آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    155

    افتراضي آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم

    آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم

    اعلم -رحمك الله- أن زيارة القبور كان منهي عنه في أوّل الإسلام فعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) رواه مسلم. قال العلامة المناوي -رحمه الله- في "فيض القدير شرح الجامع الصغير": ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور)) لحدثان عهدكم بالكفر. وأما الآن حيث انمحت آثار الجاهلية واستحكم الإسلام وصرتم أهل يقين وتقوى ((فزوروا القبور)) أي بشرط أن لا يقترن بذلك تمسح بالقبر،أو تقبيل، أوسجود عليه، أو نحو ذلك. فإنه كما قال السبكي: " بدعة منكرة إنما يفعلها الجهال "...). انظر فيض القدير شرح الجامع الصغيرللعلامة المناوي(5/55) دار الفكر
    وقال الشيخ أحمد الرومي الحنفي في كتابه "مجالس الأبرار ومسالك الأخيار " في شرح هذا الحديث: (هذا الحديث من صحاح المصابيح رواه بريدة، فيه تصريح بوقوع النهي في أوائل الإسلام عن زيارة القبور لكونها مبدأ عبادة الأصنام) ثم ذكر قصة عبادة الأصنام في قوم نوح، ثم قال: (فلما كان منشأ عبادة الأصنام من جهة القبور؛نهى صلى الله عليه وسلم أصحابه في أوائل الإسلام عن زيارة القبور سداً لذريعة الشرك، لكونهم حديثي عهد بكفر، ثم لما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها). المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد ص (385-386)
    وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور،فزوروها،[ فإنها تذكركم الاخرة]،[ ولتزدكم زيارتها خيرا ]،[ فمن أراد أن يزور فليزر ،ولا تقولوا هجرا] ) أخرجه مسلم (53/6،6/82) وأبو داود (2/72،131) ومن طريقة البيهقي (4/77) والنسائي (1/ 285،286،2/329،330) وأحمد (5/350،355 ،356،361) والزيادة الاولى والثانية له ، ولابي داود الاولى بنحوها وللنسائي الثانية والثالثة .
    قال النووي رحمه الله في ( المجموع ) (5/ 310):
    "والهجر : الكلام الباطل،وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل ، فلما استقرت قواعد الاسلام ، وتمهدت أحكامه ، واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة ، واحتاط صلى الله عليه وسلم بقوله :( ولا تقولوا هجرا ) ".



    قال العلامة المحدث عبدالمحسن العباد حفظه الله:"ينبغي أن يُعلم أنَّ المشروعَ في حقِّ مَن أراد القدومَ إلى المدينة أن يَقصِدَ بسفَرِه إليها زيارةَ مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وشدَّ الرَّحل إليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصَى ))، رواه البخاري ومسلم.
    وهذا الحديث يدلُّ على منع شدِّ الرَّحل إلى أيِّ مكانٍ مسجدٍ أو غيرِه للتقرُّبِ إلى الله في تلك البُقعةِ الَّتِي يُسافر إليها؛ لِمَا في سنن النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( لقيتُ بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَة الغِفاري رضي الله عنه فقال: مِن أين جئتَ؟ قلت: من الطُّور، قال: لو لَقِيتُك مِن قَبل أن تَأتِيَه لَم تأتِه، قلتُ له: ولِمَ؟ قال: إنِّي سَمعْتُ رسولَ الله  يقول: لا تُعمَلُ المَطِيُّ إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس ))، وهو حديثٌ صحيحٌ، وفيه استدلالُ بَصرةَ بن أبي بَصرَة الغفاري رضي الله عنه على مَنعِ شَدِّ الرَّحل إلى المساجد أو غيرِها سِوَى هذه المساجد الثلاثة.
    ومَن وصل إلى مدينة رسول صلى الله عليه وسلم فَإنَّه يُشرَعُ له زِيارة مَسجدَين وثلاث مقابر.
    أمّا المسجدان فهما: مسجدُ الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد قُباء.
    أمّا المقابر الثلاث التي يُشرَع زيارتُها فهي قَبْرُ الرسول صلى الله عليه وسلم وقَبْرَا صاحِبَيْه أبي بَكر وعمر رضي الله عنهما، ومَقبَرَةُ البَقِيع، ومقْبَرَةُ شُهداء أُحُد.
    فإذا جاء الزائرُ إلى قَبْرِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم وقَبْرَيْ صاحِبيهِ رضي الله عنهما فإنَّه يأتي مِن الجِهَةِ الأَمَاميَّة فيَستَقْبلُ القبْرَ، ويزورُ زيارةً شرعيَّةً، ويَحذَرُ مِن الزِّيارةِ البِدعية، فالزيارةُ الشرعيَّةُ أن يُسلِّمَ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ويدعو له بأَدَبٍ وخَفْضِ صوتٍ، فيقول: السلامُ عليكَ يا رسول الله ورحمةُ الله وبركاتُه صلّى اللهُ وسلَّم وبارك عليكَ، وجزاك أفضلَ ما جَزَى نَبِياًّ عن أُمَّته، ثمَّ يُسلِّم على أبي بَكرٍ رضي الله عنه ويَدعو له، ثمَّ يُسلِّم على عمرَ رضي الله عنه ويدعو له.
    ومِمَّا يَنبَغِي أن يُعلم أنَّ هَذَين الرَّجُليْن العَظيمين والخَلِيفَتَيْن الرَّاشِدَيْن قد حَصَلَ لَهما إِكرامٌ مِن الله لَم يَحصُل مثلُه لغيرِهما، فأمَّا أبو بكر رضي الله عنه فإنَّ الله لَمَّا بَعثَ رسولَه صلى الله عليه وسلم بالحقِّ والهُدى كان أوَّلَ مَن آمَنَ به من الرِّجال، ولاَزَمَه في مكَّةَ بعد البِعثَةِ ثلاثة عشر عاماً، ولَمَّا أَذِن اللهُ لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرةِ إلى المدينة رَافَقَه في الطريق إليها، وأَنزَلَ اللهُ في ذلك قرآناً يُتلَى، وهو قولُ الله عزَّ وجلَّ: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، ولاَزَمَه في المدينة عَشرَ سِنين، وشَهِدَ المشاهِدَ كلَّها معه، ولَمَّا تُوفِيَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلِيَ الخلافةَ مِن بَعدِه وقام بالأمرِ خيرَ قيامٍ، ولَمَّا توفَّاه الله أكرمَه اللهُ بالدَّفن بِجوارِ رسولِ الله ، وإذا بُعث يكون معه في الجَنَّةِ، وذلك فضلُ الله يُؤتيه مَن يشاءُ واللهُ ذو الفضل العظيم.
    وأمَّا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد سبقه إلى الإسلام ما يقربُ من أربعين رجلاً، وكان شديداً على المسلمين، فلمَّا هداه اللهُ إلى الإسلام كانت قوَّتُه وشدَّتُه على الكافرين، وكان إسلامُه عِزًّا للمسلمين؛ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( ما زلنا أَعِزَّةً مُنذ أَسلَمَ عُمرُ )) أخرجه البخاري في صحيحه.
    ولازم النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في مكة وهاجَرَ معه إلى المدينة، وشَهِدَ المشاهدَكلَّها معه، ولَمَّا وَلِيَ أبو بكرٍ رضي الله عنه مِن بعده كان عَضُدَه الأيمن، ثمَّ وَلِيَ الخلافةَ مِن بعد أبي بكرٍ، ومَكَثَ فيها أكثَرَ من عَشر سنوات، فُتحت فيها الفتوحات، واتَّسعَتْ رُقعةُ البلاد الإسلامية، وقُضِيَ على الدولتين العُظمَيَيْن في ذلك الزمان: دولتَي فارس والروم، وأُنفِقَت كنوزُ كِسرَى وقَيصَرَ في سبيل الله كما أخْبَرَ بذلك الصَّادقُ المصدوقُ صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك على يَدَيْ الفاروق رضي الله عنه، ولَمَّا تُوُفِّيَ أكرَمَه اللهُ بالدَّفن بِجِوارِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بُعث يكون معه في الجَنَّةِ، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفَضلِ العَظيمِ.
    أَفَمِثل هذَين الرَّجلَين العَظيمَين اللَّذَيْن هذا شأنُهما وهذا فضْلُهما يَحقِدُ عليهما حاقِدٌ، أو يَذُمُّهما ذَامٌّ، نعوذ بالله من الخذلان.
    ربَّنا اغفِر لنا ولإخوانِنا الذين سَبقونا بالإيمانِ ولا تَجعلْ في قلوبِنا غِلاًّ للَّذين آمنوا ربَّنا إنَّك رؤوفٌ رحيم.
    ربَّنا لا تُزِغ قلوبَنا بعد إذْ هديتَنا وهَبْ لنا من لَدُنْك رحْمَةً إنَّك أنتَ الوهَّاب.
    وقد نَقلَ ابنُ كثير رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا}، عَن ابنِ أبي حاتم بإسنادِه إلى المغيرَة بنِ مِقْسَمٍ أنَّه قال: (( كان يُقال: شَتْمُ أبي بَكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائِر ))، ثم قال ابن كثير: (( قلتُ: وقد ذهبَ طائِفةٌ من العلماء إلى تَكفيرِ مَن سَبَّ الصحابةَ، وهو روايةٌ عن مالك بنِ أنس رحمه الله، وقال محمد بن سيرين: ما أظُنُ أَحَداً يُبغِضُ أبا بكر وعُمر وهو يُحِبُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، رواه الترمذي )).
    وأمَّا الزيارَةُ البِدعية فهي التي تَشتَمِل على أمورٍ:
    الأول: أن يَدعُوَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ويستغيثَ به ويَطلبَ منه قضاءَ الحاجات وكشفَ الكرُبات، أو غيرَ ذلك مِمَّا لا يُطلب إلاَّ من الله، فإنَّ الدعاءَ عبادةٌ، والعبادةُ لا تكون إلاَّ لله وحده، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
    (( الدُّعاءُ هو العِبادةُ )) وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود والترمذي وغيرُهما، وقال الترمذي:
    (( حديثٌ حسن صحيح )).
    والعبادةُ حقُّ الله، ولا يَجوزُ صرفُ شيءٍ مِن حقِّ الله إلى غير الله، فإنَّ ذلك شركٌ بالله، فاللهُ تعالى هو الذي يُرجى ويُدعى، والرَّسولُ صلى الله عليه وسلم يُدْعَى له، ولا يُدْعَى، وكذلك غيرُه من أصحاب القبور يُدعَى لَهم، ولا يُدعون، ومن المعلومِ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم حيٌّ في قَبْرِه حياةً بَرْزَخِيَّةً أكمل من حياة الشُّهداء، وكيفيَّةُ هذه الحياةِ لا يعلَمُها إلاَّ الله، وهذه الحياةُ تَختَلِفُ عن الحياةِ قبلَ الموتِ والحياةِ بعدَ البعثِ والنُّشور، فلا يَجوزُ دعاؤُه صلى الله عليه وسلم ولا الاستغاثةُ به؛ لأنَّ ذلكَ عبادةٌ، والعبادةُ لا تكون إلاَّ لله وحدَه كما تقدَّم.
    الثاني: أن يضَعَ يدَيْهِ على صدرِه كهيئَةِ الصلاةِ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ؛ لأنَّ هذه هيئةُ خضُوعٍ وذُلٍّ لله عزَّ وجلَّ شُرعت في الصلاةِ حيث يكون المسلمُ قائماً في صلاتِه يُناجِي ربَّه، وقد كان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتِه إذا وَصَلُوا إليه لا يَضَعُون أيدِيهم على صدورِهم عندَ سلامِهم عليه، ولو كان خيراً لَسبَقُوا إليه.
    الثالث: أن يَمسحَ على الجُدران والشَّبابيك التي حَول قبره صلى الله عليه وسلم، وكذا أيّ مكانٍ من المسجد أو غيره، فإنَّ ذلك لا يَجوز؛ لأنَّه لَم تأتِ به السُّنَّةُ، وليس من فِعل السَّلف الصالِحِ، وهو وسيلةٌ إلى الشِّرك، وقد يقول مَن يفعلُ ذلك: أنا أفعلُه مَحَبَّةً للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ونقول: إنَّ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَجِبُ أن تكون في قلبِ كلِّ مسلمٍ أعظمَ من مَحَبَّتِه لوالِدَيْه وولده والنَّاسِ أجْمَعين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمِنُ أحدُكم حتى أَكونَ أَحَبَّ إليه من والِدِه ووَلَدِه والناس أَجْمَعِين )) رواه البخاري ومسلم.
    بل يَجِبُ أن تكون أعظمَ من مَحَبَّتِه لنفسِه كما ثبت ذلك في حديثِ عُمرَ رضي الله عنه في صحيح البخاري، وإنَّما وَجَبَ أن تكون مَحَبَّتُه صلى الله عليه وسلم أعظمَ من مَحَبَّة النَّفسِ والوَالِد والوَلَد فَلأنَّ النِّعمةَ التي ساقها الله للمسلمين على يَديْه  وهي نعمةُ الإسلام، نعمةُ الهداية للصِّراط المستقيم، نعمةُ الخروج من الظُّلمات إلى النُّورِ هي أجَلُّ النِّعَم وأعظمُها، لا يساويها نِعمةٌ ولا يُماثِلُها نِعمة.
    لكن ليس علامةُ هذه المَحبَّة المسحَ على الجُدرانِ والشَّبابيك، بل علامتُها اتِّباعُ الرَّسول صلى الله عليه وسلم والعملُ بسُنَّتِه؛ فإنَّ دينَ الإسلام مَبْنِيٌّ على أمَرَيْن عظيمين:
    ـ أحدهما: ألاَّ يُعبد إلاَّ الله.
    ـ والثاني: أن لا يُعبد اللهُ إلاَّ وِفقاً لِمَا جاء به رسولُ الله ، وهذا مُقتَضَى شهادةِ أن لا إله إلاَّ الله وشهادةِ أنَّ محمَّداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وفي القرآن الكريم آيةٌ يُسمِّيها بعضُ العلماء آيةُ الامتِحان، وهي قولُ الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، قال الحسنُ البصريُّ وغيرُه من السّلف: (( زَعَمَ قومٌ أنَّهم يُحبُّون اللهَ فابْتلاهم اللهُ بهذه الآية )). ومعنى قولهم (( ابتلاهم )) أي: اختبَرَهم وامتحَنَهم ليَظهَرَ الصادقُ من الكاذب، فإنَّ مَن يَدَّعي مَحبَّةَ الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم عليه أن يُقِيمَ البيِّنةَ على دعواه، والبيِّنةُ هي اتِّباعُ الرسول صلى الله عليه وسلم.
    قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: (( هذه الآيةُ الكريمةُ حاكمَةٌ على كلِّ مَن ادَّعى مَحَبَّةَ الله وليس هو على الطريقَةِ المُحَمَّدِيَّة ، فإنَّه كاذبٌ في نفس الأمرِ حَتَّى يتبع الشَّرعَ المُحَمَّدِيَّ والدِّينَ النَّبَوِيَّ في جَميع أقوالِه وأفعالِه، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله  أنَّه قال: (( مَن عَمِلَ عَملاً ليس عليه أمْرُنا فهو ردٌّ ))، ولهذا قال {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} أي: يَحصُلُ لكم فوقَ ما طلبتم من مَحبَّتكم إيّاه وهو مَحَبَّتُه إيَّاكم وهو أعظمُ من الأوَّل، كما قال بعضُ العلماء الحكماء: لَيس الشّأنُ أن تُحِبَّ إنَّما الشَّأنُ أن تُحَبَّ )). ثم ذَكَرَ كلامَ الحسن وغيرِه من السَّلف المتقدِّم.
    وقال النووِيُّ في المجموع شرح المهذَّب في شأن مَسح وتقبيلِ جِدار قبْرِه صلى الله عليه وسلم: (( ولاَ يُغْتَرَّ بِمخالفةِ كثيرينِ من العوام وفعلِهم ذلك، فإنَّ الاقتداءَ والعملَ إنَّما يكون بالأحاديثِ وأقوال العلماءِ، ولا يُلتفت إلى مُحدَثَات العوام وغيرِهم وجَهالاَتِهم، وقد ثبتَ في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله  قال: (( مَن أحدَثَ في دِينِنا هذا ما لَيس منه فهو ردٌّ)) ، وفي رواية لمسلم: (( مَن عمِلَ عَمَلاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ ))، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تَجعَلوا قَبْرِي عيداً، وصلُّوا عليَّ، فإنَّ صلاتَكم تَبلُغُنِي حَيثمَا كنتم ))، رواه
    أبو داود بإسنادٍ صحيح، وقال الفضـيلُ بنُ عِياض رحمه الله ما معناه: (( اتَّبِعْ طُرُقَ الهُدى ولا يَضُرَّكَ قِلَّةُ السَّالكين، وإيّاك وطُرُقَ الضَّلالَةِ ولا تَغْتَرَّ بكَثرةِ الهالكين ))، ومَن خَطَرَ ببالِه أنَّ المسحَ باليد ونحوِه أبلغُ في البَركَةِ، فهو من جهالَتِه وغفلَتِه؛ لأنَّ البَرَكةَ إنَّما هي فيما وافقَ الشَّرعَ، وكيف يُبتغَى الفضلُ في مخالَفَةِ الصوابِ ))، انتهى كلامُه رحمه الله.
    الرابع: أن يطوف الزائرُ بقبْرِه صلى الله عليه وسلم فإنَّ ذلك حرامٌ؛ لأنَّ الله لَم يشرع الطوافَ إلاَّ حولَ الكَعبةِ المشرَّفة قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلْيَطَّوَفُو بِالبَيْتِ العَتِيقِ}، فلا يُطاف في أيِّ مكان إلاَّ حولَ الكعبة المشرَّفة، ولهذا يُقال: كم للهِ مِن مصلٍّ في كلِّ مكان، وكذا يُقال: كم لله مِن متصدِّق، وكم لله مِن صائم، وكم لله مِن ذاكر، لكن لا يُقال كم لله مِن طائف في كلِّ مكان؛ لأنَّ الطوافَ مِن خصائصِ البيت العتيقِ، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (( وقد اتَّفق المسلمون على أنَّه لا يُشرَعُ الطوافُ إلاَّ بالبيتِ المعمور، فلا يَجوزُ الطوافُ بصَخرَةِ بيت المقدس، ولا بِحُجرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا بالقُبَّةِ الَّتِي في جبَلِ عرفات ولا غير ذلك )).
    الخامس: أن يَرفعَ الصوتَ عند قَبْرِه ، فإنَّ ذلك غير سائِغٍ؛ لأنَّ الله أَدَّب المؤمنين لَمَّا كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بين أظهرِهم فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} وهو صلى الله عليه وسلم مُحتَرَمٌ في حياتِه وبعد وفاتِه.
    السادس: أَن يَستقبِل القبرَ من مَكان بعيد سواء كان في المسجد أو خارجَه ويُسلِّمَ عليه ، وقد قال شيخُنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مَنسكه (( وهو بهذا العملِ أقربُ إلى الجَفاءِ مِنه إلى الموالاة والصَّفَاء )).
    ومِمَّا يُنبَّه عليه أنَّ بعضَ مَن يَقدُمُ إلى المدينة قد يُوصيه بعضُ أهلِه أو غيرُهم أن يبلِّغَ سلامَه للرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ولكونِه لَم يَرِدْ في السُّنَّةِ شيءٌ يدلُّ على ذلك فيَنبغي لِمَن طُلب منه ذلك أن يقول للطالب: أَكْثِر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، والملائكةُ تبلِّغُ ذلك إلى الرَّسول  لقوله : (( إنَّ لله ملائكةً سَيَّاحين يبلِّغونِي عن أُمَّتِي السلامَ )) وهو حديثٌ صحيحٌ رواه النسائي وغيرُه، ولقوله : (( لا تَجعلُوا بيوتَكم قبوراً، ولا تَتَّخِذوا قبري عيدًا، وصَلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتَكم تَبلغنِي حيث كنتم )) وهو حديثٌ صحيحٌ رواه أبو داود وغيره.
    ومِمَّا ينبغي أن يُعلم أنَّه لا تلازمَ بين الحج والعمرة وبين الزيارةِ، فيُمكن لِمَن جاء حاجًّا أو معتمراً أن يَعودَ إلى بلده دون أن يأتي إلى المدينةِ، ومَن جاء إلى المدينة من بلده يُمكِن أن يعودَ دون أن يَحُجَّ أو يَعتَمِر، ويُمكن أن يَجمع بين الحجِّ والعمرةِ والزيارة في سَفرةٍ واحدةٍ.
    وأما ما يُروى من أحاديث في زيارةِ قبره  ، مثل حديث: (( مَن حَجَّ ولَم يَزُرْنِي فقد جَفانِي))، وحديث (( مَن زارني بعد مَمَاتي فكأنَّمَا زارَني في حياتي ))، وحديث (( مَن زارني وزارَ أبي إبراهيم في عامٍ واحد ضَمِنْتُ له على الله الجَنَّةَ ))، وحديث (( مَن زار قَبري وَجَبتْ له شفاعَتِي ))، فهذه الأحاديثُ وأشباهُها لا تقوم بها حُجَّةٌ؛ لأنَّها موضوعةٌ أو ضعيفةٌ جدًّا كما نَبَّه على ذلك الحفاظُ كالدارقطني والعُقيلي والبيهقي وابن تيمية وابن حجر رحمهم الله تعالى.
    وأمَّا قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}، فلا دليلَ في الآية على قَصد القَبْرِ عند ظُلم النَّفسِ وطَلَبِ الاستغفارِ من النَّبِيِّ  ؛ لأنَّ سياقَ الآيات في المنافقين، والمجيءُ إليه  إنَّما يكون في حياتِه؛ لأنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم وأرضاهم مَا كانوا يَأتون إلى قبره مُستغفرِين طالبين الاستغفَارَ، ولِهذا عَدَل عمر بنُ الخطاب رضي الله عنه إلى التوَسُّلِ بدُعاء العباس عندما أصابهم الجَدْبُ، وقال: (( اللَّهمَّ إنَّا كنَّا إذا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إليكَ بِنَبيِّنا فتَسْقِينَا، وإنَّا نَتَوسَّلُ إليكَ بِعَمِّ نبيِّنا فاسْقِنَا، قال: فيُسقَوْنَ )) أخرجه البخاري في صحيحه.
    فلو كان التَّوَسُّلُ به  بعد موتِه سائغاً لَمَا عَدَلَ عنه عمر رضي الله عنه إلى التوسُّلِ بالعباس رضي الله عنه ، ويدلُّ لذلك أيضاً ما رواه البخاريُّ في صحيحه في كتاب المرضى عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: (( وا رَأساه! فقال رسولُ الله : ذاكِ لو كان وأنا حَيٌّ فأستغفرَ لكِ وأدعوَ لكِ، فقالت عائشة:
    وا ثُكلياه! والله إنِّي لأظنُّكَ تُحِبُّ مَوتِي )) الحديث.
    فلو كان يَحصلُ منه الدعاءُ والاستغفارُ بعد موته  لَم يكن هناك فرقٌ بين أن تَموتَ قبله أو يَموتَ قبلها .
    وزيارةُ قبره  دَلَّت عليها الأحاديثُ الدالَّةُ على زيارة القبور، كقوله  : (( زُورُوا القبورَ؛ فإنَّها تذكِّرُكم الآخرةَ )) أخرجه مسلم في صحيحه.
    لكن لا ينبغي إِطالةُ الوقوف عند قَبره  ولا الإكثارُ من الزيارة لِمَا في ذلك من الإفضاء إلى الغلُوِّ، وقد خَصَّ اللهُ نبيَّه  دون أُمَّته بأنَّ الملائكة تُبلِّغ السلامَ إليه من كلِّ مكانٍ؛ لقولِه : (( إنَّ لله ملائكةً سَيَّاحِين يُبلِّغوني عن أُمَّتي السلامَ ))، ولقوله : (( لا تَجعلوا بيوتَكم قبورًا، ولا تَتَّخِذوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتَكم تَبلُغُنِي حيث كنتم ))، فإنَّه  لَمَّا نَهَى عن اتِّخاذ قبره عيدًا أَرْشَدَ إلى ما يقومُ مقامَ ذلك بقوله: (( وصَلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتَكم تَبْلُغُنِي حيث كنتم )) أي: بواسِطَةِ الملائكة.
    وأمّا زيارةُ قبور البقِيعِ وزيارةُ قبور شُهداء أُحُد فهي مُستَحَبَّةٌ إذا كانت على وجهٍ مشروعٍ، ومُحَرَّمةٌ إذا كانت على وجهٍ مبتدَعٍ.
    فالزيارةُ الشرعيَّةُ هي التي يُؤتى بها وِفقاً لما جاء عن الرسول ، مشتملةً على انتفاع الحيِّ الزائر، وانتفاع الميِّت المَزُورِ.
    فالحيُّ الزائرُ يستفيد ثلاثَ فوائد:
    الأولى: تذكُّرُ الموت؛ لِمَا يترتَّب عليه من الاستعدادِ له بالأعمال الصالِحَة؛ لقوله : (( زوروا القبورَ؛ فإنَّها تذكِّركم الآخرةَ )) رواه مسلم.
    والثانية: فعلُه الزيارةَ، وهي سنَّةٌ سنَّها رسول الله ، فيُؤجرُ على ذلك.
    والثالثة: الإحسانُ إلى الأمواتِ المسلمين بالدُّعاءِ لَهم، فيُؤْجَر على هذا الإحسان.
    وأمّا الميِّتُ المزور، فإنَّه يستفيد في الزيارة الشرعية الدعاءَ له والإحسانَ إليه بذلك؛ لأنَّ الأمواتَ يَستفيدون مِن دُعاء الأحياءِ.
    ويُستحبُّ لزائر القبورِ أن يدعوَ لَهم بِما ثبتَ عن رسول الله  في ذلك، ومنه حديثُ بُرَيدَة بن الحُصَيب رضي الله عنه قال: (( كان رسولُ الله  يعلِّمهم إذا خرَجُوا إلى المقابر، فكان قائلُهم يقول: السَّلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ مِن المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لَلاَحِقونَ، أسأل اللهَ لنا ولكم العافِيةَ )) رواه مسلم.
    وزيارةُ القبور مُستَحبَّةٌ في حقِّ الرِّجالِ، أمَّا زِيارةُ النساء للقبور، ففيها خلافٌ لأهل العلم، مِنهم مَن أجازَ ومِنهم مَن مَنع، وأظهرُ القولين المنعُ؛ لقوله : (( لَعنَ الله زَوَّاراتِ القبور )) أخرجه الترمذي وغيرُه، وقال الترمذيُّ: (( حديثٌ حسنٌ صحيحٌ )).
    فإنَّ الأظهرَ في لفظِ (( زَوَّارات )) أنَّه للنِّسبَةِ،
    أي: نسبة الزِّيارة إليهنَّ، أو ذوات زيارة، نَظيرُ قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} أي: ليس بذِي ظُلم، أو بِمنسُوبٍ إليه الظُّلم، وليس للمبالغَةِ في الزيارة، كما ذكره بعضُ مَن أجازَ زيارةَ النِّساء للقبور، وأيضاً لِما في النِّساءِ مِن الضَّعف وقلَّة الصبرِ عن البُكاءِ والنِّياحَةِ.
    وأيضاً فإنَّ القولَ بالمنع أحوطُ؛ لأنَّ المرأةَ إذا تَركت الزيارةَ لَم يفُتْهَا إلاَّ أمرٌ مُستَحَبٌّ، وإذا حصلت مِنها الزيارةُ تعرَّضَت لِلَّعنَةِ.
    وأمّا الزيارةُ البدعيَّةُ: فهي التي يُؤتى بها على غير الوجهِ المشروعِ، كأن تُقصَدَ القبورُ لدعاء أهلِها والاستغاثَةِ بهم وطلبِ قضاء الحاجات منهم ونَحوِ ذلك، فإنَّ هذه الزيارةَ لا يَستَفيدُ منها الميِّت ويَتَضَرَّرُ بها الحيُّ، فالحيُّ يتضرَّرُ؛ لأنَّه فَعلَ أمراً لا يَجوزُ؛ إذ هو شركٌ بالله، والميِّتُ لا ينتَفِعُ؛ لأنَّه لم يُدْعَ له، وإنَّما دُعي مِن دون الله، وقد قال شيخُنا الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله في مَنسكه: (( فأمّا زيارَتُهُم لقَصدِ الدُّعاءِ عند قبورهم، أو العكوفِ عندها، أو سؤالِهم قضاء الحاجات، أو شفاءَ المرضى، أو سؤالِ الله بهم أو بِجاههم ونحوِ ذلك، فهذه زيارةٌ بِدعيَّةٌ مُنكَرةٌ لَم يَشرَعْها اللهُ ولا رسولُه ولا فعلَها السّلفُ الصالِحُ رضي الله عنهم، بل هي من الهُجْرِ الذي نَهى عنه الرسول  حيث قال: (( زُورُوا القبورَ ولا تقولوا هُجرًا ))، وهذه الأمورُ المذكورةُ تَجتَمِع في كونها بِدعة، ولكنها مُختَلِفَةُ المراتِب، فبعضُها بِدعةٌ ولَيس بشِركٍ، كدُعاء الله سبحانَه عند القبور وسؤالِه بِحقِّ الميِّت وجاهِهِ ونَحوِ ذلك، وبعضُها من الشِّركِ الأكبر كدُعاء الموتَى والاستعانةِ بهم ونحو ذلك )).من رسالة فضل المدينة وآداب سكناها وزيارتها للعلامة المحدث عبدالمحسن العباد حفظه الله تعالى.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    155

    افتراضي رد: آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم

    اتخاذ قبره صلى الله عليه و سلم عيدا ، يقصد في أوقات معينة ،ومواسم معروفة
    روى عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة أن علي بن الحسين رضي الله عنه رأى رجلاً يأتي فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه و سلم فيدخل فيها فيدعو ، فنهاه وقال : " ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبى عن جدي - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لا تتخذوا قبري عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وسلموا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم " قال السخاوي " وهو حديث حسن " ( ) . قاله في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص 228

    قال الشيخ المناوي الشافعي في ( فيض القدير ) عند شرحه لحديث (( لا تجعلوا قبري عيداً , وصلّوا عليّ , فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم )) : معناه النهي عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد، إما لرفع المشقة أو كراهة أن يتجاوزوا حدّ التعظيم، وقيل العيد ما يعاد إليه أي لا تجعلوا قبري عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلّوا عليّ،فظاهره نهي عن المعاودة،والمرا د المنع عما يوجبه وهو ظنهــم بأن دعاء الغائب لا يصـل إليه، ويؤيده: ((وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) أي " لا تتكلفوا المعاودة إلي فقد استغنيتم بالصلاة علي ".-قال-: ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء، في يوم أو شهر مخصوص من السَّنة، ويقولون هذا يوم مولد الشيخ ويأكلون ويشربون وربما يرقصون فيه، منهي عنه شرعاً وعلى ولي الشرع ردعهم على ذلك وإنكاره عليهم وإبطاله) انتهى. بواسطة عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق العظيم أبادي(6/32-33)
    وقال شمس الحق العظيم أبادي -رحمه الله- في شرح هذا الحديث: (وأمـا الآن فإن الناس في المسجد الشريف إذا سلم الإمام عن الصلاة قاموا في مصلاهم مستقبلين القبرالشريف كالراكعين له ومنهم من يلتصق بالسرادق ويطوف حوله وكل ذلك حرام باتفاق أهل العلم وفيه ما يجر الفاعل إلى الشرك) موضع الشاهد قوله: (وفيه ما يجر الفاعل إلى الشرك).
    وقال الطيبي-رحمه الله - في شرح نفس الحديث:(نهاهم عن الاجتماع لها اجتماعهم للعيد نزهة وزينة،وكانت اليهود والنصارى تفعل ذلك بقبور أنبيائهم فأورثهم الغفلة والقسوة، ومن عادة عَبَدة الأوثان أنهم لا يزالون يعظِّمون أمواتهم حتى اتخذوهم أصناماً،وإلى هذا الإشارة بقوله: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) فيكون المقصود من النهي كراهته أن يتجاوزوا في قبره غاية التجاوز ولهذا ورد: ((اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))...) انتهى موضع الشاهد. بواسطة مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري (3/14)


    وقال المرتضى الزبيدي" إن سبب قول النبي  " لا تجعلوا قبري عيداً "هو قول النبي صلى الله عليه و سلم " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " إتحاف السادة المتقين للزبيدي 4 / 417 بغية الطالب 233.
    وقال النووي أن مالكاً كره لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد وخرج ، الوقوف عند قبر النبي صلى الله عليه و سلم محتجاً بقول النبي صلى الله عليه و سلم " اللهم لا تجعل قبري عيداً " الإيضاح ص464 ..


    قال الإمام الألباني رحمه الله : "اتخاذها عيدا ، تقصد في أوقات معينة ،ومواسم معروفة،للتعبد عندها ،أو يراها. لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لا تتخذوا قبري عيدا.ولا تجعلوا بيوتكم قبورا ،وحيثما كنتم فصلوا علي ، فإن صلاتكم تبلغني). أخرجه أبو داود (1/319) وأحمد (2/367) بإسناد حسن ، وهو على شرط مسلم ، وهو صحيح مما له من طرق وشواهد .
    فله طريق أخرى عن أبي هريرة ، عند أبي نعيم في ( الحلية ) (6/283)
    وله شاهد مرسل بإسناد قوي عن سهيل قال:( رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر ، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى ، فقال :هلم إلى العشاء ،فقلت: لا أريده .فقال : مالي رأيتك عند القبر ؟ فقلت : سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( إذا دخلت المسجد فسلم ) ثم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تتخذوا قبري عيدا ، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا ، وصلوا علي ،فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ،لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ).ما أنتم ومن بالاندلس إلا سواء . رواه سعيد بن منصور كما في ( الاقتضاء ) لابن تيمية ، وهو عند الشيخ اسماعيل بن اسحاق القاضي في( فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) (رقم30) دون قوله ( لعن الله اليهود ... ) وكذا رواه ابن أبي شيبة (4/140) مقتصرا على المرفوع منه فقط .
    وله شاهد آخر بنحو هذا من طريق علي بن الحسين عن أبيه عن جده مرفوعا. أخرجه اسماعيل القاضي (رقم 20) وغيره . انظر ( تحذير الساجد ) (98-99) والحديث دليل على تحريم اتخاذ قبور الانبياء والصالحين عيدا . قال شيخ الاسلام ابن تيمية في ( الاقتضاء ) (ص 155-156) : ( ووجه الدلالة أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الارض وقد نهى عن اتخاذه عيدا ،فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان ،ثم قرن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:ولا تتخذوا بيوتكم قبورا) أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة ، فتكون بمنزلة القبور فأمر بتحري العبادة في البيوت ، ونهى عن تحريها عند القبور،عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم.قال:فهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنهم،نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم،واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي. وهو أعلم بمعناه من غيره ، فتبين أن قصده أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد ، ورأى أن ذلك من الدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا . وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره اتخاذه عيدا . فانظر هذه السنة كيف أن مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار لانهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط .
    والعيد إذا جعل اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وإتيانه للعبادة عنده أو لغير العبادة ، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عيدا مثابة للناس ، يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك . وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها ، فلما جاء الاسلام محا الله ذلك كله .وهذا النوع من الامكنة يدخل فيه قبور الانبياء والصالحين) (أحكام الجنائز للألباني).
    وقال سعيد بن منصور في سننه : حدثنا عبدالعزيز بن محمد قال أخبرني سهل بن سهيل قال : رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشّى , فقال : هلمّ على العشاء , فقلت لا أريده , فقال مالي رأيتك عند القبر ؟ فقلت : سلّمت على النبي - صلى الله عليه وسلم - , فقال : إذا دخلت المسجد فسلم , ثم قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لا تتخذوا قبري عيداً , ولا تتخذوا بيوتكم مقابر , وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم , لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء.
    ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسألة الزيارة وبين مسألة السفر إليه صلى الله عليه وسلم ، وللغفلة المشار إليها اتهم الشيخ السبكي عفا الله عنا وعنه شيخ الاسلام ابن تيمية بأنه ينكر زيارة القبر النبوي ولو بدون شد رحل ، مع أن ابن تيمية رحمه الله كان من القائلين بها ، والذاكرين لفضلها وآدابها ، وقد أورد ذلك في غير ما كتاب من كتبه الطيبة مثل كتابه (مناسك الحج) ( 3 / 390 ) من ( مجموعة الرسائل الكبرى) وقد تولى بيان هذه الحقيقة ، ورد تهمة السبكي العلامة الحافظ محمد بن عبد الهادي في مؤلف كبير أسماه ( الصارم المنكى في الرد على السبكي ) : نقل فيه عن ابن تيمية النصوص الكثيرة في جواز الزيارة بدون السفر إليها وأورد فيه الاحاديث الواردة في فضلها ، وتكلم عليها مفصلا ،وبين ما فيها من ضعف ووضع ، وفيه فوائد أخرى كثيرة ، فقهية وحديثية وتاريخية .
    فابن تيمية لا يحرم زيارة القبور ولا قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف وقد كتب كتاباً بعنوان (الرد على البكري واستحباب زيارة قبر خير البرية)؟ ومن نقل خلاف هذا فليأت بدليل من كتب الشيخ. وإنما منع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، ومأخذُه النص ، وقد سبقه إلى ذلك إمام الحرمين كما حكاه عنه النووي والمناوي في فيض القدير 6/403 وشرح مسلم 9/106 و168 .
    وقال الإمام مالك قبلهما "أكره أن يقول القائل: زرت قبر النبي " ولا يعني هذا تحريم زيارة قبر النبي  وإنما تحريم السفر من أجله تمسكاً بالحديث. ويجب التفريق بين زيارة القبر وبين شد الرحال إليه لا كما يفعله الشيعة. وحاشا مالكاً أن يكون بذلك مخالفاً للإجماع وهو أعلم أهل زمانه.
    وذكر القاضي عياض في كتابه ( الشفا) في حكم زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - :
    (( وقال مالك , كما في المبسوط : لا أرى أن يقف عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو , ولكن يسلّم ويمضي .وقال مالك في المبسوط : وليس يلزمُ من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوفُ بالقبر , وإنما ذلك للغرباء . فقيل له : فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه , يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر , وربّما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلِّمون ويدعون ساعة ! فقال : لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا , وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها , ولم يبلغني عن أول هذه الأمّة وصدورها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده )). انتهى.

    وفى الشفاء للقاضي عياض عن مالك قال " لا أرى أن يقف عند قبر النبي  ولكن يسلم ويمضى " وروى ابنا وهب عنه أنه قال " ويدنو ويسلم ولا يمس القبر" قال الشيخ ملا على القاري الحنفي معلقاً " لأن ذلك من عادة النصارى " شرح الشفا 2 / 152 .

    الوقوف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما
    قال النووي في آداب زيارة قبره صلى الله عليه و سلم من كتابه « مناسك الحج » ( 69 /2) وهو مخطوط في ظاهريه دمشق ( عام 3656 ) : " كره مالك رحمه الله لأهل المدينة كلما دخل أحدهم وخرج الوقوف بالقبر قال : و إنما ذلك للغرباء قال : ولا بأس لمن قدم من سفر وخرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما . قال الباجي : فرَّق مالك بين أهل المدينة والغرباء ، لأن الغرباء قصدوا ذلك ، وأهل المدينة مقيمون بها ، وقد قال صلى الله عليه و سلم : « اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد » .
    قال الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله - :
    "ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة النبوية أو الطواف بها ، ولا يستقبلها حال الدعاء بل يستقبل القبلة لأن التقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرعه الله ورسوله ، والعبادات مبناها على الإتباع لا على الابتداع" . كتاب المنهج لمريد العمرة والحج .

    قال النووي في كتابه « مناسك الحج » ( 68 / 2 ) :
    " لا يجوز أن يُطاف بقبره صلى الله عليه وسلم ، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدران القبر ، قاله الحليمي وغيره ، ويكره مسحه باليد و تقبيله ، بل الأدب أن يبعد منه ... هذا هو الصواب . وهو الذي قاله العلماء ، وأطبقوا عليه ، وينبغي أن لا يغتر بكثير من العوام في محالفتهم ذلك ، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء ، ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم ، ولقد أحسن السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض في قوله ما معناه « اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين ، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين » ومن خطر في باله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة ، فهو من جهله وغفلته لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء وكيف يبتغي الفضل في مخالفه الصواب ؟! " . الإيضاح في المناسك للنووي 161 وص 453، ط : دار الحديث والمجموع 8 / 375 ونقله عنه السمهودي في وفاء الوفا 4 / 1402.
    قلت (الألباني) : رحم الله الإمام النووي فإنه بهذه الكلمة أعطى هؤلاء المشايخ الذين يتمسحون بالقبور فعلاً ، أو يحبذونها قولاً ما يستحقونه من المنزلة ، حيث جعلهم من العوام الذين لا يجوز أن يلتفت إلى جهالاتهم ( فهل من مذكر ) ؟
    (من كتاب تحذير الساجد للألباني)
    وقال ابن حجر الهيتمي الشّافعي في حاشيته على كلام النووي : (( ..ومن ثَمَّ قال في الإحياء مسٌّ المشاهد وتقبيلُها عبادةُ النصارى واليهود , وقال الزعفراني ذلك من البدع التي تُنكر شرعاً , وروى أنسُ أنه رأى رجلاً وضع يده على القبر الشريف فنهاه وقال : ما كنا نعرف هذا , أي الدنو منه إلى هذا الحد . وعُلم مما تقرر كراهة مسِّ مشاهد الأولياء وتقبيلها .... ويكره أيضاً الانخفاض للقبر الشريف وأقبح منه تقبيل الأرض له , لكن قال غيره هذا في الانحناء بمجرّد الرأس والرقبة أمّا بالركوع فهو حرام وأمّا تقبيل الأرض له فهو أشبه شيء بالسجود بل هو هو , فلا ينبغي التوقف في تحريمه )). انتهى
    وقال في المجموع " وقال الإمام محمد بن مرزوق الزعفراني- وكان من الفقهاء المحققين- في كتابه (في الجنائز) : ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله . قال: وعلى هذا مضت السنة. قال أبو الحسن: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعا ينبغي تجنب فعله ويُنهى فاعله .
    قال : فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه ، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة . قال الزبيدي " ويستدبر القبر الشريف " إتحاف السادة المتقين 4/ 421. أي قبر النبي صلى الله عليه وسلم عند زيارته .
    وقال أبو موسى الأصفهاني في كتاب آداب الزيارة : وقال الفقهاء المتبحرون الخراسانيون : المستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا وجه الميت يسلم ولا يمسح القبر ولا يقبله ولا يمسه فان ذلك من عادة النصارى . قال : وما ذكروه صحيح لأنه قد صح النهي عن تعظيم القبور ولأنه إذا لم يستحب " استلام الركنين الشاميين من أركان الكعبة لكونه لم يسن مع استحباب استـلام الركنين الآخرين : فلأنْ لا يستحب مس القبور أولى والله أعلم " المجموع شرح المهذب ص 5 /311.
    وجاء في "كشاف القناع" ـ من كتب الحنابلة ـ (1/367) :
    " ويستقبل الداعي القبلة لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة " انتهى .
    ومثله في حاشية "تحفة المحتاج" ـ من كتب الشافعية ـ (2/105) .
    وقال ابن قدامة في المغنى " ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي  ولا تقبيله قال أحمد : ما أعرف هذا . قال ابن الأثرم : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي  يقومون من ناحية فيسلمون " . المغني 3 / 559 الفروع 2 / 573 وفاء الوفا 4 / 1403 .

    نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبادة الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبد صاحب القبر؟!!
    روى الإمام مالك في الموطأ عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد}
    فدل ذلك أن القبر لو عبد وصرف له شيئاً من العبادة صار وثناً ، ثم ذكر الوسيلة التي توصل إلى عبادة القبور وهي اتخاذ القبور مساجد " اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"
    يقول ابن عبد البر رحمه الله :
    " الوثن : الصنم ، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة ، أو غير ذلك من التمثال ، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن ، صنما كان أو غير صنم ؛ وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها ، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم : كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم ، فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه ، ويسجد نحوه ويعبد فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله ، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدا ، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها ، وذلك الشرك الأكبر ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه ، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم " انتهى.
    " التمهيد " (5/45)
    ويقول أيضا :
    " وليس فيه حكم أكثر من التحذير أن يُصلَّى إلى قبره ، وأن يتخذ مسجدا ، وفي ذلك أمر بأن لا يعبد إلا الله وحده ، وإذا صنع من ذلك في قبره ، فسائر آثاره أحرى بذلك ، وقد كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان ، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك " انتهى.
    " الاستذكار " (2/360)
    وقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن رجب رحمه الله ، وأكده ، ثم قال :
    " وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى :قال الشافعي رحمه الله : وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا ، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده ".

    بيان أن شرك الأولين كان بسبب الغلو في الصالحين
    قال الإمام ابن كثير ((قال عبدالله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير كان أول ماعبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صور أولئك فيها ليتذكروا حاله وعبادته فيتشبهوا بهم فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء الصالحين ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا))(2/232)آية(59)من سورة الأعراف
    قال الحافظ ابن حجر العسقلاني « وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك». وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين ويتمسحون بصورته». (فتح الباري 8: 668 – 669).
    قال البغوي رحمه الله عند قوله تعالى : وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) هذه أسماء آلهتهم.
    قال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم بأخذهم في العبادة فجاءهم إبليس وقال لهم: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة، ففعلوا ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك )
    فعبادة الأصنام منشؤها الغلو في الصالحين وقد بنوها لتذكرهم بالصالحين من أنبياء وأولياء.
    وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى (( أفرءيتم اللات والعزى))((..وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرأوا اللات بتشديد التاء وفسروه بأنه رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه))(4/271) سورة النجم
    قال البغوي :
    في قوله عزوجل: { أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى }
    وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: "اللات" بتشديد التاء، وقالوا: كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه
    وقال في الدر المنثور :
    الآيات 19 - 27 أخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان اللات رجلا يلت سويق الحاج ولفظ عبد بن حميد : يلت السويق يسقيه الحاج


    وصلّى الله وسلَّم وبارَك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •