مقوِّمات الانتخاب والترشيح


يعيش عالمُنا العربيُّ اليوم أحداثًا متسارعةً عبر ثَوْراتٍ وانتفاضاتٍ لشعوبٍ تنْشُد التغيير والإصلاح، وتتوق للحرية والعدالة، وتسعى نحو الأمن والسلام.
وإن من أبرز التنظيمات الإجرائية والتراتيب الإدارية التي عمَّت العالمَ كلَّه، ما يسمَّى بالانتخابات، فلقد عمَّت فكرة الانتخابات والتصويتات ميادينَ عديدةً في الحياة المعاصرة، سواءً كانت هذه الانتخاباتُ برلمانيةً، أو مجالسَ بلديةً، أو جمعيَّاتٍ عموميةً كنوادٍ أدبيةٍ وغيرها، أو حتى انتخاباتٍ رئاسيةً.
فالانتخابات الآن مظهر من مظاهر الشورى، قال تعالى:﴿وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ والآية عامَّةٌ للحاكم مع الشعب، وللناس بعضهم مع بعضٍ. والانتخابات وسيلة، والوسائل لها أحكام المقاصد. والانتخابات آليَّةٌ من الآليَّات، والأصل في الأشياء الإباحة. فإن حقَّقتْ مصلحةً كانتْ متفرِّعَةً عن دليل "المصلحة المرسلة"، وتأطَّرتْ بقاعدة "جلب المصالح ودرء المفاسد"، هذا هو تكييفها الشرعي باختصار.
إن ولاية أمرٍ من أمور المسلمين شأنُها عظيم، وخطرها جسيم. والإنسان المسلم ينبغي له أن يعي جيِّدًا مقوِّمات الترشيح والانتخاب. وأهمُّ ركيزتين أو معيارين لانتخابٍ سليم وترشيحٍ قويم: الأمانة و الكفاءة.
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ رحمه الله في كتابه السياسة الشرعية: [فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، كما قال تعالى: ﴿إِنَ خَيْرَ مَنِ اسْتأْجَرْتَ الْقَوِيٌ الْأمِينُ، وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام: ﴿إِنَكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ وقال تعالى في صفة جبريل عليه السلام: ﴿إِنَهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَ أَمِينٍ﴾.]
إذًا يشترط فيمن يُنْتخَبُ رئيسًا أو مديرًا أو مسؤولاً أو مُرَشَّحًا أو ممثِّلاً لأمرٍ ما، بل لو اخترتَ سائقًا أو نجَّارًا أو أجيرًا أو عاملاً، فإنه يُشترط لهذا الاختيار أو الانتخاب شرطان أساسيان:
الشرط الأول: الأمانة، والأمانة تستلزم الإيمانَ والاستقامةَ والتدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ» رواه الإمام أحمد بسند صحيح. فلابد أن يكون المُرَشَّح أمينًا دَيِّنًا صَيِّنًا مُصَلِّيًا حفيظاً لحدود الله مُعَظِّمًا لمحارم الله، يخشى الله ويراقب الله، قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله في كتابه الغِيَاثي: ]منْ لا يُوثَق به في باقةِ بَقْلٍ (حزمة فجل) كيف يُرى أهْلاً للحَلِّ والعقد؟! ... ومن لم يتَّقِ الله لم تُؤمنْ غوائلُه، ومن لم يَصُنْ نفسه لم تنفعه فضائله].
ولهذا لا يستحقُّ صوتَك صاحبُ الهوى والبدعة والضلالة، ولا يستحقُّ صوتَك المنحرفُ اللَّاهثُ وراءَ الشهرة والشهوة، ولا يستحقُّ صوتَك المُتَنَفِّعُ الذي يتخذ مصالحَ المسلمين مطيَّةً لتحقيق مصالحِه الخاصَّة ورغباتِه الذاتية. إنه لا يستحقُّ صوتَك إلا الحفيظ الأمين، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأرْضِ إِنِي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن كثيرٍ رحمه الله: [حفيظ أي خازنٌ أمين، عليمٌ ذو علمٍ وبصيرةٍ بما يتولاَّه]، وفي قصة العفريت الذي عرض نفسه على سليمان عليه السلام أن يأتيه بعرش ملكة سبأ: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِي عَلَيْهِ لَقَوِيٌ أَمِينٌ﴾.
أما الشرط الثاني فيمن تنتخبه وتختاره، فهو: الكفاءة والمهارة والقوة والتخصص وحسن التصرف والتدبير. هذه الكفاءة هي صفة العلم الواردة في مؤهلات يوسف عليه السلام لِيَسْتَوْزِر وزارةَ المالية والتموين ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأرْضِ إِنِي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، وهي القوة التي جاءت في قوله تعالى ﴿إِن خَيْرَ مَنِ اسْتأْجَرْتَ الْقَوِيُ الْأمِينُ﴾، قال الإمام النَّسَفي رحمه الله: [إن خير من استأجرت القوي الأمين كلامٌ جامعٌ؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان: الكفاية والأمانة في القائم بأمرك، فقد فَرَغ بالُك وتمَّ مرادُك]. والقوة في كلِّ ولاية بحسبها، قال ابن تيمية رحمه الله في كتابه السياسة الشرعية [فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ إلَّا أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي مَوْجُودِهِ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ فَيَخْتَارُ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ بِحَسْبِهِ...ثم قال... اجْتِمَاعُ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ فِي النَّاسِ قَلِيلٌ؛ وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَشْكُو إلَيْك جَلَدَ الْفَاجِرِ وَعَجْزَ الثِّقَةِ. فَالْوَاجِبُ فِي كُلِّ وِلَايَةِ الْأَصْلَحُ بِحَسْبِهَا. فَإِذَا تَعَيَّنَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ أَمَانَةً وَالْآخَرُ أَعْظَمُ قُوَّةً؛ قُدِّمَ أَنْفَعُهُمَا لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ وَأَقَلُّهُمَا ضَرَرًا فِيهَا...إلخ ما قال رحمه الله من كلامٍ نفيسٍ.
وهنا عادةً ما يُطرح سؤالٌ:كيف تُعرفُ كفاءةُ وأمانةُ من يجب أن يقع عليه الاختيار؟.
والجواب بيسْرٍ وسهولةٍ: من خلال سمعته وذِكْره بين الناس، ومن خلال الاطلاع على سيرته العلمية والعملية، ومن خلال سؤال أهل الذكر والفكر الثقات، قال صلى الله عليه وسلم: «إنما شفاءُ العِيِّ السؤالُ». أنت يا رجل إذا جاءك خاطبٌ يريد ابنتك، ماذا تفعل؟ ألست تسأل عنه، وتتحرى فيه الخلق والأمانة؟ لأنه سيتوَّلى ابنتك، فكذا الشأنُ فيمن سيتولَّى أمرك.
ومن أدبيَّات الترشيح والانتخاب التجرُّدُ من كل المؤثِّرات الضاغطة التي دائمًا تُفْضي إلى الانحراف عن اختيار الأصلح والأمثل، فيجب التخلِّي عن الأهواء المُضلَّة والعصبيَّات الجاهلية، فلا مودةَ، ولا قربى، ولا مجاملةَ، ولا قبليَّةَ، ولا مناطقيَّةَ، ولا محسوبيةَ. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه السياسة الشرعية:]فَإِنْ عَدَلَ عَنْ الْأَحَقِّ الْأَصْلَحِ إلَى غَيْرِهِ لِأَجْلِ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ صَدَاقَةٍ أَوْ مُوَافَقَةٍ فِي بَلَدٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ أَوْ جِنْسٍ أَوْ لِرِشْوَةٍ، أَوْ لِضَغَنٍ فِي قَلْبِهِ عَلَى الْأَحَقِّ؛ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِين َ وَدَخَلَ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾].
إن الناخب ينبغي له أن يتذكَّر أنه مستشارٌ في هذه العملية الشُّوْرِيَّة، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ». تذكَّرْ أن صوتك أمانة، والأمانة مؤدَّاةٌ إلى أهلها، قال تعالى: ﴿إِنَ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. تذكَّرْ أن صوتك شهادة، والشهادة بيِّنةٌ لا يجوز الزُّورُ فيها، قال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟، قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» رواه البخاري.
وأحبُّ أن أشير هنا إلى أهمية المشاركة الفاعلة في عملية الانتخاب والترشيح، ولو قيل بِقِلَّةِ جَدْواها، فأوَّل الغيث قطرة، وإن الازْوِرارَ عن المشاركة قد يُعطي رسالةً لأصحاب القرار بأن الشعبَ وَعْيَه ما يزال دون ثقافة الانتخاب، وقد تُشْغَلُ المقاعدُ بذوي التوجهات المشبوهة. إنَّ من يرنو إلى الإصلاح إذا ظلَّ يحمل رُوحًا يائسةً، ونفساً مُحبطةً، مُنْزويًا عن المشاركة، مكتفيًا بتسديد ضربات النَّقد وصرخات السُّخط، فلن يتقدَّم بخطوةٍ واحدةٍ نحو الأمام. إنَّ المدافعة والمغالبة سنَّةٌ اجتماعيةٌ من سنن التغيير، وإنَّ رياح التغيير ينبغي أن تحمل في طيَّاتها روحَ الفألِ، وأملَ النصر، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.
ومن المقوِّمات التي ينبغي أن يراعيها المسلمُ في عمليَّة الترشُّح تركُ الاستشراف نحو المناصب. فإنَّ حرصَ المرءِ على المناصبِ ابتداءً مذمومٌ؛ فقد صحّ عند مسلمٍ من حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبدَ الرحمنِ لا تسْألِ الإمارةَ، فإنَكَ إن أُعطيتها عن مسألةٍ وُكلتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غيرِ مسألةٍ أُعِنْتَ عليها». وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: «يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» رواه مسلم. أمَا من آنَسَ في نفسه كفاءةً وأمانةً، وأحبَّ نفعَ أمَّتِه، وأحبَّ قطعَ الطريق على تولِّي الأشرارِ زمامَ الأمور، فهو مأجورٌ مشكورٌ إن شاء الله، ومعانٌ مُسدَّدٌ بإذن الله، فقد طلبَ يوسفُ الصديقُ عليه السلام مَهامَّ الخزائن: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
إنَّ كلَّ إنسانٍ تولَّى وِلايةً يجبُ أن يُدرك ضخامةَ المسؤوليةِ، وعبءَ الأمانةِ، التي نَأَتْ عن حملها الأرضُ والسماواتُ، والجبالُ الراسياتُ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾. فليست المجالسُ البلديةُ، ولا المناصبُ الحكوميةُ، وجاهةً اجتماعيةً، ومكاسبَ شخصيةً. قال أبو ذَرٍّ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي ؟ (ألا تولِّيني منصباً) قال: فَضَرَبَ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» رواه مسلم.
ينبغي أن ندرك جيِّدًا أنَّ المناصب ليست للأضواء والوجاهة، وليستْ منبراً للتمادح والتمَلُّق، بل طريقاً إلى الحِسْبةِ الإدارية والمالية، وسبيلاً إلى الإصلاح والعمل والإبداع.
[قد رشَّحُوك لأمرٍ لو فَطِنْتَ له ** فارْبَأْ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ].

إن الناسَ قد شَبِعتْ مُزايداتٍ كلاميةً، وملَّتْ وُعوداتٍ استهلاكيةً، وضجَّتْ من الضجيجِ الإعلاميِّ، والصخبِ الدِّعَائيِّ. الناس الآن - في عصر الثورات - أضْحَتْ تريدُ عملاً، تريد إنجازًا، تريد صِدْقًا، تريد إصلاحًا للأوضاع الخاطئةِ، والتجاوزاتِ الفَجَّة، والسلوكياتِ المُنحرفة.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون َ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.


ناصر العلي
Yahala1000@gmail.com
جامعة أم القرى
شوال 1432هـ