الحجُّ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ

فوائدُ وفضائلُ وعبرٌ للأنام

الحمد لله الذي أكمل لهذه الأمة شرائع الإسلام، وفرض على المستطيع منهم حجَّ بيته الحرام، ورتَّب عليه جزيلَ الفضل والإنعام، فـ«مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» البخاري (1521) ومسلم (1350)؛ نقيًّا من الذنوب والآثام، «.. وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ» البخاري (1773) ومسلم (1349)، دار السلام. أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله هو الملك القدوس السَّلام، وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه أفضلُ من صلى وزكى وحجَّ وصام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام، وسلم تسليما.
أما بعد؛ قال الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُو ا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: 27 – 29).
أيها الناس! اتقوا الله، واحمدوا ربكم أن أكمل لكم الدين، وأتمَّ عليكم النعمة، ويسَّر لكم سُبُلَ الخيرات، حتى أصبحت في متناول أيديكم من غير كلفة، فلقد كان الناس فيما مضى يعانون من الوصول إلى البيت أنواع الكلفة والمشقات، يعانون كثرة النفقات المالية، والمشقةَ البدنية، وتحملَ الأخطار، أما اليوم، ولله الحمد؛ فقد أصبح الأمرُ يسيرا، ويسَّرَ الله بنعمته وفضله ما كان عسيرا، فأصبحتم تصلون إلى البيت الحرام، بكل سهولة =ويسر=، نفقاتٍ يسيرة، ومراكبَ مريحة، وأمنٍ وافرٍ، وطمأنينةٍ كاملة، وعيشٍ رغيد، فاشكروا الله أيها المسلمون على هذه النعمة، واغتنموها، وانتهزوا فرصَ الخيرات وابتدروها، وأدُّوا ما فرض الله عليكم من الحجّ، وتزوَّدوا من التطوُّع به، فإن التطوع تكمل به الفريضة.
لزيارة بيت الله الحرام، بإخلاص وإيمان وإسلام، فضائلُ وفوائدُ وعِبَرٌ للأنام، خصوصا زيارته لحج أو عمرة، فمن فضائل الحجّ؛ أنّ أيّامَه تصادفُ أفضلَ الأيّام عند الله تعالى، وهي عشرُ ذي الحجة؛ إذ فيه يومُ التروية في اليوم الثامن من ذي الحجة، ويومُ عرفةَ في التاسع من ذي الحجة، ويومُ النحر في العاشر، ولهذا كان الحجُّ من أفضل ما عُمل في هذه الأيَّام، وهي التي أقسم الله بها في كتابه فقال: {وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (الفجر: 1-2).. وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟» قَالُوا: وَلاَ الجِهَادُ؟! قَالَ: «وَلاَ الجِهَادُ؛ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ». البخاري (969).
ومن فضائل الحجِّ؛ أنّ الله تعالى جعل جزاءه الجنّة؛ لأنّه تَضمَّنَ تحقيقَ التوحيدِ ونبذَ الشرك. فـ«العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ». البخاري (1773) ومسلم (1349). =والمبرور= هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، وقيل: هو المقبول المقابل بالبر، وهو الثواب. يقال: بر حجه وبر حجه، وبر الله حجه، وأبره برا بالكسر وإبرارا. من "النهاية" لابن الأثير.
وعندما قال النبي صلى الله عليه وسلّم «الحجُّ المبرُور ليس له جزاء إلاّ الجنة». قيل: وما بِرُّه؟ قال: «إطعامُ الطعام، وطيبُ الكلام». رواه أحمد وغيره بإسناد حسن، صحيح الترغيب والترهيب (رقم 1104).
فـ«مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». البخاري (1521)، هذا هو الحجُّ المبرور.
وإنما قيّد الحج المبرور بهذا؛ لأنَّ الحاجَّ محتاجٌ إلى معاملة الناس بالإحسان بالقول والفعل، عَنْ خَلاَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، أَيُّ الْحَاجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَكَفَّ لِسَانَهُ). قَالَ: وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ قَالَ: (سَمِعْنَا أَنَّهُ مِنْ بِرِّ الْحَجِّ) مصنف عبد الرزاق (5/ 10) (8816) ولطائف المعارف (ص 258). وعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! مَا بِرُّ الْحَجِّ الْمَبْرُورُ؟ قَالَ: "إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ" مسند أحمد ط الرسالة (22/ 367) (14482). وفي لفظ قيل: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا بِرُّهُ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "طِيبُ الْكَلامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ". أخبار مكة للفاكهي (1/ 408) (879)عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: (الْحَجُّ الْمَبْرُورُ؛ إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَحُسْنُ الصَّحَابَةِ) أخبار مكة للفاكهي (1/ 408) (880).
ومن فضائل الحجِّ أنّه يُكفّر به جميع الذنوب، =وتمحا جميعُ الخطايا=، فعن عَمرو بن العاص رضي الله عنه قال: لَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسْلامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: (ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ) فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: (فَقَبَضْتُ يَدِي)، قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟!» قَالَ: قُلْتُ: (أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ)، قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟» قُلْتُ: (أَنْ يُغْفَرَ لِي)، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟!». مسلم (121). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» البخاري (1820).
والرفثُ هنا هو الجماع، بدليل قوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة 197]. وقوله: «كيوم ولدته أمه» أي بلا ذنب.
وظاهر هذه الأحاديث يدل على أنه لا فرق بين الصغائر والكبائر في الغفران، ويؤيّده حديث ابن عمر مرفوعا: «وأمَّا رميُك الجمار؛ فَلَكَ بكلِّ حصاةٍ رميتَها تكفيرُ كبيرةٍ من الموبقات». صحيح الترغيب والترهيب (1112)
ومن فضائل الحجّ؛ أنّه من أفضلِ الأعمال التي يتقرّب بها العبد إلى ربّه تعالى، فعندما سئل النبيّ صلى الله عليه وسلّم: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». البخاري (26) ومسلم (83). وفي رواية: «.. ثُمَّ حَجَّةٌ بَرَّةٌ، تَفْضُلُ سائِرَ الأَعْمالِ؛ كَمَا بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِها». رواه أحمد والطبراني "صحيح الترغيب" (1103). عَن ماعز.
ومن عَجَز عن الجهاد من النساء، والعجَزة والمرضى فقد جعل الله له بديلا لذلك، هو الحجّ، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلاَ نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكِنَّ أَحْسَنَ الجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ؛ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: (فَلاَ أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). البخاري (1861). وعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيًّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي جَبَانٌ، وَإِنِّي ضَعِيفٌ. =أي ليس لي حيلة في القتال والجهاد= قَالَ: «هَلُمَّ إِلَى جِهَادٍ لا شَوْكَةَ فِيهِ، الْحَجُّ» المعجم الكبير للطبراني (3/ 135) (2910)، صحيح الترغيب (1098). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» السنن الكبرى للنسائي (4/ 8) (3592)، صحيح الترغيب (رقم 1101).
وإنما كان الحجّ والعمرة جهادا؛ لأنّه يجهد المال والنفس والبَدَن.
ألا واعلموا أن من فضائل الحجّ أنّه يجلِب الرزق، وذلك أنّ الحاجَّ يحتاج إلى بذلِ المالِ والإنفاق في سبيل الله، ومَن أنفق شيئا في سبيل الله؛ فإنّ الله تعالى يُخْلِفُه، ويزيده من فضله، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الجَنَّةُ» الترمذي (810) وغيره، صحيح الترغيب (1105). ومعنى قوله «تابعوا» أي: إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجّوا.
=ألا واعلموا أنه= إذا لبّى الحُجَّاج نداءَ الله تعالى؛ فإنّهم يفدون إليه؛ فيعطيهم سؤْلَهم، ويجيب دعوتَهم، فـ"وَفْدُ اللَّهِ ثَلاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ " النسائي (2625)، وفي رواية: «الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ ، وَفْدُ اللَّهِ، دَعَاهُمْ، فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ» ابن ماجه (2893)، وانظر: صحيح الترغيب (رقم 1108). والوفد: الذين يقصدون الأمراء =والملوك والرؤساء= لزيارة وغير ذلك.
من اخترمته المنية في الحجّ؛ فهي علامة على حسنِ الخاتمة، لأنّه يبعث ملبِّياً، والمرء يبعث على ما مات عليه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». البخاري (1265)، ومسلم (1206). و«مَنْ خَرَجَ حَاجًّا فَمَاتَ؛ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْحَاجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَمَاتَ؛ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْمُعْتَمِرِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ؛ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»مسند أبي يعلى (11/ 238) (6357)، صحيح الترغيب (رقم 1114)، والصحيحة (2553).
إن ممّا يظفر به الحُجَّاجُ من الفضائل، صلاتهم في بيتِ الله الحرام الذي هو خيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، =وأحبُّ أرض الله إلى رسول الله،= والذي تتضاعف فيه الصلاة عمّا سواه من المساجد، فيجتمع له شرفُ العبادة في أشرفِ مكان، وفي أشرفِ زمان، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» ابن ماجه (1406) صحيح الترغيب (1173).
ومن فضائل الحجّ، أنّه مَن قصد بيت الله الحرام؛ فإنّ الله تعالى يرعاه برعايته، ويكلؤه بحفظه، حتى يعود إلى أهله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «ثلاثة في ضمان الله عزّ وجلّ: رجلٌ خرج إلى مسجد من مساجد الله عزّ وجلّ، ورجلٌ خرج غازيا في سبيل الله، ورجل حاجًّا» أخرجه الحميديّ وأبو نعيم وإسناده صحيح على شرط الشيخين، الصحيحة (رقم 598).
ومن فضائل الحجّ أنّه إذا خلع الحاجُّ ثيابَه، ولبسَ الإحرامَ، وظلّ به، فقد خلَعَ ثيابَ الذنوب والخطايا، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «ما من مؤمن يظلّ يومه محرما؛ إلاّ غابت الشمس بذنوبه» رواه الترمذي صحيح الترغيب (رقم 1133)،
وكلَّما ذكرَ الحاجُّ ربَّه؛ بُشر بالجنة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إِلاَّ بُشِّرَ، وَلا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلاَّ بُشِّرَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ!» المعجم الأوسط (7/ 379) (7779)، الصحيحة (1621).
ولقد أُمر الحاجّ برفع الصوت بالتلبية؛ لأنّها تتضمن إظهار شعائر التوحيد والذلّ والخضوع والافتقار إلى الله ربّ العبيد، =فأفضل الحج=؛ «العَجُّ وَالثَّجُّ» الترمذي (827). =(والعج: رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ . والثج: نحر الإِبِل وَغَيرهَا)، كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 343)=. وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي، إِلاَّ لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ؛ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» ابن ماجه (2921)، صحيح الترغيب (1134).
الخطبة الثانية

ومن فضائل الحجّ؛ أنّ الطوافَ حول البيت، والصلاةَ خلف المقام؛ يفكُّ الرقاب، ويحطُّ السيّئات، ويكتب الحسنات، ويرفع الدرجات، فـ«مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ» ابن ماجه (2956) صحيح الترغيب (1142)، الصحيحة (2725). وفي رواية: ".. وَأَمَّا رَكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوَافِ؛ فَإِنَّهُمَا لَكَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ"، الأحاديث الطوال للطبراني (ص: 320) (61). و«مَن طاف بالبيت أسبوعاً =أي سبعة أشواط=؛ لا يضع قدماً، ولا يرفع قدماً؛ إلاّ حطّ الله عنه خطيئتَه، وكتبَ له بها حسنة، ورفع له بها درجة». [رواه ابن خزيمة وابن حبان صحيح الترغيب، (1143)].
ومن فضائل الحجّ؛ أنّ استلامَ الحجر الأسودِ والركن اليماني، يغسلان الذنوب، ويشهدان يوم القيامة عند علاَّم الغيوب، عن عُبيد الله بن عُبيد بن عمير أنّه سمع أباه يقول لابن عمر: مالي لا أراك تستلم إلاّ هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليمانيّ؟ فقال ابن عمر: إنْ أفعل فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ استلامهما يحطّ الخطايا». [رواه أحمد والترمذي وهو صحيح، صحيح الترغيب (1139)]. وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحجر: «والله ليبعثنّه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحقّ» [رواه الترمذيّ بإسناد صحيح، المرجع السابق (1144)]. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «يأتي الركن يوم القيامة أعظمَ من أبي قبيس؛ له لسانٌ وشفتان». [رواه أحمد صحيح الترغيب (1145)].
ومن فضائل الحجّ؛ أنّ الحاجَّ يحظَى بارتواءٍ من ماء زمزم، فـ«خير ماءٍ على وجه الأرض ماءُ زمزم؛ فيه طعامُ الطعم، وشفاءُ السقم». [رواه الطبراني بإسناد حسن، المرجع السابق (1161)]. ففي هذه النصوص تشويق للأنام، وتحريضٌ لساكنِ الغرام، إلى عقد الإحرام، لحجّ بيت الله الحرام.
أيّها الإخوة الكرام! ها هي أبواب الجنّةِ قد فُتحت، وسبلُ الخير قد وُضحت، وتجارة رابحة قد عُرِضت، فبادروا إلى إجابة دعوة ربّ البيت، قبل أن يحدثَ بكم حدثُ الموت، فتندمون على الفوت.
فعن الفضل بن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «من أراد الحجّ فليتعجّل، فإنّه قد يمرض المريض، وتضلّ الضالّة، وتعرض الحاجة» [رواه أحمد وابن ماجة وهو حسن، صحيح جامع (رقم 5880)]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «استمتعوا من هذا البيت، فإنّه قد هدم مرتين، ويرفع في الثالثة». [رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم بإسناد صحيح، انظر: الصحيحة (رقم 1451)]. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنّ اللهَ يقول: إنّ عبداً أصححتُ له جسمَه، ووسَّعتُ عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسةُ أعوامٍ لا يَفِدُ إليّ لَمَحرُوم». [رواه الطبراني وأبو يعلى وغيرهما بإسناد صحيح، انظر: المرجع السابق، (رقم 1662)].
المراجع/ كتب السنة، والضياء اللامع من خطب الجوامع لابن عثيمين (المقدمة)، فضائل الحج (بتصرف) للشيخ د/ عبد المجيد جمعة
جمعها ونقلها من مظانها/ أبو المنذر فؤاد
الزعفران بالوسطى- غزة فلسطين
25/ 10/ 1432 هلالية – 23/ 9/ 2011 شمسية
للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني: zafran57@hotmail.com
أو زوروا الموقع الالكتروني الرسمي للشيخ: www.alzafran.com