من كيد الشيطان للإنسان:أنه يورده الموارد
مقتطفات من كتبه - مقالات مختارة من كتب ابن القيم

ومن كيده للإنسان: أنه يورده الموارد التي يخيل إليه أن فيها منفعته، ثم يُصْدِرهُ المصادر التي فيها عطبه، ويتخلى عنه ويسلمه ويقف يشمت به، ويضحك منه، فيأمره بالسرقة والزنا والقتل، ويدل عليه ويفضحه، قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّن لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمَ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وإني جَارٌ لَكُمْ فَلمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقالَ إني بريء مِنْكُمْ إني أَرَى مَالا تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48].
فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر في صورة سراقة بن مالك، وقال: أنا جار لكم من بني كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فرَّ عنهم، وأسلمهم، كما قال حسان:
دَلاهُمُ بِغُرُورٍ، ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ إِنَّ الخبِيثَ لمنْ وَالاهُ غَرَّارُ

وكذلك فعل بالراهب الذي قتل المرأة وولدها، أمره بالزنا ثم بقتلها، ثم دل أهلها عليه، وكشف أمره لهم، ثم أمره بالسجود له، فلما فعل فر عنه وتركه. وفيه أنزل الله سبحانه:
{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ للإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إني بريء مِنْكَ إني أَخَافَ اللهَ رَبَّ الْعَالِمينَ}
[الحشر: 16].
وهذا السياق لا يختص بالذي ذكرت عنه هذه القصة، بل هو عام في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر، لينصره ويقضى حاجته، فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة في النار، ويقول لهم: {إني كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ}
[إبراهيم: 22].
فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــ
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان - الجزء الأول