تفريغ سلسلة دروس(( مدرسة الحياة)) حقيقة العلم النافع للشيخ أبي إسحاق الحويني حفظه ا
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: تفريغ سلسلة دروس(( مدرسة الحياة)) حقيقة العلم النافع للشيخ أبي إسحاق الحويني حفظه ا

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,073

    Arrow تفريغ سلسلة دروس(( مدرسة الحياة)) حقيقة العلم النافع للشيخ أبي إسحاق الحويني حفظه ا

    ** ( مدرسة الحياة -حقيقة العلم النافع ) **


    الدرس [1]


    أبي إسحاق الحويني


    إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .
    أما بعــــــد
    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وأحسن الهدي هدي محمدٍ r وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .
    فدرسنا اليوم في مدرسة الحياة وهي خاطرة جديدة من كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي - رحمه الله تعالى- ، وقد عنونتها بعنوان: (حقيقة العلم النافع) .
    يقول ابن الجوزي - رحمه الله -: (رَأَيْت جَمَاعَة مِن الْعُلَمَاء يَتَفَسَّحُوْن و يَظُنُّوْن أَن الْعِلْم يَدْفَع عَنْهُم و مَا يَدْرُوْن أَن الْعِلْم خَصْمُهُم و أَنَّه يُغْفَر لِلْجَاهِل سَبْعُوْن ذَنْبًا قَبْل أَن يُغْفَر لِلْعَالِم ذَنْبٌ وَذَاك لِأَن الْجَاهِل لَم يَتَعَرَّض بِالْحَق وَالْعَالَم لَم يَتَأَدَّب مَعَه ، وَرَأَيْت بَعْض الْقَوْم يَقُوْل: إنَّا قَد أَلْقيتُ مِنْجَلِي بَيْن الْحَصَّادِين وَنِمْت ثُم كَان يَتَفَسَّح فِي أَشْيَاء لَا تَجُوْز ، فَتَفَكَّرْت فَإِذَا الْعِلْم الَّذِي هُو مَعْرِفَة الْحَقَّائِق وَالْنَظَر فِي سِيَر الْقُدَمَاء وَالْتَّأَدُّب بِآَدَاب الْقَوْم وَمَعْرِفَة الْحَق وَمَا يَجِب لَه لَيْس عِنْد الْقَوْم وَإِنَّمَا عِنْدَهُم صُوَر أَلْفَاظ يَعْرِفُوْن بِهَا مَا يَحِل وَمَا يَحْرُم وَلَيْس ذَلِك الْعِلْم الْنَّافِع ، إِنَّمَا الْعِلْم فَهُم الْأُصُول وَمَعْرِفَة الْمَعْبُوْد وَعَظَمَتِه وَمَا يَسْتَحِقّه_ سبحانه وتعالى_ وَالْنَظَر فِي سِيَر الْرَّسُوْل صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَصَحَابَتِه وَالْتَّأَدُّب بِآَدَابِهِم وَفَهم مَا نُقِل عَنْهُم ، ذَاك هُو الْعِلْم الْنَّافِع الَّذِي يَدُع أَعْظَم الْعُلَمَاء أَحْقَر عِنْد نَفْسِه مِن أَجْهَل الْجُهَّال ، وَرَأَيْت بَعْض مَن تَعَبَّد مُدَّة ثُم فَتَر فَبَلَغَنِي أَنَّه قَال : قَد عَبَدْتَه عِبَادَة مَا عَبَدَه بِهَا أَحَد ، وَالْآن قَد ضَعُفَتُ ، فَقُلْت : مَا أَخْوَفَنِي أَن تَكُوْن كَلِمَتُه هَذِه سَبَبَا لِرَد الْكُل لِأَنَّه قَد رَأَى أَنَّه عَمِل مَع الْحَق شَيْئا وَإِنَّمَا وَُقِف يسْأَل الْنَّجَاة بِطَلَب الْدَّرَجَات فَفِي حَق نَفْسِه فَعَل . وَمَا مَثَلُه إِلَا كَمَثَل مَن وَقَّفَّ يُكَدِّي فَلا يَنْبَغِي أَن يَمُن عَلَى الْمُعْطِي ، وَإِنَّمَا سَبَبُ هَذَا الْانْبِسَاطِ الْجَهْل بِالْحَقَائِق ، وَأَيْن هُو مِن كِبَارعُلَمَاء الْمُعَامَلَة الَّذِيْن كَان فِيْهِم مِثْل صِلَة بْن أَشْيَم إِذَا رَآَه الْسَّبْع هَرَب مِنْه وَهُو يَقُوْل إِذَا انْقَضَى الْلَّيْل عِنْد صَلَاتِه :" يَا رَب أَجِرْنِي مِن الْنَّار أَو مِثْلَي يَسْأَل الْجَنَّة ؟" ، وَأَبْلِغ مَن ذَا قَوْل عُمَر:" وَدِدْت أَن أَنْجُو كَفَافا لَا لِي وَلَا عَلَي" ، وَقَوْل سُفْيَان عِنْد مَوْتِه لِحَمَّاد بْن سَلَمَة : " أَتَرْجُو لِمِثْلِي أَن يَنْجُو مِن الْنَّار ؟ " ، وَقَوْل أَحْمَد :" لَا بَعْد " ، فَأَنَا أَحْمَد الْلَّه عَز وَجَل إِذَا تَخَلَّصَت مِن جَهْل الْمُتَسَمِّين بِالْعِلْم مِن هُؤُلاء الَّذِيْن ذَمَّمْتُهِم وَبِالزُّهْد مِّن هَؤُلَاء الَّذِيْن عِبْتَهُم نسأل الله عز وجل معرفةً تعرفنا أقدارنا، حتى لا يبقي للعُجبِ في محتَقر ماعندنا عُجب في قلوبنا، نَسْأَل الْلَّه عَز وَجَل مَعْرِفَة تَعْرِفُنَا أَقْدَارَُنَا حَتَّى لَا يَبْقَى لِلْعُجَب بِمُحْتَقَر مَا عِنْدَنَا أَثَر فِي قُلُوْبِنَا وَتَرْغَب إِلَيْه فِي مَعْرِفَة لِعَظَمَتِه تُخْرِص الْأَلْسُن أَن تَنْطِق بِالْإِذْلَال ، وَنَرْجُو مِن فَضْلِه تَوْفِيْقَا نُلَاحِظ بِه آَفَات الْأَعْمَال الَّتِي بِهَا نَزْهُو حَتَّى تُثْمِر الْمُلَاحَظَة لعُيُوبِهَا الْخَجَل مِن وُجُوْدِهَا إِنَّه قَرِيْب مُجِيْب ).
    ______________________________ ________________
    الخاطرة تبدو ألفاظها أو جملها غامضة بعض الغموض لكن مع الشرح والبيان يظهر المراد .
    عصب هذه الخاطرة :هي العلم وصورة العلم ، وهذه مشكلة قديمة أن يخلط الناس عادةً بين العالم وبين شبيه العالم الذي تزيا بزي العالم ونطق بألفاظه ، ولعل أبعد مثل في القِدم أذكره وورد على خاطري وأنتم تعرفونه جميعًا قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ، حديث أبي سعيد في الصحيحين ، رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم أراد أن يتوب فسأل الناس عن أعلم أهل الأرض ، الناس: أي أفناءهم أي العوام ، من أعلم أهل الأرض ؟ لا يعرفون صفة الأعلم إلا بالزى والتعبد ، فدلوه على راهب
    من صفات الراهب:ومعروف الرهبان كانوا مستغرقين في العبادة ومتجافين عن الدنيا ولا يطلبون فضول ما عند الناس ، وإذا عرض عليهم مواساة يرفضونها ويفضلون أن يأكلوا أوراق الشجر على أن يستجدوا الناس أو أن يقبلوا من الناس شيئًا ، فطالما أنك متعبد وبعيد عن فضول أموال الناس وأُعطياتهم فأنت عندهم العالم
    ولذلك الرجل في أيامنا وفي الأيام السابقة الذي يعالج مسألة الجن ويخرج الجن من البدن ، الناس يعرفون صدقه بل يترقون أكثر من الصدق ويعرفون حسن عبادته وسلامة قلبه بأنه لا يأخذ أجرة من الناس ، يقولون فلان هذا لا يأخذ أجرة ، فاستدلوا بترك أخذ الأجرة على إخلاصه ، لماذا ؟ لأن عباد الدنيا يشتغلوا لأجل الدنيا وهذا الملحظ أخذوه من سير الأنبياء لما كانوا يقولون:﴿ وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالا (هود:29) ، ﴿ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا(هود:51) أي نحن نبذل الهدى مجانًا فهذا أخلاق الأنبياء ، فهذا أخذ جزءًا من أخلاق الأنبياء أنه لا يأخذ أجرًا فاستدلوا بترك الأجر على الصدق ، فالزهاد في العادة لا يأخذون من الناس شيئًا ويتركون فضول ما لديهم مع تعبدهم الظاهر،وانجماعه م في الصوامع فينطبع عند الناس يقولوا بتعبير الناس الدارج يقولوا: هؤلاء أهل ربنا ،الذين اصطفاهم الله لمناجاته ، فلا يكون لدى العوام أعلم من هؤلاء ، هذا أخذ شكل العالم وزى العالم .
    الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا لما ذهب بعد ما سأل الناس قال: دلوني على أعلم أهل الأرض دلوه على راهب بالمواصفات التي ذكرتها ، أول ما وصل للراهب وحكى له ما جرى الراهب كأنه لدغته حية ، تقتل تسعة وتسعين نفسًا تذبحهم ذبح النعاج وتأتي تتوب ؟ المظالم والدماء التي في عنقك ، كيف تتخلص منها ؟ فطبيعة العابد لا يقبل مثل هذه المعاصي إذا كان هو يترك الحلال إذا اختلط بالحرام خشية أن يأكل الحرام ، لما واحد يأتي له ويقول له: أنا قتلت تسعة وتسعين نفسًا ، ما شعور عابد عندما يسمع هذا الكلام ؟ ، قال: ألي توبة ؟ قال له: لا توبة لك ، فقتله فأتم به المائة هذا راهب ، لما أراد الله U لهذا الرجل الخير وأن يتوب قال مرة أخرى وسأل الناس: دلوني على أعلم أهل الأرض ، الحديث يقول: فدلوه على راهبٍ عالم ، دلنا هذا الوصف عالم على أن الراهب الأول جاهل وهو فعلًا جاهل ، لماذا ؟ ، لأن العالم الذي خالط الناس له فِراسة يستطيع أن يقرأ الحقائق من وجوه الناس في العادة ، مثلًا واحد يأتي يكلمه يعرف إذا كان صادقًا أو كاذبًا من كثرة ما عامل الناس أصبح لديه علامة في قلبه إذا رآها على وجه الإنسان يقع في قلبه أنه كذاب ، وفي الغالب يكون كذلك ويندر أن تسقط فِراسة العالم الذكي الذي خالط الناس .
    فهذا رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا أي منظر الدماء تعود عليها ، الذبيحة وهو يذبحها يقول له: ارحمني أولادي أنا لدي أولاد مساكين أنا مسكين الكلام الذي يمكن أن يقال في الاستعطاف ، ومع ذلك يا أخي قلبه كصخر الجبال يذبحه ، وكل ما يتألم يستمتع وهو يذبح ،عندما يكون واحد قتل تسعة وتسعين نفسًا وأنت تقول له: لا وأغلقت باب الأمل في وجهه ، ما الذي سيضره أن يذبحك أنت أيضًا ؟ هذا الجهل بسياسة العلم ، لا يوجد عالم في الدنيا يستطيع أن يكون له لسان صدقٍ ومحبة عند الخلق إلا إذا كان يحسن سياسة العلم .
    المراد بسياسة العلم:سياسة العلم أنه ، متى يضع الكلام ؟ الشخص هذا ينفعه الدليل هذا أم لا ينفعه ؟ لا ، لا ينفعه لكن ينفع الثاني مع أن العلة واحدة والسؤال واحد يقول لك: لا ، هذا الكلام ينفع هذا الشخص لكن لا ينفع هذا الشخص فلوكان عالمًا يداري يقول له: مر علي غدًا حتى أراجع لأن المسألة ملتبسة علي أراجع الكتب وأرى أقوال العلماء وغير ذلك ، أو يقول له: ألا أدلك على من هو أعلم مني ؟ فلان الفلاني أعلم مني، لكن لأنه راهب ومنجمع على نفسه ولا يعلم إلا الصلاة والصيام وترك النكاح وغير ذلك ومنجمع عن الناس ، ولا يعلم شيئًا عن الناس إطلاقًا ولا عن طباع الناس فلم يستطع أن يستعمل سياسة العلم ،.
    ما أخطأ فيه الراهب:فأول شيء أخطأ الراهب فيه ترك المداراة والمداراة أصل عظيم من حسن الخلق ، ولا يستطيع إنسان في الدنيا كلها مهما عظم شأنه أن يُهمل هذا الأصل ، الجماعة الذين لا يفهمون يقولوا: أنا أقول للأعور أنت أعور في عينيك ويعتقد أن هذه جرأة وصراحة وشجاعة ، هذا غباء مستحكم ليس غباء فقط هذا صاحبه أغبى إنسان على وجه الأرض ، الذي يقول: أنا أقول للأعور أنت أعور في عينيك ولا يهمني .
    المداراة لا يستطيع أفضل إنسان على وجه الأرض أن يستغني عنها : لأن كل بني آدم فينا بداخله سبع لا تدري متى ينطلق ؟كلنا لا يوجد واحد فينا إلا بداخله وحش الوحش هذا شرس ممكن يخرج لك في أي لحظة يهجم عليك يأكلك ، وأنا لا أعلم متى سيخرج ؟ ، فالمفروض أنني أستعمل المدارة دائمًا تعلمون إنسانًا أفضل من النبي r ؟ ، ليس هناك أفضل منه أبدًا منذ خلق الله آدم u إلى أن تقوم الساعة هو سيدهم كلهم .
    كان يستعمل المداراة وأنتم تعلمون حديث عائشة t لما استأذن عليه رجل فقال:« بئس أخو العشيرة » أو « بئس رجل العشيرة » أنت لست محتاجا مع جلالة منصبك وهو رجل سافل،أن تداري هؤلاء السفلة ، لما سألت عن هذا قال:« إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من يتقى لفحشه » أقي عرضي بحسن كلامي ولفظي لكي أتقي هؤلاء ، فلا يوجد إنسان في الدنيا على بعضها لا يستطيع أن يستخدم المداراة أبدًا .
    المداراة من خلق المؤمن الحاذق الذي يمضي في الدنيا حميدًا بأن يداري : وطبعًا هناك فرق بين المداراة والكذب أنا سألجأ لها عندما أتي التفريق ما بين العالم وشبيه العالم في أثناء الخاطرة ، فالناس لما الرجل الراهب الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وأذن الله لهذا بتوبة ليدل على أنه ليس هناك ذنب يتعاظم على الله أن يغفره أبدًا ، ونأخذ من هذا عبرة أي بني آدم مهما كان مجرمًا وسمع هذا الحديث وغيره حتى من آيات الله U ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا(الزمر:53) .
    ﴿ الذُّنُوبَ ﴾: محلى بالألف واللام يفيد العموم ، و﴿ جَمِيعًا: لفظ من ألفاظ العموم أيضًا ، ﴿ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي ما تركوا ذنبًا إلا فعلوه وهذا الإسراف ، تجاوز الحد في كل شيء ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(النساء:48) والقتل دون الشرك.
    مع أن أول ديوان ينصب يوم القيامة ،للفصل بين العباد هو ديوان الدماء : كما روى الشيخان عن حديث عبد الله بن مسعود « أول ما يقضى فيه بين العباد يوم القيامة الدماء » ، لأننا نعيش الآن مع بلطجية ويقتلوا ويضربوا ويسرقوا وغير ذلك لهم يوم عظيم يقفون فيه ، وما الذي أخذوه من عرض الدنيا فتات لا قيمة له ، إنما الحساب ثقيل إذا لقوا ربهم يوم القيامة .في المرة الثانية: الناس دلوه على راهبٍ عالم .
    نحن ذكرنا الراهب الأول أخطأ خطأين:
    الخطأ الأول: ترك المداراة .
    الخطأ الثاني: أنه تجاوز حدود الفتوى وقال ما لا ينبغي لعالمٍ أن يقله ألا وهو قوله: لا يغفر الله لك ، ما الذي أعلمك ؟ لا يحل لعالمٍ أبدًا أن يفتات أو على الغيب لأنه ليس من صلاحياته ، والعلم النافع يرده أن يتورط في هذا إنما يتورط في هذا الذي أخذ صورة العلم الذي يتكلم عنه ابن الجوزي ، صورة العلم فقط يستطيع أن يتكلم في الفقه ، يستطيع أن يتكلم في المسائل ، يستطيع أن يتكلم في أصول الفقه ، لكن في ذاته فاسق وعلى استعداد أن يبدل الدين ويبدل الحقائق وغير ذلك لأي مكسب دنيوي يريد أن يظل على كرسي الإفتاء يغير الدين يظل شيخ الأزهر يبدل الدين مثلًا يريد أن يكون وزير الأوقاف يبدل الدين ، وإن كان هو أعلم الناس بمفردات الأحكام الفقهية وغير ذلك تكلمه في الأصول تكلمه في الفروع تجده مائة في المائة ، لكن ليس عنده خشوع ولا خضوع ولا شيء .
    حقيقة العلم أن يهديك إلى المخافة من الله U وإلى تعظيمه: هذه حقيقة العلم التي يتكلم فيها ابن الجوزي ،فهو لا يحل له أن يقول له: لا يغفر الله لك ، ما الذي أعلمه أن ربنا لا يغفر له ؟ أحيانًا بعض الناس يأتي لواحد من العلماء يقول له: أنا حججت والنفقة حلال ، وحججت على السنة وغير ذلك ، هل حجي مقبول ؟ يقول له: نعم مقبول ، هذا خطأ ما الذي أعلمه أنه مقبول ؟ ، العالم له صلاحية أن يقول: حجك صحيح ، لكن مقبول ليس عمله ، أنت لما تأتي تقول لي: أنا توضأت وضوءًَا صحيحًا واستقبلت القبلة وصليت ، وأعطيت كل ركنٍ حقه من الخشوع والخضوع والذكر وغير ذلك ، أصلاتي مقبولة ؟ أنا لا أستطيع أن أقول لك: مقبولة لأن هذا إطلاع على الغيب ، إنما الذي أستطيع أن أقوله لك: صلاتك صحيحة أي ليست فاسدة ، فنحن مثلًا مفتين أو طلبة علم أو علماء أو أي وصف من هذه الأوصاف نتكلم في الصحة والبطلان وليس في القبول والرد ، القبول والرد هذا لله وحده ، إنما نحن كناس نتكلم في الصحة والبطلان ، لا ، هذه صلاة باطلة ، هذه صلاة صحيحة ، هذا صيام باطل ، هذا صيام صحيح ، هذا حج باطل ، هذا حج صحيح ، هذه مهمة العالم لا يستطيع أن يتجاوز لو تجاوز يكون هكذا افتات على الله U في الهجوم على الغيب وهذا ليس من صلاحياته ، وهذا يدل على أن هذا كان راهبًا جاهلًا .
    عندنا في سنن أبي داوود ومسند الإمام أحمد بسندٍ صحيح من حديث أبي هريرة t أن النبيr قال:« كان أخوان في بني إسرائيل يتعبدان » واحد صالح وواحد طالح الصالح مجد في العبادة والثاني يعيش حياته ، فالصالح لا يعجبه تصرف الرجل الذي يسير في الباطل فينهره بصفة مستمرة أنه لا يحل لك أن تفعل ذلك ، كيف تفعل ذلك ؟ وكل ما يقابله لابد أن يقرعه ، حتى أنه قابله ذات مرة من كثرة التقريع ملَّ الرجل فقال له: خلني وربي ، أجعلك الله علىَّ حسيبا ، أم أرسلك علىَّ رقيبا ؟ ، فقال له: والله لا يغفر الله لك ، فقبض الله روحهما وأوقفهما وقال للمطيع: أكنت على ما في يدي قادرًا أو كنت بي عالمًا أنني لا أغفر له ؟ خذوه إلى النار ، وقال للمفرط: غفرت لك خذوه إلى الجنة ، كلمة واحدة ضيعت عمله كله .
    وفي صحيح البخاري من حديث جندب بن عبد الله البجلي أن النبي r قال:« قال رجل لأخيه: والله لا يغفر الله لك ، قال الله: من ذا الذي يتألىَ علىَ ؟ » ، يتألى: أي يحلف علىَّ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(البقرة:226) ، ﴿ يُؤْلُونَ ﴾: أي يحلف الرجل ألا يقرب امرأته أربعة أشهر فهل أنت تحلف على ربنا ، والله لا يغفر الله لك ؟ « فقال الله U: من ذا الذي يتألى علىَّ ؟ غفرت له وأحبطتُ عملك » ، وفي رواية أخرى لهذا الحديث « أن الله U قال لنبي هذا الرجل: قل له يستأنف العمل » ، يبدأ يعمل من جديد لأن كل عمله قبل هذه الكلمة سقط يعتبر مازال يعمل من أول وجديد بسبب كلمة ، فالذي يقول: هلك الناس فهو أهلكهم ، والذي يقول: أن كل الناس مبتدعة ، لا طبعًا كأني أقول كل الناس مبتدعة إلا أنا ، جماعة التكفير والهجرة كل الناس كفرة ، لسان الحال يقول إلا أنا طبعًا يكون كفرهم كلهم وحكم لنفسه الحمقاء بالكلمة هذه ، كلمة مثل هذه ممكن يحدث له مثل ما حدث لهذين الرجلين أو الرجل الذي أخبرنا عنه النبي r ، هذا الخطأ الثاني هذا راهب جاهل ، لكن الناس لا تستطيع أن تفرق ما بين العالم وما بين الراهب أي واحد يدخل الجامع هذا هو الخلاصة .
    المرة الثانية عندما دلوه على الراهب العالم سأله نفس السؤال لكنه زاد الضحية الثاني قال له: تسعة وتسعين ، المرة هذه قال له: إني قتلت مائة نفس ألي توبة ؟ ، أنظر للعالم عندما يفتي وجمال الفتوى في فتوى هذا الراهب ، وينبغي لكل من تصدر للإفتاء صغيرًا كان أو كبيرًا أنه ينظر إلى جمال إجابة هذا العالم سأله: ألي توبة ؟ ، الجواب الكامل عن هذا السؤال قال له: نعم ، ولكن لأن العالم ناصح ينصح الناس ويخاف عليهم وهو أمين لم يرى أن كلمة نعم كافية فزاد عليه شيئين لا تتم توبته ولا يمنع من الرجوع إلى الذنب إلا بهذا ،« قال له: ألي توبة ؟ ، قال: نعم ، ومن يحجب عنك باب التوبة ؟ أخرج إلى أرض كذا وكذا فإن فيها قومًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ودع أرضك أرض السوء » ، الفتوى أعطى له ثلاثة معطيات ، أول كلمة هذه إجابة عن السؤال كانت كافية ويسير الرجل ، لكن كل إنسان أحيانًا في لحظات ضعف الإيمان يحن إلى ماضيه ، فما يؤمنني أن يحن هذا الرجل إلى ماضيه فيرجع قاتلًا ؟
    فلابد أن نفعل له مسألة حجر مثل الحجر الصحي هكذا ،فيكون حله لابد أن يترك الأرض التي مارس العصيان فيها لأنه سيذهب لأناس جدد صالحين لا يسمحون لأحدٍ بين ظهرانيهم أن يبارز بالمعصية ،لماذا يمارس المجرم الإجرام ؟ لأنه لا يوجد أحد يصده لو وجد أن المجتمع كله صده لا يستطيع أن يمارس إجرامه في المكان ، لماذا ؟ لأن الناس كلها أقوى منه حتى لو كان هو أسدًا وكانوا هم نمالًا سيغلبونه ، لو النمال تجمعت على الأسد تأكله مليون نملة دخلوا في شعر الأسد ، ماذا سيفعل لهم ؟ أي حاكم باغي ظالم طاغي هو فرد ، لماذا يستعبد أمة بكاملها الحاشية التي نقول عليها الجماعة المنافقون والمتسلقون وإلى آخره ؟ هم الذين أعطوه القوة والزخم فهذا عندما يكون مارس القتل في قرية ولم يقدر أحد أن يصده لحين أن قتل تسعة وتسعين نفس وذهب إلى قرية أخرى لا يستطيع أن يرفع طرفه ، لأجل هذا كلمة نعم ليست كافية في الفتوى ،لابد أن يضيف لها « أخرج إلى أرض كذا وكذا فإن فيها قومًا صالحين فاعبد الله معهم ودع أرضك أرض السوء » ، لماذا ؟ أرض سوء مارس فيها العصيان لم يوجد أحد رده .
    ورد في بعض طرق الحديث أن الأرض التي قتل فيها تسعة وتسعين هذه أو المائة كان اسمها كفرة والثانية كان اسمها نصرة ، الشيء الثاني في جمال الفتوى: عندما قال له: « ومن يحجب عنك باب التوبة ؟ » ، بَيَنَ حقيقة الخط الذي ينبغي أن يقف عنده ولا يتجاوزه قال له: « نعم لك توبة» ، لماذا ؟ لسعة رحمة الله ولدينا نصوص كثيرة بهذا ، نحن عندنا في الإسلام حديث النبي r:« إن الله خلق الرحمة مائة جزءٍ فأنزل على الأرض جزءًا واحدًا يترحم منه الخلائق » إنس وجن وطير وحشرات ونمال وغير ذلك ، كل مخلوقٍ يدب على الأرض أخذ جزءًا من هذا الجزء « أنزل على الأرض جزءًا واحدًا يتراحم منه الخلائق حتى أن الدابة العجماء » ، العجماء: التي لا تفهم « لترفع حافرها عن وليدها خشية أن تصيبه » ، مع أنه لا يفعل الكلام هذا إلا واحد لديه عقل كنا قديمًا نقول: لديه عقل هنا ، لا ، العقل في القلب ليس في الرأس ، لكن نحن درجنا على ألا نفرق بين المخ والعقل ، لماذا ؟ لأن كثير من الناس يقول لك: عندك لديك مخ فوضع المخ مكان العقل ، ولذلك ساغ لهم كل ما يتكلموا يقول له: ليس عندك عقل ويطرق على جمجمته ، لا .
    هنا المخ وهو الآلة التي تحرك وتصدر الإشارات لأعضاء الجسم كلها أنها تتحرك أو تفعل الحركة أو إلى آخره ، إنما العقل هنا في القلب كما دللت على هذا في أكثر من محاضرة ، مائة جزء جزء واحد نزل ، وما حال التسعة والتسعين ؟ « ادخرها الله لعباده في عرصات القيامة » ، عندما يكون جزء واحد فعل هكذا لدرجة أنك أحيانًا عندما تنظر لمنظر واحد ممكن تموت من الحزن عليه وتحزن ، وفي قلبك من الشفقة والرحمة أنك لا تستطيع أن تنام الليل لما تجد واحد عنده مصيبة كبيرة وغير ذلك أنت واحد من مليارات في عصر واحد ، فيه مليارات مضوا في القرون الماضية ومليارات ستأتي إلى أن تقوم الساعة وهذا كله جزء واحد ، فإذا استعظمت ذنبك على رحمة الله يدخل الإنسان في الكفر ، وهو نص قوله تعالى:﴿ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (يوسف:87) ، لأن ذنبك مهما عظم شيء ورحمة الله وسعت كل شيء ، فكان أمينًا لما قال: أنا ليس من صلاحيتي أن أقول أن توبتك مقبولة أو غير مقبولة ، لا ، إنما لما قال: أليَّ توبة ؟ قال: نعم ، بخلاف لو قال له: أتقبل توبتي ؟ الله أعلم ، فأنظر إلى الفرق بين السؤالين ، فقال له:« نعم ومن يحجب عنك باب التوبة ؟ أخرج إلى أرض كذا وكذا » .
    عندما وقفت على هذا الحديث وبسطت الكلام فيه بسطًا ما لأنه طويل فوائدة كثيرة جدًا ، أريد أن أقول لك: أن الناس لا تفرق بين العالم وشبيه العالم الكلمة التي ابتدأنا بها الكلام ، فأحيانًا يدلون الناس على من ليس بعالم وأقل الناس هو الذي يعلم حقيقة العالم .
    حقيقة العالم : (هو الذي لا يتجاوز حدود الله وقلبه محشو بمحبة الله والخوف منه) وهذا يظهر لكي لا يقول لي واحد: ما الذي أدراني بما في قلبه ؟ يظهر على الفور الإخلاص له عبق وله رائحة تظهر مهما حاولت أن تخفيه يظهر ، وابن الجوزي ضرب المثل ببعض العلماء أنا سآتي لك بكثير منهم ، كيف كانوا يتخلصون من الإخلاص ويعلم الناس أنهم مخلصون ، يدفع الإخلاص عن نفسه ، مثل صلة بن أشيم أبو الصهباء الذي كان يقول لك: السبع كان يهرب منه ، كان يقول: ( اللهم أجرني من النار أو مثلي يسأل أن يدخل الجنة، كل الذي أريده لا تدخلني النار فقط ، قل لي: كن ترابًا أرحم لي من عن أنا أدخل النار ، لكن أنا ليس لي عمل أدخل به الجنة ، أنا مستحي وإن أنا أسأل الله U أن يدخلني الجنة ، الكلام هذا أيضًا فيه كلام دقيق سنفصله ، لأن النبيr كان يسأل الله الجنة فهو يقول: أنا أستحي أن أسأل الله الجنة ، هل النبي يسأل الجنة وهو يستحي أن يسأل الجنة ، هذا عمل العباد الذي سنبينه وكلام ابن الجوزي فيه أيضًا عبارات تحتاج إلى تفصيل ، لأجل هذا أنا ذكرت لكم هذه الخاطرة ممكن تأخذ معنا أربع خمس مرات وربما تستغرق مدة الاعتكاف كلها على حسب ما يفتح الله I .
    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم .
    انتهى الدرس الثاني نسألكم الدعاء أختكم أم محمد الظن
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1,073

    افتراضي رد: تفريغ سلسلة دروس(( مدرسة الحياة)) حقيقة العلم النافع للشيخ أبي إسحاق الحويني حفظ

    http://www.alheweny.org/aws/play.php?catsmktba=11850
    الرابط الصوتي للدرس
    حمل من هنا الدرس
    http://www.islamup.com/download.php?id=136126
    http://tafregh.a146.com/index.php
    لتحميل المباشر للتفريغات مكتبة التفريغات الإسلامية

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •