{ لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ }

15/ 12/32هـ

الموافق 11/ 11/2011م

مسجد خالد بن الوليد

- خطبة الحاجة.
- الوصية بالتقوى.
عباد الله:
يقول الله تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُم ْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [التوبة : 36].
في هذه الآية يقرر رب السماوات والأرض، وخالقهن ومدبر أمورهن، أنه يوم خلقهن وخلق الزمان والمكان، وجعل الأشهر اثني عشر شهراً، إما بحسب مسير الشمس وتنقلها في أفلاكها،أو بالحساب القمري، الحساب الشمسي ثابت لا يتغير غالباً؛ ولهذا اختاره كثير الناس من لتقويم أعمالهم وضبط ومواعيدهم، ولكنَّ الحساب القمري يتغير ويدور على الفصول كلها؛ ولذلك ربط الله عز وجل به الأحكام الشرعية كالزكاة والصيام والحج والعدد وصيام الكفارات وغيرها.
هذه الأشهر القمرية اختار الله منها أربعة فضلها على غيرها، وقد ورث العرب تعظيم هذه الأشهر عن ملة أبيهم إبراهيم عليه السلام، فكانوا يعظمونها تعظيماً زائداً، ويبالغون في ذلك التعظيم، حتى أن الرجل يمر بقاتل أبيه وأخيه ويكون قادراً على الثأر منه فيمنعه أنه في الشهر الحرام، إلى غير ذلك مما ذكر من قصصهم في التاريخ مما يدل على تعظيم الأشهر الحرم. وقد قال الله تعالى هنا: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } لا تظلموا أنفسكم بأي نوع من أنواع الظلم، فلا تظلموا أنفسكم بأي معصية، بالاعتداء على بعضكم البعض، أو بأي اعتداء كان على أنفسكم أو على غيركم، قال الشوكاني - رحمه الله -: ( بإيقاع القتال فيهاوالهتك لحرمتها، وقيل: إن الضمير يرجع إلى الشهور كلها الحرم وغيرها وإن الله نهى عن الظلم فيها والأول أولى، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ لهذه الآية ) ([1]).
ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة : 2] قال ابن كثير - رحمه الله - : ( يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال...) ثم ذكر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم: في حجة الوداع ثم قال: ( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا ) ([2]) ثم علق عليه بقوله: ( وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت ([3]).كما هو مذهب طائفة من السلف... وقال ابن عباس: رضي الله عنهما في قوله تعالى: { وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } يعني: لا تستحلوا القتال فيه...واختاره ابن جرير أيضاً ) ([4]).
وكما سمعتم أن العرب الجاهليين قد عرفوا تعظيم هذا الشهر الحرام قبل فجر الإسلام، وصاروا يعظمونه ذلك التعظيم الذي سمعتم عن بعضه، وللأسف الشديد في زمننا هذا ووقتنا، في هذا العصر الذي نعيشه يمارس القتل في كل يوم، لا يخلو شهر ولا أسبوع ولا يوم، حتى الأعياد لم تصفُ للناس، لم يدَعُوا الناس يتمتعوا بأعيادهم ولا بأعرافهم، فمن الناس من قتل في يوم عرسه أو عرس قريبه؛ استعر الناس، استخفوا بالدماء، انتهكوا المحرمات أكثر مما كانت تفعله الجاهلية في هذا الجانب، أما الاقتتال بين المسلمين بشكل عام، فقد تحدث القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحدثنا و تحدث الناس في تعظيمه ، بل لا يشك مؤمن ولا عاقل من البشر بدينٍ وبلا دين بقبحه وبأنه من المحرمات، وتتفق جميع الشرائع والأعراف والتشريعات البشرية على ذلك، وأعظم من ذلك أن يكون في الأشهر الحرم.
فماذا نقول لأنفسنا؟ ماذا نقول لأمتنا ونحن نرى هذه الاستباحةَ لهذه الأشهر؟؟والاستب احة لدماء بعضنا بعضاً، والرسول صلى الله عليه وسلم: ( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ) متفق عليه، ننظر ماذا يجري في سوريا؟! أما سمعنا عنه؟ أما رأيناه؟ أما نسمع عما يجري في هذه الجمهورية اليمنية؟ أما سمعنا عن حصار الحوثيين الرافضة أعداء السنة لمركز دار الحديث بدماج، ذلك المركز الذي أسسه الشيخ الجليل والإمام الفاضل مقبل هادي الوادعي الذي خرّج مئات وآلاف من العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله، ويريد الحوثيون تصفيته والقضاء على كل مَن فيه من أهل السنة ومسحه من على وجه الأرض وعلى تطهير كل من فيه، إما أن يخرجوا بعيداً أو يكونوا تحت الأرض، لا يسمحون أن يبقى بينهم وفي محافظتهم بل في دولتهم -كما يزعمون - أحد من أهل السنة، دون أن يتحرك لنصرة هؤلاء المظلومين أحد، فلا دولة بل هي التي أسست هؤلاء الحوثيين، الرئيس وقد تحدث بنفسه أنه هو الذي أسهم في تنشئة هذه البذرة الخبيثة، التي عادت شراً عليه وعلى اليمن وأهله، لا أحد يحرك ساكناً، ولا المعارضة - للأسف الشديد - الذين ثاروا على ظلم وفساد الدولة كما يقولون، فأين هم من هذا الظلم؟ أين هم من هذا القتل؟ أين هم من هذا التدمير والتخريب والعدوان الصارخ؟ أليسوا هؤلاء من اليمنيين الذين يستحقون الحماية والإنصاف من عدوهم؟ أما سائر الشعب فغافل لا يدري عن شيء، وفي الخارج المنظمات والدول لا أحد يحرك ساكناً؛ لأن كل هذه المنظمات والدول قد جمعهم شيء واحد وهو أنهم لا يريدون الإسلامَ الصحيحَ الذي جاء به محمد بن عبدالله صلى الله عليه وحمله أصحابه وفتحوا به الأرض، فهم يريدون القضاء على كل ما يمتُّ إلى السنة، حتى وإن كان بعض الناس عنده شيء من الانحراف عن السنة.
ألم تسمعوا بالاغتيالات المتوالية التي نُفذت في هذه لمحافظة، وقتْل بعض المتظاهرين، واستهداف النقاط الأمنية؟ وآخر ذلك ما جرى قبل البارحة من قتل لثلاثة جنود من جنود لنجدة قرب الجسر البحري الرابط بين المكلا والشرج، فثقافة القتل بشكل عام، واستمراء الدماء والاستهانة به، وعدم التعاطي معه بما يجب أصبح شائعاً ذائعاً لا يتألم له أحد، لا ينكره الإنكار اللائق به إلا من رحم الله، هذا الاستخفاف بالدماء المعصومة ما هو سببه؟؟.
إن من أعظم أسبابه ضعف الإيمان، وفقدان اليقين، والأمن من مكر الله. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لَا يَزْنِي الزَّانِي حين يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ ولا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حين يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ ولا يَسْرِقُ حين يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ ) متفق عليه، فمن باب أولى أنه لا يقتل القاتل النفس المحرمة بغير حق وهو مؤمن؛ لأن القتل أشد وأعظم من الزنا وشرب الخمر والسرقة،هذا أول سبب.
السبب الثاني :
الانحراف الفكري الذي يجعل بعض الناس يستحل دماء إخوانه المؤمنين بزعم أنهم كفار، أو سندٌ وأداةُ قمع للكفار أو غير ذلك من المسوغات الباطلة، وعند ذلك تتحول الجريمةُ الكبرى عند هؤلاء إلى قُربة يتقربون بها إلى الله، يقتل المسلمَ ويرى أنه له في ذلك الأجر والثواب، وصدق السلف رحمهم الله حين قالوا عن الخارجين عن منهج أهل السنة، المبتدعة بأشكالهم المختلفة: ( إنهم يختلفون في كل شيء ويجتمعون على السيف ) أي الذين يخرجون عن إطار أهل السنة يجتمعون على استباحة دماء إخوانهم المسلمين.
السبب الثالث :
ضعف الدولة وسقوط هيبتها، بل تحولها أحياناً إلى القيام بدور القاتل المسعور، الذي يسخِّرُ كلَّ الإمكانيات لقتلِ من يقفُ في طريقه ويخالفُه الرأي بذرائع غير مقبولة، وهذا ما شاهدناه في جميع الدول التي عصفت بها الثورات، ولبلادنا نصيبٌ وافرٌ من ذلك كما لا يخفى، ولا أبرئ الطرفَ الآخر، المعارضة بمسمياتها ومناهجها المختلفة، فإنهم أيضاً يساهمون في ذلك، عبر ما يتخذونه من أمور خلفية، يقولون: ثورتُنا سلمية، حراكُنا سلمي، فِعلُنا سلمي، ومن وراء السلمية " سَلَمة " وهي الشجرة التي لها أشواك قوية، وهي المليشيات والعساكر، وقالوا: هذه لحماية الثورة، فأين السلمية إذن؟ فصار الكل مشترك في الجرائم، والكل مشترك في الدماء، نعم الدولة متفردة، ووزرها لا يوازيه شيء؛لأنها مسئولة عن حماية الناس والدفاع عنهم، ولكن كل من حمل سلاحه فهو مشترك في ذلك، أياً كان سبب فعله فكلهم مساهمون في هذه الفتنة والجرائم.
وإن كانت محافظة حضرموت من أقل المحافظات تعرضاً لهذه الحوادث الأليمة والظواهر السيئة، رغم ما شهدته من أحداث قتل في جهات مختلفة و لأغراض متباينة؛ وذلك لما منح الله هذه المحافظة وأهلها من خصائص وقيم دينية و أخلاقية وسلوكية يعترف بها الجميع.
ولما تحلى به قياداتها الفكرية والسياسية والاجتماعية من حكمةٍ وحسن تصرف، يشهد بذلك بياناتهم ووثائقهم التي وقَّعت عليها معظمُ الأطرافِ الفاعلة في الساحة، حينما وقفوا في وجه كل من يريد أن يجرَّ المحافظة إلى العنف، ولكنهم - للأسف - ما استطاعوا أن يقاوموا هذه الاختراقات والاختلالات التي أصبحت كل يوم تتهددنا ,وأصبحت تنذر بما هو أكبر وأعظم مما وقع.
والمطلوب هو الثبات على تلك المبادئ والتمسك بتلك العهود التي قطعتها الأطراف على نفسها، ونبذ كل من يريد إخراجنا عن ذلك، والقيام في وجهه صفاً واحداً دون هوادة أو مجاملة.
أما عن ضعف الدولة فلا شك أن ضعفَها، وفقدان هيبتها، والشلل المنتشر في معظم أجهزتها؛ سبب كبيرٌ من أسباب انتشار الجريمة، وتسلط المجرمين وزوال الأمن والسكينة عن المجتمع وكما يقولون: " من أمِنَ العقوبةَ أساء الأدب ".
ومن أعظم وظائف الدولة، بل هي أعظم وظائفها حفظُ دينِ الأمة وأنفسها وأموالها وأعراضها، فمتى عجزت عن القيام بهذه الوظيفة فَقَدت مسوغ وجودها قال الله تعالى:( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) ) وإن الله ليزعُ بالسلطان مالا يزعُ بالقرآن.
قال عبدالله بن المبارك :
لولا الخليفةُ لم تأمن لنا سبلٌ
وكان أضعفُنا نهباً لأقوانا

وفي محافظتنا هذه الآمنة بفطرتها، المتعففة عن الإجرام بقيمها وأخلاقها ويقظة ضمائر أهلها، لا يجوز لأي طرفٍ من الأطراف أن يجلبَ إليها ما يخالفُ ما عُرف عنها من ذلك، لا يجوزُ لأي طرف أن ينفِّذَ سياساتِه العدوانيةَ على أرض حضرموت الآمنة السالمة، لاعن ضعفٍ وجبن، وإنما عن خوفٍ من الله وقيم.
لا يجوز لأي طرف أن يأخذ بثأره، ولا أن ينتقم من غريمه على أرض حضرموت، لا يجوز لأي طرف أن يطبِّق ما يظن أنه نجح في تطبيقه في بعض المحافظات الأخرى، فالأمر يختلف والحُلُم هنا لن يتحقق، فليعقلْ من يحدث نفسه بجعل حضرموت ساحةً للفتنة وميداناً للتجربة التي ستكون مدمرة ومهلكة للحرث والنسل، والفتنة نائمة - كما يقال - لعن الله من أيقظها .
الخطبة الثانية

- الحمد والثناء:
عباد الله :
هذا الذي وصفنا من الفتنةِ الجارفةِ والهرْج، الذي قد يكون مما وعد بها النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، إنه داءٌ خطير إن تُرك بلا وقاية وتحصين قبل وقوعه، وتُرك بلا علاج بعد وقوعه، سيسري في جسد الأمة كما يسري وينتشر مرض السرطان .
ولكن الله ما أنزل داءً إلا و أنزل له دواء كما قرر ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولنبدأ بذكر بعض أسباب الوقاية أولاً ثم بعض العلاجات:
السبب الأول: التربية الإيمانية والأخلاقية على تقوى الله والأخلاق الإسلامية النبيلة وعلى القيم الموروثة لدينا والتي شُهد لنا بها.
أيها الإخوة المؤمنون:
نحن في هذه البلاد ليس فينا مشرك ولا يهود ولا نصارى فكلنا مسلمون، والمسلم الأصل فيه خوف الله تعالى، ولكن قد يغلب على قلوب البعض من الهوى أو الجهل أو الشهوات والشبهات ما يحول بينه وبين ذلك، ولكنه إذا ذُكر تذكر: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات : 55].والأصل أن هذه النزعاتِ والنـزغاتِ الشيطانية والخصالَ العدوانية يبرأ منها المسلم، ولكنها تفد عليه لا حقاً، فلو أحسنا تربية أنفسنا وأولادنا والمجتمع، وغرسنا فيها تقوى الله عز وجل والخوفَ منه، والحذر من لقائه بالأوزار والذنوب سنكون على أسعد حال، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ِ} [فاطر : 28]،فإذا كنا عالمين به وبالطريق الموصل إليه وبالعواقب المترتبة على أعمال الخير والشر لديه؛ سنكون أسعدَ الناس، وأبعدهم عن الفتنة.
كذلك ما ذكرناه عن أهلنا وأجدادنا وعما شُهرنا من النبل والعفة والسلمية الحقيقية، التي تميز بها شعب حضرموت، وهي بحمد الله موجودة، فالإنسان كالجوهرة التي قد يطرأ عليها الغبار، وقد تتلوث بالنجاسات أحياناً، ولكنها متى ما صُقلت وغُسِلت زال ذلك عنها ،وعادت كأن لم يصبها شيء من ذلك، فهل لنا أن نعود إلى قيمنا الدينية، وقيمنا الموروثة عن آبائنا وأجدادنا وما جبلنا عليه في هذه المحافظة، فإننا والله سنسلم ونسعد من كل ذلك.
الأمر الثاني: التربية على عفة النفوس وقناعة القلوب، وأن لا يبيع الإنسان نفسَه وأهلَه وبلاده بعرض من الدنيا قليل، فما جلب الدمارَ وأسقط الدولَ وساهم في استعباد الشعوب، شيءٌ أكبر من العمالة التي تُبنى على بيع النفوس بالمال، أو الوعود بالجاه والمناصب.
أيها الإخوة:
إن الإفساد والقتل والتخريب كثير منه مبنيٌ على العمالة، هذا الإنسان الذي يفعل ذلك يطمع أن يُعطى مال أو منصب، يوعد بجاهٍ أو وظيفة ثم لا يتحقق له شيء من ذلك، فمتى نرى أنفسنا وليس بيننا عميل؟ وليس بيننا من يبيعُ نفسَهُ للشيطان والهوى، يبيع نفسه لأعدائنا وأعداء بلادنا، متى نربي أنفسنا وأولادنا على ذلك، والله إن معظم هذه الأعمال مبنية على هذا الاتجاه وهذه العمالة،مبنية على أن أناساً شياطين من الإنس يبذلون الأموال والوعود لهؤلاء السذَّج والمغرورين والجهلة، الجهلة بأنفسهم وقَدْرها، و ببلادهم وحقها، ثم يستخدمونهم فيما يريدون؛ لأننا محسودون على الأمن الذي نعيش فيه، والخدمة التي نتمتع بها وغيرُنا لا يجدها، محسودون على الخير في الذي في بلادنا وأرضنا ، في بحرنا وفي داخل أرضنا؛ لذلك سيأتي من يشتري من أبنائنا من ينكد علينا معيشتنا، ويدمر علينا بلادنا وأمننا واستقرارنا إذا لم نتجنب ذلك، وإذا لم نربِّ أنفسنا على ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا من العفة والعصامية ومن كلمة " يا لوماه" التي اشتهر بها الحضرمي أينما وجد، وخسرنا الخسارة الكبيرة عندما ضعفت في نفوس كثير منا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ ) ([5]).
السبب الثالث: التحصين الفكري، ووقاية الجيل من الأفكار المتطرفة و الانحرافات الفكرية والسلوكية، والضلال الفكري أياً كان نوعه وشكله، فإنه لا سلامة إلا بالاستقامة على الصراط المستقيم، على منهج صحابة رسول الله صلى عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان، وأما من خرج على هذا المنهج فسوف يضل، ويصبح شراً على نفسه ومجتمعه.
وأخيراً: قيام السلطة المحلية بواجبها بجد، فما كان مسلسل القتل ليستمر لولا شعور القتلة بالأمن من العقاب، من أول قَطرةِ دم سُفكت في هذه البلاد في أثناء هذه الفتنة، لو أن الفاعلين شعروا، والمجرمين الذين ينوون أن يفعلوا الجرائم لاحقاً أن هناك جد وتحقيق ومحاكمة وقصاص، قصاص لمن فعل ذلك؛ ما تجرأ أحد أن يفسد، ولكن جرَّبُوا أول مرة فوجدوا أن الفاعل طليق، بل مكرَّمٌ مشرف عند بعض الناس؛ فتشجعوا على ذلك، وجاء الذي بعده وهكذا، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولازلنا ننتظر من تلك الجرائم الشيء الكثير مادام أن السلطة لم تقم بدورها،ولم تُمسك بأحد وتُطلع الناس على التحقيق، وماذا توصلوا إليه في كل هذه الجرائم، حتى جريمة واحدة ما كوشفنا بها، وقيل لنا هذا التحقيق الذي جرى،وهذا هو المجرم، وهذه الجهة المتبنية لذلك الجرم، ما شعرنا بشيء من ذلك؛ ولهذا وقع الذي وقع وسيستمر، ولن نسلم إلا أن يرحمنا الله عز وجل؛ فتذهب هذه السلطة كما ذهب غيره، ويأتي الله تعالى بمن يقيم فينا شرعه: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد : 38]، نسأل الله أن يديم علينا الأمن والأمان.


[1] فتح القدير ( 2/358 ).

[2] رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه : ( 3/889) رقم 1218.

[3] لأن هذه الخطبة كانت في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبقَ بينها وبين موته إلا بضعاً وثمانين يوماً.

[4] تفسير ابن كثير ( 2/59 ).

[5]رواه أحمد والترمذي عن كعب بن مالك، وصححه الألباني، انظر حديث رقم: 5620 في صحيح الجامع.