بحث مختصر
في
الجمع بين الصلاتين في المطر
تأليف
د. سعد الدين بن محمد الكبيبحث مختصر
في الجمع بين الصلاتين في المطر


النصوص الواردة في ذلك:
1ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « صلى رسول الله e الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر »
(1).
وفي رواية: « في غير خوف ولا مطر »
(2).
قال الإمام مالك رحمه الله: أُرى ذلك كان في مطر(3).
2ـ وعن صفوان بن سليم قال: ( جمع عمر بن الخطاب t بين الظهر والعصر في يوم مطير)(4).
3ـ وروى أيضاً عن معمر عن أيوب عن نافع: ( أن أهل المدينة كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، فيصلي معهم ابن عمر رضي الله عنهما لا يعيب ذلك عليهم )(5).
4ـ وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : ( كان إذا جمع الأُمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم )(6).
اختلاف الفقهاء:
اختلف الفقهاء في الجمع بين الصلاتين في المطر:
1ـ فذهب الحنفية إلى أنه لا جمع بين الصلاتين في الحضر، ولا في السفر، والجمع عندهم خاص بالظهر والعصر بعرفة، وبالمغرب والعشاء في المزدلفة، لأن النبي e جمع في هذين الموضعين(7).
2ـ وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى جواز الجمع في الحضر لعذر المطر، إلا أنه خصه بالليل، أي بين صلاتي المغرب والعشاء . وكذلك يجوز أيضاً في الطين دون المطر في الليل(8).
قال في المدونة(9): يجمع بين المغرب والعشاء وإن لم يكن مطر، إذا كان طين وظلمة، ويجمع أيضاً بينهما إذا كان المطر .
ودليل الإمام مالك رحمه الله، في تخصيص الجمع بصلاتي الليل فقط، عملُ أهل المدينة، وأنه ورد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ( أنه كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم )(1).
3ـ وذهب الإمام الشافعي رحمه الله، إلى جواز الجمع في المطر، بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في وقت الأولى منهما، ولا يجوز ذلك تأخيراً إلى وقت الثانية، لأن استدامة المطر ليست له، فقد ينقطع المطر، فيؤدي إلى إخراج الأولى عن وقتها من غير عذر بخلاف السفر(2).
ويشترط لجواز الجمع في المطر: وجود المطر عند التحريم، وعند السلام من الأولى ليتصل بأول الثانية، ولا يجمع عند الشافعي بسبب الوحل والريح والظلمة(3).
4ـ وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى جواز الجمع بين المغرب والعشاء في المطر، والثلج، والجليد، والوحل، والريح الشديدة الباردة(4).
ولا يجمع بين الظهر والعصر، قال الإمام أحمد: ما سمعت بذلك(5).
وذهب جماعة من الحنابلة إلى جواز الجمع لأجل المطر بين الظهر والعصر، منهم القاضي، وأبو الخطاب(6).
ويجوز الجمع عند الحنابلة للمنفرد، ومن كان طريقه إلى المسجد تحت ظلال، ومن مقامه في المسجد، لأن العذر إذا وجد استوى فيه حال المشقة، وعدمها كالسفر، ولأنه e جمع في مطر، وليس بين حجرته والمسجد شيء(7).
الترجيح:
والراجح أنه يجوز الجمع في المطر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء كما هو مذهب الشافعي رحمه الله، وأن الجمع لا يختص بالمغرب والعشاء كما هو مذهب الحنابلة والمالكية، بل جاء في الحديث أنه جمع بين الظهر والعصر أيضاً .
وهل يشترط تواصل المطر ليتصل بالثانية مع وجوده نازلاً عند التحريم كما هو مذهب الشافعي؟
الراجح أنه لا يشترط ذلك، بل إذا وجد سبب الجمع، وهو المطر، كأن يكون الغيم في السماء، والماء على الأرض جاز الجمع لقولهم في جمع عمر t: « في يوم مطير » وفي جمع أهل المدينة « في الليلة المطيرة » فأضيف كثرة المطر إلى اليوم أو الليلة، وليس إلى لحظة إقامة الصلاة، وهو أعم من كون المطر نازلاً أثناء إقامة الصلاة، فإنَّ اليوم يسمَّى مطيراً بكثرة المطر فيه، وإن تخلله صحو أثناء إقامة الصلاة .
وهذا الحكم ينبنى أيضاً على قاعدة وهي:
( إذا وجد سبب الحكم جاز تقديم العبادة على شرط الحكم )(1).
وقد أجاز الحنابلة الجمع لأجل الوَحَل، والريح الشديدة الباردة، إلا أنهم خصّوا ذلك بالمغرب والعشاء، وقد سبق وبيَّنت عدم اختصاص الجمع بالمغرب والعشاء كما في الحديث .

شروط الجمع بين الصلاتين:
1ـ أن يكون الجمع بين صلاتي النهار، الظهر والعصر، وصلاتي الليل، المغرب والعشاء، ولا يجوز جمع صلاة النهار مع صلاة الليل، كالعصر مع المغرب، ولا صلاة الليل مع الفجر، كالعشاء والفجر، ولا الفجر مع الظهر .
2ـ النية: وقد اختلف العلماء في محلها:
فالمشهور عند المالكية والحنابلة أنها تجب عند الإحرام بالأولى(2).
والأصح في مذهب الشافعية جوازها مع الإحرام بالأولى أو في أثنائها، أو مع التحلل منها، وهناك وجه عند الشافعية، أنه يجوز بعد التحلل من الأولى قبل الإحرام بالثانية، وخرّجه المزني قولاً للشافعي، قال النووي: وهو قوي(3).
وقال المزني وبعض الأصحاب في مذهب الشافعي:
لا تشترط النية، لأن النبي e جمع، ولم ينقل أنه نوى الجمع، ولا أمر بنيته، وكان يجمع معه من تخفى عليه هذه النية، فلو وجبت لبينها(4).
وهذا الذي ذهب إليه المزني رحمه الله، رجحه ابن تيمية رحمه الله حيث قال: ( والإمام أحمد لم ينقل عنه فيما أعلم أنه اشترط النية في جمع ولا قصر، ولكن ذكره طائفة من أصحابه، كالخرقي، والقاضي، وأما أبو بكر عبد العزيز وغيره فقالوا: إنما يوافق مطلق نصوصه )(5).


ومما احتج به شيخ الإسلام رحمه الله:
( أن النبي e صلى بأصحابه الظهر بعرفة، ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها، ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين، ولم يأمرهم بنية القصر )(1).
وقال: ( ولم ينقل قط أحد عن النبي e أنه أمر أصحابه، لا بنية قصر ولا بنية جمع، ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم )(2) .
وقال: ( وفي الصحيح: أنه لما صلى إحدى صلاتي العشي، وسلم من اثنتين، قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت، قال: « لم أنس ولم تقصر » قال: بلى قد نسيت، قال: « أكما يقول ذو اليدين ؟ » قالوا: نعم، فأتم الصلاة .
ولو كان القصر لا يجوز إلا إذا نووه لبين ذلك، ولكانوا يعلمون ذلك )(3).
وجاء في المدونة الكبرى؛ ( قال الإمام مالك فيمن صلى في بيته المغرب في ليلة المطر، فجاء إلى المسجد، فوجد القوم قد صلوا المغرب ولم يصلوا العشاء الآخرة، فأراد أن يصلي معهم العشاء، وقد كان صلى المغرب في بيته لنفسه، قال: لا أرى بأساً أن يصلي معهم )(4).

3ـ الترتيب: ذكر الإمام النووي رحمه الله أنه يشترط لجمع التقديم أن يبدأ بالأولى، لأن الوقت لها، والثانية تبع لها(5) . ولأن النبي e جمع هكذا وقال e : « صلوا كما رأيتموني أصلي» فلو بدأ بالثانية لم تصح وتجب إعادتها بفعل الأولى جامعاً(6).
ولو صلى الأولى ثم الثانية، فبان فساد الأولى، فالثانية فاسدة أيضاً، ويعيدها جامعاً(7).
4ـ الموالاة بين الصلاتين بأن لا يفرق بينهما إلا تفريقاً يسيراً، لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع الفرق الطويل، والمرجع في طول الفرق وقِصره إلى العرف، فإن احتاج إلى وضوء خفيف لم تبطل(8).

قال النووي: ( قال أصحابنا: ومتى طال الفصل، امتنع ضم الثانية إلى الأولى، ويتعين تأخيرها إلى وقتها )(1).
وقال النووي: ( وفيه وجه أنه يجوز الجمع وإن طال الفصل بينهما ما لم يخرج وقت الأولى، حكاه أصحابنا عن أبي سعيد الأصطخري، وحكاه الرافعي عنه وعن أبي علي الثقفي من أصحابنا، ونص الشافعي في الأم: أنه لو صلى المغرب في بيته بنية الجمع ثم أتى المسجد فصلى العشاء جاز )(2).
وإلى عدم اشتراط الموالاة ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: ( والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال، لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة )(3).


الجمع بين الصلاتين في البيت
لعذر المطر


قال الإمام النووي رحمه الله:
( فأما من يصلي في بيته منفرداً، أو جماعة، أو يمشي إلى المسجد في كِن، أو كان المسجد في باب داره، أو صلى النساء في بيوتهن، فهل يجوز )(4). قال: فيه خلاف، أصحهما باتفاقهم لا يجوز، وهو نصه في الأم والقديم . قال: لأن الجمع جوز للمشقة في تحصيل الجماعة، وهذا المعنى مفقود هنا .
والثاني: وهو نصه في الإملاء: يجوز، واحتج له المصنف وغيره بأن النبي e كان يجمع في بيوت أزواجه إلى المسجد(5).
وقال المرداوي في الإنصاف:
( وهل يجوز لمن يصلي في بيته، أو في مسجد طريقُهُ تحت ساباط ؟ على وجهين: أحدهما: يجوز، وهو المذهب، قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد )(6).


التعليل لجواز الجمع في المطر في البيت:
قال في منار السبيل: لأن العذر إذا وجد استوى فيه حال المشقة، وعدمها، كالسفر، ولأنه e جمع في مطر وليس بين حجرته والمسجد شيء(1).

جواز التخلف عن الجماعة في المسجد في المطر والبرد والريح وماذا يقول المؤذن :
رروىأبو داود ( 1057 ) عن أبي المليح عن أبيه « أن رسول الله e أمر مناديه يوم حُنين: أنِ الصلاةُ في الرحال » وهو صحيح .
وروى أيضاً ( 1059 ) عن أبي المليح عن أبيه « أنه شهد النبي e زمن الحديبية في يوم جمعة، وأصابهم مطر لم تبتلَّ أسفل نعالهم، فأمرهم أن يصلوا في رحالهم » وهو صحيح .
وروى أيضاً ( 1060 ) عن نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما نزل بضنجان في ليلة باردة، فأمر المنادي فنادى: ( أنِ الصلاةُ في الرحال » وهو صحيح .
وفي رواية ( 1061 ) قال فيه : ثم حدَّث عن رسول الله e أنه كان يأمر المنادي فينادي بالصلاة ثم ينادي: « أن صلوا في رحالكم، في الليلة الباردة، وفي الليلة المطيرة في السفر »
(2).
وروى أيضاً ( 1063 ) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال: « ألا صلوا في الرحال » ثم قال: « إن رسول الله e كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال » .
وروى البخاري ( 901 ) أنَّ ابن عباس رضي الله عنهما قال لمؤذنه في يوم مطير: « إذا قلت أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل حيَّ على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأنّ الناس استنكروا، قال فعله من هو خير مني، إنّ الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أُحرجكم فتمشون في الطين والدحض » .

(1) رواه مسلم في صلاة المسافرين ( باب الجمع بين الصلاتين في الحضر ) .

(2) نفس المصدر .

(3) الموطأ ( 1 / 144 ) .

(4) رواه عبد الرزاق في المصنف ( 2 / 556 ) .

(5) نفس المصدر .

(6) الموطأ ( 1 / 145 ) .

(7) بداية المجتهد لابن رشد ( 1/ 171 ) .

(8) نفس المصدر ( 1/ 173 ) وانظر الفقه الإسلامي وأدلته، د. زحيلي ( 2/ 353 ) .

(9) المدونة الكبرى ( 1 / 203 ) .

(1) سبق تخريجه .

(2) الإقناع للشربيني ( 1 / 370 ـ 371 ) وبداية المجتهد ( 1 / 173 ) والفقه الإسلامي وأدلته د. زحيلي ( 2 / 354 ) .

(3) الإقناع ( 1 / 371 ) والفقه الإسلامي وأدلته، د. زحيلي ( 2 / 354 ) .

(4) منار السبيل لابن ضويان ( 1 / 137 ) .

(5) الكافي لابن قدامة المقدسي ( 1 / 459 ) .

(6) الإنصاف للمرداوي ( 2 / 337 ) وتنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي ( 2 / 1186 ) .

(7) منار السبيل ( 1 / 138 ) والكافي ( 1 / 460 ) والإنصاف للمرداوي ( 2 / 339 ) قال: وهو المذهب .

(1) انظر: نص القاعدة وتطبيقاتها في قواعد الفقه لابن رجب ( 7 ) .

(2) انظر: منار السبيل ( 1 / 138 ) والخرشي على مختصر خليل ( 1 / 426 ) .

(3) المجموع شرح المهذب للنووي ( 4 / 374 ـ 375 )

(4) نفس المصدر ( 4 / 374 ) .

(5) الفتاوى لابن تيمية ( 24 / 51 ) .

(1) نفس المصدر ( 24 / 50 ) .

(2) نفس المصدر ( 24 / 104 ) .

(3) نفس المصدر ( 24 / 50 ) .

(4) المدونة الكبرى ( 1/ 203 و 204 ) .

(5) المجموع شرح المهذب ( 4 / 374 ) والإقناع ( 1 / 369 ) .

(6) المصدر السابق .

(7) المجموع ( 4 / 374 ) .

(8) المجموع ( 4 / 375 ) والكافي ( 1 / 458 و 459 ) .

(1) المجموع شرح المهذب ( 4 / 375 ) .

(2) نفس المصدر . قال النووي عقب الكلام: وهذا النص مؤول عند الأصحاب .

(3) الفتاوى ( 24 / 54 ) .

(4) المجموع شرح المهذب ( 4 / 381 ) .

(5) نفس المصدر .

(6) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ( 2 / 339 ) .

(1) منار السبيل لابن ضويان ( 1 / 138 ) .

(2) وهو في صحيح البخاري ( 632 ) .