تصحيح أخطاء الشيخ الريمي في مقالته عن الثورات
حصرياً على منتديات المنبر لمحبي علماء اليمن

بقلم: د/حكمت الحريري
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد اطلعت على مقالة وصلتني بالبريد الإلكتروني من موقع علماء اليمن منسوبة إلى الشيخ عبد المجيد الريمي، وأنا قليل الاهتمام بعالم الإنترنت وهذا من تقصيري وعيوبي أسأل الله المغفرة، فيبدو أن المقالة مكتوبة منذ أسابيع، فقرأتها في أيام عيد الأضحى المبارك.
استوعبت المقالة أكثر من عشرين صفحة من القطع الكبير.
ويعلم أرباب الكتابة والفصاحة أن الإسهاب في الكلام والاستطراد فيه يذهب ببهاءه ويفقده الفائدة، إذ البلاغة في الإيجاز، والإطالة في الكلام منشأ السقط والوقوع في الخطأ، هذا في غالب الأحيان، حتى لو كان المتكلم أو الكاتب فصيحاً بليغاً كفصاحة قدامة.
وهذا ما لاحظته في المقالة المنسوبة إلى الشيخ الريمي، والموضوعات التي كتب عنها وأسهب، وهي موضع الملاحظة والنقد، ألخصها في الآتي:
1- أسلوب الكتابة.
2- نظرته الخاطئة إلى الثورات والتعميم في تقييمها.
3- الإسهاب والاستطراد في نقد الديمقراطية قولاً لا فعلاً.
4- الحط من شأن بعض العلماء والجماعات بل التطاول على الفضلاء.
وسأبين بشيء من الاختصار غير المخل وجهة نظره في الموضوعات المذكورة آنفاً.
فالأول: أسلوب الكتابة:
إن النظر في أسلوب الكتابة في غاية الأهمية وذلك ليتحقق الغاية النبيلة وهي الدعوة إلى الحق وبيان الصواب ولذا أقسم سبحانه وتعالى بقوله: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم:1].
أسلوب الشيخ في مقالته كأنه يكتب في حالة غضب وقلق واضطراب فانظر مثلاً قوله: "وينبغي أن يعلم أن سلفيتهم وإن كانت ضد المنحرفين لكنها لعدم النقاء فيها كانت في صالح العلمانيين، فطواغيت العلمانية إنما خرجوا من مدرسة محمد عبده ورشيد رضا لو صحت سلفيته لم يكن دخوله أي مجال سياسي بالطريقة الديمقراطية حجة..." [ص18].
وقوله: "أنت لا تنازع في أن جمهور علماء الشام صوفية وأشاعرة وماتريدية ولا تنازع أن الأكثرية يقولون بجواز الاستغاثة بالقبور..." من أين هذه الإحصائية؟!
قوله: "إن جمعية العلماء في الجزائر فالذي أعرفه أنهم قاتلوا الفرنسيين وعملوا على إخراجهم من الجزائر وإن كانوا تولوا أعمالاً في عهد الاستعمار... وإن كانوا عملوا بالقانون الفرنسي وحكموه في الرقاب والدماء وسايروا المستعمر فليسوا سلفيين".
قلت إني أردت الاختصار ولا أريد أن آتيك على الجمل والعبارات المتشنجة كلها، فهي كثيرة في المقال المذكور.
الثاني: كلامه عن الثورات فله نظرة تشاؤم وعدم تفاؤل تجاهها ولا هو يفرق بين بلد وآخر ولا بين زيد وعمرو، فقد قاس الثورات الحاصلة في سائر البلاد العربية على منوال ما يجري في اليمن، والتعميم في الكلام يزيده غموضاً ويطمس الحق ويخلط الغث بالسمين والناس يريدون من كلام العلماء ما يبصرهم بالحقيقة.
فلو اتبع أسلوب القرآن الكريم في التمييز بين الحق والباطل والغث والسمين والخطأ والصحيح والكفر والإيمان والتوحيد والشرك والصدق والكذب...
لو فعل ذلك لكان لكلامه تصديقاً وقبولاً، فهناك كافر وأئمة الكفر، ونفاق أصغر ونفاق أكبر، ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك، فهل حال الثورات كلها واحدة؟
لو عمد الشيخ إلى المقارنة بين مناطق الثورات المختلفة لأظهر الحقيقة أو لظهرت له هو شخصياً، فكان عليه أن يبين أن الحاكم الذي يثورون عليه في اليمن وصاروا له خصوماً وأعداءً، كانوا له من قبل شركاء وأعوان في كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
وكانوا يثنون عليه ويجلونه، ولما تعارضت المصالح، أو وضع لها حداً انقلبت نظرتهم وتحولت علاقتهم، وهذا ليس بعدل ولا إنصاف فأحبب هوناً وأبغض هوناً.
قال تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8] وإنما تبكي على الحب النساء.
فالحاكم الذي يثورون عليه في اليمن، تم في عهده توحيد البلاد بعد أن كانت مقطعة الأوصال شمالاً وجنوباً عشرات السنين بل أكثر.
الحاكم الذي يثورون عليه لم يعلن عداءه للحركات الإسلامية بكافة اتجاهاتها السلفية والإخوانية والشيعية، وقلما تجد حاكماً يفعل ذلك، ومن فعل ذلك لم يثوروا عليه في البلاد الأخرى.
والحاكم الذي يثورون عليه كثرت في عهده الجامعات والجمعيات والمؤسسات الخيرية والاجتماعية، ومارس الناس حريتهم إلى حد ظهور الفساد.
وإن قلت الفساد يعم البلاد -اليمن- فنعم، والجميع مشارك الصغار والكبار، الفجار والأبرار إلا من رحم ربي وقليل ما هم، بل هم أعز من الكبريت الأحمر في اليمن.
فهل يستوي حال الناس وثورتهم في اليمن مع ثورة الناس في تونس وسوريا وليبيا ومصر؟ هذا لا يقوله عالم ولا سياسي ولا عاقل.
كان الناس ملزمون بالعطلة في تونس يوم الأحد، تعدد الزوجات في تونس محرم يعاقب عليه القانون التونسي، الخمور والدعارة والكفر والفساد لها الصيانة والحصانة، والإسلام بعبارة مختصرة منبوذ محارب.
وكذلك عن محاربة نظام الحكم النصيري للإسلام في سوريا واستعباد الناس وإذلالهم، تحدثت بها الركبان وعرفها القاصي والداني، وصنّفت الكتب عن جرائم حافظ أسد وحاشيته وأعوانه، مجازر حماة وتدمر وسجن صيدنايا، الفساد الأمني، المخابرات أفسدوا كل شيء في سوريا صار الوالد يخاف من ولده، والولد لا يثق بأبيه، تفكك العلاقات الأسرية والقبلية، وذكرت بعض لجان حقوق الإنسان أن لكل أربعين شخصاً عنصر مخابرات في سوريا فضلاً عن تبني المذهب الرافضي وما يتبعه من نشر للفساد كالمتعة والمخدرات وسب الصحابة والطعن في القرآن... وأمور تشيب لهولها الولدان، وقد كثر موت الفجأة في سوريا.
وإذا ما قارنت بين الحكم في سوريا والحكم في اليمن ستجد الفوارق واضحة، -أقام حاكم اليمن وحدة للبلاد من صعدة إلى عدن وهذه منقبة له، والأسد النصيري باع الجولان منذ عام 1967، ودمر لبنان وأحدث في أهل السنة والمنظمات الفلسطينية جرائم فظيعة.
وحكام اليمن قلموا أظفار الشيوعية بالتعاون مع الإسلاميين وأعطوا للناس حرية التدين والتفكير، وسمح للمراكز الدينية والجامعات الإسلامية.
لكن الأسد النصيري أقام للإسلاميين مجازر منذ توليه الحكم، والقانون 49 الذي وافق عليه مجلس الشعب في سوريا ينص على الحكم بالإعدام لكل من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وتحت هذا القانون حارب الحكم النصيري أهل السنة والجماعة، مع أن الإخوان لا يمثلون كل المسلمين في سوريا لا نصفهم ولا ربعهم.
أليس هناك من المبررات للثورة إذاً في سوريا؟!إنها ثورة مباركة بإذن الله، وضريبة الحرية أقل من ضريبة الذل.
أما ليبيا، فماذا تتصور أكثر من الجرائم التي أحدثها القذافي، قتل أكثر من خمسين ألف شهيد، وأكثر من مائة ألف جريح ومعوق، وآلاف مؤلفة من المفقودين والمشردين، وهتك للأعراض واستباحة للدماء والحرمات.
وماذا تريد أكثر مما حصل للمسلمين في العالم من الفرحة التي غمرتهم بهلاك القذافي وزوال حكمه، والابتهاج الذي أثلج صدور الشعب الليبي بالقضاء على القذافي وطغمته الفاسدة، والرسول عليه والسلام يقول: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»؟ إنها لثورة مباركة.
أليس هذه الثورات مباركة؟ إن لم تكن هذه الثورات مباركة فماذا تكون البركة إذاً؟ هل يأتي تحكيم الشريعة وكتاب الله مع المهدي المنتظر من قبل الرافضة يأتي معه وهو على ظهر حصان من سامراء؟!!
وأما مصر، فلم تعرف عزلة واستكانة وذلاً للشعب المصري منذ مئات السنين ولا حتى في عهد عبد الناصر، لم تعرف مثل هذه العزلة والانحطاط مثل الذي حصل في عهد حسني مبارك، والحديث عنها يطول، وإنها لثورة مباركة بإذن الله.
إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، أما كان الأولى أن تنظر نظرة التفاؤل وتفرح لما حصل من ثورات على الظلم والكفر والاستعباد، ولا ترجم بالغيب ولا يعلم الغيب إلا الله وتمتثل قول الله عز وجل: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم:4-5].
ونأمل من الله تعالى ونرجوه أن يعود لبلاد المسلمين عزتهم وكرامتهم وينالوا حريتهم بعد هلاك الطغاة.
والثالث: مسألة الديمقراطية
سمعت أن الشيخ الريمي كتب في نقد الديمقراطية ونقضها ثلاثة كتب وتصفحت بعضها، ومما يقوله الحكماء من أحب شيئاً أكثر من ذكره، لكن الشيخ يذكر الديمقراطية وأكثر من ذكرها ناقداً لها وناقضاً نقداً ونقضاً قولياً نظرياً، لا فعلياً ولا عملياً، وهذا مأخذي على الشيخ في هذه المسألة.
فهل الإنكار باللسان والخطب يخرجك من العهدة ويلقي عنك التبعة، وتحسب أنك قمت بالواجب؟ بينت قولاً وقبلت فعلاً!! لا أظن ذلك ينتقد الديمقراطية ويستفيد منها، يعيش في أوساط الديمقراطيين بل بنى مسجداً له في منطقة الأغنياء والمترفين، ولابد أن يتذكر قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف:2-3].
وأذكرك بقول الفاروق عمر بن الخطاب في رسالته لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما في مسألة القضاء "واعلم أنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له".
ولكي يصدق القول الفعل يجب أن يتخذ موقفاً كمواقف العلماء السابقين العاملين، فإسماعيل الشهيد وأحمد بن عرفان ابتعدوا عن ديمقراطية الإنجليز في الهند وأقاما في منطقة جبلية "بالكوت" وتبرأ من حكم الإنكليز للبلاد، وابتعدوا وتبرأوا ممن يحتكم لغير شرع الله، وقاتلوا هم ومن معهم حتى نالوا الشهادة في سبيل الله واقرأ كتاب الندوي (إذا هبت ريح الإيمان).
وفعل مثل ذلك عمر المختار في ليبيا،لم يخضع لحكم الطليان وقانونهم وجاهدهم حتى لقي الله على ذلك، ومثله عبد الكريم الخطابي في المغرب، والأمثلة كثيرة.
فإن قلت هؤلاء جاهدوا عدواً غازياً من غير أهل ملتهم.
قلنا: إنك إذا زرت باكستان وأتيت مدينة لاهور فسيذكر لك اسم مدينة هي المنصورة تبعد عنها أكثر من أربعين أو خمسين كيلو متراً، كانت تبعد هذا القدر من المسافة، اتخذها أبو الأعلى المودودي لينأى بنفسه وجماعته عن مخالطة من يحتكمون للديمقراطية ولغير شرع الله؟
لكن دعنا من المثالية التي يستحيل تطبيقها، ولننظر إلى الواقع، كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، ثم انقطعت النبوة بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت الخلافة الراشدة وبعدها ملوك الإسلام وأعظمهم معاوية رضي الله عنه، وبعده الملك الجبري والملك العضوض.
فالديمقراطية والديكتاتورية والعلمانية وما أشبه ذلك مصطلحات غريبة محدثة معرّبة ليست من قواميس الإسلام ولا من معاجم العربية، ومن أوقف أمام الخيار بين الديمقراطية أو حكم الشريعة الإسلامية وفق الكتاب والسنة، فاختار الأولى فهو كافر أو منافق النفاق الأكبر، لكن من خيّر بين الديمقراطية أو الديكتاتورية فاختار الديمقراطية، وكان مسلماً عالماً يعيش حياة الناس يشعر بشعورهم ويعاني مثلما يعانون ويألم مثلما يألمون، يقول إني فعلت ذلك طبقاً لمبادئ الإسلام العظيمة وقواعده الشرعية بتحمل أخف الضررين ودفع أكبر المفسدتين، فالديمقراطية تتيح لمن يذهب إلى المسجد أو يفتح مدرسة شرعية أو مركزاً أو جمعية يتاح له ذلك، وهذا ما تعيشه في واقعك أنت في اليمن وإن أنكرت ذلك بكتاب أو خطاب أو كتبت مائة كتاب، هذا هو الواقع فهل تدرك حقيقة ما أنت عليه.
وفي الحكم الجبري الديكتاتوري المستبد يسلب المرء كل شيء حتى كرامته بل حياته، أما العلماء والدعاة الذين يعيشون في ظل الجبرية والديكتاتورية فهم يسعون لنيل الحرية أو قسطاً منها.
وتشبيه الديمقراطية والقبول بها بالشرك والكفر والإلحاد هذا قياس فاسد لعدم التشابه في العلة من وجوه كثيرة، ولا أريد الإطالة، والحر تكفيه الإشارة.
والرابع: هو محط الرحال ومزلة أقدام كثير من الرجال.
النيل من بعض العلماء والحط من قدرهم ومكانتهم، كالعلامة السلفي رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، وكامل القصاب، وجمعية العلماء في الجزائر... كقولك: "أنا أشك أن رشيد رضا سلفي".
فاعلم: أولاً أن منهج الاستعلاء والتشكيك والحط من أقدار الفضلاء والنيل أو الاستهانة بالسابقين من العلماء أو اللاحقين، هذا منهج المبتدعة والفرق الضالة كالمعتزلة والرافضة والخوارج، وأشدهم المعتزلة والرافضة، لمفهومهم المنحرف في بيان معنى الإيمان، وتكفيرهم لمرتكب الكبيرة، ومنها تولدت عندهم نظرة الاستعلاء والإزراء على الآخرين، فلا الشافعي ولا أحمد ولا مالك، ولا ابن عون ولا ابن سيرين ولا الحسن البصري ولا عامر الشعبي، بل ولا ابن مسعود ولا أبو هريرة ولا معاوية، عندهم يساوي شيئاً أمام واصل بن عطاء ومن هم على شاكلته من أهل الاعتزال.
وليس هذا منهج علماء أهل السنة والجماعة.
وثانياً: من المعلوم عند جميع العقلاء والفضلاء من البشر أن من سبق بالفضل وتقدم به فلا يدرك شأوه، ولا يمكن مباراته أو مجاراته أو ادعاء منافسته، فضلاً عن التقدم عليه، فهل يستطيع الولد أن يقول أنا أفضل من أبي وأسبق منه بفعل الخير لا يمكن ذلك؟!
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه».
ففضل الصحابة لا يدانيه من جاء بعدهم مهما قدم لخدمة الدين والدنيا، فالصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباعهم، وهكذا الحال في الأشخاص والدول التي نهجت منهج الحق واتبعت الكتاب والسنة، فالخلافة الراشدة لا نظير لها في تاريخ الإسلام، ومن بعدهم معاوية أفضل ملوك الإسلام، والعهد الأموي أفضل من العهد العباسي والعهد العباسي أفضل ممن جاء بعدهم، والعهد العثماني أفضل من عهد الانتداب الأوروبي على بلاد الإسلام.
لا أريد الإسهاب ولكن لأوصلك إلى حقيقة لا يمكن تجاهلها، هو أن عهد رشيد رضا وفضائله وخدمته لدين الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وأمثال رشيد رضا من علماء السلفيين لا يستطيع أي مؤمن منصف بعدهم أن يقول إن عهدي وخدمتي وفعلي يربو على ذلك الجيل، فهذا تنكب عن الحق وتجاوز للصراط المستقيم، أن يزعم اللاحق أنه أفضل من السابق.
كيف يفعل ذلك من عرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من زمان يأتي إلا والذي بعده شر منه» والحديث رواه البخاري.
لقد أجاد الحريري في مقاماته عندما نقل قول الشاعر:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة *** بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا *** بكاها فقلت الفضل للمتقدم

الفضل للمتقدم يا شيخ، يا شيخ الفضل للمتقدم.
فبيننا وبين الشيخ رشيد رضا رحمه الله من السنين ما يربو على السبعين توفي سنة 1935م، فلا نحن ولا أنت.
وثالثاً: إن النظر والاعتبار يكون دائماً بمآلات الأمور وعواقبها والحكم على الأشخاص بخواتيم أعمالهم هكذا وردت الأحاديث بهذا المعنى، وعرّف ابن حجر العسقلاني الصحابي بأنه من لقي الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك وإن تخللت ردة على الأصح.
وعند علماء الجرح والتعديل أن من غلبت حسناته على سيئاته وهبت سيئاته لحسناته، فهي تمحى في بحر حسناته، ومن فضل الله على عباده المحسنين قوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان:70] والمعتزلة لا يقبلون بذلك.
ورشيد رضا وإن كانت بدايته صوفية ثم تحول وتتلمذ على الشيخ محمد عبده لا يضيره ذلك باعتبار خاتمة أمره، كما لا يضير الفضيل بن عياض كونه في أول أمره قاطعاً للطريق، العلامة محمد رشيد رضا من كبار العلماء السلفيين لا ينكر هذه الحقيقة إلا جاحد، وقد شهد له بالعلم والفضل والتمسك بالسنة وأثنى عليه كبار العلماء، وذاع صيته وعم فضله ودعوته إلى الكتاب والسنة ومحاربته للبدع والمنكرات، هذا بالرغم من كل ما نقل عنه من مآخذ وهنات
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلاً أن تعدّ معايبه

ففي تقديمه لكتاب مفتاح كنوز السنة يقول: ولو وجد بين يدي مثل هذا المفتاح لسائر كتب الحديث لوفرّ علي أكثر من نصف عمري الذي أنفقته في المراجعة ويقول:
إنني لما هاجرت إلى مصر سنة 1315هـ رأيت خطباء مساجدها الأزهر وغيره يذكرون الأحاديث في خطبهم غير مخرجة ومنها الضعيف والمنكر والموضوع.. فكنت أنكر ذلك عليهم كما بدأت بإنكار مثله على أهل بلدي طرابلس قبلهم واخترت لأشهر خطبائهم من الأحاديث الصحاح والحسان المعزوة إلى مخرجيها ما ختم بها خطب ديوانه.
ثم يقول: "ولما أنشأت المنار في أواخر تلك السنة التزمت فيه تخريج كل ما أنقله فيه من الأحاديث فكان لذلك بعض التأثير في طلاب العلم في الأزهر ثم في مدرسة القضاء الشرعي، وكان جلّ الذين اشتغلوا بالحديث منهم من إخواني وأصدقائي فبإحيائي لهذه السنة بالقول والعمل، وبالدعوة إلى السنة وهدي السلف والنهي عن مستحدثات البدع وصفت بمحي السنة على ضعف حفظي للرواية وقلة حظي من الدراية ولله الحمد على ما أعطى ومنع".
ورابعاً: لقد أثنى على الشيخ رشيد رضا كبار العلماء كما ذكرت قبل، العلماء الذين يعتدّ بقولهم ويعتبر بكلامهم، ومنهم العلامة الشهير والمحدث القدير أحمد محمد شاكر صاحب المؤلفات والتخريجات والتحقيقات الشهيرة كالمسند، وتفسير الطبري وابن كثير وابن حبان وسنن الترمذي وسنن أبي داود والكاتب في مجلة (الهدي النبوي) والقاضي في المحكمة الشرعية ومحقق رسالة الشافعي... فاسمع ما يقوله في رشيد رضا في تقديمه للكتاب (مفتاح كنوز السنة) قال: "وكان من حديثي عن هذا الكتاب مع أستاذي الكبير الجليل السيد محمد رشيد رضا -صاحب مجلة المنار الغراء- ما حفزه إلى طلب نسخة من الكتاب ثم عهد بترجمته إلى صديقي الفاضل الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي أفندي فقام بترجمته خير قيام على النحو الذي يراه القارئ مسترشداً في ذلك بآراء السيد رشيد أطال الله بقاءه وبعلمه الجم وباطلاعه الواسع على كتب الحديث فجزاهما الله أحسن الجزاء".
فهذه شهادة عالم نحرير ومحدث شهير هو أحمد شاكر بالشيخ رشيد رضا، ولا يعرف عنه أي أحمد شاكر المجاملة أو المداهنة أو التزلف أو إطلاق القول على عواهنه، لكنه من أهل الفضل، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذووه.
ومن قبل قال ابن حجر العسقلاني صاحب كتاب فتح الباري وغيره قال: "إني شربت ماء زمزم ودعوت الله أن يرزقني مثلما رزق الذهبي من العلم".
وقد كتب بعض طلاب العلم رسائل علمية في مكانة الشيخ رشيد رضا رحمه الله.
ومثل ذلك يقال عن فضائل الشيخ محب الدين الخطيب صاحب المكتبة السلفية ومدير ومنشأ مجلة الفتح، فكم من كتب ومصنفات ومقالات كتبها في الدعوة إلى الكتاب والسنة وإحياء منهج السلف رحمهم الله.
وأما الشيخ كامل القصاب، فلا يضره جهلك به، ولكن شفاء العي السؤال ولابد لي من ذكر نبذة مختصرة عن شيء من حياته وأعماله، وكانت وفاته في سنة 1954م وأثنى عليه كبار العلماء في عصره كمحب الدين الخطيب ومحمد جميل الشطي ومصطفى السباعي وعلي الطنطاوي وكتبوا عنه وأثنوا عليه ورثوه بعد وفاته، عندما دخل الفرنسيون إلى الشام حكموا عليه بالإعدام، وقبل دخولهم إليها كان يخطب في الناس في الشوارع والطرقات والساحات ومجتمعات الناس يثيرهم ويحمسهم على الجهاد قبل موقعة ميسلون.
ثم خرج متخفياً إلى حيفا وأنشأ لهم مدرسة تضاهي مدرسته "الكاملية" بدمشق والكاملية تخرج منها علماء كبار كالشيخ محمد بهجت البيطار، ثم رحل إلى الحجاز وقلده الملك عبد العزيز وزارة المعارف، وفي خلال سنة أو سنتين أنشأ في تلك البلاد عشرات المدارس، وأسس في الشام جمعية العلماء سنة 1356هـ وعمل فيها مدة طويلة، ومن أبرز أعمال تلك الجمعية إنشاء كلية الشريعة القائمة الآن بجامعة دمشق، وليس هذا موضع استقصاء سيرة هؤلاء العلماء الفضلاء والشيوخ النبلاء، "وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم".
وأما جمعية العلماء في الجزائر فإليها يعود الفضل بعد الله تعالى في حماية اللغة العربية، ولولا عناية جمعية علماء الجزائر لاندثرت اللغة العربية في تلك البلاد التي خضعت للحكم الفرنسي أكثر من مائة سنة وعملت على سياسة الفرنسة أي فرنسا، فإذا ذكرت جمعية علماء الجزائر فهل يخفى ابن باديس المفسر المشهور في زمانه، وهل ينكر البشير الإبراهيمي وأضرابهم؟!
فسددوا وقاربوا وبشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا وكونوا عباد الله إخواناً، فالخير في هذه الأمة دائم بإذن الله ومنها الطائفة المنصورة فالحكم على الناس بالظاهر والله يتولى السرائر، ونحسن الظن بعلماء المسلمين من أهل السنة والجماعة وإن حصل منهم هنات أو سقطات فالله يغفر لهم ويرحمهم، وإذا أزيلت المكائد والمكدرات وإفساد المخابرات سيجمع الله الشمل، ونسأل الله أن يوفقنا إلى امتثال قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103].
وفقنا الله وإياكم إلى معرفة أقدار الصالحين واتباع سنة سيد المرسلين والعمل بكتاب رب العالمين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
17-11-2011م
منقول:
http://olamaa-yemen.com/forum/showth...=1090#post1090