كتب جلال الشايب:

إن أمتنا المسلمة قد عاشت تاريخًا مجيداً ظهرت فيه ظلال الشريعة الإسلامية السمحة، فسعدت وأسعدت الدنيا معها، ونعمت وأنعمت على الدنيا بالسلام والأمن والرخاء، وذلك لأن انطلقت من قرآن ربنا سبحانه وتعالى، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، والشافي من كل أمراض المجتمعات الاجتماعية والأخلاقية والتشريعية والدستورية وغيرها.
ومنذ أن استبدلت أمتنا حكم ربها وتحكيم شريعته فيها، واستبدلت شرعه تعالى بشرع البشر؛ فاحتكمت إلى دساتير وضعية، مصنوعة في الخارج؛ وابتعدوا عن سنة نبيها صلى الله عليه سلم، وحالها ساء وتخلف، وتدنت الأمة في سلم الحضارة الإنسانية، إلا أنه وقد لاحت فرصة التطبيق بعد ثورة 25 يناير المباركة؛ فلا يجب علينا أن نضيع هذه الفرصة العظيمة، ومن هنا انطلقنا إلى علماءنا لندور في هذا الفلك.
في البداية يذكر فضيلة الشيخ خالد صقر الداعية الإسلامي، أن أمتنا في مصر تمر الآن بفترة عصيبة، تتلفت يمنة ويسرة؛ متلمسة طريق عزتها ومنهج كرامتها، ومطالبة بحريتها؛ إذ لا حرية إلا في عبودية الله جلا وعلا، فكان لازما على المؤمنين الأخيار الأحرار أن يأخذوا على عاتقهم حمل لواء الدعوة إلى العودة إلى دين الله القويم والى صراطه المستقيم، إلى العودة إلى تحكيم شريعة الله الحكيم، في كل نواحي الحياة، حتى يظلنا قول ربنا جلا في علاه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً }المائدة3.
كما يؤكد الشيخ خالد صقر على أن الأمة عاشت تاريخيًا مجيدًا تفيأت فيه ظلال الشريعة السمحة فسعدت ونعمت وأشرقت شمسها على البشرية، فاستنارت واهديت؛ وذلك لأنها اتبعت دستور ربها، وانتهجت سنة نبيها صلى الله عليه وسلم، ولم لا؟ والله تعالى جعل القرآن كتاب هداية يهدي للتي أهي أقوم، وجعله شفاءًا لكل الأمراض الاجتماعية والأخلاقية، والتشريعية.
وقد أشار فضيلته على أنه ما لبست هذه الأمة لباس المذلة والانكسار وثوب الهزيمة والعار إلا بعد أن استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، بعد أن أعرضت عن كتاب ربها وسنة نبيها (صلى الله عليه وسلم) واحتكمت إلى قوانين رديئة ونظم وضيعة؛ أباحت الزنا وأحلت شرب الخمر وتعاملت بالربا، فعاندت شرع الله، ودخلت في حرب مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والنتيجة كما يبرزها الشيخ صقر كانت هذا التخلف المهين والضعف المشين الذي تحياه أمتنا من تدنٍ في سلم الحضارة الإنسانية، وصدق الله وهو أصدق القائلين { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى123 وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى 124 قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً 125 قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى 126} سورة طه، كما صدق فينا قولة عمر رضى الله عنه إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله.
ويتساءل الشيخ متعجباً ممن هؤلاء الذين يريدوننا أن ننحي شريعة الله عز وجل، وأن نعمل بشريعة المخلوقين، وأن نترك الكمال المطلق، والصلاح التام، لنلجأ إلى الأفكار المعيبة وإلى الطرق المختلة، تاركين بذلك شريعة رب البشر لنسير بشريعة البشر أنفسهم، فالعجب من كل هؤلاء لأنهم لا يستحيون ولا يخجلون إذ يتكلمون هكذا بكل صفاقة يدعوننا إلى ترك دين الله جلا وعلا.
ويجيب عليهم الشيخ صقر بقوله "وإنا لنقول لهم اخسئوا فلن تعدوا قدركم، وتذكروا قول ربنا العلي "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي" وإنا لنعلم علم اليقين أن دين الله سبحانه وتعالى غالب، وأن شريعته جلا وعلا هي التي ستحكم هذه الدنيا، كما بشرنا بذلك ربنا، ونبينا صلى الله عليه وسلم.
ويقول الأستاذ الدكتور عمر بن عبد العزيز قريشي الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، أنه يجب علينا الآن توحيد الكلمة وتوحيد الجهود من أجل هدف أسمى، وأمنية غالية طالما تمنيناها، وهي تطبيق شريعتنا الإسلامية، وتحكيم دستور ربنا فينا.
ويلفت الدكتور بن عبد العزيز إلى الفرصة العظيمة التي لاحت للمسلمين الآن في ظل ثورة مباركة للعودة إلى شريعة ربهم، ومنهج نبيهم صلى الله عليه، محذرا من تضييع مثل هذه الفرصة، وعليه فإنه علي الجميع أن يعمل جاهدا لنصرة هذه الشريعة الإلهية، وكذا العمل على أن نتحاكم جميعا إلى قرآن ربنا، وأن نُصلح أحوالنا بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
ويشير الدكتور قريشي إلى أننا أمام ثوابت لا تقبل المفاصلة ولا تحتمل النقاش ولا تقبل الاستفتاء؛ لأنها قضية دين وأمة ونصر وعزة؛ بل أكثر من ذلك فهي قضية نكون أولا نكون، إيمان أو كفر، حق أو باطل، هدى أو ضلال، "فماذا بعد الحق إلا الضلال" فلكل هذا وجب علينا الآن أن نوحد جهودنا وكلمتنا على أن نحقق هذا الهدف السامي، وعلى أن نبايع الله جلا وعلا، على أن نطبق الشريعة.
وذّكر الدكتور قريشي بأن الصراع بين الحق والباطل قائم إلى يوم الدين؛ وإننا لنعلم يقينا نتيجته الحتمية، المتمثلة في قول ربنا سبحانه: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }الأنبياء18.
ويأتي الأستاذ الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد أستاذ التفسير وعلوم القرآن بالأزهر الشريف، وعضو مجلس أمناء الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح بمصر ليقول أن الشريعة الإسلامية هي شرفنا التي شرفنا الله به، وتاجنا الذي توجنا الله به، والذي جمع المؤمنين والمؤمنات على عرفات في حجة الوداع، ليعلن لهم بان الله تبارك وتعالى بأن قد امتن عليهم بأعظم منة ونعمة حين انزل على رسوله في عرفات وقتها، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}المائدة3.
ويقول الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد أن الشريعة هي كاملة جامعة شاملة، مستشهدا بقول الله تعالى { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }النحل89.
وعلى الرغم من أننا أمة أسعدها الله بهذه الشريعة، إلا أن هذه الأمة في مرحلة من مراحل تاريخها ضعفت، واستكان أمرها فتسلط عليها الأعداء؛ وهم أعداء شداد غلاظ، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.
وأشار الدكتور عبد الستار أن الشريعة الإسلامية ظلت مطبقة في بلاد الإسلام اثني عشر قرن من الزمان؛ كانت لها السيادة العليا، ولها السلطان المطلق؛ فأسعدت الشعوب، وأفاءت عليها من فضل الله تقدما وعلما ونصرا وسبقا في كل شئون الحياة، ثم لما دخلت الأمة في طور رقود حضاري دخل الكفار بلادنا من هنا وهناك.
وكان أول خطر يدخل علينا أننا خالفنا القرآن في شئ يسير في الربا، فحين بدأ حكام المسلمين يقترضون من الغرب الأموال بالفوائد الربوية، وكان هذا حدثا هائلا في أوساط المسلمين؛ لأنه زلزل عقائدهم وادخل عليهم الفساد من كل مكان؛ وأصبح في مصر حكام يريدون أن يقلدوا أوربا، فالخديوي إسماعيل مثلا استدعى لحكم مصر وهو في السادسة عشر من عمره، وكان يعيش في باريس مبهورا بحضارة فرنسا، وبصالوناتها ونساءها، فلما جاء إلى حكم مصر كان شعاره الذي رفعه أمام الناس جميعا أريد أن أجعل مصر قطعة من أوروبا، ومثل أي مقلد لم يأخذ من أوروبا الجد والاجتهاد والعلم المادي، إنما أخذ منها المفاسد والمباذل، أخذ منها التقليد الأعمى في المفاسد والمضرات.
وفي عهده بدأ الاقتراض من الشرق والغرب حتى أدان البلاد ديونا ربوية باهظة؛ والعجيب هو ما فعله بهذه القروض، صنع القصور الفارهة، والتي استنفذت ميزانية الأمة المصرية كلها مع القروض الخارجية.
وفي عهده أيضا؛ كانت الأمة متخلفة حضاريا، وكانت في غاية الضنك والفقر، وكانت الأمة تحتاج إلى كل "جنيه" لتنفقه على تعليمها وأبناءها وصحتها، ولكنه انشأ دار الأوبرا –التي احترقت منذ زمن يسير- وقام باستقطاب كل المغنين والمغنيات، والراقصين والراقصات من الغرب؛ في شعب فقير مستضعف يحرم دينه هذا العبث لذلك.
وما كاد يقترض حتى تعرض لوعيد الله سبحانه وتعالى، نذيرًا بأن من يتلاعب بالشريعة الإسلامية كلها فسيقع عليه الهول والبلاء والعذاب المبين، فماذا كان عقاب الله له؛ أغراه القناصلة الأوروبيون أن يستقل بمصر عن الخلافة العثمانية، يقول طلعت حرب الاقتصادي الشهير في كتاب له اسمه تربية المرأة والحجاب، سنة 1899، قال إن إسماعيل لما أراد أن ينفصل بمصر وعد ملوك أوروبا بثلاثة وعود؛ الأول: أن يفصل القرآن عن الشئون السياسية والاجتماعية، وأن يفصل السياسة عن الدين، والثاني: أنه سيجعل المرأة المصرية تسير في أثر المرأة الغربية، والثالث: أن ينقل المدنية الحضارية الأوروبية إلى مصر.. وكان هذا بالنسبة لنا مصرع أمة.
ويقرأ الدكتور فتح الله سعيد التاريخ الأسود لأمتنا المصرية حينما تنازلت وتسببت في إلغاء الشريعة الإسلامية في ظل الخراب والدمار والقهر والحرب والاستعمار والمدافع الإنجليزية، الذين احلوا القانون الوضعي الوضيع مكانها بالقوة وبالحيلة وبالقهر ثم تتابعت على ذلك الأجيال بعد الأجيال، فكانت النتيجة الطبيعية أن درجت الناس على دينٍ غير دين الله، وعلى شريعة غير شريعة الله، وهم غافلون عن مصدرها وأساسها وأنها أصبحت تمثل اليوم في حياتنا كأنها دين جديد؛ وكأن الشاعر الذي قالَ قديماً قد عادَ يقولُ مرةً أخرى:
وعطلت الأحكامُ حتى كأننا
على ملةٍ غير التي نتنحلُ
كلامُ النبيينَ الهداةَ كلامنا
وأفعالَ أهل الجاهلية نفعلُ
ويستمر الدكتور ابن فتح الله سعيد في سرد العملية التاريخية؛ حيث استمرَ القانون الوضعي الذي ترجمهُ محامي فرنسي متعجلاً ليسَ بلجان وليسَ برجال متخصصون؛ إنما فقط محامي فرنسي اسمه منوير كانَ يعيشُ في مصر؛ فترجمَ القانون الفرنسي إلى اللغة العربية وصارَ كأن هذا القانون هو دين الدولة الجديد؛ التي ظلت تحكمها الشريعة أكثر من ألف ومائتي سنة.
ومن بعدها شرعت هذه الأمة بدعاوى التحضر والمدنية؛ فضيعوا دينها بهذه الدعاوى الكاذبة والقروض الربوية، إلى أن جاءَ الوقتُ الذي استفاقت فيه الأمة بعد الأهوال والبلايا والخطايا التي صبت عليها مصداقاً لوعيد الله عز وجل {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً }طه124 .
ويذكر الدكتور النتائج التي تسببت بها عدم تطبيق شريعة ربنا؛ فكان أننا لم ننتصر في معركة واحدة منذُ دخلت علينا القوانينُ الوضعية معركة واحدة، فعلى سبيل المثال: اشتركنا في حرب فلسطين فهزمنا، واشتركنا في حرب اليمن فهزمنا، واشتركنا في كل معركة بعدها ونحنُ نلزم عقوبةً لنا لأن الله -عز وجل- ووعدنا قال: {أَفَتُؤْمِنُون بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}الب رة85.
وختم الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد كلامه بقوله، أنه يجب أن نعلم أن هذا القانون الوضعي لم يدخل علينا باختيارنا ولا في لحظات انتصارنا؛ وإنما في لحظات الضعف وبترتيب الكفار وبحقد الصليبيين الذين قدموا لغزو هذه البلاد، وعن سبب إدخال القانون الفرنسي إلى هذه البلاد، لأن القانون الإنجليزي لم يدون، والفرنسي كان مدوناً فأحلوهُ محل الشريعة ومضت الأجيال على هذا مائة سنة.