بسم الله الرحمن الرحيم
بيت العنكبوت 1


د. إبراهيم الحمامي
تنسيق وترتيب د. خالد سعد النجار


الحمد لله العليم الحكيم الحق المبين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وهداية للعالمين.... أما بعد، فهناك عدد من القضايا الشرعية الكبرى قد نسجت حولها خيوط تربط بينها وبين ما لا يرضاه أي مؤمن يحيا على منهج أهل السنة، ويتمنى أن يثبته الله عليه حتى يلقاه، فأما هذه القضايا فهي: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وقضية تحكيم الشريعة»، وأما ما لا يرضاه أي مؤمن يحيا على منهج أهل السنة، ويتمنى أن يثبته الله عليه حتى يلقاه فهو أن يُنسب إلى منهج الخوارج كلاب أهل النار، الذي نشهد الله أننا برآء منه اعتقادًا وقولاً وفعلاً، بل نعتقد أنه لا يوجد رجل يؤمن بالله واليوم الآخر يحرض على سفك الدم الذي حرمه الله، فضلاً عن أن يمارسه هو، وإن المرء ليتذكر بما يجري في أيامنا هذه محنة الإمام البخاري رحمه الله مع محمد بن يحيى الذهلي رحمه الله فقد نسب الثاني للأول أنه قال: "لفظي بالقرآن مخلوق"، ولم يقلها، بل البخاري من رؤوس أهل السنة، وكتابه "خلق أفعال العباد" دليل على بعد الإمام عن القول بخلق القرآن أو ما يدل عليه باللزوم أبعد ما بين المشرق والمغرب.
وفي زمن الغربة التي نحياها الآن بات الذي يمس أي قضية من تلك القضايا الشرعية - ليبين ما يحتاج الناس إلى بيانه فيها - كالذي دخل بيت العنكبوت أو سقط في شبكتها كلما حاول أن يخلص نفسه منها زاد الأمر تعقيدًا.... هكذا تبدو الصورة .. ولكنها صورة مشوشة غير حقيقية { وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت: 41)..... و أصبح الذي يريد السلامة إما أن يبتعد عن الخوض في هذه القضايا أصلاً، وإما أن ينعق مع الناعقين بأن من يخوض فيها من الخوارج، وقد صحَّح العلامة الألباني ما رواه الترمذي وأبو نعيم في الحلية واللفظ للترمذي أنه لما كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ"( ).... ولا ندري لصالح من تعمل العنكبوت؟!! ولا ما جاء بها إلينا؟!! ومن ثم كانت تلك الكلمات محاولة لتمزيق لتلك الخيوط الواهية بالأدلة الواضحة الشافية - إن شاء الله - و لنبدأ بالقضية الأولى:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
منذ فترة اقتطفت من سير أعلام النبلاء مختارات جمعتها تحت عنوان: " نصائح أغلى من الذهب.. من الإمام الذهبي"، كان آخر تلك المقتطفات بعنوان: " ليس كل ما يعلم يقال"، وذكرت فيه قول الذهبي في ترجمة أبي هريرة رضي الله عنه: " عن مكحول، قال: كان أبو هريرة يقول: رب كيس عند أبي هريرة لم يفتحه.يعني: من العلم .
قلت (الذهبي): هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول، أو الفروع ; أو المدح والذم ; أما حديث يتعلق بحل أو حرام، فلا يحل كتمانه بوجه ; فإنه من البينات والهدى.
وفي " صحيح البخاري ": قول الإمام علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون; أتحبون أن يكذب الله ورسوله!
وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء، لأوذي، بل لقتل. ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياء للسنة، فله ما نوى وله أجر وإن غلط في اجتهاده. "
وتمامًا للفائدة في هذه الجزئية نقلت قول الحافظ ابن حجر: " وَمِمَّنْ كَرِهَ التَّحْدِيث بِبَعْضٍ دُون بَعْض أَحْمَد فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهِرهَا الْخُرُوج عَلَى السُّلْطَان، وَمَالِك فِي أَحَادِيث الصِّفَات، وَأَبُو يُوسُف فِي الْغَرَائِب، وَمِنْ قَبْلهمْ أَبُو هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْجِرَابَيْنِ وَأَنَّ الْمُرَاد مَا يَقَع مِنْ الْفِتَن، وَنَحْوه عَنْ حُذَيْفَة وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهُ أَنْكَرَ تَحْدِيث أَنَس لِلْحَجَّاجِ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ لِأَنَّهُ اِتَّخَذَهَا وَسِيلَة إِلَى مَا كَانَ يَعْتَمِدهُ مِنْ الْمُبَالَغَة فِي سَفْك الدِّمَاء بِتَأْوِيلِهِ الْوَاهِي، وَضَابِط ذَلِكَ أَنْ يَكُون ظَاهِر الْحَدِيث يُقَوِّي الْبِدْعَة وَظَاهِره فِي الْأَصْل غَيْر مُرَاد، فَالْإِمْسَاك عَنْهُ عِنْد مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْأَخْذ بِظَاهِرِهِ مَطْلُوب، وَاَللَّه أَعْلَم ."
وواضح جدًّا من كلام الإمام الذهبي والحافظ ابن حجر - رحمهما الله - أن القضية تتعلق بمراعاة المصالح والمفاسد في إظهار الحق أو كتمانه، لكن لا شكَّ أن الذي يظهر الحقَّ في زمن التبس فيه ينبغي أن يُمدح لا أن يذم، فإن عموم الأنبياء لاسيما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد جاءوا بالحق في زمن قد درس فيه، وفرقوا بنشره بين الوالد وولده، والرجل وامرأته، والأخ وأخيه...، والإمام أحمد الذي نقل عنه الحافظ ابن حجر أنه " كَرِهَ التَّحْدِيث بِبَعْضٍ دُون بَعْض فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهِرهَا الْخُرُوج عَلَى السُّلْطَان " قام بالحق في فتنة خلق القرآن ولم ير أن ذلك ضرب من الخروج على السلطان بل ما ظهر من سلوكه يدل على خلاف ذلك،
وقد أورد الذهبي في ترجمة الإمام القدوة الحافظ الكبير أبي إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي مصنف كتاب ذم الكلام وشيخ خراسان أنه: " امتحن مرات، وأوذي، ونفي من بلده. قال ابن طاهر: سمعته يقول: عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت."
والإمام محمد بن عبد الوهاب قام بالحق فيما ظهر من الشرك في زمانه، وكان حريصًا على ألا ينسب - بالقول أو بالفعل - إلى مذهب الخوارج، وإن أشاع عنه أعداؤه خلاف ذلك؛ ومن ثم قال الذهبي كما تقدم: " أما حديث يتعلق بحل أو حرام، فلا يحل كتمانه بوجه ; فإنه من البينات والهدى ".
وإنما أستأنس بفعل الإمام أحمد وغيره لا أستدل؛ لأن هناك ما دلالته ظاهرة في هذا الباب، وهو ما رواه أحمد وغيره عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في بيعة العقبة "... فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُكَ قَالَ تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمْ الْجَنَّةُ قَالَ فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ"
لقد كان عبادة بن الصامت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واحدًا من هؤلاء الذين شهدوا بيعة العقبة وكان يدرك أن الأمر بالمعروف لا يستلزم الخروج أو خلع يد الطاعة، وهذا الإدراك مبني على روايته للبيعة الثابتة في الصحيحين وغيرهما، فقد قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَة عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ".
وقد ذكر الذهبي في ترجمته أنه " كان مع معاوية- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأذن يوما، فقام خطيب يمدح معاوية- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ويثني عليه، فقام عبادة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بتراب في يده، فحشاه في فم الخطيب، فغضب معاوية، فقال له عبادة: إنك لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة، على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ومكسلنا، وأثره علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيث كنا، لا نخاف في الله لومة لاثم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في أفواههم التراب".
وأيضًا ذكر أن " عبادة بن الصامت- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مرت عليه قطارة، وهو بالشام، تحمل الخمر، فقال: ما هذه ؟ أزيت ؟ قيل: لا، بل خمر يباع لفلان. فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها، فلم يذر فيها راوية إلا بقرها - وأبو هريرة إذ ذاك بالشام - فأرسل فلان إلى أبي هريرة، فقال: ألا تمسك عنا أخاك عبادة، أما بالغدوات، فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي، فيقعد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا ! قال: فأتاه أبو هريرة، فقال: يا عبادة، مالك ولمعاوية ؟ ذره وما حمل. فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا يأخذنا في الله لومة لائم. فسكت أبو هريرة، وكتب فلان إلى عثمان: إن عبادة قد أفسد علي الشام ".
وهذا أبو ذر يدرك هذا المعنى كما ثبت في صحيح البخاري عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا قَالَ كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ مُعَاوِيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَشْكُونِي فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ اقْدَمْ الْمَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لِي إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ"
قال ابن بطال بعد ما نقل أقوال الصحابة في معنى الكنز، وتفرد أبي ذر- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - باجتهاده: "وإنما كتب معاوية إلى عثمان يشكو أبا ذر، لأنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، وكان وقع في جيشه تشتيت من ميل بعضهم إلى قول أبى ذر، فلذلك أقدمه عثمان إلى المدينة، إذ خشي الفتنة في الشام ببقائه، لأنه كان رجلاً شديدًا لا يخاف في الله لومة لائم.
قال المهلب: وكان هذا توقيرًا من معاوية لأبى ذر حين كتب إلى السلطان الأعلى يستجلبه، وصانه معاوية من أن يخرجه فتكون عليه وصمة. وقد ذكر الطبرى: أنه حين كثر الناس عليه بالمدينة يسألونه عن سبب خروجه من الشام، خشي عثمان من التشتيت بالمدينة ما خشيه معاوية بالشام، فقال له: تنح قريبًا. فقال: إني والله لن أدع ما كنت أقوله فسار إلى الربذة، وبينها وبين المدينة ثلاثة أيام. وفي هذا من الفقه كما بينه أهل العلم ما يلي:
(1) أنه جائز للإنسان الأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإن أدى ذلك إلى فراق وطنه.
(2) أنه جائز للإمام أن يخرج من توقع ببقائه وقوع فتنة بين الناس.
(3): ترك الخروج على الأئمة، والانقياد لهم، وإن كان الصواب في خلافهم.
(4): جواز الاختلاف والاجتهاد في الآراء، ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة لم يردوا أبا ذر عن مذهبه، ولا قالوا له: إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك، لأن أبا ذر نزع بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستشهد به، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : «ما أحب أن لي مثل أُحُدٍ ذهبًا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير»، وكذلك حين أنكر على أبى هريرة نصل سيفه استشهد على ذلك بقوله، - صلى الله عليه وسلم - : «من ترك صفراء، أو بيضاء كوي به» وهذا حجة في أن الاختلاف في العلم باق إلى يوم القيامة، لا يرتفع إلا بإجماع."
وقد فهم أهل العلم أن أبا ذر مع شدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان لا يرى الخروج على ولاة الأمر .. قال الحافظ ابن حجر: " وإنما سأله زيد بن وهب عن ذلك لأن مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفي أبا ذر، وقد بين أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان كان باختياره نعم أمره عثمان بالتنحي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور فاختار الربذة وقد كان يغدو إليها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أصحاب السنن من وجه آخر عنه وفيه قصه له في التيمم وروينا في فوائد أبي الحسن بن جذلم بإسناده إلى عبد الله بن الصامت، قال: دخلت مع أبي ذر على عثمان فحسر عن رأسه فقال والله ما أنا منهم يعني الخوارج. فقال إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة فقال لا حاجة لي في ذلك ائذن لي بالربذة قال نعم ورواه أبو داود الطيالسي من هذا الوجه دون آخره
وفي طبقات بن سعد من وجه آخر إن ناسا من أهل الكوفة قالوا لأبي ذر وهو بالربذة أن هذا الرجل فعل بك وفعل هل أنت ناصب لنا راية يعني فنقاتله، فقال: لا لو أن عثمان سيرني من المشرق إلى المغرب لسمعت وأطعت"...
وفي المقابل فإن لا يمكن أن يُفهم ما ورد في صحيح البخاري عَنْ نَافِعٍ أنه قَالَ لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. لا يُفهم على أن ابن عمر أراد السكوت عن منكر يزيد لو ثبت ما شاع عنه من منكر، حاشا ابن عمر أن ينسب إلى ذلك و هو من هو علمًا و اتباعًا، إنما كان ابن عمر يدرك عاقبة الخروج الذي ليس لنا فيه من الله برهان من سفك دماء بغير حق هذا وبالله التوفيق
............................