أيها العبد! لا تحقرن من المعروف شيئا، فكل معروف صدقة

الحمد لله المعروف بالخير والكرم والامتنان، المجازي البِرَّ بالبِرِّ، وعلى الإحسان بالإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله الرحيم الرحمن، وأشهد أن محمدا عبده ورسولُه سيدُ الرسل وخلاصةُ الإنسان، اللهم صلِّ وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
أما بعد؛ أيها الناس! اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، وأكثروا من تقديم المعروف لخلق الله حتى يرضى، واعلموا أن مدارَ التقوى، على فعل الخير واجتناب الشر والفساد، وعلى إخلاص الدين للمولى والإحسان إلى العباد، فلقد قال من أُعطى جوامع الكلام، عليه أفضل الصلاة والسلام: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» البخاري (6021)، ومسلم (1005).
فيالها من كلمة عظيمة جامعة للخيرات، ويَالَهُ من كلامٍ بليغ محيط بأصناف البِرِّ والبركات، فكما دخل في هذا الإحسانُ الديني؛ يدخل فيه الإحسان الدنيوي، وكما يدخل فيه المعروف بالجاه والمقال، يدخل فيه المعاوناتُ البدنيةُ والإحسانُ بالمال، ويتناول المعروفُ إلى الصاحبَ والقريب، والمعروفُ إلى العدوِّ والبعيد، فمن علَّم غيرَه عِلمًا، أو أهدى له نُصحًا؛ فقد تصدَّق عليه، ومن نبَّهَهُ على مصلحة دينية أو دنيوية، أو حذَّره من مضرَّة؛ فقد أحسن إليه، فإن «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». البخاري (1426)مسلم (1034) نحوه.
عَنْ ثَلاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ =هو بن أبي وقاص=، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ، فَبَكَى، قَالَ: «مَا يُبْكِيكَ؟» فَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللهُمَّ اشْفِ سَعْدًا» ثَلاثَ مِرَارٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي مَالاً كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لا!» قَالَ: فَبِالثُّلُثَيْ نِ؟، قَالَ: «لا!» قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: «لا!» قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ؛ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ -أَوْ قَالَ: بِعَيْشٍ-؛ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» وَقَالَ: بِيَدِهِ. مسلم (1628).
عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ «يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالَ قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ» قَالَ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيْرِ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ» مسلم (1008)
أيُّها العبد! «لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا؛ وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» مسلم (2626)، و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، و«لا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ شَيْئًا مِنَ المَعْرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ فَلْيَلْقَ أَخَاهُ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَإِنْ اشْتَرَيْتَ لَحْمًا أَوْ طَبَخْتَ قِدْرًا؛ فَأَكْثِرْ مَرَقَتَهُ، وَاغْرِفْ لِجَارِكَ مِنْهُ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، الترمذي (1833).
قَالَ أَبُو ذَرٍّ رضي الله تعالى عنه: عَلَى كُلِّ نَفْسٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ صَدَقَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ أَتَصَدَّقُ وَلَيْسَ لَنَا أَمْوَالٌ؟ قَالَ: "لأَنَّ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ التَّكْبِيرَ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، وَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْزِلُ الشَّوْكَةَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ وَالْعَظْمَ وَالْحَجَرَ، وَتَهْدِي الأَعْمَى، وَتُسْمِعُ الأَصَمَّ وَالأَبْكَمَ حَتَّى يَفْقَهَ، وَتُدِلُّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَةٍ لَهُ قَدْ عَلِمْتَ مَكَانَهَا، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَكَ فِي جِمَاعِكَ زَوْجَتَكَ أَجْرٌ". قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كَيْفَ يَكُونُ لِي أَجْرٌ فِي شَهْوَتِي؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ وَلَدٌ فَأَدْرَكَ وَرَجَوْتَ خَيْرَهُ فَمَاتَ؛ أَكُنْتَ تَحْتَسِبُ بِهِ؟" قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: "فَأَنْتَ خَلَقْتَهُ؟" قَالَ: بَلِ اللهُ خَلَقَهُ. قَالَ: "فَأَنْتَ هَدَيْتَهُ؟" قَالَ: بَلِ اللهُ هَدَاهُ. قَالَ: "فَأَنْتَ تَرْزُقُهُ؟" قَالَ: بَلِ اللهُ كَانَ يَرْزُقُهُ. قَالَ: "كَذَلِكَ فَضَعْهُ فِي حَلالِهِ وَجَنِّبْهُ حَرَامَهُ، فَإِنْ شَاءَ اللهُ أَحْيَاهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمَاتَهُ، وَلَكَ أَجْرٌ". مسند أحمد ط الرسالة (35/ 383) (21484) الصحيحة (575).
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، وتباشرْ جليسك بالبشاشة صدقة، و«تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ». الترمذي (1956). وانظر «الصحيحة» (572)
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، وحُسنُ الخلق صدقة، فـ«مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الخُلُقِ؛ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ». الترمذي (2003) واللفظ له، وأبو داود (4799)، وصحيح الجامع (5726). فـ«علَيْكَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ, وَطُولِ الصَّمْتِ, فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَمِلَ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهِمَا». (حسن) [ع] عن أنس. الصحيحة (1938)، وصحيح الجامع (4048). و«صِلَةُ الرَّحِمِ، وَحُسْنُ الْخُلُقُ؛ يُعَمِّرْنَ الدِّيَارَ، وَيَزِدْنَ فِي الأَعْمَارِ». (صحيح) [حم هب] عن عائشة. الصحيحة (519)، صحيح الجامع (3767). و«أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ». انظر الأحاديث الصحيحة 733، وتخريج الترغيب (3/12)، وصحيح الجامع (873).
واعلموا عباد الله! أنكم «لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ ، فَلْيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ وَجْهٍ، وَحُسْنُ خُلُقٍ». رواه أبو يعلى والبزار من طرق أحدها حسن جيد. صحيح الترغيب (2661). عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟) قَالَ: "الإِيمَانُ بِاللهِ, وَتَصْدِيقٌ بِهِ, وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ, وَحَجٌّ مَبْرُورٌ". فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: "وَأَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ؛ إِطْعَامُ الطَّعَامِ, وَلِينُ الْكَلامِ, وَالسَّمَاحَةُ, وَحُسْنُ الْخُلُقِ", فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: "أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ؛ أَنْ لا تَتَّهِمِ اللهَ فِي شَيْءٍ قَضَاهُ عَلَيْكَ". رواه أحمد والطبراني بإسنادين أحدهما حسن واللفظ له، صحيح الترغيب (1307) (حسن لغيره).
فما هو حسن الخلق؟
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ، أَنَّهُ وَصَفَ حُسْنَ الخُلُقِ فَقَالَ: (هُوَ بَسْطُ الوَجْهِ، وَبَذْلُ المَعْرُوفِ، وَكَفُّ الأَذَى) سنن الترمذي (2005).
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ». سنن الترمذي (1970). ولو أن تفرِغَ الدلوَ للمستقي والمتوضي، ولو أن تعطيَ صِلةَ الحبل، وتُعيرَ الإناء للمستجدي، وكلما كانت العارية أنفعَ؛ كان أجرُها أفضلَ.
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» ومن المعروف، إماطةُ الأذى عن الطريق، وعزلُ العظم والشوكِ وجميعِ ما يؤذي،فقد قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» صحيح مسلم (1914).
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، ومن المعروف هداية الأعمى في المساجد والطرق، وهدايةُ الحيران والضالّ، وأن تُسمِعَ الأصمَّ، وتُطعِمَ الجائعَ، وتسقيَ الظمآنَ، وتغيثَ المكروبَ واللهفان،
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، ومن المعروف؛ إعانةُ أصحاب الحوائج من الأقارب والأباعد والجيران، والعفوُ عمن ظلمك، ومقابلةُ الإساءة بالإحسان، فقد قال رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: «يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ! صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» مسند أحمد ط الرسالة (28/ 654) (17452)، الصحيحة (891).
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» ومن المعروف؛ الدعوة إلى طعامٍ أو قهوةٍ أو شراب؛ للأغنياء والفقراء، والأقارب والبُعداء، وعندما سئل النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟) قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» البخاري (12). فقد سأل أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ! عَلِّمْنِي عَمَلاً يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ)، فَقَالَ: "لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ؛ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ". فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ! أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ؟! قَالَ: "لا! إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا، وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ، =(التي لا يَنْقَطِعُ لبَنُها سنَتَها جَمْعاءَ) تاج العروس (وكف)= وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ؛ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ؛ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلاَّ مِنَ الْخَيْرِ"مسند أحمد ط الرسالة (30/ 600) (18647) واللفظ له، وابن حبان في صحيحه والبيهقي، صحيح الترغيب (1898).
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، وسماحُك لمن ينتفع بشيء من ملكِك؛ من ماشية ونخل وأشجار، بلبن أو خوص أو حطب أو ثمار؛ صدقة، فـ«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». البخاري (2320)، ومسلم (1553).
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» وإعانةُ المسلم بكتابة وعَمَلِ صنعةٍ ونقلِ متاع؛ صدقة.
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، ومن المعروف؛ بذلُ الفضل والزيادة في المعاملات، والمحاباةُ فيها، فما شيء يُترك ثوابُه ولا يُضاع، عن سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيُّ، بَزًّا =قماشا وثيابا= مِنْ هَجَرَ، فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي، فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ، فَبِعْنَاهُ، وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زِنْ وَأَرْجِحْ» ، سنن أبي داود (3336) سنن الترمذي (1305) سنن النسائي (4592) سنن ابن ماجه (2220). صحيح الجامع (3574). و«رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» البخاري (2076).
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، ومن المعروف أن تبذلَ لغيرك دواء نافعا، أو تباشرَه بطب، أو تصِفَ له حميةً أو دواءً ناجعا، فكلُّ ما أوصلته إلى الخلق من البر والإحسان والتكريم؛ فإنه داخل في خطاب النبي الكريم، «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» مسلم (2199). {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} (المزمل: 20)
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، ومن المعروف الإحسان إلى .. سائر الحيوانات والكائنات، ففي كل كبدٍ حرَّاء أجرٌ واكتسابٌ للخيرات، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ؛ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ؛، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: (لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي)، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلاَ خُفَّهُ مَاءً، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لأَجْرًا؟! فَقَالَ: «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ». البخاري (2466)
و«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، فـ«صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ، وَالصَّدَقَةُ خَفِيًّا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ، وَأَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ». المعجم الأوسط (6/ 163) (6086) صحيح الترغيب (890) (حسن لغيره)
قال مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الرَّافِقِيُّ:
لَيْسَ فِي كُلِّ حَالَةٍ وَأَوَانِ ... تَتَهَيَّا صَنَائِعُ الإِحْسَانِ

فَإِذَا أَمْكَنَتْ فَبَادِرْ إِلَيْهَا ... حَذِرًا مِنْ تَعَذُّرِ الإِمْكَانِ

مكارم الأخلاق للخرائطي (ص: 55).
كَانَ عَطَاءٌ السَّلِيمِيُّ =رحمه الله تعالى= لا يَكَادُ يَدْعُو؛ إِنَّمَا يَدْعُو بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَيُؤَمِّنُ هُوَ. قَالَ: فَحُبِسَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقِيلَ لَهُ: (أَلَكَ حَاجَةٌ؟) قَالَ: (دَعْوَةٌ مِنْ عَطَاءٍ أَنْ يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنِّي). قَالَ صَالِحٌ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: (يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَمَا تُحِبُّ أَنْ يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْكَ؟!) قَالَ: (بَلَى وَاللَّهِ! إِنِّي لأُحِبُّ ذَاكَ) قُلْتُ: (فَإِنَّ جَلِيسَكَ فُلانٌ قَدْ حُبِسَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُفَرِّجَ عَنْهُ)، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَكَى وَقَالَ: (اللَّهُمَّ قَدْ تَعْلَمُ حَاجَتَنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَكَهَا فَاقْضَهَا لَنَا)، قَالَ صَالِحٌ: (فَوَاللَّهِ! مَا بَرِحْنَا مِنَ الْبَيْتِ =أي ما تركنا ولا خرجنا منه=، حَتَّى دَخَلَ الرَّجُلُ). كرامات الأولياء للالكائي - من شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (9/ 263) (203). ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه الذين كانوا بأيدي المشركين: «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِي نَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ». البخاري (6393)، مسلم (675).
ونحن نقتدي بنبينا صلى الله عليه وسلم فندعو: اللهم أنجِ أسرانا ومعتقلينا والمظلومين؛ من سجون الغاصبين المعتدين، اللهم عجِّل لهم بالفرج، وردَّهم إلى أُسرِهم وأهاليهم سالمين غانمين، ولا تُبْقِ في السجون والمعتقلات أحدًا من الأسرى والمعتقلين والمظلومين من المسلمين، اللهم أيِّد من ساهم في فكاكهم، أو سعى في خلاصهم، اللهم وارض عن الأربعة الخلفاء، السادة الحنفاء، أهل البر والوفاء، ذوي القدر العليّ، والفخرِ الواضحِ الجليّ، أبيّ بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن الستة الباقين، من العشرة المفضلين، وعن بقية الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعُمَّنا معهم بعفوك ومنِّك، وكرمك وجودك وإحسانك يا رب العالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، وولِّ علينا خيارَنا، واكفنا شرَّ أشرارِنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك يا رب العالمين، اللهم انشر رحمتك على هؤلاء العباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد، اللهم فُكَّ أسرَ المأسورين، ونفِّس كرب المكروبين، وفرج هم المهمومين، واقض الدين عن المدينين، واشف بلطفك مرضانا ومرضى المسلمين، واكتب الصحة والعافية علينا وعلى الغزاة والحجاج والمسافرين، في بَرِّكَ وبَحرك من أمة محمد المسلمين، اللهم عُمَّ بالتوفيق والصلاح رعايا المسلمين ورعاتهم، وأكثر علماءهم، وسدد قضاتهم، وجلِّل برحمتك أحياءهم وأمواتهم، ومُنَّ عليهم بالاجتماع والائتلاف، وأعذهم من التفرق والاختلاف، وجازهم بالإحسان إحسانًا، وبالسيئات غفرانًا، اللهم ادفع عنا البلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة، يا أكرم المكرمين،
المراجع: مسند أحمد، صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجة والنسائي، والمعجم الأوسط، وصحيح الترغيب، وصحيح الجامع، والسلسلة الصحيحة، ومكارم الأخلاق للخرائطي، ,شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والفواكه الشهية في الخطب المنبرية والخطب المنبرية على المناسبات. بتصرف من خطبة (في كل معروف صدقة).
كتبها وانتقاها من مظانها
أبو المنذر فؤاد بن يوسف أبو سعيد
الزعفران الوسطى غزة فلسطين
18 شوال 1432 هلالية- 16/ سبتمبر 2011 شمسية
للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني: zafran57@hotmail.com
أو زوروا الموقع الالكتروني الرسمي للشيخ: www.alzafran.com