بسم الله و الصلاة و السلام ورسول الله


مقتطف من فقه المقاصد


توطئة


فقه المقاصد يعتبر الوجه المخفي لعلم أصول الفقه و الفقه معا ً ، الذي عمل به الأولون وغفل عنه الجامدون و خاض فيه الجاهلون ، و عرف ميزانه المستبصرون.
فكان له الأثر الأكبر في وضع النص و العقل علي ميزان الشمول و الاعتدال في التعامل مع الواقع و النوازل و المستجدات في ضوء الاستيعاب الدقيق للمصلحة المطلوبة شرعا ً والمفسدة المدفوعة شرعاً .
تعريف المقاصد لغة وشرعا ً :
القصد لغة : هو آتيان الشئ (مختار الصحاح للرازي / 536)، و القصد استقامة الطريق .قصد يقصد قصداً فهو قاصد ، قال تعالى : (وعلى الله قصد السبيل ) سورة النحل أي على الله تبيين الطريق المستقيم و الدعاء اليه بالحجج و البراهين و الواضحة. (لسان العرب للعلامة أبن منظور/7/377)
اصطلاحا ً :قال العلامة بن عاشور: مقاصد التشريع العامة هي المعاني و الحكم الملحوظة في جميع أحوال التشريع أو معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة .(كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية ص 51) .
و في تعريف أخر لعلال الفاسي قال فيه : المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها الإسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها.

حاجة الفقيه لعلم المقاصد بالأدلة و أقوال العلماء


ومن الأدلة التي اعتمرت بها كتب العلماءعلي اعتبار ذلك العلم قوله تعالي ( و ما أرسلنك إلا رحمة للعالمين ) سورة الأنبياء/ 107 .
ومقتضى الرحمة تحقيق مصالح العباد في كل نواحي الحياة و قوله تعالي ( يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر ) سورة البقرة/ 185 .
وقوله صلي الله عيه وسلم ( يسروا و لا تعسروا ) و لا يأتي اليسر علي العباد إلا من الثقة العالم بأسرار الشريعة و مقاصدها العامل بنصوصها الخبير بوقع حالها ، والأدلة في هذا الباب كثيرة ولكن في هذه الكفاية ، وقد حث العلماء علي اعتبار المقاصد عند النظر في المسائل المتجددة و الحوادث المتنوعة، فأرشد أهل العلم الي فهم الشريعة الإسلامية فهما ً متكاملاً منسجما ً مع نسيجها الدقيق في تعليل الأحكام و عمل الإفهام.
لهذا نجد العلماء يشيرون لهذا الفهم العميق في مؤلفاتهم وكتبهم كثيرا ً، فقد بين الشاطبي في تفسير قوله تعالي ( اليوم أكملت لكم دينكم و أتمتت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) سورة المائدة / 4 .ثلاثة إطراف وجب علي الناظر في الحكم الشرعي ألا يهملها ، و هي العلم بالكليات الشرعية وتنزيل الجزئيات علي تلك الكليات بالاجتهاد المعتبر فيما لا نص فيه ( الاعتصام ص 3/5 بتصرف ).
وقد أشار أيضاً لهذا الانتظام الاستقرائي للأحكام الشرعية في قوله ( ولو أخذت أدلة الشريعة علي الكليات و الجزئيات مأخذ هذا المعترض لم يحصل لنا قطع بحكم شرعي ألبته ، إلا أن نشرك العقل ، و العقل إنما ينظرون من وراء الشرع ، فلابد من هذا الانتظام في تحقيق الأدلة الأصولية الموافقات . ) (1 / 28 ).
فكأنه يشير إلي طريقة استقاء الحكم الشرعي الذي يكون عن طريق فهم الكليات و الإحاطة بالجزئيات دون إهمال لدور العقل في استقراء أسرار الشريعة ومقاصدها العامة و الخاصة .
وقد اعتني العلامة أبن عاشور بالمقاصد عناية كبيرة في فهم الأحكام الشرعية فقال :
إن تصرف المجتهدين بفقهم في الشريعة يقع علي خمسة أنحاء :
1. العلم بأصول الفقه
2. سلامة الدليل .
3. القياس
4. إعطاء حكم لفعل أو حادث للناس لا يعرف حكمه فيما لاح للمجتهدين من أدلة الشريعة ولا له نظير يقاس عليه.
5. تلقي بعض أحكام الشريعة الثابتة عنده تلقي من لم يعرف علل أحكامها و لا حكمة الشريعة في تشريعها و سمي هذا النوع بالتعبدي .

فالفقه بحاجة إلي معرفة مقاصد الشريعة في هذه الإنحاء كلها.


و في موضع أخر قال فالفقيه محتاج إلي معرفة مقاصد الشريعة في قبول الآثار من السنة و في الاعتبار بأقوال الصحابة و السلف من الفقهاء و في تصاريف الاستدلال (مقاصد الشريعة الإسلامية / 15 وما بعدها )
و بين العلامة عبد الرحمن تاج ضرورة مراعاة المقاصد في تحقيق المصالح العامة فقال ( وجملة القول أنه لا يصح في تصرف من التصرفات او حكم من الإحكام التي تسن لتحقيق مصلحة عامة أن يقال إنه مناقض للشريعة بناء علي ما يرى فيه من مخالفة ظاهرية لدليل من الأدلة ، بل يجب تفهم هذه الأدلة و تعرف روحها ، والكشف عن مقاصدها و أسرار التشريع فيها. (السياسة الشرعية و الفقه الإسلامي / 21).
هذه جملة من أقوال الفقهاء في تقرير المنهج السليم في تخريج المسائل أخرجا ً
ملائما ً لمقاصد الشريعة وموافقا ً لنصوصها ومستجيبة للواقع في كل زمان ومكان ، بحيث لا يكون معها تفريط ولا إفراط في الحكم علي النوازل و المستجدات .


أهمية فقه المقاصد للدعاة و المصلحين


قد ذكرنا أنفا ً مدى احتياج الفقيه للمنظومة السلمية التي بناها أهل النظر والبصيرة في كيفية الحكم علي المسائل المتجددة في كل عصر وحين .
فأهمية هذا العلم تكمن في تحقيق الغرض الذي أنزلت من أجله الشريعة الإسلامية وهو نقل العباد من الظلم إلي العدل ومن المشقة إلي اليسر قال تعالي (وما جعلنا في الدين من حرج ) سورة الحج /76 . وقوله تعالي ( يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر ) سورة البقرة/185 فبهذا الميزان تستقيم الأمور و تبصر العقول وتطمئن القلوب و ترفع المفاسد و تجلب المصالح و يتحقق غرض رب المشارق و المغارب .
لذا علي الدعاة و المصلحين جمعيا ً ألا يغفل عن هذا العلم و أن يقيموا له وزنه ويحفظوا له مكانته فلا يهمل فتفسدوا الأمور و لا يطغي فتعطل النصوص ولكن بين الأمرين يكون، وقد بين الدكتور يوسف القرضاوي احتياج الأمة لهذا السبيل عندما تحدث عن أنواع المدارس التي تصدر الأحكام بناء علي تركبتها الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية .
فحذر من الوقوف أمام النصوص في تقرير المصالح العامة دون النظر و التغلغل في بناؤها وروحها لأنه يؤدي إلي الجمود و القصور في تفهم الأحكام و تقرير المسائل المتنوعة و المتجددة في كل وقت و حين ، وكذلك عرج علي أولئك الذي أسرفوا باسم المقاصد و المصالح حتي عطلوا النصوص و حرفها وافقدوا الشريعة بناؤها قوامها ،وأشار إلي الطريق المرغوب و العمل المطلوب في تعليل الأحكام وذكاة الإفهام من خلال النص و العقل علي ميزان الشمول و الاعتدال.(كتاب السياسة الشريفة في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها ص 228 ما بعدها بتصرف) .
وأنقل كلاما ً نفسيا ً لابن القيم في بيان وفاء الشريعة في كل العصور بإيجاد الحلول و استيعاب الأمور الحادثة في الحاضر و المستقبل فقال : ( في هذا فصل عظيم النفع جدا ً ، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم علي الشريعة أوجب من الحرج و المشقة و تكليف مالا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلي رتب المصالح لا تأتي به ، فإن الشريعة مبناها و أساسها علي الحكم ومصالح العباد في المعاش و المعاد ، و هي عدل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمه كله ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلي الجور ، وعن الرحمة الي ضدها ، وعن المصلحة إلي المفسدة ، وعن الحكمة إلي العبث ، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل
( أعلام الموقعين 3 / 3) .


أمثلة من فقه المقاصد عند الصحابة


لاشك في أن الصحابة هم أسلم الناس عقولا ً و أطيبهم قلوبا ً و أصلحهم ألسنة و أقربهم إلي فهم مراد الله و رسوله محمدr.
لذا منهاجهم في إيجاد الأحكام للوقائع المتجددة يعتبر السبيل القويم في تقرير المسائل مهم كثرت وتنوعت .

فكان من الواجب بيان بعض صور التي راعوا فيها ذلك المنهج في استنباط الأحكام


فقد جمع أبوبكر رضي الله عنه القرآن الكريم من الصحف المتفرقة في مصحف واحد بإشارة من عمر رضي الله عنه دون وجود نص بذلك بدليل ما قاله عمر " إنه و الله خيرو مصلحة للإسلام " ، وحارب أبوبكر ما نعي الزكاة وغيرها من الوقائع التي حدثت في زمن الصديق رضي الله عنه .
ولم يكن زمن عمر رضي الله عنه بمعزل عن هذا المنهج الرحيم فقد أبطل عمر سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات مع أنه ثابت بالنص ، نظرا ً لعدم الحاجة إلي التأليف بعد أن عزا الله الإسلام .
وكذلك عدم أقامة حد السرقة في عام المجاعة لعموم الابتلاء و الحاجة .
وقتل الجماعة بالواحد لئلا تتخذ ذريعة للخلاص من القصاص ، لأن هذه الواقعة لم تحدث في العهدين السابقين ولم يكن فيها نص يدل عليها صراحة فكان الاجتهاد هو المسلك في ذلك .
فأتى زمن عثمان و اختلفة قراءة الناس للقرآن الكريم فرأى أن يجمع المصحف علي حرف واحد تحقيق للمصلحة الكبرى و هي المحافظة علي دستور الأمة من اختلاف و التضاد .
و اتفاق الصحابة علي تضمين الصناع ، مع أن الأصل أنهم أمناء علي ما في أيديهم من أموال الناس ، ذلك لتهاونهم مع حاجة الناس المتكررة إليهم وفيه يقول علي رضي الله عنه ( لا يصلح الناس إلا ذاك ) (أصول الفقه الاسلامي –وهبة الزحيلي -2/44).
كل تلك الصور يتجلى فيها ذلك الفهم الدقيق للكليات و الجزئيات و المقاصد و أسرار التشريع مع إعمال العقل في فلكها ليكون النتاج موافقا ً لعصرها و استمرارا ً لخصوبة هذه الشريعة و استدرارا لمعينها الذي لا ينضب .
بعض المؤلفات في هذا الفن
1. مقاصد الشريعة لمحمد أنيس عبادة - دار الطباعة المحمدية.
2. نظرية المقاصد - للدكتور أحمد الريسوني .
3. مقاصد الشريعة لمحمد الزحيلي - دار النفائس
4. قواعد الأحكام في مصالح الأنام - للعز بن عبد السلام .
5. مقاصد الشريعة عند بن تيمية - ليوسف أحمد محمد البدوي
6. المقاصد العامة للدكتور- يوسف العالم .
7. المقاصد العامة للشريعة الإسلامية - لعبد الرحمن عبد الخالق .
8. القيم الضرورية ومقاصد التشريع للإسلام لفهمي محمد علوان .


المراجـــــــــ ـــــــــــع


1- الموافقات – للشاطبي .
2- الاعتصام – للشاطبي .
3- إعلام الموقعين – لابن القيم .
4- مقاصد السياسة الشرعية –للعلامة أبن عشور .
5- السياسة الشرعية و الفقه الإسلامي – عبد الرحمن تاج .
6- السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها – د.يوسف القرضاوي.
7- أصول الفقه الإسلامي – د. وهبة الزحيلي.


وصلى الله و سلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين




إعداد / حاتم عيسى بن علي
28- رجب-1432