خطبة عيد الفطر للعام 1432 هلالية

الحمد لله، الله أكبر (تسع مرات)، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
الله أكبر! ما نطق بذكره وتعظيمه ناطق.
الله أكبر! ما صدق في قصده وعمله صادق.
الله أكبر! ما أقيمت شعائرُ الدين.
الله أكبر! ما رفرفت بالنصر أعلامُ المؤمنين.
الله أكبر! كلما صام صائم وأفطر، وكلما لاح صباحُ عيد وأسفر.
الله أكبر! كلما لاح برق وأنور، وكلما أرعد سحاب وأمطر.
الحمد لله الذي سهَّل لعباده طريق العبادة ويسَّر، ووفَّاهم أجورهم من خزائن جوده التي لا تنفد ولا تُحصر، ومنَّ عليهم بأعياد تعود عليهم بالخيرات والبركات وتتكرَّر، وتابَع لهم بين مواسم العبادة لتُشيّد الأوقات بالطاعة وتُعمَّر، فما انقضى شهرُ الصيام، حتى أعقبه بشهور حج بيت الله الحرام، فنحمده على نعمه التي لا تحصى ولا تُحصر، ونشكره على فضله وإحسانه، وحُق له أن يُشكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهٌ انفرد بالخلق والتدبير، وكلُّ شيء عنده بأجلٍ مقدَّر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضلُ من تعبَّد لله وصلى وزكى، وحجَّ واعتمر، صلى الله عليه، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّر، وعلى أصحابه الذين سبقوا إلى الخيرات، فنعم الصحبُ والمعشر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بدا الفجر وأنور، وسلم تسليما =كثيرا ما ذكر ذاكر وكبَّر مكبِّر=.
الله أكبر! أما بعد؛
أيها الناس! اتقوا الله تعالى، واعرفوا نعمتَه عليكم بهذا العيد السعيد، فإنه اليوم الذي توَّج الله به شهر الصيام، وافتتح به أشهرَ الحجِّ إلى بيته الحرام، وأجزلَ فيه للصائمين والقائمين جوائزَ البِرِّ والإكرام، =أخشى أن يُحرمها المتخاصمان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا؛ إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا». صحيح مسلم (2565)، وإذا لم يصطلحا هل يغفر لها؟!
وعَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُصَارِمَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلاثٍ، وَإِنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا كَانَا عَلَى صِرَامِهِمَا، وَإِنَّ أَوَّلَهُمَا فَيْئًا يَكُونُ سَبْقُهُ بِالْفَيْءِ كَفَّارَةً لَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَقْبَلْ سَلامَهُ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ، وَرَدَّ عَلَى الآخَرِ الشَّيْطَانُ، وَإِنْ مَاتَا عَلَى صِرَامِهِمَا؛ لَمْ يَدْخُلا الْجَنَّةَ، وَلَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْجَنَّةِ». مسند أحمد ط الرسالة (26/ 188) ح(16257)، صحيح ابن حبان (12/ 480) ح(5664)، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ابن حبان: [قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمْ يَدْخُلا الْجَنَّةَ وَلَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْجَنَّةِ»: يُرِيدُ بِهِ إِنْ لَمْ يَتَفَضَّلِ الرَّبُّ جَلَّ وَعَلا عَلَيْهِمَا بِالْعَفْوِ عَنْ إِثْمِ صِرَامِهِمَا ذَلِكَ]. الصحيحة (1246).
فأبشر أيها البادئ بالسلام! فستحييك الملائكةُ الكرام، أما أنت أيها المعاند المصارم! فسيرد عليك عدوُّ الرحمن، وعدوُّ الإنسِ والجان، أبو مرةَ الشيطان!
وعن ابْن عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَحِلُّ الْهِجْرَةُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنِ الْتَقَيَا فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الآخَرُ السَّلامَ؛ اشْتَرَكَا فِي الأَجْرِ، وَإِنْ أَبَى الآخَرُ أَنْ يَرُدَّ السَّلامَ؛ بَرِئَ هَذَا مِنَ الإِثْمِ وَبَاءَ بِهِ الآخَرُ -وَأَحْسِبُهُ قَالَ:- وَإِنْ مَاتَا وَهُمَا مُتَهَاجِرَانِ؛ لا يَجْتَمِعَانِ فِي الْجَنَّةِ». صححه الحاكم ووفقه الذهبي، وأورده في صحيح الترغيب (3/ 32) ح(2760) وقال: [(صحيح لغيره)، رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم واللفظ له]. الله أكبر! ...
وعَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ». سنن أبي داود (4915) الصحيحة (928). وهل سافك الدم ينال بِرًّا وإكراماً؟!..=. الله أكبر! ...
عيدٌ امتلأت القلوب به فرحا وسرورا، وازدانت به الأرض بهجةً ونورا؛ لأنه اليوم الذي يخرج فيه المسلمون إلى مصلاهم؛ لربهم حامدين معظمين، وبنعمته بإتمام الصيام والقيام مغتبطين، ولخيره وثوابه مؤمِّلين راجين، يسألون ربهم الجواد الكريم أن يتقبل عملهم، وأن يتجاوز عن مسيئِهم، وأن يعيدَ عليهم مثلَ هذا اليوم، وهم في خير وأمن وإيمان، واجتماعٍ على الحق والعبادة =باطمئنان=، وابتعادٍ عن الباطل والعصيان.
عيدُنا -معشرَ المسلمين- ليس عيدَ مبتدعة ولا مشركين، فالأعياد الشرعية ثلاثة: عيد الأسبوع؛ وهو يوم الجمعة، وعيد الفطر وعيد النحر، وليس في الإسلام سواها عيد، ليس في الإسلام عيد لميلاد، ولا لانتصار جيوش وأجناد، ولا لتسلُّم زمامِ الملكِ والرئاسة على العباد، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُقِمْ أصحابُه -وهو أحبُّ الناس إليهم- لميلاده عيدا، وهذه انتصارات المسلمين في بدر واليرموك، والقادسية وغيرِها؛ لم يُقِم المسلمون لها عيدا، وهذا قيام الخلافة لأبي بكر وعمر، وعثمان وعليّ، -وأَكْرِمْ بهم قادةً خلفاء، وولاةً أمناء- لم يُقِم المسلمون لقيام الخلافة فيهم عيدا، ولو كانت إقامة الأعياد لمثل هذه الأمور خيرا؛ لسبقنا إليه من سبقونا في العلم والعبادة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأئمةِ المسلمين في العلم بعدهم،.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، والله أكبر، ولله الحمد،.
واشكروا أيها المسلمون! نعمةَ الله عليكم بهذا الدين القويم، والصراط المستقيم؛ صراط الله الذي له ما في السماوات والأرض، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ألا وهو دين الإسلام، الذي أكمله الله لعباده، ورضيه لهم دينا، وأتم به النعمةَ عليهم، فهو دين الهدى والحقّ، والصلاحِ والرشد، دينٌ يأمر بعبادة الله وحده، ويأمر بالصدق والنصح، والعدل والإحسان، وينهى عن الشرك والكذب، والغشِّ والجور والطغيان، يأمر بكل خُلُق شريفٍ فاضل، وينهى عن كلِّ خُلق رذيلٍ سافل، إذا تأمَّله المنصف العاقل؛ عرف قدرَه، وأنه لو تجمَّع أذكياءُ العالم كلُّهم، وأتعبوا قرائحَهم وأذهانَهم في تشريع نُظُمٍ تساوي نُظُمَه؛ لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، ولعادَ الذهنُ خاسئا كليلا، فلا حُكمَ أحسنَ من حُكمِ الله، ولا قوانينَ ولا نُظُما أقومُ للعباد مما سنَّه الله، فتمسكوا به ترشدوا، واسلكوا طريقه تهتدوا، وتعبَّدوا لله به تسعدوا، وانصروه بمحاربة من عاداه تنصروا، قال الله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} (طه: 123). الله أكبر!
واعلموا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ». سنن أبي داود (2433)، وابن ماجه (1716)، صحيح الترغيب (1/ 244) ح(1009).
وتفسير ذلك أنَّ صيامَ رمضان؛ يقابلُ عشرةَ أشهر، وصيامَ ستٍّ من شوال؛ يقابل شهرين، فذلك تمام العام، ...
وقد اعتقد بعض العوام؛ أن من صام الستَّ في سَنَة؛ لزمه أن يصومها كلَّ سَنة، وهذا غير صحيح، فصيام الستِّ سُنَّةٌ، فيها ما سمعتم من الفضل، ولا بأس أن يصومها الإنسان سَنَة، ويتركها أُخرى، ولكنَّ الأفضلَ أن يصومَها كلَّ سنة، ولا يحرم نفسه من ثوابها. الله أكبر! ...
واعلموا أن السنةَ لمن خرج إلى مصلى العيد من طريق؛ أن يرجعَ من طريق أخرى، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإظهارا لشعائر الله، وتعرُّفًا إلى عباد الله في كلِّ طريق، ولقد جرت عادة الناس أن يتصافحوا، ويهنِّئَ بعضُهم بعضا في العيد، وهذه عادة حسنة تجلبُ المودة، وتزيل البغضاء. الله أكبر! ...
أما زيارة القبور في هذا اليوم بالذات، فلم أعلم لها أصلا من الشرع، فزيارة القبور مشروعة في كلِّ وقت، ولم يرِدْ تخصيصُ يومِ العيد بزيارتها. الله أكبر! ...
=أيها المسلمون! ما لنا اليومَ نرى المسلمين يزدادون تفرُّقا وتشرذُما، ويزدادون تنازُعا وتَقاتُلا، ويزدادون تشتُّتا وتخاصُما، تَفَاقَمَ القتلُ والاقتتال، وسالت الدماء، وزُهقت الأرواح، على أحلامٍ موهومة، وأمانيّ موعودة، وآمالٍ مزعومة، فإذا صحونا وانتبهنا بعد فوات الأوان؛ فجاءت الصحوةُ بعد السكرة، والانتباهةُ بعد الغفلة، فلا نجد أنفسنا إلا وقد وقعنا في شباك محبوكة، وفخاخ منصوبة، وحُفَرٍ مجهزة معدودة. الله أكبر! ...=
أيها المسلمون! إننا اليوم بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى التآلفِ والتناصح، =وتوحيدِ الصفوفِ والقلوب=، وتوحيدِ القصدِ والعمل، والتعاونِ في الحق، وأن نعالجَ مشاكلَنا وأمراضَنا الدينيةَ والاجتماعيةَ معالجةَ المخلصِ الذي يقصد حصولَ المصلحة، واندفاعَ المضرَّة؛ لا يقصد انتصارا لنفسه، ولا مجردَ أَخْذٍ برأيه، ولا التبكيتَ واللَّومَ على غيره، وإنما يقصدُ إصلاحَ الدين والمجتمع، وبهذه النيِّةِ الطيِّبة، وبسلوكِ الحكمةِ في الوصول إلى المطلوب يحصل الفلاحُ والنجاحُ إن شاء الله =تعالى الله أكبر! ... =.
أيُّها الناس! تذكَّروا بجمعكم هذا؛ يوم الجمع الأكبر، حين تقومون يوم القيامة من قبوركم لرب العالمين، حافيةً أقدامُكم، عاريةً أجسامُكم، شاخصةً أبصاركم: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} (الحج: 2)، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} (عبس: 34- 37)، يوم تُفَرَّقُ الصحف ذات اليمين وذات الشمال، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا} (الانشقاق: 7- 12)، يوم توضع الموازين القسط: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} (المؤمنون: 102- 105). الله أكبر! ...
يومَ يُنصَبُ الصراطُ على جهنم، فتمرون عليه بقدر أعمالكم ومسابقتكم في الخيرات، فمن كان سريعا في الدنيا في مرضاة الله؛ كان سريعا في مروره على الصراط، ومن كان بطيئا في الدنيا في مرضاة الله، ومتثاقلا فيها؛ كان مروره على الصراط كذلك جزاء وفاقا، فاستبِقوا الخيرات أيها المسلمون! وأعدُّوا لهذا اليوم عُدَّتَه لعلكم تفلحون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..*******

الخطبة الثانية

الحمد لله، الله أكبر (سبع مرات)، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الحمدُ لله؛ إنَّه معيدُ الجُمَعِ والأعياد، ومُبيدُ الأممِ والأجناد، و{.. جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (آل عمران: 9) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نِدَّ ولا مضادّ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المفضلُ على جميع العباد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليما. الله أكبر! ...
أما بعد؛ أيها الناس! اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم، من إتمام الصيام والقيام، فإن ذلك من أكبر النعم، واسألوه أن يتقبل ذلك منكم، ويتجاوز عما حصل من التفريط والإهمال، فإنه تعالى أكرمُ الأكرمين وأجودُ الأجودين. الله أكبر! ...
أيها الناس!
أحبُّ أن أوجِّه موعظة للنساء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظُهنَّ في صلاة العيد بعد الرجال.
فأقول: أيتها النساء! إنَّ عليكُنَّ أنْ تتقين اللهَ في أنفسِكُنَّ، وأن تحفظن حدودَه، وترعَينَ حقوق الأزواج والأولاد، {.. فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ..} (النساء: 34)،
أيَّتُها النساء! لا يغرنَّكُنَّ ما يفعله بعض النساء؛ من الخروج إلى الأسواق بالتبرُّجِ والطيب، =والتعطَّرِ=، وكشفِ الوجه واليدين، أو وضعِ سترٍ رقيقٍ لا يستر، فلقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا؛ قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» مسلم (2128).
=اللهم عافِ نساءنا من هذه الصفات، يا نساءَ المؤمنات، يا حفيداتِ خديجةَ وعائشةَ وزينب!= إذا مشيتُنَّ في الأسواق؛ فعليكُنَّ بالسكينة، =والحشمةِ والهدوءِ والوقارِ، لا تكثرْنَ التَّلَفُّتَ= ولا تزاحمْنَ الرجالَ، ولا ترفعن أصواتكنَّ، ولا تُلْبِسْنَ بناتِكُنَّ أَلبِسةً مكروهة، ولا تتشبهن بالرجال، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال .. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهَا تِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالْمُتَشَبِّه ِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ». المعجم الأوسط (4/ 212) ح(4003)، صحيح الترغيب (2/ 228) ح(2068) الله أكبر! ...
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ! تَصَدَّقُوا»، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ! تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ، مِنْ إِحْدَاكُنَّ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ!» ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ، جَاءَتْ زَيْنَبُ، امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «نَعَمْ! ائْذَنُوا لَهَا» فَأُذِنَ لَهَا، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ». البخاري (1462) الله أكبر! ...
«اللهم إنّا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع. نعوذ بك من هؤلاء الأربع»، اللهم إن عبادك =هؤلاء= خرجوا إلى هذا المكان؛ يرجون ثوابَك وفضلَك، ويخافون عذابَك =وسَخَطَك=، اللهمَّ حقِّقْ لنا ما نرجو، وآمنَّا مما نخاف، اللهم تقبل منّا، واغفر لنا وارحمنا، اللهم انصرنا على عدونا، واجمع كلمتنا على الحقّ، =ووحِّد صفوفنا، وألِّفْ بين قلوبنا، وعجِّل لنا ربنا بالمصالحة على الوجه الذي يرضيك عنا= ويسرنا لليسرى، وجنِّبْنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى إنك جواد كريم، =وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وتجاوز عن سيئها، برحمتك يا أرحم الراحمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
غالبها مقتبس من (الضياء اللامع من الخطب الجوامع للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى 2/ 182- 186)
نقلها من مظانها أبو المنذر فؤاد بن يوسف أبو سعيد
خطبة عيد الفطر 1432 هلالية – أغسطس آب 2011 شمسية
للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني: zafran57@hotmail.com
أو زوروا الموقع الالكتروني الرسمي للشيخ: www.alzafran.com