الدكتور رياض عميراوي:آراء العلماء في الترتيب المصحفي وحقيقة دعوى إعادة ترتيبه
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الدكتور رياض عميراوي:آراء العلماء في الترتيب المصحفي وحقيقة دعوى إعادة ترتيبه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    14

    افتراضي الدكتور رياض عميراوي:آراء العلماء في الترتيب المصحفي وحقيقة دعوى إعادة ترتيبه

    بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
    أول مشاركة لي عبر موقعكم الموقر أقدم فيه بحث للقراء دفاعا عن كتاب الله وحفاظا عليه
    وقوفا عند قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9، وشكرا لله تعالى على ما جاء في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا }الكهف1، أردت أن أشارك بموضوع: آراء العلماء في الترتيب المصحفي وحقيقة دعوى إعادة ترتيبه.
    ملفين وينزيب:ا
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    44

    افتراضي رد: الدكتور رياض عميراوي:آراء العلماء في الترتيب المصحفي وحقيقة دعوى إعادة ترتيبه

    بارك الله في جهودك يا أخي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    131

    افتراضي رد: الدكتور رياض عميراوي:آراء العلماء في الترتيب المصحفي وحقيقة دعوى إعادة ترتيبه

    بارك الله فيكم
    اللهم أحسن عاقبتي في الأمور كلها

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    14

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
    وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
    كلية أصول الدين – قسم الكتاب والسنة
    د.رياض عميراوي
    بحث بعنوان:
    التناسب الشكلي والمعنوي في النظم القرآني
    السنة الجامعية: (1437/1438)ه - (2016/2017)م
    تلخيص:
    لقد ارتبط مفهوم النظم بقضية الإعجاز عند المتقدمين، وكان معروفا عند اللغويين والبلاغيين، مثل سيبويه الذي أشار إلى النظم بكلمة: "التأليف"، ومثل الجاحظ صاحب الكتاب المفقود: "نظم القرآن" والذي فرَّق فيه بين النظم القرآني ونظم الكلام، وأبو عبيدة معمر بن المثنى عندما ناقش مجاز القرآن، لكنه لم يحدد معالم تحديد هذا النظم، وابن قتيبة، والمبرَّد، والرمَّاني والباقلاني، و.. .وغيرهم ، حيث كان مفهوما عاما غير متميز عن الجوانب الأخرى للغة والمتمثلة في "المجاز" أي الجانب الخيالي في اللغة، و"البديع" الذي يمثل الجانب الجمالي الشكلي في اللغة، ولهذا حدث قصور في ما يترتب عن عدم معرفة معنى النظم القرآني، هذا الذي افضى إلى عدم إعطاء علم التناسب حقه خاصة في الجانب النظمي للقرآن الكريم، ولهذا كتبنا هذا البحث لنبين هذه المسألة بالتفصيل خاصة بعد وضوح فكرة نظرية النظم عند المتأخرين.
    Abstract
    I've been associated with the concept of systems cause miracles when the applicants, and was known to linguists and Albulageyen, such Sibawayh Who referred to the systems the word "copyright", and like bigeye author of the book The Lost: "The Koran systems" which teams where the Quranic systems and systems of speech, Abu Obeida Muammar bin Muthanna when he discussed the ****phor of the Koran, but did not specify determine the systems parameters, and the son Qutaiba, the radiator, Rummani and Albaqlani, and .. .ogerhm, where it was understood years is distinct from the other aspects of the language of "****phor" any imaginary aspect of language, and "magnificent", which represents the aesthetic aspect of formal language, and for this failure happened in the consequences for not knowing the meaning of the Quranic systems, which led to this not to give aware of proportionality, particularly their right to systemic aspect of the Koran, so we wrote this paper to show this issue in detail, especially after the clarity of the idea of ​​systems theory when latecomers
    مقدمة
    لقد اختلف العلماء واللغويون من أهل العربية حول مسألة النظم في القرآن الكريم، ولقد مر هذا المفهوم بعدة مراحل حتى لم شمله واستكملت دائرته حتى ظهرت نظرية النظم على يد الجرجاني ولقد ارتبط مفهوم النظم بقضية الإعجاز عند المتقدمين، وكان معروفا عند اللغويين والبلاغيين، مثل سيبويه (185هـ)، الذي أشار إلى النظم بكلمة: "التأليف"[1]، ومثل الجاحظ (253هـ) صاحب الكتاب المفقود: "نظم القرآن" الذي ذكره في كتابه: "الحيوان"، والذي فرَّق فيه بين النظم القرآني ونظم الكلام، وتحدث عن اللفظة المفردة، واشترط فيها أن تكون خالية من تنافر الحروف، جارية على ألسنة العرب، ومهيكلة قواعديا[2]، وأبو عبيدة معمر بن المثنى (210هـ) عندما ناقش مجاز القرآن، لكنه لم يحدد معالم تحديد هذا النظم،[3] وابن قتيبة (276هـ)، والمبرَّد (285)، والرمَّاني (384هـ)، والباقلاني (403هـ)، .. .وغيرهم[4]، حيث كان مفهوما عاما غير متميز عن الجوانب الأخرى للغة والمتمثلة في "المجاز" أي الجانب الخيالي في اللغة، و"البديع" الذي يمثل الجانب الجمالي الشكلي في اللغة. ولكنه لم يكن مطروحا كنظرية لها قواعد يمكن تطبيقها للتوصل إلى التعبير الصحيح عن المعنى، إلا أن جاء الجرجاني (716هـ)، فاتضحت معالم نظرية النظم، حيث انتقد سابقيه ممن تكلموا في الاعجاز ولم يعتمدوا أساس توخي النحو، لأن في اعتقاده أن اللفظة المفردة لا فصاحة لها منفردة بل لا تبين عن فصاحتها إلا إذا أخذت موقعا من الجملة، فنظرية النظم هي نظرية في اللغة طرحت بشكل أساسي في سياق معالجة الشيخ عبد القاهر الجرجاني لقضية الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم[5]، وهي تمس الشكل كما تمس المعنى أيضا. ثم جاء بعده الزركشي (794هـ)، والسيوطي (911هـ)، إلا أنهما لم يضيفا جديدا بقدر ما أكدا على الدراسات السابقة في هذا المجال، وعرف النظم تطورات مختلفة لم تخرج في عمومها عن البحث في تناسق العبارات لتأدية المعنى السهل القريب بأقصر ما يمكن من الألفاظ. وعلى هذا الأساس قسمت أنواع التناسب في النظم إلى قسمين: قسم يمثل التناسب الشكلي، وقسم يمثل التناسب المعنوي. حسب الخطة الآتية:
    تمهيد:
    المطلب الأول: التناسب الشكلي:
    الفرع الأول: التناسب الصوتي أو الإيقاعي
    الفرع الثاني: التناسب الصرفي (الحروف في الكلمات)
    الفرع الثالث: التناسب اللفظي (المشاكلة)
    المطلب الثاني: التناسب المعنوي.
    الفرع الأول: التناسب التركيبي: (الجمل في الآيات)
    الفرع الثاني: تناسب الفواصل: (تشابه الأطراف)
    الفرع الثالث: تناسب تذييل الآيات
    تمهيد: النظم هو الجمع والضم والاتساق والنظام والتأليف، قال ابن منظور: "النظم: التأليف، نظمه نظما ونظاما ونظمه فانتظم وتنظَّم، ونَظَمْتُ اللؤلؤ، أي: جمعته في السلك، والتنظيم مثله، ومنه نظمت الشعر ونظَّمته، ونظم الأمر على المثل، وكل شيء قرنته بآخر، أو ضممت بعضه إلى بعض قد نظمته، والانتظام والاتساق"[6] والنظم عند الفيروز آبادي: هو التأليف، وضم شيء إلى شيء آخر، ونظم اللؤلؤ ينظمه نظما ونظاما ونظمه: ألفَّهُ وجمعهُ في سلك فانتظم ..."[7]. المطلب الأول: التناسب الشكلي: يتركب الكلام العربي من ثلاثة حروف هي من الأصوات، وكلمات هي من الحروف، وجمل هي من الكلم[8]، وتتناسب هذه الأصوات في حروفها وهي ممهدة لها، وتتناسب هذه الحروف في كلماتها وهي ممهدة لها، وتتناسب هذه الكلمات في الجمل والعبارات، وهي ممهدة لها، شكلا ومعناً، وإن التناسب يطول هذه الثلاث، وسنبدأ تفصيل الكلام في التناسب الصوتي أو الإيقاعي، ثم عن تناسب الحروف في الكلمات، وهو ما أطلقت عليه: التناسب الصرفي، ثم تناسب الكلمات في الجمل وهو ما يسمى بالتناسب اللفظي أو (المشاكلة). ولنباشر الحديث عن التناسب الصوتي في القرآن الكريم. الفرع الأول: التناسب الصوتي أو الإيقاعي الإيقاع الصوتي للكلمة: كثيراً ما نجد الكلمة القرآنية توحي بمعنى يضاف إلى معناها المعجمي أو العرفي من خلال جرس أصواتها التي تحاكي الحدث، فترسم صورة الحدث في ذهن المتلقي أو القارئ، وذلك غير ما أشارت إليه الدراسات اللغوية منذ عصر الإغريق التي قالت برمزية الأصوات[9]، وغير ما ذكره ابن جني في حديثه عن أصل اللغة[10] من ذهاب بعضهم إلى أن اللغة مأخوذة من الأصوات المسموعات في الطبيعة وظواهرها، ونحن لا نعني هذا التفسير، فالبحث في أصل معاني الألفاظ عند وضع اللغة غاية لا تدرك، إنما نعني هنا الدلالات المكتسبة من حكاية الأصوات وتناسبها وما تضيفه وتوحيه صفاتها المؤلفة من ظلال المعاني إلى المعنى المعجمي، فالتكرار الصوتي والمقطعي يوحي بتكرار الحدث، والتشديد يوحي بالمبالغة والكثرة، وانسجام أصوات الكلمات في سياقها يوحي بالسلاسة والرقة وهذه معاني تضاف إلى معانيها المعجمية. وللكلمة تاريخ من الاستعمال يحمل تجارب الأجيال التي استعملتها وهي تحيا بالاستعمال وتموت بعدمه، وقد عقد ابن جني (ت392هـ) أربعة أبواب في الجزء الثاني من (الخصائص)[11] حاول فيها إثبات مفهوم الصلة بين اللفظ ومدلوله وإيحاء الأصوات بما يناسب الأحداث لكنه بالغ في حديثه وتصوره دلالة أصوات الكلمات وحكايتها لمعانيها وقد سبقه الخليل بن أحمد (ت175هـ) بقوله: "كأنَّهم توهموا في صوت الجندب استطالةً ومداً فقالوا صرّ، وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً فقالوا صرصر"[12]، ولم يهمل اللغويون المحدثون النظر في الصلة بين اللفظ ودلالته، فقد ناقشها إبراهيم أنيس، وتمام حسان، ومن الغربيين "يسبرسن"[13] و"أولمان"[14] وغيرهم، فكانت خلاصة موقفهم أن توليد المعنى عن طريق المحاكاة والتقليد بواسطة الصوت له دور ذو أهمية وحيوية، وقد وضعت نظم رمزية ترمي إلى بيان القيمة التعبيرية المتصلة بالأصوات المختلفة، ولكن ينبغي لنا أن لا نبالغ في ذلك[15]، ونحن نعرف أن النص الإبداعي يهدف إلى الوصول بالكلمة إلى كامل قوتها وإيحائها سواء بالإيقاع وإيحاء جرس الكلمة أو التكرير والتشديد على أصوات معينة، وغير ذلك من الوسائل الفنية. وقد عنيَ (القرآن بالجرس والإيقاع عنايته بالمعنى وهو لذلك يتخير الألفاظ تخيراً يقوم على أساس من تحقيق الموسيقى المتسقة مع جو الآية وجو السياق بل جو السورة كلها في كثير من الأحيان وبخاصة تلك السور القصار التي حَفِلَ بها العهد المكي ...لتأكيدها أصول العقيدة: من الإيمان بالله وتوحيده)[16]. وإن الانسجام الصوتي في القرآن الكريم لم يأت من الوزن ولا القافية ولا السجع؛ لأنه ليس شعراً، وليس نثراً، وبالجملة ليس قول بشر؛ بل هو قول رب العالمين، الذي علم البشر كيف ينطقون، وكيف لا ؟ وهو خلقهم من قبل ولم يكونوا شيئا؟ وقد حار العلماء في سبب هذا النغم فقالوا: إنه جاء من اتحاد المقاطع، أو النبر، أو اتفاق الفواصل، أو من طول الجمل، أو التناسق الدقيق بين اللفظ والمعني، أو التناسق الصوتي الداخل في كل آية لتحقيق النغم الداخل مع التناسق الصوتي الموجود مع كل فاصلة وأختها، ويسأل د.تمام حسان عن هذا النغم الخفي قائلا تحت عنوان (تأملات في القيم الصوتية في القرآن الكريم): "نعني بالقيم الصوتية تلك الخصائص التي تتمايز بواسطتها الأصوات ويتعلق بها نوع من المعاني يسمي المعاني الطبيعية، التي لا يوصف آثارها بأنها عرفية ولا ذهنية؛ لأنها في الواقع مؤثرات سمعية انطباعية ذات وقع على الوجدان، تدركها المعرفة، ولا تحيط بها الصفة، فمثل تأثيرها في الوجدان السامع مثل النغمة الموسيقية تطرب لها ثم لا تستطيع أن تقول لم طربت[17]؟ وقد استعمل النص القرآني ألفاظاً ذات أصوات تحمل طاقة إيحائية توحي بمعانٍ تضاف إلى معناها العرفي، وهذا هو البصر بجوهر اللغة، فقد يولّد معنى المبالغة والتضخيم ما تحكيه الأصوات المفخمة فتثير ما يشبه الدوي توحيه الكلمات المؤلفة منها، فحين نقرأ قوله تعالى: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنّم لا يُقْضَى عليهم فيموتوا ولا يُخَفّفُ عنهم من عذابها كذلك نجزي كلّ كفور، وهم يصطرخون ربَّنا أخرجنا نعمل صالحاً..[18]. إن تدرج سياق الآية بوصف الكافرين، فهم في نار جهنم في اضطراب وفي عذاب دائم ﴿وهم يصطرخون﴾، فجعل هذه العبارة توحي بدوي صراخهم، فهناك فرق بين (يصطرخون) و(يصرخون) إذ اجتمع في (يصطرخون) ثلاثة أصوات مفخمة: الصاد، والطاء المنقلبة عن تاء افتعل، والخاء فأصبح الفعل يحاكي أصداء صراخهم من دوي وصخب عالٍ أوحى به التفخيم في أصوات الفعل، وكذا ما توحيه كلمة (ضيزى) من المبالغة في عدم العدالة في الآية ﴿تلك إذاً قسمةٌ ضيزى[19]، وهكذا ما يوحيه التشديد في الكلمات (الصاخّة والحاقّة والطامّة وسجّيل وعتلّ وزقوم ويُدَعّون إلى نار جهنّم دعّا..) فكل هذه الكلمات في سياقاتها من الآيات تتولد منها معانٍ ايحائية تضاف إلى المعنى المعجمي، فأصواتها وبنيتها توحي بظلال دلالتها، وقد قال الصرفيون كل زيادة في حروف الكلمة زيادة في معناها، ونذكر في هذا المجال ما يوحيه تكرار المقطع اللغوي بتكرار المعنى في مواضع من النص القرآني، من ذلك قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون[20]فالصلصال صوت الطين اليابس الذي لم تمسه نار، فإذا نقرته صلّ أي صوّت صوتاً ذا رنين، وصلصل مثل صرصر فكلاهما تتألف من أصوات تناسب معناها بل هي معناها الذي توحيه، ومن هذا القبيل ما توحيه الكلمات: كُبْكبوا وزُلْزِلت الأرض زلزالها، ودمدم عليهم ربهم، ويوسوس، وغيرها مما في مواضعه من النص القرآني، وإنّ هذا هو البصر بجوهر اللغة الذي تمتاز به النصوص العالية الإبداع، وهذه الظاهرة يمكن أن تدرس في مجال إعجاز هذا النص المعجز[21]. وهذا النوع من التناسب قد يكون بين كلمتين لا يجمعهما أصل لغوي واحد، وإنما الذي يجمع بينهما تجانس الصوت، الذي يحسن في أذن المستمع، من أمثلة هذا النوع قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ (البقرة:144)، فثمة تناسب صوتي بين كلمة (تقلب) وكلمة (قبلة)، ولهما وقع في أذن السامع؛ ومنه أيضاً قوله سبحانه: ﴿يؤذون النبي ويقولون هو أذن﴾ (التوبة:61)، فبين قوله سبحانه: (يؤذون) وقوله: (أذن) تناسب لفظي لمن تفطن له، ومن هذا القبيل قوله سبحانه: ﴿ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون﴾(غافر:75)، وقوله تعالى: ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه﴾ (الأنعام:26)، وقوله عز وجل: ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ (الكهف:104) . وفي القرآن (كلمات شديدة الإيحاء قوية البعث لما تتضمنه من المعاني وهناك عدد كبير من ألفاظ تصور بحروفها....)[22] قال تعالى: ﴿يومَ يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾( القارعة: 5 - 7 )، فالفراش هو الجراد الذي ينفرش ويركب بعضه بعضاً، فإذا ثار لم يتجه إلى جهة واحدة بل يتطاير من كل جانب[23] (فهو مبثوث وقد انتهت كلمة الفراش وكلمة المنفوش بالشين كما انتهت كلمة المبثوث بالثاء، والشين والثاء من حروف التفشي والانتشار)[24]. وهناك شيء آخر أحب أن أشير إليه قد يخفى على كثير وهو: ظل المفردة إذ لا بد من الفصل ما بين جرس اللفظة وظلها، والذي كثيراً ما تُصورّ أنه واحدٌ، لأن الجرس خاص بالصوت والموسيقى، أما الظل فهو استدعاء صورة المدلول الحسي[25]، إلا أن الأسلوب القرآني كثيراً ما كان يقرن جرس المفردة بظلها قال تعالى: ﴿قلوبٌ يومئذٍ واجفة﴾ النازعات، آية: 8، يعني: خائفة[26]، فلماذا عَدَلَ القرآن عن خائفة إلى واجفة؟ ولعل في فهم السياق ما يعطي إجابة وافية عن هذا السؤال فالآيات السابقة ﴿يوم تتبعها الرادفة …﴾، النازعات: 6 – 7، عبّرت عن سرعة الوقوع والتتابع فلو قيل: (خائفة) بدلاً من (واجفة) لما ناسبت من الناحية الصوتية معاني سابقاتها ولما اتسقت معها، ذلك أن صوت المدّ فيها ما كان مناسباً هنا سرعة السياق، لذلك تمّ العدول عن تسمية القيامة بما فيه مدّ من الأسماء، ويتأكد لنا من خلال بقية الأسماء التي غالباً ما جاء فيها المد مثل الحآقّة والصآخّة والطآمّة على أن هذا الملحظ الصوتي ليس منعزلاً عن ملحظٍ إيحائي من ظل المفردة لأن (وجف) في هذا السياق أكثر دلالةً وإيحاء من (خاف) فبالإضافة إلى معنى الخوف فإنها تدل على (السرعة والاضطراب) فـ (الوجيف سرعة السير وأوجفتُ البعيرَ أسرعته قال تعالى: ﴿فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ﴾، الحشر: 6، قال تعالى: ﴿قلوبٌ يومئذٍ واجفة﴾، أي مضطربة، وبهذا تكون (واجفة) أولى في الاستخدام، فاللفظ المستخدم إذا كان له معنى عام ومعنى خاص كان الأولى حمله على العام لتضمنه الخاص[27] فإذا كان هذا في تفسير النص فهو أولى بالاستخدام أصلاً إذا كان يحقق غاية السياق[28]. وفي محاكاة هذه الأصوات وتكرارها تنساب إلى نفس السامع نغمات قريبة بعضها من بعض، فتصل إلى أعماق النفس الصافية فتحرك أوشاجها، بعد أن تكون هذه النغمات والرنات قد قرعت طبل الأذن، فإن كانت أصواتا مزلزلة كانت على نفس الكافر كالعذاب السابق لأوانه، وإن كانت أصوات غنة فيها حزن وأنة زادت المؤمنين خشوعا، وإن كانت صفات استفالة ورقة أطربت الحزين، وأبكت الصنديد.....وهكذا. الفرع الثاني: التناسب الصرفي (الحروف في الكلمات) رأينا في المطلب السابق كيف تتناسب أصوات الحروف مع بعضها البعض في كلمات القرآن، وكيف تنساق خلف تلك الحروف مخلفة وراءها نغمات وعذوبة تهتز لها النفس، وتشتاق لها الأذن، وما تناسُبُ هذه الأصوات سواء في الخفة أو الثقل، إلا في الحقيقة هو تناسبٌ للحروف التي تولِّدُها، وفي هذا الصدد يقول صادق الرافعي رحمه الله تعالى: "ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيء بعضها لبعض، ويساند بعضها، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف، مساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذُب ولا تُساغ وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحروف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا"[29]. وقلَّ أن تجد هذا التناسب في كلام الناس؛ إلا أن يكون في جملة من جزء، أو عبارة في فصل، أو بيت شعر محكم من قصيدة، أما في القرآن فما من آية أو جملة أو لفظة إلا وتجد هذا التناغم وهذا التناسب واقع فيها موقع الأساس، حتى في بعض الآيات التي لا تحسب فيها إعجازا ظاهرا كتتالي أسماء الأنبياء في الآية الواحدة، ففيها من تأخير اسم عن اسم وتقديم آخر العجب العُجاب، كما يقول الرافعي، ويقول أيضا: "وما من حرف أو حركة في الآية إلا وأنت مصيب من كل ذلك عجبا في موقعه والقصد منه، حتى ما تشك أن الجهة واحدة في نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة"[30]، وقد تُختار المفردة القرآنية لبنيتها الصرفية، فقد اقترنت بعض الأوزان الصرفية بدلالاتٍ خاصة من "ذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعفة تأتي للتكرير، نحو: الزعزعة والقلقلة والصلصلة"[31]...وقد تكون المفردة ثقيلة من حيث بنيتها أو طبيعة أصواتها في غير سياقها غير أن علاقتها مع ما قبلها أو بعدها تجعل المفردة هي الأنسب في الاختيار داخل سياقها، من ذلك قوله تعالى: ﴿تلك إذن قسمةٌ ضيزى﴾( النجم: 22 ) وقد تعجب الرافعي من نظم هذه الكلمة الغريبة وأئتلافه على ما قبلها؛ إذ هي مقطعان أحدهما مدٌّ ثقيل والآخر مدٌّ خفيف وقد جاءت عقب غنتين في (إذن) و (قسمة) وإحداهما خفيفة حادة والأخرى ثقيلة متفشية فكأنها بذلك ليست إلا مجاورة صوتيةً لتقطيعٍ موسيقي[32]. والقرآن يضع حاجة السياق بالدرجة الأساس مستفيداً من كل ما تتيحه اللغة من وسائل تعبيرية قد لا يتخذ معيار (الأفصح) شرطاً في الاختيار، ومن الظواهر الصوتية التي تُوظَف في التعبير القرآني مستفيدةً من كل إمكانات اللغة وشكلياتها ظاهرة الإدغام والتي جيء بها بصورةٍ أعطت للنص القرآني خصوصيةً في الاستعمال ففي (يشاقّ) يكون الإدغام وهو لغة تميم[33] طالما ذُكِرَ الله تعالى وحده، فإذا ذُكِرَ معه الرسول صلى الله عليه وسلم فُكَّ الإدغام وهو لغة الحجاز[34] قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقّوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب﴾ (الأنفال: 13) وقال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ (النساء: 115)، وقال تعالى: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقِّ الله فإن الله شديد العقاب﴾ ( الحشر: 4 ) ...وقد نبّه الدكتور فاضل السامرائي لهذا غير أنه أبعد في تعليل هذا الاستخدام حيث قال: "ولعله وَحد الحرفين وأدغمهما في حرف واحد لأنه ذكر الله وحده وفكهما وأظهرهما لأنه ذكر الله والرسول فكانا اثنين"[35] . الفرع الثالث: التناسب اللفظي (المشاكلة): ساد في عرف المفسرين والبلاغيين أن المشاكلة أصل من أصول العربية، تُطْلَب في الكلام، ويُترك لأجلها ما يقتضيه الميزان الصرفي أو القاعدة الإعرابية، ويقصدها الفصحاء والبلاغيون؛ لما لها من قيمة جمالية . والعرب تعرف في أساليبها المشاكلة اللفظية، وهي استخدام اللفظ في غير معناه؛ لمقابلته مع لفظ آخر. يقول أبو بكر ابن حجة في تعريف المشاكلة: "المشاكلة في اللغة هي المماثلة، والذي تحرر في المصطلح عند علماء هذا الفن أن المشاكلة: هي ذكر الشـيء بغير لفظه لوقوعه في صحبته"[36]. وعند ابن عاشور المشاكلة هي: "استعارة لفظ لغير معناه مع مزيد مناسبة مع لفظ آخر مثل اللفظ المستعار، فالمشاكلة ترجع إلى التلميح، أي إذا لم تكن لإطلاق اللفظ على المعنى المراد علاقةٌ بين معنى اللفظ والمعنى المراد إلاّ محاكاة اللفظ، سميّت مشاكلة"[37]. والشكل في اللغة: الشبه والمثل والجمع أشكال وشكول، وشاكل كل واحد منهما الآخر أي: شابهه وماثله، ويقال: هذا على شكل هذا أي مثاله، فالمشاكلة تعني في اللغة: الموافقة، والمماثلة، والمشابهة والتشاكل مثله، وفي قوله تعالى:﴿قل كلّ يعمل على شاكلته[38]، أي: على جدليته وطريقته وجهته ومذهبه، والمشاكل من الأمور من وافق فاعله ونظيره[39]. و ذكر الزمخشري في مراد الآية السابقة: "أي: على مذهبه وطريقته التي حاله في الهدى والضلالة من قولهم: طريق ذو شواكل، وهي الطريق التي تتشعب منه، والدليل عليه قوله: ﴿فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا[40]، أي: أسدُّ مذهبا وطريقة"[41]. ومن هذا يتضح أن لفظة المشاكلة تتصرف إلى معنى الموافقة أو المماثلة أو المشابهة، ومن هذا يمكن إطلاق لفظة المشاكلة في اللغة العربية على الظاهرة التي يراعى فيها توافق أو تشابه أو تماثل شيئين، أيًا ما كانا: صوتين أو لفظين أو لفظا ومعنى أو غير ذلك، فيجري أحدهما مجرى الأخر وإن كانا مختلفين[42]. فمثال الصوتين: صراط وسراط، صيام والأصل صوام، ست والأصل سدس.... . ومثال اللفظين: كقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم[43]، وقول العرب: هذا جحر ضبّ خرب[44]. ومثال اللفظ والمعنى كقوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل ادم خلقه من تراب[45]، وذكر الزركشي أنـه: "ولم من (طين)؟ كما أخبر سبحانه في غير موضع: ﴿إني خالق بشرا من طين[46]، إنما عدل عن الطين الذي هو مجموع الماء والتراب إلى ذكر مجرد التراب لمعنى لطيف، وذلك أنه أدنى العنصرين وأكثفها لما كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الإلهية، أتى بما يصغر أمر خلقه عند من ادعى ذلك؛ فلهذا كان الإتيان بلفظ التراب أمس في المعنى من غيره من العناصر"[47]، وفي قوله تعالى: ﴿وإن من شيء ألا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم[48]، ولم يقل (لا تعلمون)؛ لأن في الفقه زيادة على العلم[49]. وقد بدت ملامح مصطلح المشاكلة على أيدي البلاغيين، فأطلقوه على لون من ألوان البديع ويعني: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا[50]، نحو قوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك[51]، فأطلق النفس على ذات الله؛ لوقوعه في صحبتي (نفسي) على سبيل مشاكلة اللفظ للفظ، وقوله تعالى: ﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم[52]، أي: أهملهم ذكر الإمهال هنا بلفظ النسيان لوقوعه في صحبته. أو تقديرا: نحو قوله تعالى: ﴿صبغة الله[53]، فصيغة مصدر مؤكد لقوله تعالى: ﴿آمنا بالله[54] قبله، والمعنى: تطهير الله؛ لأن الإيمان بطهر النفوس، فعبر عن الإيمان بالله: (صبغة الله)، أي: دين الله أو فطرته التي فطر الناس عليها، لوقوعها في صحبة الإيمان[55]. أما علماء العربية المتقدمون فلم توصف (المشاكلة) عندهم على أنها ظاهرة عامة؛ بل جاءت متفرقة في كتبهم مقصورة على أمثلة لهذه الظاهرة ومعبرة عنها بمسميات أخرى: ففي الصوت: نجد المضارعة والإدغام الأصغر والمناسبة والإتباع الحركي والإمالة والمجاورة، وفي الصرف: نجد الفواصل القرآنية، وعلة المشابهة (حمل النظير على النظير)، وظاهرة الإتباع والمحاذاة، وفي النحو: نجد المجرور بالمجاورة، وحركة الإتباع (إتباع المستثنى والمستثنى منه)، وباب الاشتغال. وإن علماء العربية عبروا عنها بمصطلحات منها: فعند سيبويه (ت 180هـ) عبر عنها بالمضارعة[56]، وابن جني (ت392هـ) عبــر عنها بمصطلح الإدغام الأصغر[57]، وابن فارس (ت395هـ) عبر عنها بمصطلح المحاذاة والمزواجة[58]، كما عقد الزركشي بابا واسعا في كتابه: (البرهان في علوم القران) لما يجيء في التنزيل من مشاكلة اللفظ للفظ، ومشاكلة اللفظ للمعنى[59]. ولقد أرجع بعض المفسرين قديما روعة النص القرآني وانسجامه إلى جانب التعبير اللفظي، وأسلوب الصياغة، والتناسب الصوتي؛ أمثال: الجاحظ، والرماني، وأرجعها آخرون إلى جانب النظم، وأحوال التراكيب، كالتقديم والتأخير، والحذف والذكر، وتفصيل العبارة بحسب مقتضاها، مثل عبد القاهر الجرجاني[60]؛ الذي كتب عن النظم القرآني وعده أحد أوجه الإعجاز، وأرجعها فريق آخر إلى جوانب أخرى لم يحددوا طبيعتها، إلا أنهم يدركونها. وقد تابعهم المعاصرون في ذلك محاولين إعطاء عناية خاصة بهذا الجانب من التناسب، وحاولوا إبراز تلك الخصائص الجمالية للنص القرآني، سواء في جانب اللفظ والعبارة، أم في جوانب النظم والتركيب، أم في جانب الصوت والإيقاع، فمنهم من سمى هذه السمة التي تميز النص القرآني، وتجعله متسقا منسجما بالمسحة القرآنية اللفظية، حيث يقول الزرقاني: "إنها مسحة خلابة عجيبة، تتجلى في نظامه الصوتي، وجماله اللغوي"[61]، ومنهم من يستشعرها مثل ما يقول سيد قطب: "إن في هذا القرآن سراً خاصاً، يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء، قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها، إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن، يشعر أن هنالك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير، وأن هنالك عنصراً ما ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن، يدركه بعض الناس واضحاً، ويدركه بعض الناس غامضاً، ولكنه على كل حال موجود، هذا العنصر الذي ينسكب في الحس، يصعب تحديد مصدره: أهو العبارة ذاتها ؟ أهو المعنى الكامن فيها ؟ أهو الصور والظلال التي تشعها ؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة ؟ أهي هذه العناصر كلها مجتمعة ؟ أم إنها هي وشيء آخر وراءها غير محدود ؟!"[62]. خصوصية استعمال اللفظة القرآنية: يمكننا النظر في خصوصية استعمال الكلمة القرآنية من خلال مفهوم ظاهرة الترادف والمشترك اللفظي، والتضاد وموقف اللغويين منها. فاللغويون في قضية الترادف اللغوي على خلاف، فمنهم من ذهب إلى وجوده في اللغة والقرآن الكريم فيجمع للمعنى الواحد ألفاظاً عدة، ومنهم من ينكر ذلك وحاول أن يوجد الفروق بين الألفاظ المترادفة[63] على اعتبار ما من لفظ يمكن أن يقوم غيره مكانه في القرآن الكريم، وذلك من خصائص إعجازه، فللشيء اسم واحد وما بعده من المرادفات فهي صفات، فالسيف هو الاسم وأما المهند والحسام والصارم..فهي صفات، وأما المشترك فهو أن يكون للكلمة الواحدة أكثر من دلالة، واللغويون فيه على خلاف أيضاً خصوصاً في وجوده في القرآن الكريم، وقد ألّف تحت هذا العنوان كتب (الأشباه والنظائر) لمقاتل بن سليمان البلخي (ت150هـ) وكتاب (الوجوه والنظائر في القرآن) لهارون بن موسى الأعور (ت170هـ) وللمبرد النحوي (ت285هـ) كتاب عنوانه (ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن المجيد) لكنه اشترط في الكلمة التي يوردها أن يكون القرآن الكريم قد استعملها بمعانيها فبهذا الشرط ضيّق مفهوم الاشتراك عما نجده لدى مؤلفي الكتب السابقة ولدى اللغويين. ولقد جعل الزركشي موضوع الوجوه والنظائر النوع الرابع من علوم القرآن[64]، وفسر مصطلح (الوجوه) بأنه المشترك الذي يستعمل عدة معاني للفظة، وفسر مصطلح (النظائر) بالألفاظ المتواطئة المترادفة، وقد عدّ بعضهم ذلك من معجزات القرآن، حيث كانت الكلمة الواحدة تتصرف إلى عشرين وجهاً أو أكثر أو أقل، ولا يوجد ذلك في كلام البشر[65]. وإن اللغويين قديمهم وحديثهم على خلاف في هذه الظواهر اللغوية[66]، وهناك من يرى أن فيها مبالغة خصوصاً في القرآن الكريم، ويرى أنّ نسبة الترادف ليست كما ذكروا من أنّ للهدى سبعة عشر معنى: البيان والدين والإيمان والداعي والرسل والكتب..[67]، ومع ذلك فالترادف أوسع من المشترك في اللغة، وأكثر ما ذكروه على أنه من المشترك هو أقرب إلى المجاز كالعين الباصرة تستعمل لعيون الماء، وأمة بمعنى جماعة من الناس وهو المعنى القرآني المألوف كقوله تعالى: ﴿ربَّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لكَ[68]، وأمة بمعنى الحين ﴿واذكر بعد أمة[69]، وأمة بمعنى الدين ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة[70]. - ومن أنواع هذا التناسب: 1- تناسب الجنس: وهو كثير في القرآن الكريم، والمراد من هذا النوع: استعمال لفظين، يجمعهما أصل واحد في اللغة، للدلالة على معنيين، ويسمى عند البلاغيين (الجناس) . وتناسب الجنس، إما أن يكون تناسباً بين اسم وفعل، كقوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ (البقرة:276)، فالتناسب اللفظي هنا وقع بين كلمتين من أصل واحد، إحداهما: فعل، وذلك قوله تعالى: (ويربي) والثانية: اسم، وذلك قوله تعالى: (الربا)، ومثل ذلك يقال في قوله سبحانه: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام:146)، فالتناسب اللفظي هنا وقع بين قوله: (تزر)، وقوله: (وازرة)، والأغلب في هذا النوع من التناسب أن يتقدم الفعل على الاسم، كما في الآيتين السابقتين، والأقل أن يتقدم الاسم على الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ (الروم:30). وإما أن يكون تناسب الجنس تناسباً بين فعلين، كقوله تعالى: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾(الأنعام :9)، وقوله سبحانه: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ (الصف:5). وإما أن يكون التناسب بين إسمين كقوله تعالى: ﴿والقناطير المقنطرة﴾ (آل عمران:14)، وقوله سبحانه: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق﴾ (يونس:35) . وهذا النوع من التناسب اللفظي فيه من الحلاوة والعذوبة وله من الوقع في نفس القارئ ما لا يخفى. -ومن أنواع التناسب اللفظي: 2- التصوير البياني: ومعناه أن تكون هناك وحدة بين أجزاء الصورة البيانية، فلا تتنافر جزئياتها، بل تكون متآلفة غاية الائتلاف، ومنسجمة نهاية الانسجام. ومن أمثلة هذا النوع من التناسب، قوله تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾ (الملك:15)، فقوله سبحانه: (ذلولا) تصوير للأرض التي تسبح في الفضاء، والإنسان راكب على ظهرها، في صورة حيوان مركوب، مطيع لراكبه، خاضع لإرادته وحاجته، وقوله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها﴾ تعبير مناسب لهذه الصورة، و(المنكب): مجتمع رأس الكتف والعضد، والمراد: فامشوا في أنحائها، ولو قيل: (فامشوا في أنحائها) لما كان مناسباً، ولفاتت وحدة الصورة، وبعُد تناسب أجزائها. ومن أمثلته الرائعة قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ تأملها، تجد تحتها معنى بديعا، فهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها بل تبقى مفتحة، بعكس أبواب النار فهي موصدة على أهلها. وفي تفتيح الأبواب إشارة إلى: 1) ذهابهم وإيابهم وتبوئهم من الجنة حيث شاءوا. 2) دخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف. 3) أنها دار أمن، لا يحتاجون إلى غلق الأبواب كما في الدنيا[71]. وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير * قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه﴾ (الأنعام:103-104)، فالمراد من الآية أن الله سبحانه يدرك الأشياء كلها، دقَّها وجلَّها، واللفظ القرآني يؤدي هذا المعنى بطريقة جمعت بين وضوح الدلالة، وجمال العبارة، ومرجع ذلك تلك المشاكلة اللفظية. 3- وهناك نوع آخر من التناسب اللفظي يتوقف على تلمس آيات الجزاء والمآل، والتحذير من الوقوع في الأعمال التي يترتب عليها حساب وعقاب، كقوله تعالى: ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾(النساء:1 42)، والتساؤل هنا أن لا شك أن الخداع من صفات البشر، ولا يليق أن يوصف به الخالق سبحانه، وإذا كان الأمر كذلك، كان معنى (وهو خادعهم)، كما قال أبو حيان: "أي: منـزل الخداع بهم، وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب"، وقال ابن عاشور: "إسناد خادع إلى ضمير الجلالة إسناد مجازي اقتضته المشاكلة ... فالمشاكلة ترجع إلى التمليح، أي: إذا لم تكن لإطلاق اللفظ على المعنى المراد علاقة بين معنى اللفظ والمعنى المراد إلا محاكاة اللفظ، سميت مشاكلة، كقول جحظة البرمكي:
    قالوا: اقترح لوناً يُجاد طبيخه، قلت: اطبخوا لي جُبَّة وقميصاً"[72]
    فاستعمل الشاعر الفعل (اطبخوا)، مع أن الجبة والقميص تخاط خياطة؛ ليناسب قوله: (طبيخه). المطلب الثاني: التناسب المعنوي. لقد أسلفنا الذكر عن بعض المفسرين واللغويين الذين قد أسندوا التناسب إلى الشكل، باعتبار مفهومهم للنظم فإن الجرجاني يبين أن ضم الألفاظ يتبع نسقاً قرره النحو، وإذا ضمت الألفاظ إلى بعضها دون أن نتوخى فيها معاني النحو لم يكن ذلك نظماً، نجد الرازي يتابع الجرجاني في القول (أن النظم عبارة عن توخي معاني النحو)، والنظم عند الجرجاني هو تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض، وهذا وارد سواء توخينا النحو أو أهملناه. الفرع الأول: التناسب التركيبي: (الجمل في الآيات) من مظاهر جمال أسلوب القرآن الكريم تركيب الجملة القرآنية، أي تلك العلاقة التي تربط أجزاء الآيات بعضها ببعض، والكلمات بعضها ببعض، داخل العبارة أو الآية، فكل من يقرأ القرآن يدرك، أن تركيب الجملة القرآنية هو الذي يمنح الكلمات حسنها وجمالها، فالألفاظ القرآنية مرتبطة بعضها ببعض في بناء متكامل يأخذ بعضه ببعض، فلا يمكن "أن يؤخر ما قدم، أو يقدم ما أخر، أو يذكر ما حذف، أو يحذف ما ذكر، أو يوجز فيما أطيل فيه، أو يطنب فيما أوجز فيه، لكل مقام مقال، ولكل كلمة مع صاحبتها موقف، وكأنما لم يخلق الله لأداء تلك الدلالات غير هذه القوالب على اتساع اللغة بألفاظها وأشكالها"[73]. ومن مواضع الإعجاز والجمال في تركيب الجملة القرآنية -وهي تفوق الحصر- دقة القرآن في اختيار ألفاظه، ثم نظمها في نسق خاص يبلغ في الفصاحة أرقى درجاتها، من ذلك مثلا قوله تعالى: ﴿قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين﴾[74]، فإنه تعالى لما أتى بأغرب ألفاظ القسم وهي (التاء)، أتى بأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار وهي (تفتأ)، وبأغرب ألفاظ الهلاك و(الحرض)، فاقتضى "حسن الوضع في النظم، أنتجاور كل لفظة بلفظة من جنسها، توخيا لحسن الجوار، ورغبة في ائتلاف المعاني بالألفاظ، ولتتعادل الألفاظ في الوضع وتتناسب في النظم"[75]، ولما أراد غير ذلك قال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾[76] فأتى بجميع الألفاظ متداولة لا غرابة فيها[77]، فهذه الآية دليل واضح على دقة القرآن في اختيار ألفاظه، لتتكامل الخصائص النوعية للألفاظ، مع المميزات العامة لبنية الكلام، بحيث يصبح النص مطبوعا من وجهتين، "وجهة الألفاظ، وهي أجزاء فردية في عملية الخلق الأدبي، ووجهة التركيب، تلك الأجزاء في صلب البنية اللسانية العامة للنص"[78]. الفرع الثاني: تناسب الفواصل: (تشابه الأطراف) إن من بلاغة القرآن وعلامات إعجازه سواء من ناحية النظم والشكل، أو من ناحية المعنى والمقصد، تلك الحروف التي يختم بها القرآن أواخر آياته، من كلمات وأحرف وتسمى عند اللغويين تشابه الأطراف، فهي معجزة في ذاتها، فكيف إذا ما قُرنت بجمل وتراكيب لغوية بديعة، وعبارات بيانية رائعة، حتما سيزيدها ذلك رونقا في الشكل، وقوة في المعنى، من جراء ذلك الترابط الذي يزيدها متانة وجزالة، ويفرغ عليها حلة الإعجاز، فيصدق فيه قول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[79]، ومن أهم علامات إعجازه، الفواصل التي عرفَّها السيوطي في الإتقان فقال عنها:«الفاصلة كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع‏»[80].‏ وقال أيضا: قال الداني‏:‏ هي: «كلمة آخر الجملة»[81]‏، والفواصل – في نظر الرماني – حروف متشاكلة في المقاطع، توجب حسن إفهام المعنى [82]. ‏ قال الرماني[83] في كتابه: النكت في إعجاز القرآن‏:‏ «والفواصل: هي تتبع المعاني، ولا تكون مقصودة في نفسها». ولا يراد بالفاصلة القرآنية مراعاة الحروف فحسب، وإنما يراد المعنى قبل ذلك، ويلتقي الحرف بالمشابهة اللفظية مع المعنى، وأحياناً لا يراعي القرآن الكريم الفاصلة؛ بل قد تأتي مغايرة عن غيرها، وهذا دليل على أن المقصود بالدرجة الأولى هو المعنى. فالقرآن يُعنى بالانسجام الموسيقي للفاصلة القرآنية لحد بعيد، مثل قوله تعالى: ﴿لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً[84]، وقوله أيضا: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾[85]، بل ويمد فيما يُرى أنه لا مد فيه، كقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا﴾[86]، وليس التقديم والتأخير، أو الخروج عن بعض ما لا ترومه اللغة، هو لأجل مراعاة الفاصلة؛ بل هو مراعاة للمعنى، ومنه تناسب الفاصلة مع الكلمات والموضوع، فالقاعدة الأساسية في فواصل الآيات أن فاصلة الآية متوافقة مع كلماتها ومتناسبة مع موضوعها، فآيات البشارة تختم بالرحمة، وآيات التهديد تختم بالترهيب، وآيات التخويف تختم بالرجاء...وهكذا. ومن الأمثلة على ذلك ما استجد في كتب المتأخرين الذين من الله بهم على هذه الأمة أمثال: الأستاذ الشيخ محمد عبده، ومحمد مصطفى المراغى، ومحمود شلتوت، والشعراوى، وغيرهم، وفى تونس العلامة محمد الطاهر بن عاشور، ومحمد الخضر حسين، وفى السعودية فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى، والدوسرى، وابن عثيمين، وغيرهم، وكذا فى باقى الأقطار الإسلامية. ومن ذلك ما ذكره الدكتور حسن باجودة حول فاصلة سورة الفرقان فقال: "فلو أنعمت النظر فى سورة الفرقان هذه لتبينت جنوح بعض الأجزاء نحو العنف والصخب، ويبدو ذلك حتى نهاية القسم الرابع من السورة([87])، حيث تركزت فاصلة الراء فجاءت فى ثلاث وأربعين آية من اثنتين وستين . وفاصلة الراء أشد فواصل السورة الخمس قوة، والمعروف أن هذه الأقسام الأربعة تطبع بصفة الإنذار التى أشارت إليها الآية الأولى من السورة الكريمة: } تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا{ ([88])، ولتبينت أيضاً جنوح بعض الأجزاء نحو الهدوء والهمس، ويبدو ذلك واضحاً فى القسم الخامس والأخير من السورة الذى يتعامل بالدرجة الأولى مع عباد الرحمن، والذى يتكون من خمس عشرة آية، حيث جاءت فاصلة حرف الميم، وهو من الحروف الرخوة، اثنتى عشرة مرة من أربع عشرة مرة جاءت فيها هذه الفاصلة فى السورة، أما الآيات الثلاث الباقية فى القسم فقد كان من نصيب فاصلة النون آيتان، والباء آية واحدة[89] . ومن أراد الاطلاع على بعض الحروف التي لم ترد في أيِّ فاصلة قرآنية[90] فليعد لبحث أ.د. محمد زكي خضر، مجلة الفرقان، العدد الثالث والثلاثون، جمادى الأولى / جمادى الآخرة 1425هـ، تموز / آب 2004م، على مائدة النبوة، حروف الفاصلة القرآنية؟ الفرع الثالث: تناسب تذييل الآيات: التذييل هو كلام يأتي في آخر الآية، له معنى مستقلا عن الكلام الأول، لكن لو لاه لما تم المعنى المراد، يقول الإمام الزركشي في البرهان: «أن مصدر ذيل هو: للمبالغة، وهي لغة جعل الشيء ذيلا للآخر، واصطلاحا أن يؤتى بعد تمام الكلام بكلام مستقل في معنى الأول تحقيقا لدلالة منطوق الأول أو مفهومه، ليكون معه كالدليل ليظهر المعنى عند من لا يفهم، ويكمل عند من فهمه»[91]. وقد يأتي التذييل بعد الجملة الأولى بجملة أُخرى تشتمل على معناها وذلك لأحد أمرين: الأول: التأكيد (أنه تعقيب الجملة بجملة أخرى متفقة معها في المعنى، تأكيدا للجملة الأولى)[92]: وهو إما تأكيد المنطوق، قال تعالى: (وقل جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً)، وإما تأكيد المفهوم، كقوله:
    ولست بمستبق أخـاً لا تلمـــــّه = = على شعث أيّ الرجال المهذب؟
    فقد دلت الجملة الأولى بعدم وجود الرجل الكامل فأكّدها بالجملة الثانية: أي الرجال المهذّب؟
    الثاني: وهو إما يستقل بمعناه لجريانه مجرى المثل، كقوله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا[93]، أو لا يستقل، لعدم جريانه مجرى المثل، كقوله: ﴿ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾[94]، وعموما فإن القرآن غالب ما ستعمل من التذييل هو من هذا الأخير. وللوقوف على هذا الوجه من التناسب أضرب بعض الأمثلة استخرجتها من سورة الحج، فأقول: إن أنسب ما تختم به أول آية في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، وهو كلام مفصول عن الأول في المعنى، فالأول أسلوب إنشائي جاء في شكل نداء للناس جميعا أن يتقوه، وأما المعنى الثاني، فهو أسلوب خبري أخبر عن حقيقة هذا الشيء، ولكن أثره فيه واضح جلي، إذ يحمل المعنى الثاني الناس على الاستجابة للمعنى الأول الذي خوطبوا به، وهو نداء الناس لتحقيق التقوى، وذلك بذكر الزلزلة ووصفها بالشيء العظيم، وتنكير هذا الشيء أيضا هو زيادة في التخويف والتهويل، لأن الإنسان مفطور على الخوف من المجهول، كما أن القرآن يتوقع من المخاطب سؤالا عن هذا الشيء المبهم، فتأتي الإجابات بعد ذلك في الآيات اللاحقة في قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى، ثم يأتي ذيل هذه الآية مناسب تماما لهذا الوصف والتفصيل، حيث يجمل تلك المعاني في معنى واحدا هو أن كل من الذهول، والوضع بغير ميعاد، والترنح في المشي، هو لون من ألوان العذاب الشديد الذي خوف الله به عباده، فقال: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، فسبحان الذي ألف بين معاني هذه الآيات. ثم انظر لقوله تعالى في الآيات التي جاءت بعد ذلك كيف وافقت تذييلاتها بداياتها في تناسق دقيق، وسرد متوافق متين، ففي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فمن كان على مثل هذا الوصف من الناس، فهو على خطى الشيطان، الذي كان أول مجادل في الله بغير علم، عندما طلب الله منه السجود لآدم، ولهذا ذيلت الآية بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ، الذي كتب الله عليه وعلى من تولاه، وسار سيره، وانتهج نهجه، عذابا يوم القيامة، ولهذا جاء ذيل الآية التي بعدها يؤكد ذلك فقال تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ. وألطف من ذلك ما نراه في الآية الخامسة من السورة التي تحدثت عن البعث، وعن أدلته، حيث بدأت باستفهام قصده التنبيه على ما سيأتي من تفصيل لمراحل الخلق، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ، حيث يبدؤه الله من التراب إلى أن يصير إنسانا كاملا متكاملا، وهي دعوة لإعمال العقول والأبصار والأسماع، فقال: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ٱلاٌّرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾، ثم ذيلت الآية بالحديث عن إحياء الأرض بعد موتها، وكيف أن الله ينزل من السماء ماءا فتصبح الأرض مخضرة، حيث تهتز وتربوا وتنبت من كل زوج بهيج، في قوله: ﴿وَتَرَى ٱلاٌّرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، فناسب هذا التذييل بداية الآية، لأن المقصود من ذكر هذه المراحل من الخلق، إنما هي للوصول إلى نتيجة مشتركة بين النبات والإنسان، وهي الإحياء بعد الإماتة، وقد انصرفت الآية من دليل عقلي إلى دليل أوضح منه، وهو الدليل المرئي البني على النظر والبصر، إذ لا يتسنى لكل واحد من البشر الإطلاع على مراحل تشكل الخلق في الأرحام، إنما المتسنى لكل إنسان النظر في تقلب الأيام واختلاف الفصول، وما يحدث للنبات فيها من اصفرار بعد اخضرار، ومن حياة بعد موت، وهو دليل معهود مشاهد، فهو برهان أقوى من بقية الأدلة، حيث يقيم به الله الحجج على جميع الخلق، مؤمنهم وكافرهم، عالمهم وجاهلهم، ليؤمنوا ويتقوا. ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز متضمناً القسمين معاً قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله[95]، ففي هذه الآية الكريمة تذييلان: أحدهما قوله تعالى: "وعداً عليه حقاً"، فإن الكلام قد تم قبل ذلك، ثم أتى سبحانه بتلك الجملة لتحقق ما قبلها, والآخر قوله سبحانه: "ومن أوفى بعهده من الله"، فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر لتحقيق ما تقدمه، فهو تذييل ثان للتذييل الأول, وقد جاء في السنة من هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: "من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك"[96]، فقوله(r): "ولا يهلك على الله إلا هالك"، تذييل في غاية الحسن، خرج الكلام فيه مخرج المثل)[97].
    ومن أقرب المصطلحات للتذييل[98]:
    1- ذكر الخاص بعد العام، قال تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى﴾. 2 ـ ذكر العام بعد الخاص، قال تعالى: ﴿ربَّ اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات﴾. 3 ـ توضيح الكلام المبهم بما يفسِّره، قال تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أنّ دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾. 4 ـ التوشيع، وهو أن يؤتى بمثنى يفسّره مفردان، كقوله (عليه السلام): العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان). 5– الإيغال: بأن يختم الكلام بما يفيد نكتة يتم بدونها المعنى، قال تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾. 7- الاحتراس: وهو أن يأتي بكلام يوهم خلاف المقصود، فيأتي بما يدفع الوهم، وهو على نحوين: أ: إنه قد يأتي به وسط الكلام، كقوله: فسقى دياركِ غير مفسده، صوبُ الربيع وديمة تهمي . فقد قال: (غير مفسده) دفعا لتوهّم الدعاء للمطر عامة حتى المفسد منه. ب: وقد يأتي به آخر الكلام، كقوله: حــليم إذا مــا الحكم زيّن أهله، مع الحلم فــي عين العدو مَهيب. 8 ـ التتميم، وهو زيادة مفعول أو حال أو نحوهما؛ ليزيد حسن الكلام، كقوله: دعونا عليهم مــكرهين، وإنـما دعاء الفتى المختار للحق أقرب، فـ (مكرهين) يزيد حسن الكلام كما لا يخفى. 9 - تقريب الشيء المستبعد وتأكيده لدى السامع نحو قوله: (رأيته بعيني يفعل كذا)، و(سمعته بأذني يقول كذا). 10 - الدلالة على الشمول والإحاطة، قال تعالى: (فخرّ عليهم السقف من فوقهم)؛ فإنّ السقف لا يخرّ إلاّ من فوق، لكن بذكره (من فوقهم) دلّ على الشمول والإحاطة. وكل هذا يزيد في درجة إعجاز النص القرآني، ويدل على روعة السبك والانسجام التام في النظم القرآني. ومن أنواع مناسبة تذييل الآيات:
    1-التناسب في ختم آيات القرآن بأسماء الله الحسنى
    من أنواع التناسب المعنوي في القرآن الكريم، تذييل الآيات بأسماء الله تعالى وصفاته، فترى آيات الرحمة مختومة بأسماء الرحمة، وآيات العذاب مختومة بأسماء العزة، والقدرة والحكمة، والعلم، والقهر، وهكذا، فهنالك تناسب دقيق، محكم وحكيم، ورباط وثيق يجمع بين الآيات وما خُتمت به من أسماء أو صفات، ومعلوم أن لله تعالى تسعا وتسعين اسما سمى بها نفسه من أحصاها وعمل بها أدخله الله الجنة، وقد ورد حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه في أكثر من خمسين موضعا من كتب السنة يرفعه إلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ"[99]، وهذا مبحث لطيف موجز يكشف لنا هذه الصورة، ويشير إلى هذه الحقيقة، وقد اهتم بهذا الأمر الباحث عبد العزيز الداخل، في كتاب بعنوان: "المرتبع الأسنى لأسماء الله الحسنى"، جمعها وأعدها من كتب ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى. ولا شك أن ختم الآيات بأسماء الله تعالى وصفاته جاء على ذلك النحو لتحقيق أغراض خاصة ومقاصد عظيمه ومنافع جليلة تعز عن الحصر، وتستعصي على العد، فمنها: أ - إعلام العباد أن كل الأمور صادرة عن الله تعالى: ب - معرفة آثارها في اختيارات الإنسان: ج- تحقيق الطمأنينة في نفس المكلف لإيمانه بحكمة المشرع: د- تحقق الاستفادة من طريقة معاملة الله لعباده. ولكن قد تتغاير هذه الأسماء والصفات بذكر العزة والحكمة بعد المغفرة مثلا، أو بتقديم الحكمة على العلم تارة وتأخيرها تارة أخرى، فيُستشكل أمرها على غير المتدبر للقرآن الكريم، وسأذكر في هذا المقام موضعا واحدا من القرآن الكريم مما استشكل تذييل بعض الآيات بأسماء وصفات لله تعالى توهم القارئ بأنها جانبت موضعها والحقيقة خلاف ذلك، في محاولة مني جريئة الكشف عن تناسبها في ذلك المقام رافعا بإذن الله ما استشكل فيها، وهو: قوله تعالى في سورة المائدة في قصة عيسى -عليه السلام-: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم[100] فربما قيل: إن المناسب هنا هو: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم؟ يقول القرطبي في تفسيره: "وقال: فإنك أنت العزيز الحكيم ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه، ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه، وذلك مستحيل; فالتقدير إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك، وإن تهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده; الحكيم فيما تفعله"[101]. وربما أعالج هذا الموقف من نظرتي القاصرة مبتدأ بما جاء في سورة مريم، حيث يقول الله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ( 88 ) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ( 90 ) أن دعوا للرحمن ولدا ( 91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ( 93 ) لقد أحصاهم وعدهم عدا ( 94 ) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ( 95 )[102]. قال ابن عباس وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولدا"[103]، ويقول الطبري: "تكاد الجبال أن تخر انقضاضا، لأن دعوا للرحمن ولدا"[104]، وقال ابن كثير: "وقال الضحاك: (تكاد السماوات يتفطرن منه)، أي: يتشققن فرقا من عظمة الله، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ( وتنشق الأرض ) أي: غضبا لله، عز وجل، (وتخر الجبال هدا)، قال ابن عباس: هدما، وقال سعيد بن جبير: ( هدا ) ينكسر بعضها على بعض متتابعات"[105] . وبما جاء في سورة المائدة قال تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قديرالمائدة 118. والعلاقة بين الآيات من سورة مريم وهذه الآية واضحة إذ أن بني إسرائيل نسبوا لله الولد واتفقوا على عبادته بل وأمه أيضا، فإن الله لم يغضبه شيءٌ من عباده كغضبه منهم حين نسبوا له الولد -تعالى الله عما يصفون- ما بالك حينما عبدوا هذا الولد واتخذوه وأمه إلهين يعبدونهما من دون الله، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن الله قد توعد في سورة المائدة بني إسرائيل بعذاب لم يعذبه أحدا من العالمين إذا هم كفروا بعد إظهار المعجزة لهم، حيث شهدوا نزول المائدة من السماء وأكلوا منها. وعليه فإنهم لم يتركوا سماً للخياط، ولا مثقال ذرة من شيء يحاجون به يوم القيامة، وقد بلغوا بكفرهم مبلغا لا يضاهيه كفر لا من بعده ولا من قبله، فماذا بعد هذا الوعد والوعيد، وبعد الإثبات بالمعجزات والإمهال؟ من أين تأتيهم المغفرة والرحمة، خاصة وأن الله قد عدهم وأحصاهم وعلم أنهم ماتوا على كفرهم، وربما أعلم عيسى عليه السلام بهذا بعد أن توفاه الله إليه. شيء آخر لاحظته من خلال الآية وهو تقديمه العذاب (إن تعذبهم)، وتأخير المغفرة (وإن تغفر لهم) -عكس ما يأتي عموما في مثل هذه الآيات من تقديم المغفرة على العذاب- يوحي لك أن العذاب مصيبهم لا محالة حال كونهم ماتوا على الكفر، وهذا إيذان قبل نهاية الكلام بسخط الله عليهم، فناسب تغاير التذييل بما يستحقونه، لأن الله عزيز عن عبادتهم حكيم في إصدار حكم بحقهم، فاقتضى تحقيق الجزاء المترتب على كفرهم بعد إيمانهم، وشركهم عند اتخاذ عيسى –عليه السلام- إلها من دون الله. والله أعلم.
    2-الفرق بين تذييل الآية بـ: "والله خبير بما تعملون" و"والله بما تعملون خبير":
    وهذا أقرب ما يكون من باب تناسب التقديم والتأخير في القرآن الكريم، وقد اهتم بهذا النوع ابن القيم الجوزية في كتابه: بدائع الفوائد. ولنضرب مثالا على ذلك: جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[106] فما سبب تقديم كلمة "خبير" على "بِمَا تَعْمَلُونَ" والجواب هو أنّ الأعمال التي طلبها في السّياق فيها معاني الخفاء و الإسرار والنيّات في الأعمال مثل الصلاة، والزكاة كذلك، وطاعة الله ورسوله، فهي أعمال قلبيّة لا يطلع عليها إلا الله عزّ وجلّ، فهو الخبير بصدق أو كذب أصحابها، فاقتضى الحال تقديم "خبير" على "ما تعملون". أمّا عبارة التذييل (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍوَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[107]، فالتربص بعد هلاك الزوج أمر ظاهر، وعمل لا يخفى على الآخرين، فاقتضى الحال تقديم العمل على خبير. والله أعلم. والقاعدة التي نستخلصا هنا: هو إذا كان السياق في عمل الإنسان يقدم العمل (والله بما تعملون خبير)،وإذا كان السياق في أمور قلبية أو عن الله سبحانه وتعالى يقول: (خبير بما تعملون).
    3- اللف والنشر:
    وهو ذكر عدة أشياء على سبيل الإيجاز، ثم ذكرها على سبيل التفصيل، وهذا لون من ألوان البديع، وهو قسمان: 1. اللف والنشر المرتب، وهو الأصل: وهو ذكر الأشياء المتعددة، ثم ذكر ما يتصل بها على سبيل الترتيب، الأول للأول، والثاني للثاني، وهكذا.. من ذلك قوله تعالى: (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ)، فقد جمع في هذه الآية الليل والنهار أولاً، ثم ذكر السكون لليل وابتغاء الرزق للنهار على الترتيب. 2. اللف والنشر (المعكوس)، وهو الفرع، ويعدّ خروجاً عن الأصل: وهو أن نذكر الأشياء ثم نذكر ما يتصل بها، ولكن لا على سبيل الترتيب، فربما نذكر المتقدم للمتأخر، والمتأخر للمتقدم، وهكذا.... وذلك لنكتة بيانية. كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. هذه الآية الكريمة من النوع الثاني، وعدم الترتيب فيها لنكتة بيانية، ذكرها المفسرون: جاء في التحرير والتنوير: وقوله تعالى: ﴿فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم تفصيل للإجمال السابق، سُلك فيه طريق النشَّر المعكوس، وفيه إيجاز لأنّ أصل الكلام، فأمّا الَّذين اسودّت وجوههم فهم الكافرون يقال لهم أكفرتم إلى آخر: وأمّا الَّذين ابيضّت وجوههم فهم المؤمنون وفي رحمة الله هم فيها خالدون، قدّم عند وصف اليوم ذكر البياض، الَّذي هو شعار أهل النَّعيم، تشريفاً لذلك اليوم بأنَّه يوم ظهور رحمة الله ونعمته، ولأنّ رحمة الله سبقت غضبه، ولأنّ في ذكر سمة أهل النَّعيم، عقب وعيد بالعذاب، حسرةً عليهم، إذ يعلم السَّامع أنّ لهم عذاباً عظيماً في يوم فيه نعيم عظيم، ثُمّ قُدّم في التفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلاً بمساءتهم. 4- التقديم والتأخير: ومن أسرار التقديموالتأخير في القرآن الكريم بلاغة تدل على حسن النظم وإعجاز اللفظ في كتاب الله الكريم, وتركيب آياته سبحانه وتعالى، ففي قولهتعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًاوَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، حيث قدم الفاضل على المفضول، يقول ابن القيم في بدائع الفوائد: »ومن المقدم بالرتبة قوله تعالى:﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾، لأن الذي يأتي راجلاًيأتي من المكان القريب، والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد، على أنه قد روى عن ابن عباس أنه قال: "وددت أني حججت راجلاً، لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن" فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول، والمعنيانموجودان»[108]. وعن الفائدة الموجودة في هذه الآية، التي تقدمت فيها بعض الألفاظ على أخرى يقول ابن الجوزية: »وأما تقديم الرجال على الركبان، ففيه فائدة جليلة، وهي أنالله شرط في الحج الاستطاعة، ولا بد من السفر إليه لغالب الناس، فذكر نوعي الحجاج، لقطع توهم من يظن أنه لا يجب إلا على راكب، وقدَّم الرجال اهتماماً بهذا المعنى وتأكيداً له، ومن الناس من يقول: قدمهم جبراً لهم، لأن نفوس الركبان تزدريهم، وتوبخهم، وتقول: إن الله لم يكتبه عليكم ولم يرده منكم، وربما توهموا أنه غير نافع لهم، فبدأ بهم جبراً لهم ورحمة»[109]. وليس هذا فقط، وإنما الحج هو رفعة وعلو عند الله، لأنه مدعاة إلى مغفرة الذنوب، ومعناها أن السائر إلى طريق الحج يرتفع عند الله منزلة، وكلمة فج وعميق أنسب من بعيد، وبينهما مناسبة، لأن كونه يأتي من فج عميق فضامر، وعميق أنسب مع الحج، لأنها ارتفاع، والحج ارتفاع عند الله، وكلمة بعيد لا تعطي هذا المعنى قطعاً.

    [1]- د.صالح بلعيد، نظرية النظم، دار هومة، بوزريعة، الجزائر، ص: 95.
    [2]- أبو عثمان بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الجيل، ج1، ص: 12.
    [3]- عبد العزيز بن المعطي عرفة، تربية الذوق البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني، ط1، القاهرة، سنة: 1983م، دار الطباعة المحمدية، ص: 30.
    [4]- مثل: الخطابي (388هـ)، وأبو هلال العسكري (395هـ)، في كتابه: "الصناعتين"، والباقلاني (403هـ)، والأسد آبادي المعروف بالقاضي عبد الجبار (415هـ). انظر: نظرية النظم، د.بلعيد، (مصدر سابق)، ص: 93، وما بعدها.
    [5]- دلائل الاعجاز في علم المعاني، ص: 304.
    [6]- ابن منظور: لسان العرب، طبع دار المعارف، جـ6 صـ4469 مادة نظم.
    [7]- الفيروز ابادى: القاموس المحيط، نشر مؤسسة الرسالة، ط2، مادة نظم ص: 1500.
    [8]- هذا المعنى من كتاب: اعجاز القرآن، الرافعي، ص: 209.
    [9]- انظر دور الكلمة في اللغة، ستيفن أولمان، ترجمة وتحقيق: د.كمال محمد بشير، مكتبة الشباب، ص: 99.
    [10]- انظر الخصائص، ابن جني، ج1، ص: 46.
    3- هي: (باب تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني 2/113، وباب الاشتقاق الأكبر 133.. وباب تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني، وباب أمساس الألفاظ أشباه المعاني 152 .
    4- الكتاب 4 / 14، وانظر الخصائص 2 / 152 .
    1- اسمه الكامل ينْس أُتّو هاري يسْبرسِن Jens Otto Harry Jespersen عالم لغات linguist وعالم صوتيات phonologist دنماركي وحجة بارزة عالمياً في قواعد اللغة الإنكليزية، ولد في بلدة راندرز Randers وتوفي في مدينة روسكيلدِه Roskilde، وأسهم في تطوير تعليم اللغات في المناهج التعليمية الأوربية، كما ساعد بقسط كبير من خلال مؤلفاته المتعددة على تطوير علم الصوتيات والنظرية الألسنية وتاريخ اللغة الإنكليزية، إضافة إلى تأسيس لغة عالمية عُرفت باسم «نوفيال» Novial. انظر: http://www.arab-ency.com/index.php. الموسوعة العربية.
    [14]- ستيفن أولمان، كاتب أنجليزي في الدلالات.
    3- انظر دلالة الألفاظ، إبراهيم أنيس 68 ـ 69، دور الكلمة في اللغة، أولمان 84ـ99. البيان في روائع القرآن، تمام حسان، طبعة عالم الكتب، 1993م، ط1، الفصل السابع، ص: 175. .
    [16]- الجرس والإيقاع 335 .
    [17]- البيان في روائع القرآن، د. تمام حسان، عالم الكتب القاهرة 1993م.
    [18]- سورة فاطر، الآيتان: 26-27.
    [19]- سورة النجم، آية: 22.
    [20]- سورة الحجر، آية: 26.
    [21]- سيد قطب، التصوير الفني في القرآن: 92.
    [22]- من بلاغة القرآن; المؤلف: أحمد أحمد بدوي; الناشر: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع; سنة النشر: 2005م; ص: 69.
    [23]- ينظر تفسير من نسمات القرآن كلمات وبيان، المؤلف: غسان حمدون; الناشر: دار السلام; سنة النشر: 1407 – 1986، رقم الطبعة: 2، ص: 654 .
    [24]- ذهب عدد من العلماء الى وصف عدد من الاحرف بالتفشي غير الشين وهي: ( الفاء . الثاء . الصاد . الضاد . السين . الراء ) قال المرعشلي: وبالجملة ان الحروف المذكورة مشتركة في كثرة انتشار خروج الريح لكن ذلك الانتشار في الشين اكثر لذلك اتفق على تفشي الشين وفي البواقي المذكورة قليل بالنسبة اليه ولذا لم يصفها اكثر العلماء بالتفشي انظر: جهد المقل،محمد بن أبي بكر المرعشي الملقب بساجقلي زاده، دراسة وتحقيق: د . سالم قدوري الحمد، دار عمّار، الأردن، ط 2، 1429 هـ / 2008 م، ص: 123.
    [25]- تفسير من نسمات القرآنّ، (مصدر سابق)، ص: 631 .
    [26]- كلما تكثر الصوامت تزداد الحركة السريعة وبقدر ما تكثر المصوتات تخفّ هذه السرعة ويحلّ محلها الجمود والثبات، ينظر: الصورة الشعرية في الكتابة.
    [27]- المفردات 807، تفسير مفردات القرآن 909 .
    [28]- مقال الأسباب الصوتية لاختيار المفردة القرآنية - د. أبو عائشة، http://www.dahsha.com/، 2007م.
    [29]- الرافعي، اعجاز القرآن، (مصدر سابق)، ص: 227.
    [30]- الرافعي، إعجاز القرآن، ص: 228.
    [31]- الخصائص 2 / 153،
    [32]- ينظر: تاريخ آداب العرب، ج2 / 230
    [33]- ينظر: البحر المحيط 2 / 344 .
    [34]- التعبير القرآني 19 .
    [35]- ينظر: التفسير القرآني للقرآن 8 / 1355 .
    [36]- أنظر: خزانة الأدب وغاية الإرب، ابن حجة الحموي (2/252)، وانظر أيضا: الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني، ص: 327.
    [37]- الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، (5/329).
    [38]- سورة الإسراء: 84.
    [39]- ينظر: معاني القران، للفراء (ت 207هـ): 2/130.
    [40]- سورة الإسراء، آية: 84.
    [41]- تفسير الكشاف للزمخشري (ت538هـ): 1/198.
    [42]- المشاكلة في اللغة العربية (صوتيا وصرفيا)، ماهر خضير هاشم، مجلة جامعة بابل، العلوم الانسانية، العدد: 3، المجلد: 18، سنة: 2010م، ص: 02.
    [43]- سورة النساء، آية: 43.
    [44]- المصدر السابق، الصفحة نفسها.
    [45]- سورة آل عمران، آية: 59.
    [46]- سورة ص، آية: 71.
    [47]- البرهان في علوم القران، للزركشي، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم: 3/239.
    [48]- سورة الإسراء: 44.
    [49]- البرهان في علوم القران: 3/236.
    [50]- الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني: 360، وجواهر البلاغة احمد الهاشمي: 226
    [51]- سورة المائدة: 116.
    [52]- سورة التوبة:67.
    [53]- سورة البقرة: 138.
    [54]- سورة البقرة: 136.
    [55]- المشاكلة، (مصدر سابق)، خضير هاشم، ص: 03.
    [56]- كتاب سيبويه: 4/477- 478.
    [57]- الخصائص: 2/143-145.
    [58]- ينظر: فقه اللغة: 15.
    [59]- البرهان في علوم القران: 3/233 وما بعدها.
    [60]- له كتاب: "دلائل الأعجاز".
    [61]- مناهل العرفان، الزرقاني، ج، ص:
    [62]- سيد قطب، التصوير الفني، ص: 172، وربما سبقه إلى هذا السكاكي في "المفتاح".
    2- مثل الثعالبي في: (فقه اللغة)، وأبي هلال العسكري في: (الفروق اللغوية)، وأحمد بن فارس في: (الصاحبي)، وابن جني في: (الخصائص).
    3- انظر البرهان: ج1 / 133.
    [65]- المصدر نفسه: ج1 / 134.
    [66]- انظر تفصيل ذلك: في كتاب المزهر للسيوطي ج1 /ص: 369، 430، ودلالة الألفاظ إبراهيم أنيس، ص: 210- 224، ومبحث المشترك والترادف: للسيد محمد تقي الحكيم، ص: 89، في كتابه: (من تجارب الأصوليين)، وعلم الدلالة أحمد مختار عمر، ص: 147.
    [67]- انظر تفصيل ذلك وشواهده: البرهان للزركشي 134، 135، الإتقان 1 / 300 ـ301
    [68]- سورة البقرة، آية: 28، وانظر أيضاً الآيات 134 ـ 141 ـ 143 ـ 213 من البقرة، و104 ـ 110 ـ 113 من آل عمران وكثير من آيات أخر.
    [69]- سورة يوسف، آية: 45.
    [70]- سورة الزخرف، آية: 22.
    [71]- هذا المثال من كتاب فوائد البدائع لابن القيم.
    [72]- الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، (5/329).
    [73]- أحمد جمال العمري، مفهوم الإعجاز القرآني: 295. دار المعارف مصر. 1984م.
    [74]- سورة يوسف، الآية: 85.
    [75]- الإتقان في علوم القرآن: ج3،:ص262-263.
    [76]- سورة الأنعام، الآية: 110.
    [77]- الإتقان في علوم القرآن: ج3/263.
    [78]- محمد كريم الكواز، الأسلوب في الإعجاز البلاغي للقران الكريم: 293. جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، دار الكتب الوطنية بنغازي، الطبعة الأولى. 1996م.
    [79] - سورة هود، الآية: 01.
    [80] - الإتقان في علوم القرآن، (مصدر سابق)، ج1، ص: 213.
    [81] - المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
    [82] - أبو الحسن الرماني، ومفهومه للإعجاز القرآنني، للدكتور: أحمد جمال الدين العمري، ص: 07.
    [83] - هو علي بن عبد الله أبو الحسن الرماني الإخشيدي الوراق، ولد الرماني سنة ست وتسعين ومائتين للهجرة ببغداد أو سامراء، وشغل بطلب العلم وتحلق في حلقات شيوخ عصره مثل أبي بكر ابن دريد، وأبي بكر السراج. والزجاج. وغيرهم من أساتذة اللغة والنحو، صنف الرماني مجموعة ضخمة من المصنفات والمؤلفات، قدرتها بعض المصادر بما يقرب من مائة كتاب، معظمها في علم النحو، مثل:"النكت في إعجاز القرآن"، و"ألفات القرآن"، و"شرح معاني القرآن للزجاجي"، و"شرح كناب سيبويه"، وهي أكثر من 100 مؤلف. انظر: طبقات النحويين، (مصدر سابق)، ج1، ص: 211.
    [84] - سورة الفرقان، الآية: 01.
    [85] - سورة الفرقان، الآية: 02.
    [86] - سورة الإنسان، الآية: 15.
    ([87]) يعنى من أول السورة الكريمة إلى الآية رقم (62) قبل بداية الحديث عن صفات عباد الرحمن .
    ([88]) سورة الفرقان الآية: 1 .
    [89]- تأملات فى سورة الفرقان، حسن باجودة، ص: 18، 19 .
    [90]- أ.د. محمد زكي خضر، مجلة الفرقان، العدد الثالث والثلاثون، جمادى الأولى / جمادى الآخرة 1425هـ، تموز / آب 2004م، على مائدة النبوة، حروف الفاصلة القرآنية؟
    [91] - البرهان في علوم القرآن، الزركشي، (مصدر سابق)، ج3، ص: 68.
    [92]- د. فضل حسن عباس : البلاغة فنونها وأفنانها - علم المعاني، ص 492.

    [93]- سورة الإسراء : آية / 81.

    [94]- سورة سبأ : آية / 17 .

    1- التوبة:111.

    2 - الحديث: أخرجه مسلم في صحيحه, برقم: 187, 1/323.

    3 - تحرير التحبير:1/ 77.

    [98]- من أسرار التذييل في آيٍ من التنزيلمن الآية:189 إلى الآية: 202 من سورة البقرة، إعداد/ د. رمضان خميس زكي الغريب، جامعة الأزهر، 2004م.

    [99]- الحديث مُخرّج في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه دُون ذِكْر الأسماء ودون سَردها.
    [100]- سورة المائدة، آية: 118.
    [101]- تفسير القرطبي، ص: 292.
    [102]- سورة مريم، الآيات: 88-95.
    [103]- تفسير البغوي، الحسين بن مسعود البغوي، دار طيبة، ص: 258.
    [104]- تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، دار المعارف، ص: 260.
    [105]- تفسير ابن كثير، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، دار طيبة، سنة النشر: 1422هـ / 2002م، ص: 266.
    [106]- سورة الجادلة، آية: 13.
    [107]- سورة البقرة، آية: 234.
    [108][108]- بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية، دار الكتاب العربي للنشر، الطبعة الأولى، سنة: 2002م،، تحقيق: عدنان درويش، الجزء1، ص: 50.
    [109] - المصدر نفسه، ج1، ص: 55.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •