قصة الشيخ المنجد مع الشيخ ابن باز: أربعة دروس مهمة

د. ياسر بكار




روَى الشيخُ محمد المنجد قِصَّةَ دخوله عالَم الخطابة والدعوة في إحْدى محاضراته العامَّة، والتسجيل موجودٌ على الموقع الشهير (يوتيوب).

درَس الشيخ في جامعةِ البترول والمعادن، وكان كثيرَ الزيارة والحضور بيْن يدي العلاَّمة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله تعالى - لم يَفُتْ على الشيخ ابن باز نباهةُ وذكاءُ الشيخ المنجد؛ ولذا كان يُقرِّبه إليه، عندما انتهَى الطالبُ محمَّد المنجد مِن دراسته الجامعيَّة، قابَلَه الشيخُ ابن باز، وسأله عن خُطَّته لما بعدَ الجامعة، فذَكَر له أنَّه مُتَّجه إلى مدينةِ (الجبيل) للبحْثِ عن عملٍ في إحدى مصانعها.

كان الشيخُ الإمام - رحمه الله - يَعرِف طُلاَّبه حقَّ المعرفة؛ ولذا أخَذَ دورَ القائد الأبوي، والمُرْشِد المهتم، وأمر كاتبَه أن يَكتُب خِطابًا إلى رئيسِ الأوقاف في المنطقة الشرقية، كان الخطاب واضحًا؛ إذ يأمر بإعطاءِ الشيخ المنجد مسجدًا ويُعيَّنُ إمامًا وخطيبًا له، أُسْقط الأمر في يدِ الطالب خرِّيج البترول والمعادن؛ إذ لا سابقَ عهْد له في عالَم الخطابة والإمامة، وبدأ الرحلةَ التي تَكلَّلت بالنجاحاتِ المُذهِلة.

لقدِ استوقفتني هذه القِصَّةُ؛ لأنَّني أعرف الشيخ المنجد عن قُرْب، فقد سكنتُ بجوار مسجدِه رَدْحًا مِن الزمن، وكنتُ مُعجبًا بهذه الموهِبة التي وهبَها الله - تعالى - للشيخ الكريم.

هذه القِصَّة تحمل دروسًا عظيمة أودُّ مِن طلاَّب الجامعة والخرِّيجين الجُدد أن يَنتبهوا لها، سأُلَخِّصها في النِّقاط الأربع التالية:
أولاً: لقَدْ درس الشيخ المنجد في جامعة عِلمية، وتَخصُّص علمي، وكان مِن الطبيعي أن يلتحقَ بمِهنةٍ تُناسِب هذا التوجُّهَ، خاصَّة أنَّ الفُرص كثيرة ومتاحة ومُغرية.

لكن الأمر لم يَسِرْ كذلك، بل أخذ مسارًا آخَرَ، وهو المسار الصحيح، لقدِ التحقَ الشيخ بمِهنةٍ أُخْرى لا تُناسِب خُطَّته الدِّراسيَّة، بل تناسب شيئًا أكثرَ أهمية، تُناسب قُدراتِه ونِقاطَ القوَّة لديه؛ إذ ليس مهمًّا ما تدرس، وماذا كنت تُخطِّط، بل المهمُّ أين تقَع نقاطُ القوة لديك؟ ثم أنْ تَبْني حياتَك المهنية وَفْقَها؛ أي: أنْ تختارَ مِهنةً تستخدم فيها نِقاطَ قوَّتك وقُدراتك كلَّ يوم.

أقول هذا، وأنا أستحضِرُ النصيحةَ التي سمعتُها مِن العديد من المدرِّبين في التطوير الذاتي؛ إذ ينصحون ببناءِ خُطَّة لمدة عشرين سَنَة، تخيَّلوا معي لو أنَّ الشيخ المنجد نفَّذ هذه الفكرةَ وبنَى خُطَّته هذه وطبَّقها، فماذا كان سيَحدُث؟ كنَّا خَسِرْنا هذا العالِمَ الجليل.

دعْنِي أقولها بوضوحٍ أكثرَ: أنا ضدُّ التخطيط طويل الأمَدِ؛ لأنَّه صندوق يُحجِّم قدراتِنا وطاقاتِنا، ويحرمنا مِن رؤية الفُرَص التي قد تُتاح لنا، ما أؤيده بقوَّة وأرشد له كلَّ مَن استشارني هو العملُ الجاد على استكشافِ قُدراتنا ونِقاط القوَّة لدينا، ومِن ثَمَّ العمل على مراقبةِ سوق العمل، والالتحاقِ بأيِّ فُرصة تتناسب مع قُدراتنا ونِقاط قوَّتنا، والاستمرار في المراقَبة، فالفُرَص لا حدودَ لها، أمَّا التخطيط فيَبدأ بعدَ ذلك لتقويةِ أنفسِنا في هذا المجال والارتقاء فيه، والخُطَّة هنا عادةً ما تكون قصيرةً إلى متوسطة الأمَد.

ثانيًا: هُناك درسٌ آخَرُ مُهمٌّ هنا، عندما تحبُّ مهنةً ما، أو عملاً ما، كُن قريبًا منه، تجوَّل في حماه، تعرَّف على مشاهيره والبارزين فيه، عندما تكون قريبًا مِن هذا المجال، فستكون قريبًا من أيِّ فُرْصة فيه؛ لاقتناصِها والاستفادة مِنها، تخيَّلوا لو أنَّ الشيخَ المنجد انكبَّ على طلبِ العلم في منزلِه ومكتبته، أو حضر مجالسَ العِلم مِن بعيد، ولم يقابلِ الشيخَ ابن باز، ولم يتعرَّفْ على أحدٍ مِن هذه الطبقة، هل تعتقد أنْ ستُتاح له فرصةٌ عظيمة كالتي أُتيحت له؟

لا تجلسْ في البيت، بل احرصْ على الاختلاطِ والتعرُّفِ بكلِّ مَن يمتُّ بصِلة بالمجالِ المِهني الذي تَطْمَح للعمل فيه، عرِّفْهم بنفسِك، وأبرِزْ مواهبَك وقُدراتك، كن قَريبًا وجاهزًا فالفُرْصة لا تنتظر.

الدرس الثالث هنا: هو قِيمةُ المرونة والمبادَرة نحوَ التغيير، تخيَّلوا لو أنَّ الشيخ المنجد لم يمتلكِ المرونةَ الكافية والشجاعة في الإقدامِ على تغيير وجهةِ حياتِه، كنَّا سنرى الشيخ ينظُر لتلك الفرصةِ التي قد لا تَتكرَّر بشيء من الوجَل والخوف، ويُعرِض عنها، وكم كان سيَخْسَر ونخْسَر نحن مِن ذلك!

المرونة في اتِّخاذِ القرار المِهني، والمبادرة نحوَ التغيير عندما يَحينُ الوقت المناسِب - هي مِفتاحٌ مهم مِن مفاتيح النجاحِ والتميُّز، أما المتعنِّت والمتصلِّب، فلا تتوقَّع منه الكثير.

الدرس الرابع: انظرْ إلى دَور العلاَّمة القائد الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله تعالى - في انتقاءِ المميَّزين مِن طلاَّبه، ودَعْمهم ومساندتهم والشفاعة لهم، كم هذا رائع! خاصَّة أنَّني أعرِف وتعرفون الكثيرَ مِن أساتذة الجامعة والمعلِّمين ممَّن يلمح الذكاءَ والتميُّزَ لدَى طالب، فيتحدَّاه ويُعقِّده، والهدف (حتى لا يشوف نفسه)! أو يُهمِله ويعامله كبقيةِ الطلاَّب؛ بحثًا عن (العدالة في التعامُل مع الطلاب).

هذه ليستْ سِماتِ القادة المميَّزين، أو مَن يطمح للمشاركة في بناء أمَّة قويَّة، إنَّ الواجب على كلِّ مَن يتولَّى الإشراف على الشبابِ والطلاَّب أن يَنتقي المميَّزَ منهم، ويُولِيَه عنايةً خاصَّة؛ لأنَّ الأمة المميزة يبنيها أشخاصٌ مميَّزون غير عاديِّين.

لا أَمَلُّ في كلِّ مناسبة مِن تَكْرار هذه القصَّة الجميلة التي غيَّرت حياةَ إنسان، ومَنَحتِ الأمة كلَّها فرصةَ الاستفادة مِن موهبته وعِلْمه، والحمد لله ربِّ العالَمين.