دِخْلة الحسود

للشيخ رابح مختاري الجزائري



الحسد كما يقول أحد الأدباء:"باب غامض و أمر مُتعذِّر، فما ظهر منه فلا يُداوى وما بطن منه فمُداويه في عناء...يكمُن في الصدور كمونَ النار في الحجر". إنَّ الحسود يضمُّ بين جنبيه نفسا مريضةً وضيعةً تحب الاستئثار بالنِّعم دون الناس، مع أنَّ النِّعم بيد موليها ومُسديها جلَّ وعلا يفرقها بين عباده وفق حكمته البالغة وعلمه الواسع، ولكنَّ الحسود يلجُّ ويعارض قائلا بلسان حاله:"أنا أحق بها منه" وهذا من إساءة الأدب مع خالقه واعتراضه على قضائه وحكمته..





ولذلك لا ترى الحاسد إلا هائمَ القلب مضطربَ المزاج مضمرا في أحشائه حقدا دفينا تظهر مخايله وتبين دلائله على قسمات وجهه وفلتات لسانه، كالحوض الذي يحمل في قعره من الأدران ما لو أُثير لكدَّر صفوه وأفسد عذوبته.

فدِينه السِّعاية وديدنه الوشاية، قد اتخذ ظلم العباد دِثاره وإيذاء الخلق شعاره، ورضع لبان اللؤم فنبت منه شحمه ولحمه، وفُطم عن ثدي المعالي فتجذَّر البغي في نفسه وتأصَّل في طبعه، وصار له سجيَّةً يجد له حلاوة كحلاوة الجرَب على حدِّ قول بشار بن برد:

والظلم حلوٌ كأنَّه جرَبُ

إنْ وقف لك على عبارة وضع كلماتها تحت مجهر التحامل الذي يبصر دقائق القبح، ويعمى عن محاسن الصبح فيمزِّقها كما يُمزَّق الثوب، ويقطِّعها كما يقطِّع العروضي بيت الشعر، ويقرؤها من جهاتها الست علَّه يظفر منها بهفوة يصوِّرها للناس خَطيئة يصير بها أهجى من الحُطيئة، أو يقع على زلَّة يجعل منها متنا يضع عليه شروحا وحواشي يشفي بها ما انطوت عليه دِخلته من الغيظ، ويطفئ بها ما سرى في عروقه من لهيب الحقد، وجهل المسكين أنَّه لجأ إلى غير ملجأ وأوى إلى ركن غير شديد، فليس هو من غيظه بمشتفٍ ضربة لازب، فإنَّ داءه مستعصٍ وأمره متعذر، فأنى لمثله أن يذوق طعم الراحة أو ينعم بالحياة في مستقر الطمأنينة وهو متقلِّب على جمر الحسد قد اصطلى بناره واكتوى بأواره؟

مسكين والله من زرع مثل هذا الزرع الذي لا يجني منه إلا الحنظل، وشقَّ لنفسه طريقا محفوفا بالمخاطر لا تطأ قدمه فيه إلا على العوسج الذي لا يُخضد شوكه، فكيف لو غصَّ به وشَجِي به حلقه؟

أنى لمثل هذا المغبون أن يذوق حلاوة العبادة أو يستظل بظلال الأخوة؛ وهو متربِّص بكل من تجددت له نعمة ليجهز عليه بمخالب حقده، وينصب له حبائل كيده وينفث فيه سمَّه الزعاف كالحيَّة الرقطاء التي لا يبرد أنينها، ولا يهدأ بالها حتى تلسع فريستها؟

فأيُّ معيشة ضنكا يتقلَّب فيها من رضي لنفسه أن يعيش حياة العقارب والحيَّات! فيا هذا اغسل يديك من الحسود وفِرَّ من قربه فرارك من الأسود، فلن يصير الحسود حليفا كما لا يصير الثعبان أليفا
وذرِ الحسود ولو صفا لك مرَّةً أبعِدْهُ عن رؤياك لا يُستجلبُ

ولا تبال بسعايته ولا تشغل ذهنك بمكايده، ودعه لعجلة الإنصاف فسوف تدوسه وتُخمل ذكره و تُخمد جذوته كما فعلت بأسلافه من قبل، الذين لا يذكرهم سجلُّ التاريخ إلا في سياق المذمَّة ولم تحفظ كتب التراجم من أخبارهم إلا ما يُزكم الأنوف و يُقرح القلوب.

ولا يحزنك أن فوَّق إليك سهامه فقد صال بسهم أخيب لا يلبث أن ينكسر على جدار التوكل والثبات، ولو كانت عنده مُسكة من عقل لأدرك أنَّه إنما يسدد سهامه ليصيب بها مقاتله، ولكنَّه الغِلُّ الذي يُعمي ويُصِمُّ ويسوق أصحابه إلى الخذلان وهم لايشعرون، ويقطع عنهم طرق التوفيق وهم في غيِّهم سادرون.

فالسعيد من وُعظ بغيره ولم يعاد نعم الله ولم يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وأيقن أنَّ الحسد داء لا دواء له و أنَّ الحسود لا راحة له، وأنَّ من حفر لأخيه حفرة وقع فيها "ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله".

ومن عجيب حكمة الله تعالى أنه قد يسخِّر الحسود لخدمة محسوده من حيث يظنُّ أنَّه يضره به، فيا لله كم أتعب الحسود نفسه وأكلَّ ذهنه وشغل خاطره وسلك بنيَّات الطريق ليسدَّ على محسوده أبواب التوفيق ولسان القدر يقول: لن ينال التوفيق إلا في أحضان كيدك ولن يذوق طعم الخيرات إلا في حجر مكرك، فطِر أو قَعْ فأنت المسخَّر لخدمته.

ثم من كبرت نفسه وطاب قلبه وصفت سريرته واتَّسعت مداركه ترفَّع عن أن يجاري الحاسد الباغي في مثل دسائسه لأنَّه متشبِّع بالفضيلة يحوم حول المعالي، يأبى عليه دينه أن يخوض في سفاسف الأمور وتأنف نفسه الكريمة أن يسبح مع حاسده في مستنقع الشرور والمكايد.

وقد يرقى به طيب معدنه ومتانة خلقه فيحسن إلى حاسده مع إمعان الآخر في إذايته، وهذه _وايم الله_ قاصمة ظهر الحقود، تفتِّت كبده وتقطع دابره وهي أبلغ في كَبْتِه من التفكير في طريق النَّيل منه، ولكنها منزلة رفيعة لا يلقَّاها إلا الذين صبروا وما يلقَّاها إلا ذو حظ عظيم.

نسأل الله الكريم أن يرزقنا صفاء القلوب وحسن السيرة ونقاء السريرة وأن يستعملنا في طاعته ومراضيه إنه بكل جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين.