الحمدلله الذي جعل العلمـاء حجة على خلقه ، ومعالم على طريقهم ، يهتدون بهم إلى الحق كما يهتدي المسافرون بالنجوم في دياجير الظلم .
وصلَّى الله وسلَّم على سيد الأولين والآخرين ورحمته للعالمين ، القائل : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَـقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَـنْـتَـزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَـاءِ ...(1) )) وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين .
وبعد : ففي خِضَمّ هذه الفتن الـهوج ، والتي تموج في دنيانا كموج البحر ، وتعصف بالناس في البر والبحر ، وتنزل عليهم من السماء ، وتقتلع الكثير منهم من تحتهم ، وتحيط بهم من خلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم ، ويتفنن السفاحون في إراقة الدماء واستباحة الأعراض .
في خضم هذه الفتن المتلاحقة فقدت الأمة الإسلامية علَمـًا من كبار أعلامها ، وفقيـهـًا عزّ نظيره ، ومربيـًا ندر مثيله ، ذلكم هو العلّامة المحقق المشارك في علوم المعقول والمنقول الشيخ الجليل : عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل ، رحمه الله تعالى رحمة الأبرار ، وخلف على الأمة في فقده خيراً ، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء .
وإن من حق هذا العَلَم الفذّ عليَّ وواجبي نحوه أن أكتب لمرتادي هذا الموقع وزُوّاره كلمة تتعلق بجانب يسير من حياته ، وقد سبق أن كتبت أسطراً عن تواضعه العجيب ضمن مقال :
(( صور من تواضع العلمـاء ، وأين الكثير من طلاب العلم من هذا الخلق في زمننا هذا )) ؟ .
ولن أتكلم عن ترجمة حياتـه ؛ لأن هذا أمر معروف لطلاب العلم ، وقد كُتِبَ عنه في المنـتديات عبر شبكة المعلومات الكثير عن حياته وعلمه وأعماله .


إن حديثي عن الشيخ يتعلق بجوانب أرى أنني وطلاب العلم أحوج ما يكون إلى معرفتها والائـتساء به فيها ، وأخذ العبرة منها ، وإن كنت لم أتشرف بملازمته والأخذ عنه ، فأنا لم أتتلمذ عليه ، ولــم أغش مجلسه إلا من نحو أربع سنين ، أقوم بزيارته بين الحين والآخر أداء للواجب ليس إلَّا ، وفي هذه الفترة كان قد ازدحم مجلسه بالدارسين عليه ، وأصبح مشغولاً بلقاء الزوار وظهر عليه وَهَـن الشيخوخة ، بعدما شرع في عشر المائة ، وهو مع ذلك له همة عجيبة في الطاعة وجَلَد في الجلوس لطلاب العلم ما لم أره في حياتي إلا في شخص شيخ الجميع وأستاذهم العلّامة الشيخ عبدالعزيز بن باز ، رحمة الله على الجميع .


* أول هذه الجوانب : أن الشيخ عالم مشارك أخذ من كل علم ما يحقق له المشاركة في علوم المنقول والمعقول ، وهذه خصيصة ينفرد بها عن سائر مشايخنا ، باستـثناء عدد يسير على رأسهم الشيخ ابن عثيمين ، فإنه كان كذلك رحمه الله تعالى .
والأخذ من كل علم بطرف أمر لا بد لطالب العلم أن يأخذ به حتى يكون مسعفـًا للطالبين ومرجعـًا لحل مشكلاتهم ، ولا سيمـا في علوم الآلة التي لا بد لطلاب العلم من معرفـتها ، ولو على سبيل الحد الأدنى منها .
ولقد كان الشيخ بارزًا في هذه لجوانب ، حريصـًا على إفادة طلابه من خلال طرح الأسئلة في المسائل الدقيقة المتعلقة بعلوم الآلة وعلوم الشريعة على حدٍّ سواء .


* الجانب الثاني : عناية الشيخ باللطائف والنكات العلمية ، والألغاز الفقهية ، والمسائل النادرة جمعـًا وحفظـًا ، وحَسَب علمي أن الشيخ ينفرد بهذه الخصيصة عن سائر علمـائنا .
وقد صدر له في هذا الجانب المتنوع كتابان لطيفان :
أولـهـمـا : (( كشكول ابن عقيل )) وهو كتاب حافل بالعجائب نظمـًا ونـثـراً ، وفيه من الفوائد والنكات والغرائب والنوادر ما لا تجده في غيره ، وجدير بطلاب العلم أن ينهلوا منه ، ويديموا النظر فيه ، ففيه أدب فائق ، وشعر رائق ، وضوابط في مسائل العلم كثيرة ، وألغاز نافعة ، وفوائد جامعة .
ثانيـهـمـا : كتاب (( كتاب إحياء التراث في ما جاء في عدد السبع والثلاث )) .
وهو كتاب يشتمل على طائـفة من المرويات والآثار والحكم والأقوال التي صُدِّرت بعددي ((السبع)) و ((الثلاث)) وهذا المنحى في التأليف يدل على ما كان يتمتع به الشيخ رحمه الله تعالى من ذوق رفيع ، وحسن اختيار ، وفهم دقيق .


* الجانب الثالث : فرط تواضع الشيخ ، وشدة عنايته بكل من يغشى مجلسه .
فأما تواضعه فلم أر مثله قطّ ، فهو نسيج وحده ، ونـــادرة زمانه ، وفـريد أوانـــه ، وهو مدرسة في التــواضع لا أظن أنها تتكرر إلا في قرون متباعدة .
ومن شواهد تواضعه الباعثة على الدهشة أننا نراه يحتفي بكل من يغشى مجلسه احتـفاء بالغــًا فيظن الواحد منهم أنه أكثرهم حظوة باهتمـام الشيخ وحفاوته .
وكان رحمه الله تعالى إذا طال غياب بعض طلابه ومـحـبـيه يبادر من يتصل به بالعتاب والسؤال عن سبب الانقطاع ، وقد حصل لي في مستهل شهر رمضان لعام 1431هـ أن اتصلت به مهنـئًا بالشهر الكريم ، فرحّب بي ترحيبـًا حارًّا ، وعاتبني عتابـًا شديداً ، وسمعت منه كلمة أثّرت في نفسي تأثيراً كبيراً ؛ حيث قال لي : (( لقد جعلت بيننا وبينك حجابـًا )) وعلى إثرها نظمت أبياتاً عنوانها : (( تحية واعتذار )) أشرت فيها إشارات يسيرة إلى بعض فضائله ومناقبه الحميدة ، قلت فيها :


والأبيات بتمـامها منشورة في الموقع في زاوية (( أعمال المشرف )) .
وقد عرضها عليه تلميذه الشيخ عليّ السيف ، فرد قائـلاً : هذه الأوصاف لا تنطبق عليّ ولست أهلًا لـهـا ، أو كلاماً نحو هذا .


* الجانب الرابع : تـمثُّـلُــه في حياتــه وصـــايا رســـول الله صلَّى الله عليه وسلّم لعبدالله بن عباس رضي الله عنهمـا : (( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ... (14) )) .
لقد التزم الشيخ ابن عقيل في حياته بكل ما ترشد إليه هذه الوصايا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً فعاش صوّامـًا قوّامـًا ، يحرص على مواسم الـخـيـرات ، ويـجـمع بين فـضـيلتي الزمان والـمكان يصوم رمضان وأيام البيض في مكة ، ويحج كل عام ، وكان متبتِّـلاً في محرام العلم ، يبذله لقاصديه بسخاء ،وإن طلابه ومحبيه ليرجون ويحسبون أنه ممن ينطبق عليه قول المصطفى صلّى الله عليه وسلَّم : (( خِـيَـارُكُـمْ أَطْـوَلُـكُـمْ أَعْـمَـاراً وَأَحْـسَـنُـكُ ـمْ أَعْـمَـالًا )) (15) فهو بسيرته شاهد على القرن ، أودع في أيامه ولياليه الكثير من العمل الصالح الذي ينفعه عند ربه ، وكان طيّب الذكر عند جميع أشياخه وأقرانه ، ناهيك عن طلابه .
إن فقد هذا العالم الربانـيّ الفذّ ثُلْمة لا تسد ، وفتق لا يُـرْتَـق ، وفراغ لا يُـمْـلَأ ، وخسارة لا تعوّض ، ولكن هذه سنـة الله في الحياة والأحياء ، كمـا قال الشاعر :


وكمـا قال الآخر :


وإنا لنأمل من أبــنـائه - وهم البـررة به في حياته وبعد موته - أن يجتهدوا في نشر علومه ، ويـنشئوا لها موقعـًا وفضائية ، كما فعل أبناء العلّامة الشيخ ابن عثيمين ، رحمة الله على الجميع .
ألا رحم الله شاهد القرن وفقيهه العلّامة الـمتـفنن الشيخ عبدالله بن عقيل ، ورفع درجته في الـمهديـين ، وجزاه عن هذه الأمة خير الجزاء ، وبرّد مضجعه ، وخلفه فينا خيراً ، وجمعنا به في دار كرامته ومستقر رحمته ، وصلَّى الله وسلَّم على خير خلقه وعلى آله وصحبه .


ــــ
* الـهـوامش :


(1) متفق عليه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهمـا ، وهو عند البخاريّ برقم (100) و (7307) وعند مسلم برقم (2673) وتمامه عند البخاريّ : (( ... حَـتَّى إِذَا لَـمْ يُـبْـقِ عَالِمًا اتَّـخَـذَا النَّاسُ رُؤوسـًا جُـهَّـالًا فَسُـئـِلُوا فَـأَفْـتَـوْا بِـغَـيْـرِ عِـلْـمٍ فَضَـلُّـوا وَأَضَـلُّـوا )) .
(2) العريكة : الطبيعة ، وفلان ليِّن العريكة ، أي سلس الخلق مطاوع ، غير معاند ، وقد ورد في وصفه صلى الله عليه وسلم : (( أَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً ، وَأَلْيَنُهُمٍْ عَرِيكَةً )) .
وهـذه الجملة جزء من حديث أخرجه الترمذيّ في جامعه عن علـيّ رضي الله عنه برقم (3638) وأخرجه في الشمـائل وأخرجه ابن أبي شيبة والبيهقيّ والبغويّ وغيرهم ، وقال الترمذيّ : (( هذا حديث ليس إسناده بمتصل )) ومداره عنده على (( عمر مولى أبي غُفْرة )) وهو ضعيف حيث أعلّه الترمذيّ بالانقطاع ،و(( عمر مولى غفرة )) ضعيف كثير الإرسال لكن بعض جمل الحديث صحيحة لورودها من رويات أخرى .
(3) و (4) التالد و التلاد : المال القديم ، والطارف ضده ، وهو المال المستحدث .
راجع مادتي (( تلد )) و (( طرف )) في (( مختار الصحاح )) وغيره من المعاجم .
ويستعار هذا المعنى في كتب الأدب لكل قديم وجديد من الشعر والنثر .
(5) و (6) تقدم التعريف بهمـا .
(7) مَرْبَع : هو منزل القوم ، والمكان الذي يقيمون فيه .
(8) مَـوْئـِل : مرجع ، ويفسر بـ (( المنجى )) .
(9) مَرْتَع : مكان مُخْصِب ، يـنبسط فيه المقيم ويرتاح ، وله معان أخرى .
(10) هذا التعبير مأخوذ من اصطلاح أهل الأداء ؛ إذ يقولون في المكثر من تلاوة القرآن : الحال المرتحل ، أي الذي يداوم على تلاوته في إقامته وسفره .
(11) الاحتفال هنا لا يراد به المصطلح الحادث المتعارف عليه ، وإنما المراد : إذا احتشد واجتهد كما في (( أساس البلاغة )) ص (183-حفل) وفي هذا المعنى قال ابن الورديّ في لاميته الشهيـرة :

(12) أي كأن ذلك التقديم تقويم له ، أي : إصلاح له يجعل الكتاب المقدم له ذا قيمة موثوقًا به .
(13) دُبِّجَتْ : أي : زُيِّنت ، مأخوذ من قولهم : دَبَّج المطر الأرض إذا زينها بالرياض ، كمـا في (( أساس البلاغة )) : ص (248-دبج ) .
(14) حديث (( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ... )) أخرجه الترمذيّ في جامعه برقم (2516) وأحمد في المسند برقم (2669) وغيرهم من طرق عن حَنَش الصنعانيّ ، عن ابن عباس رضي الله عنهمـا ، وتمامه : (( احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّـةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ )) قال الترمذيّ عقبه : هذا حديث حسن صحيح .
وهو صحيح بمجموع طرقه الكثيرة ، وكلام الترمذيّ يومئ إلى ذلك ، وقال ابن رجب في (( جامع العلوم والحكم )) (1/460 - 461) ط : الرسالة : (( وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه عليّ ، ومولاه عكرمة ، وعطاء بن أبي رباح ، وعمر بن دينار وعبيدالله بن عبدالله ، وعمر مولى غُـفْـرة ، وابن أبي مليكة ، وغيرهم ، وأصحُّ الطرق كلها طريق حنش الصنعانيّ التي خَـرَّجها الترمذيّ ، كذا قال ابن منده وغيره )) .
(15) هذا الحديث ورد عن طائـفة من الصحابة ، منهم أبو هريرة رضي الله عنه عند ابن حبان برقم (2981) بهذا اللفظ وبرقم (484) بنحوه ، وعن نفيع بن الحارث ، وعبدالله بن بسر رضي الله عنهمـا في مسند أحمد ، ومسند الطيالسيّ ، والمعجم الأوسط للطبرانيّ ، وغيرها ، وكلها صحيحة مخرجة في هذه المصادر .
(16) هذان البيتان لأستاذنا الشاعر المعروف الشيخ إبراهيم بن حسن الشعبيّ رحمه الله تعالى ، سمعتها منه في صباي ، وهمـا من مرثية نظمها في فضيلة الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم ، شقيق مفتي الديار السعودية العلّامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، رحمهم الله تعالى .
وفيهما تلميح إلى تفسير قول الله تعالى (( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ... )) الرعد (41) فقد فسرها ابن عباس رضي الله عنهمـا في رواية عطاء عنه بأنه ذهاب فقهائها وخيار أهلها .
انظر (( زاد المسير )) لابن الجوزيّ : ص (738) .
(17) هذان البيتان مشهوران ، ولكنني لم أقف على قائلهـمـا ، ويكثر التحوير فيهمـا ، ولا سيما في البيت الثاني .