي يطالب بتحكيم الشريعة يستند إلى فهم صحيح، في ظل تعطيل الحدود – التي جعلها الله زواجر وكفارات – وتحليل الحرام كالربا، وتحريم الحلال كالختان وزواج الفتاة بمجرد بلوغها، بل وقبل ذلك لعموم قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ..... }
3- أن هؤلاء الخوارج كانوا مسلحين، يحاولون فرض أهواءهم بالعنف، والذين يطالبون بتحكيم الشريعة الآن ممن لا يرضون عن منهج أهل السنة بديلاً، لا يملكون أسلحة، ولا يسعون إلى ذلك، وليس لهم مطمع في منصب أو رئاسة، بل همهم أن يُحكموا بشرع الله تعبدًا له سبحانه فعلاً لا قولاً.

ويا ليت صاحب هذا التشبيه أو من تعجبهم كلماته فعلوا مع من يطالب بحكم الله دينًا وعقيدةً، كما فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنه، مع الخوارج الضالين أصحاب الهوى؛ فقد شرع الإسلام حقوقًا للمسلمين، تُعطى لكل مسلم، وإن كان فاسقًا أو مبتدعًا بدعة غير مكفرة، ومن وسائل دعوة المخالفين الإقرار لهم بهذه الحقوق وإعطاؤهم إياها؛ فإن هذا مما يجذبهم ويقربهم، ومن أهم تلك الحقوق: لزوم أمر المخالف بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإرشاده إلى الحق، وإبلاغه الحجة، وتفهيمه إياها بالحسنى والحكمة.
في مصنف عبد الرزاق -أخبرنا عبد الرزاق عن عكرمة بن عمار قال حدثنا أبو زميل الحنفي قال حدثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: لما اعتزلت الحرورية، فكانوا في دار على حدتهم، قلت لعلي: يا أمير المؤمنين! أبرِدْ عن الصلاة، لعلِّي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: إني أتخوفهم عليك. قلت: كلاَّ، إن شاء الله. فلبست أحسن ما قدرت عليه من هذه اليمانية، ثم دخلت عليهم، وهم قائلون في نحر الظهيرة، فدخلتُ على قوم لم أرَ قوماً أشد اجتهاداً منهم؛ أيديهم كأنها ثَفِنُ الإبل، ووجوهم معلمة من آثار السجود. فدخلت، فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس، لا تحدثوه. قال بعضهم: لنحدثنَّه. قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وختنه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثاً. قلت: ما هن؟ قالوا: أولهن: أنه حكَّم الرجال في دين الله، وقد قال الله ـ تعالى ـ: {إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ} (الأنعام: 57) قلت: وماذا؟ قالوا: قاتلَ، ولم يَسْبِ، ولم يَغْنَمْ! لئن كانوا كفاراً لقد حلت أموالهم، وإن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم. قال: قلت: وماذا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين. قال: قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيكم -صلى الله عليه وسلم - ما لا تنكرون، أترجعون؟ قالوا: نعم! قال: قلت: أما قولكم إنه حكَّم الرجال في دين الله؛ فإنه ـ تعالى ـ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } (المائدة: 95) إلى قوله: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} (المائدة: 95)، وقال في المرأة وزوجها: {وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} (النساء: 35)، أنشدكم اللهَ! أفحكم الرجال في دمائهم وأنفسهم، وصلاح ذات البين، أحق، أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: اللهم في حقن دمائهم، وصلاح ذات بينهم. قال: أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم! وأما قولكم: إنه قتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، أتسبون أمَّكم، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام؛ إن الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِين َ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (الأحزاب: 6)، وأنتم تترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم. أخرجتُ من هذه؟ قالوا: اللهم نعم! وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - دعا قريشاً، يوم الحديبية، على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً، فقال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: واللهِ لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله. فرسول الله -صلى الله عليه وسلم - كان أفضل من علي. أخرجتُ من هذه؟ قالوا: اللهم نعم! فرجع منهم عشرون ألفاً، وبقي منهم أربعة آلاف، فقُتلوا».
وإن المصيبة الكبرى ليست فيمن عطل تحكيم الشريعة، وإن كان قد فعل ما ليس له، إنما المصيبة الكبرى فيمن سوغ له ذلك .. ففي زمن الغربة نرى من يستغل قول من قال من أهل العلم بـ «تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد»، يرومون تغيير الشريعة وأحكامها إرضاءً وتجاوباً مع الأهواء مما لا يحبه الله ورسوله، بل صارت عمدة من عمد الذين يريدون تحريف الدين تحت ما يزعمونه من ضرورة « تجديد الخطاب الديني »، فليس عندهم أدلة على ذلك، فكل ما عندهم في ذلك كلمات لبعض أهل العلم من مثل « تغير الفتوى بتغير الزمان » ونحوها، من هنا كان لا بد من الحديث عن بعض ضوابط تغير الفتوى:

1- انتفاء الشرط أو تحقق المانع: فلو أن شخصاً سرق ثم تبين أن شروط إقامة الحد غير مستوفاة، فلم يحكم عليه القاضي بالقطع، فإنه لا يقال هنا قد تغير الحكم ولكن شروط إقامة الحد هي التي لم تكتمل، وهذا هو الذي حدث في عهد عمر - رضي الله عنه – عام المجاعة عندما قُحط الناس، وتعرضوا للهلاك بسبب الجدب، أصبح كثير ممن يسرق إنما يسرق لاضطراره إلى ذلك ليدفع عن نفسه الهلاك، وهذه حالة تدرأ عن صاحبها الحد، ونظراً لأن الأمر كان منتشراً واختلط من يسرق للضرورة ومن يسرق لغير ذلك ولم يمكن تمييزهما من بعض، فصار ذلك شبهة درأ بها عمر - رضي الله عنه - الحد في عام المجاعة، فلله دره ! ما أفقهه وما أعلمه، ولما زالت المجاعة زالت الشبهة فكان من يسرق يقام عليه الحد، فليس في هذا أيضاً تغيير للحكم الشرعي ؛ لأن ما فعله عمر - رضي الله عنه - في عام المجاعة كان هو الواجب في مثل تلك الحالة.
2 - الضرورة الملجئة :هناك أحوال اضطرار يقع فيها العبد المسلم مما يكون معه مضطراً لفعل ما حرم الله، ومن رحمة الله بالعباد أنه في هذه الأحوال لم يجعل عليهم إثماً فيما فعلوه، والناظر غير المتبصر يظن أن الحكم اختلف، وهما في الحقيقة حالان مختلفان، لكل حال حكم، فحال الاختيار له حكم، وحال الاضطرار له حكم، وحالان مختلفان لهما حكمان متغايران لا يقال له تبدل ولا تغير، ومن أمثلة ذلك ما حصل من غلمان حاطب الذين سرقوا ناقة، ولم يقطعهم عمر، فإنه أحضر عبد الرحمن بن حاطب وقال له: « والله ! لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له؛ لقطعت أيديهم »، فهذا يبين أن عمر رأى أن هؤلاء في حالة اضطرار تدرأ عنهم الحد، وأن عقوبتهم القطع لو كانوا غير مضطرين، وقد عاقب عمر حاطباً على ذلك وأضعف عليه الغرم .
3 - تغير الوصف أو الاسم: هناك أحكام رُتبت على أوصاف أو أسماء، فإذا تغيرت تلك الأوصاف أو الأسماء تغير الحكم تبعاً لذلك. وكمثال على ذلك أيضاً أمر الله تعالى بصرف الزكاة إلى مستحقيها بقوله: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَة ِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( التوبة : 60 ). فالله بعلمه وحكمته وزع الزكاة على هذه الأصناف الثمانية، فإذا كان عام ولم نجد فقيراً يستحق الزكاة فمنعنا سهم الفقراء لعدم وجودهم، فهذا لا يُعد تغييراً، وإنما فقدنا المستحق، وكذلك إذا كان فلان من الناس يعطى من الزكاة لأنه فقير، ثم وسع الله عليه وصار غنياً ومنعنا عنه الزكاة فلا يقال إن الحكم تغير، بل صفة هذا الشخص التي يستحق عليها الزكاة هي التي تغيرت، وهكذا فعل عمر -رضي الله عنه- في سهم المؤلفة قلوبهم، فالمؤلفة قلوبهم هم من يعطون من الصدقات لأجل تألف قلوبهم على الإسلام، أو لأجل ضعف المسلمين حتى يأمن المسلمون شرهم، فهو حكم معلق على وصف وليس على أشخاص بأعيانهم، فإذا تحقق هذا الوصف في شخص أو عدة أشخاص فأعطيناهم سهم المؤلفة قلوبهم، ثم جاء العام الذي يليه وقد فقدوا وصف المؤلفة (كأن حسن إسلامهم، أو قوي المسلمون فلم يعد بهم ضعف) فمنعنا عنهم سهم المؤلفة قلوبهم؛ فليس في هذا تغير للحكم، وإنما الذي حدث أن هؤلاء الأشخاص استحقوا السهم في المرة الأولى لانطباق الوصف عليهم وليس لأشخاصهم، ثم فقدوا الوصف في العام الذي يليه، ففقدوا ما كان مترتباً على الوصف، وهذا إعمال للحكم الشرعي وليس تغييراً له.
وبهذا يتبين أن مسألة تغير الفتوى ليست مسألة متعلقة بالزمان المجرد، أو المكان المجرد، وكأن الزمان والمكان هما سبب تغيير الفتوى، ولكن لما كان الزمان والمكان أوعية للأحداث والأفعال والتغيرات والعوائد والأعراف نُسب التغير للزمان والمكان، وهذا يطلق عليه في عرف البلاغيين مجاز مرسل علاقته الظرفية، وقد تبين بما تقدم أيضاً أن الموضوع منضبط وله قواعد تحكمه، وليس هو مجرد استجابة أو إذعاناً لضغط الواقع.
كم مرة كررت: إننا لا نريد مناصب، ولا ننازع الناس في حكم... إننا فقط نريد أن نُحكم بشرع الله؛ لأن هذا فرض علينا نسعى إلى تحقيقه، بغض النظر عن المسلم الذي يقوم به، والله .. لا يرضي أي مؤمن صادق أن يحكم بكفر أحد لشبهة، فهذا ليس منهج الناجين – نسأل الله أن نكون منهم.
إننا نحلم بهذا اليوم الذي تشرق فيه شمس الشريعة على بلاد المسلمين من جديد، تبدد ظلمات الكفر والنفاق، والديمقراطية والعلمانية وسائر الأنظمة الوضعية..ذلك اليوم الذي تختفي فيه الفئران في جحورها، وتأوي الخفافيش إلى كهوفها، وتبحث العنكبوت عن مكان بعيد تنسج فيه خيوطها...فليس للعناكب مكان تحت أشعة الشمس.
وأختم المقال بقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله –: « ليس لأحد أن يغير شريعته التي بعث بها رسوله، ولا يبتدع في دين الله ما لم يأذن به ».