ما بعد رمضان الحسنة تهتف بأختها

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد؛
إن أركان الإسلام موزعة على عمر الإنسان المسلم، فمنها ما هو في العمر مرة كالحج، ومنها ما يتكرر في كل عام مرة كالزكاة والصيام، ومنها ما يتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، كالصلوات المفروضة، ومنها –وهو أهمها- ما لا ينفك عن المسلم لحظة من الزمن، ألا وهو التوحيد (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله).
فإذا صدق المسلم في شهادته، وأيقن في توحيده لربه؛ أدى صلاته وزكاته، وصام شهره، وحج بيت الله الحرام.
والمسلم حقا، والمؤمن صدقا؛ يتابع بين العبادات، ويواصل بين الطاعات، فما إن يقوم من نومه صباحا، متلفظا بالركن الأول من أركان الإسلام: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله)؛ إلا ويتوجه إلى بيت من بيوت الله ليؤدي فريضة من فرائض الله، (الصلاة) وهي الركن الثاني من أركان الإسلام.
وما إن يمر به عام إلا ويتفقد أمواله، ويسأل عن نصابها وأحكامها ليؤدي زكاتها.
فإذا جاء شهر شعبان؛ استقبل رمضان وهلالَه، وسأل عن الصيام وأحكامه.
وما إن تغرب الشمس في آخر يوم من رمضان؛ إلا ويستقبلهم هلال أول أشهر الحج (شوال)، فأول يوم من شوال هو يوم عيد الفطر، ويحرم صيامه، وهو أول يوم من أشهر الحج (شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة).
فتواصلت العبادات، وتوالت الطاعات، فالحسنة تهتف بأختها، والسيئة تجرُّ صِنْوَها.
أمس من رمضان، والصوم فيه فرض، واليوم العيد، والصوم فيه حرام وباطل، وغدا من شوال؛ من أشهر الحج، والصوم فيه سنة مستحبة.
وحتى لا ينقطع التوالي والاتصال في العبادة من النوع الواحد؛ شرع صيام ست من شوال، ففي صحيح مسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». والحسنة بعشر أمثالها..
والصيام تطوعا موزع على أيام السنة، كصيام ثلاثة أيام من وسط الشهر العربي الهلالي، والاثنين والخميس، ويوم عرفة وعاشوراء..
ويحظر شرعا صيام أيام العيدين، وأيام التشريق، إلا لمن لم يجد الهدي، كما ويحظر صيام يوم الجمعة منفردا، ويوم السبت منفردا لغير سبب، وإلا! إن وافق عرفة أو عاشوراء أو ضُمَّ إليه غيره زال الحظر، وارتفع المنع.
وكذلك الصلاة تطوعا مفرقة على ساعات اليوم والليلة، كالضحى والقيام، وما لا وقت لها، بل لها سبب؛ كصلاةٍ بعد الوضوء، وعند دخول المسجد، والاستسقاء، والكسوف..
ويحظر التطوع بالصلاة في الأوقات المكروهة؛ كما بعد صلاة الفجر، وعند الشروق والزوال، وبعد صلاة العصر وعند الغروب، ولا يوجد حظر شرعي على التطوع بالصلاة في الليل.
أما الإنفاق والصدقات فلا تنحصر في الزكاة المفروضة، ولا يحظر الإنفاق في وقت ما.
والحج قد يكرره المسلم تطوُّعا بعد الفريضة في وقته المخصوص، أما بقية العام وفي أي ساعة من ليل أو نهار يعتمر المسلم ويطوف.
أما التوحيد؛ فهو الركن الوحيد الذي لا يوجد فيه تطوع أو مندوب أو مستحب، ولا يستغني عنه مسلم طرفة عين أو أقل من ذلك.
فالعبادات الأخرى والأركان لا يتلبس بها المسلم فتستغرق جميع وقته، فبين الصلاة والأخرى وقت لا صلاة فيه، وبين الرمضانين وقت لا صيام فيه، ومن الحج إلى الحج لا حجّ، ومن الزكاة إلى الزكاة لا زكاة.
أما التوحيد فلا يتفرق ولا يتجزأ، ولا يتشتت ولا يتباعد، فليس هناك زمن دقَّ أو قلَّ يتخلى المسلم فيه عن التوحيد، فلو فعل؛ لارتد عن دين الله عز وجل ولا يعود إليه سالما.
نسأل الله عز وجل أن نحيا على كلمة التوحيد، وعليها نموت، وعليها نبعث يوم القيامة.
اللهم آمين!!