(هذا حلالٌ وهذا حَرامٌ).
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: (هذا حلالٌ وهذا حَرامٌ).

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    93

    افتراضي (هذا حلالٌ وهذا حَرامٌ).

    الحَمدُ لله والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سيِّدنا مُحمَّـدٍ وآلهِ والصَّحابة والتَّابعين.
    وبعدُ:
    فهذا موضوعٌ لا دخلَ فيه للمُستحبَّات والمندوبات والمكروهات والأكمل والأفضل والمُنبغي والأوفق , إنَّما هو إضاءةٌ حول التحريم والنحليل أرجو أن يُشاركني المشايخ الكرام في تجليتِها.

    أحبَّـتي الكِرام:

    إنَّ من المُهمَّـاتِ - الَّتـي يُهمِلُـها بعضُ طلبَة العلمِ والمُحتَسِبينَ والخُطَباءِ والدُّعَـاة والمُنتسبينَ للعلمِ عُموماً – قضيَّـةَ تحرير المُصطَلحَـاتِ الشَّرعيَّـةِ , ومُراعاةِ أطُرها الاستعماليَّـةِ الوضعيَّـة عند التَّعبير بها عن الوقائعِ , أو إسقَاطِها على المُمارَساتِ , لأنَّ التَّساهُل أو التَّجاهُل لهذه القَضيَّـة يُدخل المُجتَمع المُسلمَ في دوَّامَـةٍ من التماوُج الذي يستعصي معهُ المَـيزُ بين الحَلال والحَرام , وهذا الغَبَشُ والاشتباهُ بين الحَلال والحَرام مما دفعتهُ الشَّريعةُ وجلَّتهُ وإن جهلهُ كثيرٌ من النَّاس كما ينصُّ عليه الحديث الصحيح فإنَّـهُ معلومٌ لدى بعضِ النَّـاس وليسَ بمُشتَبه عليهم , ولا لائمةَ عليهم في إتيانه.ونحنُ أمَّـةٌ علَّمَـها نبيُّها المُصطَفى قاعدةً جليلةً ينبَني عليها الدِّينُ كُلُّـهُ , وتقولُ هذه القاعدةُ الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ويقول كذلك أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ .
    ومن هذا الحديثِ النَّـبَويِّ نعلمُ يقيناً أن كونَ الحلالِ بيِّناً والحرامِ كذلكَ عائدٌ إلى أنَّ مصدَر التَّحريم واحدٌ وهُو الشَّارعُ الحكيمُ الذي خصَّنا بكتابه الكريم وسُنَّـة نبيه , ولو كانَ التحليلُ والتحريمُ والتأثيمُ يخضعُ للاجتهادات والظنون والأخيلةِ لكان مُشتبهاً جداً لا يُعلمهُ إلا الله والراسخونَ في العلم عند من يرى علمهم بالمُتشابه, يقولُ اينُ حجر ( واسْتَنبَطَ منهُ بعضُهُم منعَ إطْلاَقِ الحَلاَلِ والحَرَام عَلَى ما لا نصَّ فيهِ لأنَّـهُ من جُملةِ مَا لمْ يَسْتَبِنْ ) انظر فتح الباري (4 / 369) طبعة دار السلام 1421هـ.
    وعليه:

    فالتَّحريمُ أو الإيجَابُ بمُجرَّد الظُّنون والأقيسَة الباطلة لا يجُوزُ وهُو في حقيقتهِ تقوُّلٌ على الله ورسوله , ويزيدُ على ذلك بأنَّـهُ عادةٌ ذمَّ الله بها المُشركينَ في مُحكَم كتابه فقال وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ومع أنَّ هذا الجُملة نازلةٌ في المُشركينَ أصالةً إلاَّ أنَّـها تتناولُ من بعدَهم كُلاًّ بحَسَبهِ إذا أعملنا قاعدة الاعتبار بعُموم اللفظِ لا بخُصوص السَّبَب , وكم هُو مُؤثِّرٌ وبديعٌ ومُفهِمٌ أسلوب القرآنِ حين يُنكِّرُ هذا الظَّنَّ المُتَّبع فيسلبهُ أداة التعريفَ ليكونَ تنكيرهُ أدلَّ على أنَّـهُ لا ينفعُ شيئاً البتة , والواقعُ الدَّعويُّ الاحتسابيُّ اليومَ يحكي بوضُوح أنَّ أكثرَ المُتحمِّسين الذينَ يقتحمون ميدانَ الدَّعوة قبل التأهُّـل إنَّما يُأتَـونَ في صدامهم مع النَّاسِ من قبَل هذه المُشكلة , وهي اتِّباعُ الظَّـنِّ في الحرام والحلال , والقياس في غير محله , وتفسير النصوص على ما لم يُرَدْ بها , فإما أن يأخُذ واحدُهم النصَّ فيتعاملُ معهُ بأعمَّ من مقصود الشَّـارع , أو يطويه فيجعلهُ أخصَّ من مقصود الشَّـارعِ , أو يعتلَّ فيستعملهُ مُبايناً لمقصود الشَّارع , وفي كلٍّ شرٌّ , إذِ الأصلُ أن تُعمَل النُّصُوصُ وفقَ قصدٍ موافقٍ لما أراد الشَّارعُ.
    ولئن كانَت المُخالفَـةُ في اتِّبَاع الظَّنِّ جَليَّـةً , لكنَّ الأعجَبَ منها عدَم قناعةِ بعضِ أولئكَ (عملياً لا اعتقادياً) عند تبصيره بانحرافه في فهم النَّص أو تطبيقه بقاعدَة قُرآنيَّـةٍ مُحكَمة ختمَ اللهُ بها مذمَّـةَ المُشركينَ السَّابقةَ وهي قوله إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا , وهذا السَّلبُ الإلهيُّ لمنفعة الظَّـنِّ وإغنائه لا يجوزُ بعدهُ تشبُّثُ أحدِنا به عند قيام الحُجَّـة عليه , وليؤكِّد الله تعالى ذلكَ جاءنا في هذه القاعدة بالنكرة في سياق النَّفي لتكوِّنَ في المدلول عُموماً واسعاً يستغرقُ كُلَّ الظُّنون التي لا يؤيِّدُها النَّصُّ الشرعيُّ وما يتفرَّعُ منه.
    وفي القُرآن الكريم يُبيِّنُ الله تعالى أنَّ خلعَ وصفِ الحلال والحَرام حقٌّ للهِ تعالى لا يُشَاركُهُ فيه أحدٌ , وأنَّ الانتهاءَ عن المُمارَسات تعبُّداً بها لله تعالى لا يكونُ تشهياً ولا ظُنوناً وأخيلةً بل لا بُدَّ أن يسبقَ هذا التَّركَ والانتهاءَ تشريعٌ يتمثَّلُ في قوله تعالى وقول نبيه , وهذا مدلول قول الله تعالى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ , فالله هو الذي أحلَّ , وهو الَّذي حرَّمَ , وهو مصدَر الموعظةِ المُوجبةِ للانتهاء والمقتضية لُحوقَ الوعيد بمن لا يعمل بمضمونها , وأنا هُـنا أقصدُ جُزئيَّـةً بسيطةً تتمثَّـلُ في الإنكار والتأثيم ووصفِ الحرام ومخالفة الإسلام والسنَّـة والشريعة وغيرها مما نسمعه على ألسنة الخطباء والدَّعاة وأهل الحسبة حفظ الله الجميع.
    فالعمَل الذي جاءت الشَّريعة بالنَّهي عنهُ ورتَّبَت على فعله عُقوبةً , أو جاءت بالحضِّ عليه ورتَّبت على تركه عقوبةً هو الحرام والإثمُ وتركُ الواجب ومخالفة الدِّين ... الخ , أمَّا ما لم يكُن كذلك مما هُو دون هذه الأوصاف فالتَّحريمُ والتحليلُ فيه أمرٌ خطيرٌ جداً , ولأنَّ وصفَ الفعل بالحرام يترتَّبُ عليه تأثيمُ الفاعل أو التارك , وهذا التأثيمُ حقٌّ لله تعالى لا ينُوبهُ فيه أحدٌ.
    ولذا لمَّا بيَّـنَ النبيُّ القسم الثالثَ للأحكام وهُو المُشبَّهُ أو المُشتَبهِ قال وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فاعتِبارُ الاشتباهِ هُنا يختلفُ باختلاف المُكلَّفينَ واختلاف المَسائل والبواعث , ونظراً لهذا التفاوُت بيَّن النبي في غير هذا الحديث سبيل السَّلامة فقال دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ , وهذا نصٌّ صحيحٌ صريحٌ في أنَّ الورعَ متعلِّقٌ بذات المُكلَّف فإن اشتَبه عليه الإثمُ بالحَسَن تركهُ , وأمَّا من وَدَعَ ما يريبُ غيرَه إلى ما لا يَريبُ غيرهُ من الوعَّاظ والخُطباء بلا نصٍّ قطعيٍّ مُلزِمٍ فهُـو أسيرٌ لغيرهِ يُحرِّكُهُ كيفما يشاء والمُشتَبهاتُ قال بعضُ العُلماء كابن المنذر رحمه الله إنَّـها ثلاثة: (انظر: شرح ابن بطال لصحيح البخاري 6 / 196 - طبعة مكتبة الرشد بالرياض - ضبط وتعليق أبي تميم ياسر بن إبراهيم)
    أمرٌ كانَ حَراماً عليكَ , وشككتَ هل طرأ عليه الحِلُّ فأنتَ تُبقيه على الأصل حتى تستحلَّهُ بيقين , كالشكِّ في دخول الليل لمن يريد الفطرَ من صومه.
    أمرٌ كانَ حلالاً لكَ , وشككتَ هل طَرأت عليهِ الحُرمةُ , فأنتَ تُبقيه على الأصلِ حتَّى تُحرِّمهُ بيقين , كالشَّك في الزَّوجة هل طلقت أم لا.
    أمرٌ اشتبهَ عليك في أصلهِ حلالٌ هُو أم حَرامٌ , واستوى عندكَ فيه الاحتمالانِ ولا نصَّ من الوحي يُرجِّحُ أحدَهُما على الآخَر , فهذا يُفضَّلُ أن تتنزَّهَ عنهُ , ولكن لا يجبُ عليكَ فعلهُ , وكذلكَ لا يأثَم فاعلهُ ولو أثَّـمهُ كلُّ الخُطباء والمحتسبينَ وغيرهم, وهذا تدخُل فيه كثير من العادات والأعراف والتقاليد.
    والعُلماءُ في هذا النَّـوع (المُشتبه) مختلفونَ في الأسلمِ للمُكَلَّف:
    هل يُقدِّمُ الفعلَ المُقتضي للحظر والتَّحريم لأنَّ السَّلامة في الاحتياط , ولأن الحديث فيه الأمرُ بترك ما يريبُ كما قال دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ .
    أو يقدمُ الفعلَ المقتضي للإباحة والجَواز , لمُناسبة ذلك لسَعة الدِّين ونفي الله للحَرَج والمَشقَّـة عن تشريعه في قوله تعالى وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ , وقوله مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج .
    ومن تبيَّـنَ لهُ دليلُ زوال الاشتباهِ في ذهنهِ فلا ينبغي لهُ أن يُناكفَ ويُكابرَ , فمن اعتقدَ شيئاً حَراماً وبُيِّنَ لهُ أنَّـهُ مُباحٌ فقد زال عنهُ الاشتِباهُ ولم يبقَ غيرُ الهَـوى , والعكس كذلك.
    وليعلمِ المُتسارعُون في التَّحريم أنَّ دائرة الحَرام هي حِمَى الله , ومن أدخَل في حِمى الله ما ليس منهُ بسبب مألوفه وعادته وخيالاته فقد افتَرى على الله إثماً عظيما.
    تنبيهات:

    المُصطلح الشرعي (حلال - حرام - واجب - مباح .. الخ) مثل الوعاء الفارغ , وهذا الوعاء لا يجوزُ لأحد أن يضع فيه شيئاً إلا بإذن من الله ورسوله , وهذا الموضوع في الإناء هو المضمون الذي يتعامل بناءً عليه المكلفون فيما بينهم.
    قال اللكنوي في (الإثمِ): ولاَ يصحُّ أن يُوصَف به إلا المُحرَّمُ.
    عرَّف الفُقهاءُ الحرام بتعريفاتٍ مُؤدَّاها أنَّـهُ: ما تُوُعِّـدَ على فعلهِ أو تركِـه.
    الكذبُ على الله ورسوله في إيجابِ ما لم يُوجباهُ كالكذبِ عليهما في تحريمِ ما لم يُحرِّماهُ , فمن أنكرَ وجوبَ صلاة العصر لا يختلفُ عمَّن أوجب صلاة سادسةً بين الظهر والعصر.
    وصَـلَّى اللهُ وسَلَّمَ وباركَ على نبيِّنا ووليِّنا محَمَّـدٍ وعلى آلهِ والصحابةِ والتابعينَ وعلينا معهم أجمعين.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    9

    افتراضي رد: (هذا حلالٌ وهذا حَرامٌ).


    الله يعطيك العافية ويرعاك
    عودتنا دائما على ما هو جديد
    مروري وتقديري

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •