قراءة في رواية عناد للأديبة حصّة الحربي


بقلم الروائية السورية : نُـور الجندلي












رواية عناد من الروايات التي تسلّط الضوء على قضايا اجتماعيّة متعددة، وإن كانت في حقيقتها تتناول قضيّة اليُتم بشكلٍ أساسي، تؤطرها بحروف رقيقة حانية، وتسلّط الضوء على الداخل، أي على المشاعر والأحاسيس، وعلى الآثار النّفسيّة والدمار الذي قد يخلفه سوء معاملة اليتيم، وما يترتب عليها عندما يكبر من أثر على شخصيّته، وتبرزُ حقيقة الحزن الذي يرافق اليتيم ليلتصق به مهما كبر في السّن، ومهما تقلد من وظائف أو زار من بلدان، ومهما كان لديه من أولاد أو أحفاد، فاليتم هو الجرح الذي لا يمكن معالجته أبداً، ويستحيل رتقه إن لم يتم ذلك الأمر منذ البداية.






بطل الرواية الرئيسي اسمه عناد، قد اختارت الكاتبة اسمه بعناية، فهو عناد ضد الظروف القاسية، عناد ضد الظلم والأهوال التي تعرض إليها، هو عناد الحب السّافر الذي يرغب بإثبات وجوده وإن جابه كراهية العالم كله، عناد الرّقة التي تتفوق على القسوة والجبروت، وفي اختيار الاسم ذكاء يحسب للكاتبة، وفيه إمعان نظر في فلسفة العناد وحقيقته، وهي التي كتبت روايتها بدافع دمعة، حيث تقول: " دمعة يتيم كانت وراء هذا العمل






دمعة






تقبع في ذاكرتي كمسمار دُق على جدار قلبي..." .






يُصارع البطل عناد الحياة منذ طفولته، وقد توفي والده قبل ولادته بيومين، ولحقت به أمه بعد الولادة بسبب مرض ألم بها، ليغدو أمانة بين جدته، وليتنقل بعدها من قبيلة أخواله إلى قبيلة أعمامه، فيعاني الظلم والنبذ والكراهية، وليغدو عبئاً ثقيلاً على كواهلهم عبر كراهية متوارثة تشمل صغيرهم وكبيرهم، ليواجه من ينصب له الأفخاخ، وليسمع من يتمنى موته، وليجد نفسه مريضاً ألقي به عند عتبة الدار في حرارة النهار وبرد الليل دون أن يحنو عليه أحد بغطاء أو دواء، فالكل يتجنبه خوفاً من العدوى، وكأنه وباء خطير قاتل يجب التخلص منه.






يكبر عناد والجراح في قلبه تتسمع، يحمل اليتم على كاهله عبئاً ثقيلاً، يحار كيف يتخلص منه، يطرق أبواب الجميع بمحبة، فيجابه بالقسوة، يحتوي قسوتهم بقلبه الكبير، يعذرهم، ويفتش عن سبل أخرى توصله إلى قلوبهم، ولكن عبثاً يفعل، فأبواب القلوب موصدة، والحب قد ودع القرية إلى غير رجعة، فيقرر الرحيل إلى مكان آخر يحتويه، يدخل غريباً إلى قرية يجهلها، لكنه سرعان ما يصبح فرداً من أفرادها، يجد من يحتوي آلامه، ويقدر شخصه، ويكرمه فيزوجه من ابنته، ليعيش بكرامة افتقدها طويلاً، وإنسانية كثيراً من حنّ إليها واشتاق، حتى ظن أنها غير موجودة أبداً بين البشر، ويبدأ بشق طريقه بنفسه، تتحسن حالته الوظيفية والمادية، يصبح لديه أولاد ومن ثم أحفاد، وفي كلّ موقف يأتي اليتم ليرخي بظلاله القاتمة على وجهه، فتعتريه غيمة كآبة لا تنال من كريم خلقه...






تتنقل الكاتبة بنا من مشهد إلى مشهد، ومن موقف لآخر ببراعة، تبرز بطريقة غير مباشرة حقيقة اليتم، تكتب بألم نشعر به، ولا نملك معها إلا أن نتفاعل، ونتعاطف مع كل حدث، وهي مع ذلك ترسم الضوء في النهاية.






لغة الكاتبة جميلة، وعباراتها جذابة عميقة، وهي تصف المواقف بعمق، فتجعلنا في مواجهة حقيقية مع الظلم والقسوة، فكأننا نراها رأي العين، على سبيل المثال حين تصف إصابة عناد بالجدري وتعامل عمته معه: " أخرجته ووضعته في ظل البيت من الخارج,المرض يشتد على عناد,ولا أحد يلتفت إليه فالكل قد ابغضه لما سمعوا عنه من عمته وأبناءها,وعمته تحضر له الماء والطعام وتضعها بالقرب منه ولا تهتم أشرب أم لم يشرب,أأكل أم لم يأكل,والمرض يشتد,وعناد يتقطع قلبه من هذه القسوة,فبقي يئن بين آلام مرضه الجسدية,وآلام قلبه النفسية,فأصبح لا يتحرك إلا بصعوبة ولا يستطيع أن يبتعد عن هذا المكان,فلما لاحظ ذلك علي,اخذ يحفر بجانبه حفره وهو متلثم,ويقول :








-إذا مات سنضعه هنا وندفنه ونرتاح."






ولا تغادرنا المواقف حتى تستحضر تلميحات واعية بعبر حقيقية لمن يعتبر...






" القدر لا يُحابي أبداً ,فما تدخره من عملٍ في يومك,تجده ماثلاً بين يديك في غدك.".






ومما يميز الرواية عن سواها من الروايات التي عالجت قضية اليتم، كونها لم تتبع النمط التقليدي في اقتصار مشكلة اليتم على الطفولة، بل تعدتها بذلك سنوات كثيرة، وهي تصحب بطلها عناد في كل مرحلة، وهو يحمل اليتم همّاً على كاهله، لا يكاد يفارقه أو يبتعد عنه، ليرث أحفاده ذلك الألم ويحاولون تطبيبه بأية وسيلة ممكنة.






ولعل هناك من يرى أن تسليط الضوء على الآلام والجراح يزيدها اتّساعاً، لكنني أرى عكس ذلك، أرى أنه حين تعرض القضايا وتعالج عبر رواية أو عمل أدبي جميل، فإنها تلفت النظر إليها، تدعو للتعاطف مع قضيتها، وبالتالي كلما ازداد الإحساس بالقضية، يكون العمل على تحاشي ارتكاب ذات الخطأ وتكرار المأساة ذاتها.






لقد كانت شخصية عناد ناجحة بامتياز في كل مرحلة، رسمتها الكاتبة بعمق وببراعة محلل نفسي خبير...






شخصية تركت رسالتها عبر كل موقف وحدث، رسالة للإنسانية لكي تستيقظ من أنانيتها، رسالة عودة إلى أصل الدين وحقيقته في التعامل، وفي البر والرحمة والإحسان، رسالة لرعاية اليتيم صغيراً، وبناء كرامة الإنسان في داخله، كي يتحرر من عقدة اليتم، ويشعر بقوّته، وفاعليته في الحياة...






للكاتبة كل الشكر على ذلك الضوء الذي منحته، ولعناد شكر خاص على لحظات جميلة قضيتها وأنا أتابع قصة حياة متميزة ومختلفة، ومليئة بالعطاء..