ضرورة تحديد منهج البحث في موضوعات (الفلك والأهلَّة)
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: ضرورة تحديد منهج البحث في موضوعات (الفلك والأهلَّة)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    469

    Lightbulb ضرورة تحديد منهج البحث في موضوعات (الفلك والأهلَّة)

    ضرورة تحديد منهج البحث في موضوعات (الفلك والأهلَّة)







    من أهم أسس أي حوار أو بحثٍ ناجح ـ إضافة إلى تحرير محل النزاع ـ تحديد المنهج الذي يتَّبعه الباحثون أو المتحاورون؛ فذلك يضمن وضوح الطريق الذي يسيرون فيه، والأسس التي يحتكمون إليها عند الخلاف، وعدم التناقض في الموضوع الواحد بالتَّنقُّل بين عدة مناهج.

    لذا فقد اهتم سلفنا الصالح بهذهِ القاعدة اهتمامًا عظيمًا، لا سيما في مجالِ المناظرات والمناقشات.

    والبحث في موضوع (الفلك والأهلَّة) مما ينبغي ضبط منهج البحث والحوار فيه، ويمكن الحديث عنه في هذه المقال من خلال المسألتين التاليتين:

    المسألة الأولى: حساب فلكي أم رؤية؟

    على الرغم من بدهية الإجابة عن هذا التساؤل عند الكثيرين، إلا أنَّ الإشكالية تظهر في التطبيق العملي، وسأكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى نقطتين:

    النقطة الأولى:

    من المعلوم أنَّ لتحديد بدايات الشهور القمرية طريقتين: إثباتها عن طريق (رؤية الهلال)، وإثباتها عن طريق (الحسابات الفلكية)، وقد أخذت غالبية الهيئات الشرعية في العالم الإسلامي (برؤية الهلال) طريقًا لإثبات أول الشهر، عملاً برأي جمهور أهل العلم في هذه المسألة.

    أما علماء الفلك: فقد جَرَت عادتهم على توضيح البيانات الخاصة بحركة القمر، وولادته، وإمكانية الرؤية، وغير ذلك، ثم النصّ على أنَّ من كان يأخذ بالرؤية فستكون بداية الشهر بالنسبة له يوم كذا، ومن يأخذ بالحساب فستكون بداية الشهر يوم كذا، دون تدخلٍ في إثبات دخول الشهر شرعًا، وترك ذلك للجهات المُخوَّلة بها.

    فالموقف من الرؤية أو الحساب محسومٌ لدى الجميع قبل الترائي، لكن هل يستمر الأمر كذلك في أثناء المناقشات والردود؟

    بالعودة إلى هلال شهر شوال لهذا العام 1432هـ:

    فقد أبدى علماء الفلك اعتراضهم على شهادة الشهود برؤية هلال شهر شوال في مناطق يحكم علم الفلك بعدم إمكانية الرؤية فيها نظريًا، ولم تتمكن الأجهزة العلمية من رؤيته فيها تطبيقيًا.

    ثم كان من أبرز الرُّدود على علماء الفلك مقولة من قال: ''كان الهلالُ في مساء يوم الثلاثاء 2/10 مرتفعًا في السماء، وكبيرًا، مما يدل على أنَّه ابن ليلتين، وفي المنزلة الثانية من منازله، مما يدعم أقوال الشهود بأنَّهم رأوه، ويردُّ مزاعم الفلكيين بالتشكيك في صحة شهادة الشهود''، وقيل مثل ذلك ليلة (إبدار القمر).

    والحقيقة: أنَّ هذه العبارة التي تكرَّرت مرارًا فيها انتقالٌ من (منهج الرؤية) إلى (منهج الحساب) دون أن يدري أصحابها، وبيان ذلك كما يلي:

    قرَّر علماء الفلك في كثيرٍ من المناسبات والتصريحات أنَّ هلال شهر شوال موجودٌ في سماء الدول العربية يوم الإثنين 29 رمضان 1432هـ، لكنَّ ظروف وجوده: من قربٍ من سطحِ الأرض في الأفق، وقربٍ من الشمس، وغروبٍ مع الشمس في بعض البلدان، وغيرها، تمنع من رؤيته، لكنه موجود بالفعل.

    كما قرَّروا أنَّ الأجهزة الفلكية تمكنت من رصد مكان الهلال وتحديده، دون التمكُّن من رؤيته، إذ القمر موجود، لكن لا يمكن رؤيته، فعلماء الفلك لم ينفوا (وجود القمر) بل نفوا (إمكانية رؤيته)، وشتان بين الأمرين، فليس كل موجودٍ مرئيا.

    وعليه: فإنَّ القول إنَّ القمر كان في مساء الثلاثاء في المنزلة الثانية من منازله: ليس دليلاً على وقوع الرؤية، بل دليلٌ على صحة حسابات الفلكيين بأنَّ القمر كان موجودًا مساء الإثنين، وقد يصلح دليلاً لمن يقول بالأخذ بالحساب الفلكي، وإن لم يكن هناك رؤية!

    النقطة الثانية:

    استدلَّ بعض من ردَّ على تشكيك الفلكيين في شهادة الشهود بأنَّ الفلكيين متناقضون في أقوالهم وأفعالهم، إذ إنَّهم يُعلنون عن عدم إمكانية رؤية هلال شهر شوال يوم الإثنين 29 رمضان، وإنَّ الأول من شوال ينبغي أن يكون يوم الأربعاء 31 آب (أغسطس)، بينما يجعلون الأول من شوال في تقويم أم القرى هو يوم الثلاثاء 30 آب (أغسطس)، فأيُّ تناقضٍ هذا؟ وبأي أقوال الفلكيين نُصدِّق؟

    وللإجابة عن هذا الاعتراض:

    ينبغي التوقف عند معرفة الأسس التي أقيم تقويم أم القرى على أساسها:

    عندما بدأ التفكير في وضع تقويمٍ ثابت يعتمد عليه الناس في معاشهم، وفي تأريخ ما يحتاجون إليه من أمور حياتهم الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية: قامت لجنة التقويم (ومن أعضائها فلكيون من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية) بوضع العديد من الضوابط، ومن أهمها:

    أنَّ تقويم أم القرى هو تقويمٌ حياتي (مدنيٌ) يعتمد على حسابات فلكية مُعينة يُراعى فيها وجود القمر، بغض النظر عن إثبات رؤيته شرعًا؛ وذلك لضرورة وجود تقويم ثابت مستقر معروف للناس يستطيعون تحديد أعمالهم بناءً عليه؛ لذا فإنَّ جميع القرارات في السعودية وفي العديد من الدول الإسلامية تصدر بالتأريخ بتقويم أم القرى، ويكون الالتزام فيها بالتواريخ المُحدَّدة في التقويم، وإن اختلفت حقيقةً في بعض الشهور بسبب إثباتها عن طريق المحكمة الشرعية، كشهر رمضان، وذي الحجة.

    فتقويم أم القرى لا يعتمد على (رؤية الهلال) بل على (وجود القمر) وفق ضوابط محددة.

    أما بداية الشهور الشرعية: فالمرجع فيها إلى الجهات الشرعية كالمحكمة العليا.

    فقول علماء الفلك إنَّ يوم الأربعاء هو الأول من شهر شوال: مبنيٌ على أنَّ الهيئات الشرعية لا تأخذ بالحساب بل بالرؤية، لذا فإنَّ تصريحاتهم وبياناتهم كانت توضِّح هذين المنهجين المختلفين، كتصريحات فلكيي (مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية) و(المشروع الإسلامي لرصد الأهلَّة) والتي تنص على أنَّ: (الأربعاء 31 آب ''أغسطس'' أول أيام عيد الفطر المبارك حسب الرؤية، والثلاثاء 30 آب ''أغسطس'' للحسابات الفلكية).

    فلا تعارض في بيانات الفلكيين؛ وإنما هما منهجان مختلفان، ولكل منهجٍ منهما أدواته ووسائله المختلفة.

    المسألة الثانية: شهرٌ محلي أم عالمي؟

    لأهل العلم في اتفاق البلدان أو اختلافها في بدايات الشهور القمرية ثلاثة أقوال:

    1_ تحديد كل بلد لأشهره على حدة، بغضِّ النظر عن البلدان الأخرى.

    2_ اتفاق كل مجموعة من البلدان المُتقاربة في بدايات الشهور.

    3_ اتفاق جميع بلدان العالم واتحادها في دخول الشهور القمرية.

    ويتناول أهل العلم هذه الأمور بالبحث تحت عناوين (البلدان التي تتفق في جزءٍ من الليل)، و(اختلاف المطالع)، ولكلِّ قول تفصيلاته وأدلته التي يطول الحديث عنها. وتنتهجُ غالبية البلدان الإسلامية - ومنها السعودية - منهج إثبات شهري رمضان وشوال في بلدها محليًا بغض النظر عن إثباتها في البلدان الأخرى، وقد تخضع تلك المسألة في بعض السنوات لاعتبارات معينة فتتفق بلدان مع بعضها، وقد تختلف.

    والمهم في هذه المسألة:

    أنَّ من يأخذ بقولٍ من أقوال أهل العلم السابقة ينبغي أن يقتصر عليه، ويلتزم به، لا أن يتنقَّل بين هذه الأقوال لدعم ما يذهب إليه:

    فبالعودة إلى إثبات شهر شوال لعام 1432هـ، وما حصل فيه من تساؤل علماء الفلك عن دقة شهادة الشهود: ردَّ عليهم البعض بأنَّ هناك تناقضًا بين الفلكيين: ففريق يزعم أنَّ الهلال لا يُمكن أن يُرى، وفريقٌ يزعم أنَّ الهلال يمكن أن يُرى في عددٍ من البُلدان، وهذا _ برأيهم _ دليلٌ على تناقض الفلكيين، وعدم دقة حساباتهم، وبالتالي صحة شهادة الشهود.

    والحقيقة: أنَّ هذا الأمر غير صحيح:

    فبالرجوع إلى بيانات ترائي الهلال ليلة التَّحري يمكن ملاحظة أنَّ الهلال يمكن أن يُرى في بُلدانٍ مُعينة من العالم، بينما لا يُمكن أن يُرى في بلدانٍ أخرى، حسب البيانات التالية:

    1_ رؤية الهلال مستحيلة في غالب مناطق (أمريكا الشمالية، وأوروبا، وآسيا) بسبب غروب القمر قبل غروب الشمس أو بسبب حصول الاقتران السطحي بعد غروب الشمس.

    2_ رؤية الهلال ممكنة باستخدام التلسكوب فقط في بعض مناطق (أمريكا اللاتينية، وجنوب إفريقيا).

    3_ رؤية الهلال ممكنة باستخدام التلسكوب في بعض مناطق (أمريكا الجنوبية)، ومن الممكن رؤية الهلال بالعين المجردة في حالة صفاء الغلاف الجوي التام والرصد من قبل راصد متمرس.

    4_ رؤية الهلال ممكنة بالعين المجردة في (جنوب أمريكا الجنوبية).

    5_ رؤية الهلال غير ممكنة بالعين المجردة أو بالتلسكوب في المنطقة الممتدة من (وسط أمريكا الشمالية، إلى معظم شمال ووسط إفريقيا، والشرق الأوسط، وأواسط آسيا وجنوبها) على الرغم من غروب القمر بعد غروب الشمس ومن حصول الاقتران السطحي قبل غروب الشمس، وذلك بسبب قلة إضاءة الهلال أو بسبب قربه من الأفق، وذلك كما هو موضح في الخريطة.

    سبب اختلاف الرؤية بين البلدان

    يعود اختلاف إمكانية رؤية الهلال بين بلدان العالم إلى عوامل فلكية بحتة، منها: طبيعة شكل الأرض، وكيفية دورانها، وميل محورها، وكيفية حركة القمر حول الأرض، وشروقه عليها، وغيرها، وهي أمور في غاية الأهمية والدقة، وليس هذا مجال بسطها.

    وعليه: فإمكانية رؤيةُ الهلال في بلدٍ أو مكانٍ ما لا يستلزم إمكانية رؤيته في مكان آخر بإطلاق، وليسَ لأحد أن يؤكد إمكانية رؤية الهلال أو عدمها قياسًا على إمكانية رؤيته في بلدٍ آخر، إلا بمعرفة الاتفاق أو الاختلاف بين هذه البلدان في ذلك.

    وأخيرا

    فإنَّ العديد من الخلافات والأخطاء التي تحدث أثناء مناقشة موضوعات (الفلك والأهلَّة) يمكن القضاء عليها أو التخفيف منها بدرجةٍ كبيرة بالتزامٍ منهجيةٍ واضحةٍ مُحددة في تناولها، لا تناقض فيها ولا اختلاف.

    http://www.aleqt.com/2011/09/29/article_584939.html



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    30

    افتراضي رد: ضرورة تحديد منهج البحث في موضوعات (الفلك والأهلَّة)

    حياكم الله أخي أبا ممدوح
    وجزيت خيرا على هذا النقل
    فعلا الموضوع يحتاج لتأصيل وتقعيد، فالأمر ليس مجرد رؤية هلال أو نقول عن بعض أهل العلم، الأمر (ثقافة عملية في موضوع الفلك والأهلة)، وهذا هو الموضوع الأول للكاتب:
    تحرير محل نزاع الفقهاء مع الفلكيين
    يا أهل العلم رفقًا بأهل الفلك
    د. عماد الدين عبد الوهاب خيتي

    ابتدأ المختصون بعلم الفلك منذ أواخر أيام شهر رمضان بتوضيح ما يتعلق بإثبات هلال شهر شوال من حيث: موعد ولادة القمر، وظروف ترائي الهلال، وتوقعاتهم حول إمكانية رؤية الهلال بناءً على مُعطيات متعددة.
    ثم قامت قناة (الجزيرة) بتغطية واسعة لرصد رؤية الهلال في مناطق مختلفة من العالم باستخدام وسائل تقنية متقدمة، ومن خلال مختصين وهواة في علم الفلك، وكان أن جزم الفلكيون بعدم القدرة على رؤية هلال شوال في السعودية وعدد من دول الخليج العربي بناءً على مُعطيات وأدلة علمية بحتة، ثم تقدم عدد من الشهود في السعودية برؤية الهلال، وصدَّقت المحكمة أقوالهم، فانطلق الخلاف بين أهل العلم وبين الفلكيين!
    وامتلأت وسائل الإعلام المختلفة بالردود من أهل العلم على الفلكيين حول صحة رؤية هلال شهر شوال، بل وصل الأمر إلى خطب الجمعة، والعديد من منابر الدعوة.
    والمتتبع للعديد من ردود أهل العلم يجد فيها استدعاءً للعديد من المسائل المتعلقة بإثبات الشهور القمرية ورؤية الهلال مع أنَّ أكثرها لم يكن مطروحًا للنقاش أو البحث في مقالات الفلكيين، إضافة إلى قسوة عددٍ من هذه الردودِ في ألفاظها وعباراتها التي لا محل لها في النقاش الدائر، ولا في تحديد محل النزاع.
    ورغبة في التقريب بين وجهات النظر لا بد من تحرير محل النزاع، وبيان محل الاختلاف بين أهل العلم، وبين الفلكيين جاء هذا المقال.
    ويمكن تقسيم الأمر إلى عدة مسائل:
    المسألة الأولى: الاعتماد على الحساب الفلكي بديلاً عن الرؤية:
    احتوت ردود أهل العلم على كلامٍ مُطوَّلٍ واستدلالٍ بالآيات القرآنية والأحاديث ونقولاتٍ من كلام أهل العلم على إبطال الحساب الفلكي، والتأكيد على الرؤية طريقًا وحيدًا لإثبات دخول الشهر وخروجه.
    بينما لم يرد في كلام الفلكيين خلال الأيام السابقة الاعتماد على الحساب الفلكي بديلاً عن رؤية الهلال، بل كانت توقعاتهم وأبحاثهم وحساباتهم تصب في خانة (ضبط) مسألة الرؤية، وتوجيه المترائين إلى كيفية الترائي، ووقته، وشروطه، بل نصبوا المناظير والمراصد في أفضل الأماكن المُتوقَّعة لرؤية الهلال، ودعوا عامة الناس للحضور والترائي.
    ويتفق الفلكيون في السعودية على الالتزام بفتاوى عدم الأخذ بالحساب الفلكي بديلاً عن الرؤية، وقد عملوا على توضيح موقفهم هذا سواءً كان قبل الترائي أو بعده:
    أ_ فبيانات وتقارير فلكيي مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية كمقالات الأستاذ عبد العزيز الشمري المنشورة سنويًا تنصُّ على الالتزام بلائحة تحري الهلال الصادرة عن هيئة كبار العلماء.
    ب_ وفي بيان فلكيي جدة قبل موعد الترائي بتاريخ 23/9/1432هــ الموافق 23/8/2011:''... أن هذه حقائق علمية فلكية، تهدف إلى إيضاح طبيعة حركتَيْ الشمس والقمر وفق الحسابات الفلكية القطعية، ولا تعتبر إعلاناً أو تحديداً لبداية شهر شوال. وأن القرار الفصل والنهائي سيكون للمحكمة العليا؛ نظرا لأنها هي الجهة المخولة نظاماً بإثبات الأشهر القمرية في المملكة''.
    وفي بيانها بعد ليلة التحري بتاريخ 1/10/1432هـ_ الموافق 30/8/2011م: '' ... وبداية الشهر لدينا نحن المسلمين منوطة برؤية الهلال وذلك استناداً إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ''صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته...''.
    ب_ ويقف غالبية الفلكيين في العالم الإسلامي ذلك الموقف، فأكبر جمعيات الفلكيين المختصة بإثبات دخول الشهور القمرية وكان لها الحضور اللافت خلال السنوات السابقة من خلال البث الحي المباشر على قناة الجزيرة هي (المشروع الإسلامي لرصد الأهلة)، وهي مشروعٌ له العديد من الدراسات والبحوث، ولها فروع ومتعاونون من المختصين بعلم الفلك في شتى أنحاء العالم يُقدمون التقارير الشهرية عن رصد رؤية الأهلة، وهي توضِّح ضرورة الاعتماد على الرؤية لإثبات الشهور القمرية، مع الأخذ بضوابط فلكية معينة للتأكد من صحة الشهادة.
    وبالتالي: فإن هذه المسألة ليست هي محل الخلاف بين الفلكيين وأهل العلم، فلا ينبغي توسيع النقاش فيها وتشعيبه وإطالة الردود والتشنيع في مسائل لا يقول بها الفلكيون، ولم تُطرح للبحث أصلاً.
    المسألة الثانية: صحة بدء شهر شوال يوم الثلاثاء 30/9/2011:
    من النقاط التي ردَّ بها أهل العلم على الفلكيين: أنَّ الفلكيين يشككون الناس في صحة صيامهم وإفطارهم، بل القول إنَّ بعضهم قد صام يوم الثلاثاء لأنَّه مُتممٌ لشوال.
    وهذه النقطة كسابقتها: فإنَّ الفلكيين أعلنوا تقيُّدهم بقرارات المحكمة الشرعية لبدء الصوم وانتهائه، وكرروا ذلك في العديد من المقالات والمقابلات على مر السنوات السابقة، ولم يُعرف لهم رأيٌ مخالفٌ أو دعوةٌ أو اعتراضٌ على ذلك، وإنما كان النقد موجَّهًا لصحة شهادة الشهود من ناحية علمية بحتة، كما سيأتي.
    وقد سبق كلام جمعية فلكيي جدة، وجاء في بيان فلكيي المشروع الإسلامي لرصد الأهلة: ''ونودّ أن نؤكّد أن نقدنا هو ليس لإعلان العيد ذاته، فنحن لا يزعجنا كفلكيين أن يكون العيد الثلاثاء أو الأربعاء، فهذا القرار يعود للمؤسسات المختصّة والمخوّلة...''.
    أما ما قيل عن ارتياب البعض بصحة الفطر، أو انتشار شائعات بوجوب صوم يوم الثلاثاء، أو دفع كفارة لمن أفطره: فهذا ما لم يقل به أحد من الفلكيين قط.
    كما أنَّ المتتبع لأحوالهم يجدهم ملتزمين ببداية الصوم ونهايته كما تقرره المحكمة ولم يصدر منهم مخالفة أو دعوة لمخالفة الرأي العام في ذلك.
    ولو قاله لما صحَّ لأحدٍ أن يأخذ به، لأنهم ليسوا من أهل الفتوى شرعًا، ولا المخوَّلين بإصدار الفتاوى.
    وقد نصَّ العديد من أهل العلم أنَّ الناس إذا اجتهدوا في تحري معرفة بداية شهر رمضان: فصاموا قبله بيوم أو بعده بيوم، أو في نهاية شهر رمضان وثبوت عيد الفطر: فأفطروا قبله بيوم أو بعده بيوم: فصيامهم وإفطارهم صحيح، الخطأ مرفوعٌ عنهم، لقول الرسول: (صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ) أخرجه البيهقي. ومعنى الحديث: أنَّ الناس لو أخطؤوا في إثبات دخول الشهر أو خروجه فليس عليهم إثمٌ في ذلك، ويُعدُّ صيامهم أو إفطارهم صحيحًا لا لبس فيه.
    وكذلك فيما لو أخطؤوا في إثبات شهر ذي الحجة.
    وبناء عليه: فإنَّ هذه المسألة ليست هي محل الخلاف، ولم يتطرق لها الفلكيون، ولم يثيروا حولها النزاع، فلا وجهَ للرد عليهم في ذلك، وتحميلهم مسؤولية بعض الإشاعات - التي لم يكن لها ذلك الانتشار الكبير في حقيقة الأمر - بل كان الواجب بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة، لا سيما والأدلة عليها من القرآن والسنة وأقوال وأعمال السلف واضحةٌ صريحة، فيكون في ذلك بيانٌ للحكم الشرعي في المسألة، وزيادةُ علمٍ لعامة الناس بتحرير محل النزاع، وكيفية إدارة الخلافات العلمية والتعامل معها.
    المسألة الثالثة: التأكد من صحة شهادة الشهود:
    وهذه النقطة بالتحديد هي محل اعتراض الفلكيين ونزاعهم التي ينبغي مناقشتهم فيها، والتي سيكون التوسع في الحديث عنها.
    مسألة قبول أو رد شهادة الشهود هي مسألة شرعيةٌ بحثها أهل العلم منذ القِدَم، ووضعوا لها الضوابط العديدة، ومن أهم ضوابطها: (أن تكون الشهادة منفكةً عَمَّا يُكذِّبها حِساً وعقلاً)، وهذا عامٌ في جميع القضايا المرفوع أمام القضاء، من حدود، وقصاص، وأمور مالية، وتوكيلات، وغيرها.
    فمهما كانت القضية المرفوعة أمام القاضي، ومهما كان الشاهد فلا بدَّ أن تخلو شهادته مما يحكم عليها بالبطلان، ولا يتسع لضرب أمثلة على ذلك.
    والشهادة على رؤية الهلال داخلةٌ في ذلك:
    فالشاهد لا بدَّ أن تخلو شهادته مما يردُّها.
    فلو شهد شاهدٌ على رؤية الهلال ليلة سبعٍ وعشرين، أو على رؤيته في جهةٍ غير الجهة التي يطلع منها، ونحو ذلك: فإنَّ شهادته لا تُقبل؛ لاستحالتها عقلاً.
    قال السُّبكي في فتاواه: ''ولم يأت لنا نص من الشرع أنَّ كلَّ شاهدين تقبل شهادتهما سواء كان المشهود به صحيحًا أو باطلاً، ولا يترتب وجوب الصوم وأحكام الشهر على مجرد الخبر أو الشهادة'' أي أنَّ مُجرَّد قول الشخص: رأيتُ الهلال لا يقتضي قبول قوله، بل لا بد من تمحيص شهادته والنظر فيها.
    الحكم بردِّ الشهادة لا يقتضي الحكم بكذب الشاهد:
    فينبغي معرفة أنَّ رد شهادة الشهود لا يقتضي الحكم على الشاهد أنَّه كاذب، أو غير صادق، وهذه من المسائل المهمة التي ينبغي التنبه لها والاهتمام بها، وقد تؤثر في مسار قبول الشهادة أو ردها.
    فكون الشاهد معروفًا بالصدق، أو التَّدين لا يقتضي قبول شهادته مباشرة؛ لأنَّ هناك عوامل أخرى تؤثر في شهادة الشهود، وعلى سبيل المثال:
    1_ عدد الشهود: فلو شهد ثلاثة شهود على شخص في حادثة زنا لوجب رد شهادتهم مهما كان صدقهم وعدالتهم؛ لأنَّ من شروط الشهادة على الزنا أن يكونوا أربعة شهود.
    2_ الشخص المشهود له: فقد ذهب العديد من أهل العلم إلى رد شهادة الشهود لأقاربهم في بعض المسائل بسبب القرابة.
    3_ طبيعة المسألة المشهود فيها: فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم قبول شهادة النساء في الحدود والقصاص مهما كُنَّ صداقات وثقات.
    4_ كما أنَّ هناك أسبابًا أخرى تتشابه مع ضوابط رواية الحديث: كرد الشهادة بسبب وهم الشاهد، أو نسيانه، أو اختلاط عقله، أو مخالفة شهادته لعددٍ أكبر من الشهود، أو لشهودٍ أوثق منه، وغير ذلك.
    فإن رُدَّت شهادة الشهود: فليس ذلك لعدم صدقهم، أو عدم عدالتهم، بل لأسبابٍ عديدة مختلفة.
    حال الهلال يوم الترائي الإثنين 29 رمضان:
    ما سبق كان كلامًا نظريًا، ولتطبيق شروط الشهادة عمليًا يمكن النظر في عدة وقائع باختصار ومع الاقتصار على أهم ما فيها:
    1_ كان مكان القمر في جميع مناطق المملكة تحت ارتفاع درجة واحدة، مما يعني أنه كان في غاية الانخفاض والاقتراب من الشمس، فضلاً عن أنه سيغرب مع الشمس في عددٍ من المناطق، وهذه ليست من الحساب الفلكي الذي يرفضه أهل العلم في شيء، بل هي حقائق كونية لا غبار عليها، ولا يختلف حولها أحد في العالم، ويدخل فيها تحديد مواعيد زوال الشمس وغروبها الذي ينبني عليه تحديد أوقات الصلاة، كما يدخل فيها تحديد أوقات الخسوف والكسوف ومرور الكواكب بالقرب من الأرض وغير ذلك، والتي أثبت الواقع صحتها ودقتها.
    وعودة إلى إمكانية رؤية الهلال وهو على هذه الدرجة من الانخفاض والقرب من الشمس: فقد قال ابن تيمية - رحمه الله - في مجموع الفتاوى: ''إذا كان بُعدُه مثلاً عشرين درجة: فهذا يُرى ما لم يَحُل حائل، وإذا كان على درجةٍ واحدةٍ فهذا لا يُرى، وأمَّا حول العشرة: فالأمرُ فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية'' (25/186)، ويقصد بذلك درجات الفلك.
    فقد جزم ابن تيمية رحمه الله بعدم رؤية الهلال في بعض الظروف، مع أنَّ أقواله هي عمدة القائلين برفض الحساب.
    3_ وقد أيَّدت الإحصاءات المختلفة للفلكيين ما قاله ابن تيمية:
    فقد جاء في تقرير للأستاذ عبد العزيز الشمري: (لجان التحري الرسمية في مختلف مناطق المملكة وعددها ست لجان وعلى مدى الثلاثين عاما الماضية وباستخدام أحدث الوسائل العلمية للرصد الفلكي من مناظير فلكية - تلسكوبات - ودرابيل ومن المشهورين بالرؤية مع هذه اللجان لم تثبت رؤية الهلال عندما يكون ارتفاع الهلال فوق الأفق بعد غروب الشمس في موقع التحري درجة فما دون.
    وجميع المراصد الفلكية العالمية لم تثبت رؤية الهلال سواء بالعين المجردة أو من خلال المناظير الفلكية - التلسكوبات - في أي موقع على الكرة الأرضية رؤية الهلال عندما يكون أقل من درجة).
    وفي ليلة تحري هذا العام 1432هـ لم تتمكن جميع المراصد في المملكة وبعض الدول الخليجية من رؤية الهلال مع تمكن تلك الأجهزة من معرفة وتحديد مكان القمر من خلال تقنيات وحسابات إلكترونية خاصة، وهي المراصد القوية المُكبِّرة الشديدة الوضوح.
    ويُلحظ هنا: اتفاق كلمة الفلكيين النظرية، مع أعمالهم التطبيقية في أماكن متعددة من العالم على مدى سنوات طويلة، مع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية منذ مئات السنين، ويدخل هذا في معرفة حال المشهود عليه.
    3_ ومع كل ما سبق: شهد عددٌ من الشهود برؤية هلال شهر شوال في الظروف التالية:
    أ_ كانت (الرؤية) في منطقة يغرب فيها القمر مع الشمس، ويكون عبارة خيط رفيع جدًا من النور بجانب وهج الشمس، بحيث لا يمكن رؤيته بالمناظير المقربة، فضلاً عن العين المُجرَّدة.
    ب_ لم يتمكن أحد من رؤية الهلال في مناطق غرب المملكة والأكثر ارتفاعًا سواءً بالعين المُجردة أو التلسكوبات، ومن الأمور البدهية في علم الفلك أنَّ القمر يشرق من الغرب باتجاه الشرق؛ لذا يكون في الجهات الغربية أعلى في السماء، وأوضح، فإذا لم تمكن رؤيته في الغرب فلن يُرى في الشرق.
    ج_ أسهم عددٌ كبيرٌ من علماء الفلك والمختصين وهم العارفون بحركات الكواكب وأماكنها، والمزودون بأفضل الوسائل التقنية في تحري الهلال في عدة دول، ومع ذلك لم يتمكنوا من رؤية الهلال بأي وسيلةٍ من الوسائل.
    وهنا يكمن تساؤل الفلكيين:
    إذا دلَّت الحقائق العلمية النظرية والتطبيقية على عدم الرؤية؛ لاستحالتها منطقيًا بسبب مكان القمر من الشمس وظروف غيابه ونحو ذلك، ولم تستطع الآلات الشديدة التقنية والمُدارة بيد المختصين في عدة دول من رؤية الهلال، ثم جاء من يُخبِر برؤيته للهلال بالعين المُجرَّدة:
    فهل هذه الشهادة قد انفكَّت عما يُكذِّبها أو يردُّها؟ أم أنَّ جميع الدلائل والقرائن تُشير إلى عدم قبولها؟
    ألم تُخالف هذه الشهادة المعقول من حيث إن الشهود تمكنوا بأعينهم المُجرَّدة من رؤية ما لم تتمكن من رؤيته المناظير المُقرِّبة؟
    أم يُخالف هؤلاء الشهود المقطوع به من علم الفلك أنَّ الهلال إذا لم يُر في الغرب بسبب انخفاضه وعدم تميُّزه عن الشمس فإن رؤيته إلى الشرق يكون مستحيلاً؟ لأنَّ الهلال يُشرق من الغرب، يكون في الغرب أعلى في السماء من الشرق؟
    ألم يُخالف هؤلاء الشهود بشهادتهم العدد الأكبر والأكثر انتشاراً والأعلم بمكان الهلال وظروفه من المختصين في الفلك؟
    ألا يستحق كل ما سبق من التساؤلات ولو إثارة شيء من الشك في صحة شهادة هؤلاء الشهود، مما يدفع إلى تمحيصها، ووضع ضوابط لها، والتأكد منها على الأقل؟
    واجب القضاة مع شهود الرؤية:
    مما هو معلومٌ في علم القضاء: اشتراط أن يكون القاضي عارفًا عالمًا بالمسألة التي سيقضي بها، فإن كان يقضي في الأعراض، أو الدماء، أو الأموال فلا بد أن يكون عارفًا للمسألة التي يقضي فيها؛ حتى يتمكن من تصوُّر المسألة التي تُعرض عليه، ويحكم فيها عن كامل معرفة وإدراك، وحتى يتمكن من مناقشة الأدلة والبيِّنات والشهود، وهذا عامٌ في جميع المسائل.
    ففي التحقيق في جريمة السرقة مثلاً: لا بد أن يكون القاضي عارفًا بالنصاب الذي يكون فيه القطع، والفرق بين السرقة والاختلاس والغش، وما يُعدُّ حرزًا وما لا يُعد، وهكذا.
    وشهادة الشهود على رؤية الهلال تدخل في ذلك.
    وبما أنَّ رؤية الهلال لها خصوصيةٌ من حيث دقة أمور علم الفلك، وتوقُّع عدم إلمام العديد من القضاة بأمور الفلك أو تمحيص شهادة الشهود: لم لا يستعين القضاة بعلماء الفلك في مناقشة الشهود والتأكد من صحة ما رآه الشهود، وليس هذا بدعًا في مجال الشهادة، فما زالت المحاكم تستدعي المختصين من مختلف التخصصات الطبية وغيرها للتأكد من حال الشهود، وصدق أقوالهم، فلماذا يُستثنى شهود رؤية الهلال من ذلك، ويُحكم بصحة شهادتهم بمجرد الحكم بصدقهم وديانتهم؟ وربما يُكتفى بسؤالهم عن بعض الأمور العامة بالنسبة للهلال والتي لا يمكن من خلالها الحكم بقبول شهادتهم أو ردِّها.
    تفسير الفلكيين لما رآه الشهود:
    احتوت البيانات التي أصدرها الفلكيون قبل يوم التحري في التنبيه إلى أنَّ مكان التحري في السماء سيشهد وجود عددٍ من الكواكب الأخرى الشبيهة بهلال القمر، وهو أمرٌ اعتيادي؛ إذ لا تخلو السماءُ من شروق و غروب الكواكب على مدى ساعات الأيام، خاصة مع اختلاف الكواكب ودوراتها الزمنية.
    وعندما أعلن الشهودُ رؤيتهم هلال شهر شوال نأى الفلكيون بأنفسهم عن القدح في صدق الشهود، أو تكذيبهم، أو الرد على أشخاصهم، وإنما تحدثوا الظروف المُحيطة بالرؤية، ومن ذلك تفسير ما يمكن أن يكون الشهود قد رأوه ابتعاداً عن تكذيبهم أو القدح في عدالتهم.
    وقد تناقلت الأخبار اختلاف الفلكيين في تحديد الكوكب الذي رأوه، وعَدُّوا ذلك من التناقض الذي يدل على عدم مصداقية الفلكيين.
    والحقيقة أنَّ الفلكيين لم يتناقضوا لأنَّهم لم يجزموا بحقيقة ما رآه الشهود، وكيف يجزمون بأمر لا يعلمون عنه؟ ثم إنَّهم لم يقطعوا في بيانهم بل كانت عبارة عن ترجيحات وافتراضات تحتمل الصحة وعدمها.
    وأخيراً: فإن محل الخلاف مع الفلكيين وباختصار وتلخيص لكل ما سبق:
    هل تُقبل شهادة الشهود وإن احتفَّت بها القرائن التي تدل على رفضها وعدم قبولها؟ وهل من سبيل لوضع ضوابط للتأكد من صحة شهادة الشهود كما في المسائل الأخرى؟
    وليس من محل الخلاف: الأخذ بالحساب الفلكي، ولا التشكيك في بداية صيام الناس أو انتهائها.

    والله من وراء القصد.
    http://www.aleqt.com/2011/09/15/article_580503.html

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •