حبُّ محمدةِ الناس..!
النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: حبُّ محمدةِ الناس..!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي حبُّ محمدةِ الناس..!

    تجريد النية لله سبحانه وتعالى مع المحافظة على سلامة هذه النية من أول العمل إلى منتهاه
    هو أشقّ ما يجاهد به المرء قلبه في فكّ أسره من قيود حظوظ النفس كيما يحلّق في فضاء التوحيد
    فيشهد مقامات العبودية في أبهى صورها..
    وبذلك تسلم أعماله من كلاليب الأرض التي تجذبه سفولا نحو الأرض..وحتى سابع أرض
    فمخدوش ناج..ومكدوس في غيابات الآفات..التي تحرق أعماله حرقا "فأصابها إعصار فيه نارٌ فاحترقت"
    وقلّ من يسلم..!

    وفي ميدان التنافس تزداد حدة الضراوة..مع ما يوقده الشيطان من أزّه المعروف
    فيوحي بعشرات المسوّغات موهما إياك أنّ
    عملك خالص..بل خالصٌ جدا..بدليل كذا وكذا..وكيت وكيت

    ولمّا كان طالب العلم..ممدوحا في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلّم
    ومحمودا في أعين الناس بما يقدّمه من فوائد
    ثم هو -مع ذلك-يشعر بتميّزه لما بذله من جهدٍ في التحصيل وتعنٍّ في الطلب
    وكان فوق ذلك مجبولا على حبّ المدح لما يورثه ذلك من شعور بأنّ له شأنا وتميّزا
    وقد كان أيضا يطالع التراجم..فيجد المدائح تكال لأهل العلم بألفاظٍ هي من أبلغ ما أنت سامع من عيون كلام العرب
    فتراه يستبق محاكاتهم لا بتجريد النية والعلم والعمل والجهاد فيه
    بل بالطرب على سماع الثناء الحسن والتبجيل الغالي

    فإن قيل:هذا الداء..فأين الدواء؟
    الجواب تكفّل به الإمام المبارك ابن القيم رحمه الله تعالى فتأمّل كلامه..وكن أذنا واعية:-
    يقول:"لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار ، والضب والحوت ، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس ، وأقبل على المدح والثناء ، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة ، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخـلاص "

    هذه وصفة طبيب قد دلّتنا كتبه وسيرته
    أنه كان ساميا في شهود مقامات التوحيد
    حتى إنّ نبض قلبه الحيّ ليكاد يقرع سمعك وأنت تقرأ له في المدارج أو غيره

    وإليك بيان ما قال..ولا يفتي في أمراض القلوب إلا حذّاق الإخلاص..
    فإنّهم جمعوا بين علم الكتاب..وذاقوا حلاوة ما عملوا به ..
    فرزقهم الله علم مالم يعلموا ابتداء
    فكانوا الطبيب والمجرّب معاً

    أولا-لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار ، والضب والحوت
    هذه الحقيقة المسلّمة..خذها بقوّة..فهي أول جرعة للشفاء
    وهي أشبه بقول طبيب الأبدان لمريضه :لا يتأتى لك البُرء وأنت تأكل كذا وكذا..فأقلع أولا ثم تطلّب العلاج

    ثانيا-فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس
    ومن عجب أن تكون سكّين اليأس حادّة إذا تعلّق الأمر بما عند الله..أعني اليأس بما عند الله..لضعف اليقين
    فإن قيل كيف السبيل إلى قطع الطمع المذكور؟
    تأمّل الجواب عمليّا من فعل الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
    يقول الحافظ ابن عبد الهادي عن البعلي قال:ذكر
    لنا مرة الشيخ ابن رجب مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة !
    فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟!
    قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس

    فإن قلت..لخّص الجواب في كلمة!
    قلت:عظّم الربّ في قلبك..يحقر عندك ما في أيدي الناس..
    وتعظيم الرب وخشيته وإقداره قدره له وسائل..تجدها منثورة في كتاب الله والسنة وسير الصالحين
    فإن ثقل عليك ذلك..فحسبك أن تتعرّف على الله بأسمائه وصفاته..ثم تقرن ذلك بحقارة المخلوق الفقير..ولا تنس أيضا
    أنك من هذا الجنس الأخير

    ثالثا-وأقبل على المدح والثناء ، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة ، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخـلاص
    هذا الكلام النفيس..ليس غير شرح لما هو أنفس منه أعني كلام رسول الله
    فعن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس))
    فتدبر هذه القاعدة النبوية..تنفتح لك أسرار كثيرة..من أسرار الإخلاص وحسن العمل

    وأما قوله"زهد عشاق الدنيا في الآخرة"
    ففيه من المعاني ما تعلم به يقينا أن نور العلم الذي يؤتاه العلماء الربانيون
    ما تفهم به معنى وراثة النبوة
    ولذلك تجد من أقوالهم البليغة السديدة
    ما لا يمنعك من نسبته لرسول الله إلا الإسناد..والإسنا د وحده

    وهنا طالب الإمام من ابتغى وجه الله حقا بأن يجعل زهده فيما عند الناس كزهد عشاق الدنيا فيما عند الله..ولم يزد على ذلك..كأن يقول:اجعله أعظم
    لأن عاشق الدنيا..مأطور بها..فلما احتجبت عنه الآخرة..وأمده في معشوقته قصير جدا
    كان فيها لاهثا يركض فيها ركض الوحوش في البريّة..ليحصّل منها قدر وسعه قبل مفارقتها
    فإنه ما من يقين أشبه بالشك من الموت كما قال علي رضي الله عنه..

    هذا واعلم أنه لا يبعد أن يكون كاتب هذا
    لم يسلم مما يعظ به أثناء كتابته!
    ولذلك قال سفيان:ما عالجت شيئا أشدّ عليّ من نيّتي

    ومن الدربة على كل ما سبق..المبالغة في تكثير أسرارك مع الله
    أعني تلك التي لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى..من أعمال صالحة

    وصل اللهم على سيدنا محمد

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    1,298

    افتراضي رد: حبُّ محمدةِ الناس..!

    هذا موضوع حساس حرج ، والبعض يصيبه حزن شديد لأنه يظن المراد اقتلاع واستئصال الشعور بالسعادة عند حمد الناس له والشعور بالحزن والضيق عند ذم الناس له ، وليس هذا هو المراد ، ومازال الأئمة والسلف على عكس ذلك ، ذكر الذهبي في السير في ترجمة ابن وهب الحافظ أنه قدم على أبي زرعة فوجد عنده من أصحاب أبي حنيفة من يسأله عن أحاديث ، كلما سأله عن حديث قال أبو زرعه ، باطل..وهكذا ، فقال الحنفي : كلما سألتك عن حديث لا تعرفه قلت "باطل" ، فتقدم إليه ابن وهب وقال : أخبرني كم تحفظ بإسنادك إلى شيخك أبي حنيفة ؟ فوجم الرجل وانقطع ، فقال ابن وهب له: تقول في أبي زرعه ما قلت وأنت لا تحفظ إلى شيخك شيء؟ فأعجب ذلك أبي زرعه وقام فقبّل رأسه. والمواقف كثيرة للسلف والصحابة منها حديث عمر وابنه رضي الله عنهما في حضرة الرسول عندما سأل أصحابه عن مثل النخلة فود عمر لو أن ابنه أجاب أمام الرسول ، إلا أن المراد قطعاً هو من جعل محمدة الناس مرادة لذاتها ، فإن حصلت تبعاً لم يعجبه ذلك ، وأما من جعل الله أولاً ثم كانت محمدة الناس بحيث لو حصلت أو لم تحصل لم تثنه عن مواصلة الطلب والعمل أو عكسه ، كان هذا هو المطلوب ، وهو ما فهمته من كلامك ونقولاتك ، إلا أن هناك أحوال قد يطلب فيها بعض الأئمة والعلماء تقدير من حولهم و احترامهم لما يعرفونه عن أنفسهم من أنهم أهل لذلك وليرفعوا بذلك أنفسهم وينزههوها عن رأي سفلة القوم وقول بعض الجهلة ، فهذا رأيت له أمثلة من تراجم السلف لا تحضرني الآن لعل بعض الإخوة يذكرها. أما نقولاتك وتعليقاتك فلا غبار عليها ، جزاك الله خيرا.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: حبُّ محمدةِ الناس..!

    حضرة الشيخ عبد الله..شكر الله تعقيبك
    نعم ..المقصود أن يصيب النيةَ دخل..فيكتب مدفوعا بما يتوقعه من مديح الناس له
    أما الفرح بنعمة الله..ومن ثم شكره عليها..
    فهذا عاجل بشرى المؤمن..كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    254

    افتراضي رد: حبُّ محمدةِ الناس..!

    باركَ اللهُ فيك أخي المفضال أبا القاسم ...

    فِعلاً : ( النِّيـَّة شَـرُود ) !
    وما عبَّرَ الإنسَانُ عن فضلِ نفْسِهِ ** بمثلِ اعتقادِ الفضلِ في كلِّ فاضلِ
    وليسَ من الإنصافِ أنْ يدفعَ الفتى ** يدَ النَّقصِ عنهُ بانتقاصِ الأفاضل !

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    سياتل..ولاية واشنطن ..
    المشاركات
    1,211

    افتراضي رد: حبُّ محمدةِ الناس..!

    بارك الله فيك أخي الحبيب أباالقاسم..
    بالنسبة لعبارة شيخ الاسلام بن القيم فهي من اوائل ما تلقف سمعي في حياتي عن هذا الإمام وذلك من خلال حضوري لدروس شيخي ابي سلمة المراكشي حفظه الله والذي هو بامتياز متخصص في كتب ابن القيم وعلومه..
    لما قرأت تلك العبارة ذكرتني بأيام خوالي..أسأل الله تعالى ان يحفظك ويبارك فيك اخي الحبيب المقدسي...
    "لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار ، والضب والحوت ، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس ، وأقبل على المدح والثناء ، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة ، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخـلاص "

    صدق رحمه الله...
    أنا الشمس في جو العلوم منيرة**ولكن عيبي أن مطلعي الغرب
    إمام الأندلس المصمودي الظاهري

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    487

    افتراضي رد: حبُّ محمدةِ الناس..!

    اللهم اعنا على الاخلاص والصبر عليه
    شكرا لك ... بارك الله فيك ...

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,744

    افتراضي رد: حبُّ محمدةِ الناس..!

    شكر الله لكم أجمعين..
    والله يرزقنا وإياكم حسن القصد والعمل
    اللهم آمين

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    215

    افتراضي رد: حبُّ محمدةِ الناس..!

    بارك الله فيك أبا القاسم
    أخي طالب العلم: أتشرف بك صديقاً مُشاركاً في صفحتي على الفيس بوك :
    http://www.facebook.com/khabab.al.hamad

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    31

    افتراضي رد: حبُّ محمدةِ الناس..!

    بارك الله فيكم أبا القاسم وجعلكم من أهل طاعته وجنّته

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •