الحسنة تدعو الحسنة

وصيام ستا من شوال

الحمد لله
إن الله عز وجل كريم بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ، جواد بكل معاني الجود، رزاق ورازق بكل معاني الرزق، يشمل ذلك الكرم والجود والرزق الدنيا والآخرة، فهو سبحانه يرزق الحيوان والإنسان، ويجود على أهل الإسلام والإيمان، ويكرم أهل الإخلاص والإحسان، يكرمهم بمضاعفة الحسنات، ويوفقهم لصالح العبادات، ويرزقهم بكرمه وجوده لخاص النيات والإرادات، فيهديهم إلى متابعة الأعمال الصالحات، فما ينهون طاعة؛ إلا وقد يسَّرَ لهم مثلها، ووفقهم لأختها، وضاعف لهم أجرها وثوابها، فها نحن قد أنهينا صيام شهر رمضان فرضا، فشُرِع لنا صوم أيام معدودة من الشهر الذي يليه، وهي من نفس العبادة، وذات الطاعة، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ -رضى الله عنه- أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». صحيح مسلم
وفي الوقت الذي انتهى فيه شهر رمضان، وصيامه ركن من أركان الإسلام؛ دخلت أشهر الحج، والحج ركن من أركان الإسلام.
قال ابن تيمية في الصفدية:
[فإن الحسنة تدعو إلى الحسنة، والسيئة تدعو إلى السيئة، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق؛ حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب؛ حتى يكتب عند الله كذابا".
وقال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها].

وعن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: (إن الله عز وجل يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة). قال: فقضي أني انطلقت حاجاً أو معتمراً فلقيته، فقلت: بلغني عنك حديث: أنك تقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:
"إن الله عز وجل يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة"؟ قال أبو هريرة: لا! بل سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:
"إن الله عز وجل يعطيه ألفي ألف حسنة. ثم تلا: {يُضَاعِفْها ويُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أجراً عظيماً}" فقال: إذا قال: {أجراً عظيماً}؛ فمن يقدر قدره؟! أخرجه أحمد (2/296 و521- 522) وغيره، ورجاله ثقات؛ غير علي بن زيد- وهو ابن جدعان-؛... سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلدات الكاملة:7+8+9 - (ج 4 / ص 29)

[وكما يقول القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: (إذا رأيت الحسنة من الشخص؛ فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيت السيئة من الشخص؛ فاعلم أن لها عنده أخوات) أي: أنهن عناوين، والشيء يدل على غيره. شرح الأربعين النووية للشيخ عطية سالم.

وفي شرح رياض الصالحين لابن عثيمين، في قصة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة:
["ومر بموسى وسأله موسى ماذا فرض الله على أمتك؟ قال: خمسين صلاة في اليوم والليلة، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، إنني جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، اذهب إلى ربك واسأله أن يخفف عن أمتك. فذهب على الله، وجعل يتردد بين موسى وبين الله، حتى جعلها الله خمسا، لكنَّ الله بمنه وكرمه، وله الحمد والفضل، قال: هي خمس بالفعل، وخمسون في الميزان، وليس هذا من قبيل الحسنة بعشر أمثالها، بل من قبيل الفعل الواحد يجزئ عن خمسين فعلا، فالخمس صلوات هذه عن خمسين صلاة، فكأنما صلينا خمسين صلاة، كل صلاة الحسنة بعشر أمثالها، لأنه لو كان هذا من باب مضاعفة الحسنات؛ لم يكن هناك فرق بين الصلوات وغيرها، لكنَّ هذه خاصة، وهذا يدل على عِظَم هذه الصلوات، ولهذا فرضها الله على عباده في اليوم والليلة خمس مرات، لابد منها، لابد أن تكون مع الله خمس مرات في اليوم تناجيه، لو أن أحدا من الناس حصل له مقابلة بينه وبين الملك خمس مرات باليوم؛ لعُدَّ ذلك من مناقبه، ولفرح بذلك، أنت تناجي ملك الملوك، في اليوم خمس مرات على الأقل، فلماذا لا تفرح بهذا؟ أحمد الله على هذه النعمة وأقم الصلاة].

شرح رياض الصالحين:
وفي [الحديث القدسي يقول الله تعالى ..: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا". يقول جل وعلا: إني حرمت الظلم على نفسي، أي لا أظلم أحداً لا بزيادة سيئات لم يعملها، ولا بنقص حسنات عملها، بل هو سبحانه وتعالى حَكَمٌ عَدْلٌ محسِن، فحكمه وثوابه لعباده دائرَين بين أمرين، بين فضل وعدل، فضل لمن عمل الحسنات، وعدل لمن عمل السيئات، وليس هناك شيء ثالث وهو الظلم.
أما الحسنات؛ فإنه سبحانه وتعالى يجازي الحسنة بعشر أمثالها، من يعمل حسنة يثاب بعشر حسنات، أما السيئة فبسيئة واحدة فقط، قال الله تعالى في سورة الأنعام - وهي مكية -: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون)، لا يظلمون بنقص ثواب الحسنات، ولا يظلمون بزيادة جزاء السيئات، بل ربنا عز وجل يقول: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً}، ظلماً بزيادة في سيئاته، ولا هضماً بنقص من حسناته وفي قوله تعالى: "إني حرمت الظلم على نفسي" دليل على أنه جل وعلا يحرم على نفسه ويوجب على نفسه، فمما أوجب على نفسه الرحمة، قال الله تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} ومما حرم على نفسه الظلم، وذلك لأنه فعال لما يريد، يحكم بما يشاء، فكما أنه يوجب على عباده ويحرم عليها، يوجب على نفسه ويحرم عليها جل وعلا، لأن له الحكم التام المطلق.

ومن توفيق الله للعبد المؤمن أن تكون معاملته مع إخوانه المؤمنين حسنة، وأخلاقه رفيعة، وآدابه سامية، فمهما كانت الأحوال؛ فلا أقل من رد السلام إذا لقيته.
شرح رياض الصالحين:
[وابتداء السلام يكون من الصغير على الكبير، ومن الماشي على القاعد، ومن الراكب على الماشي، كل بحسبه، وصيغة السلام المشروعة أن يقول الإنسان: السلام عليك أو السلام عليكم. كلاهما جائز، والرد المشروع أن يقول: عليك السلام أو وعليكم السلام.
بهذا يتضح لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن من الحقوق التي للمسلم على أخيه؛ السلام ردا وابتداءً. وحُكم السلام أن ابتداءه سنة، ورده فرض، فرض عين على من قُصِد به، وفرض كفاية إذا قُصِد به جماعة، فإنه يجزئ ردُّ أحدهم.
والسلام حسنة من الحسنات، إذا قام به الإنسان؛ فله عشر أمثاله، لأن الحسنة بعشر أمثالها، يعني إذا سلمت على أخيك وقلت: السلام عليك. فلك عشر حسنات، أجرا باقيا تجده أحوج ما تكون إليه، ونحن نعلم أنه لو قيل لشخص: كلما لقيت أحدا فسلمت عليه بكل تسليمة درهم واحد؛ لوجدت الإنسان يطلب الناس ليسلم عليهم ابتغاء هذا الدرهم الواحد، مع أن الدرهم الواحد يفنى ويزول، والأجر والثواب الباقي نجدنا -عاملنا الله وإياكم بعفوه- فاترين فيه، متهاونين به، فالذي ينبغي لك كلما لقيك أحد من إخوانك المسلمين؛ أن تسلم عليه].

وقال الشيخ صالح آل الشيخ:
[العبد قد يذنب؛ بل هو معرض للذنب: «لو لم تذنبوا؛ لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم» من أعظم أسباب مغفرة الذنب أن تدعو إلى الله جل وعلا؛ لأن الدعوة إلى الله جل وعلا حسنات، إذا أخلصت وصدقت، والحسنات يذهبن السيئات، «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، {وأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود:114)، قال علماء الأصول: (إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) قاعدة، فجعل تكفير الصلاة للسيئات تبعا للقاعدة، وليست مقتصرة على تكفير الصلاة للسيئات، فالحسنة تذهب السيئة، والدعوة إلى الله جل وعلا فيها هذا الفضل العظيم.