من أكبر المشاهد التي تهز الوجدان رؤية الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك وهو يدخل قفص الاتهام مع أبنائه وحاشيته وبعض وزرائه، ليحاكم على جرائمه ضد شعبه، مشاهد تهز المشاعر لا من باب التعاطف، وإنما من عجائب تصريف الله عز وجل للأمور والأحداث.
تواردت مع هذا المشهد خواطر عدة، تذكرت في بدايتها قول الله تعالى «قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير». وتذكرت قول الرسول عليه الصلاة والسلام «إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته»، والقول المشهور«إن الله يمهل ولا يهمل».
تذكرت السنة الإلهية أن الجزاء من جنس العمل، فكم من مظلوم أدخل السجون من دون محاكمة، وتعرض للتعذيب والتنكيل، وبعضهم صدرت عليهم أحكام من دون أن تتاح لهم فرصة عادلة للدفاع عن أنفسهم، واليوم من كان وراء تلك المطاردات والمحاكمات، وانتهاك حقوق الإنسان هم من يكونون خلف القضبان.
تأملت الرئيس المخلوع وأولاده وهم في السجن فتذكرت يحيى البرمكي الذي أدخل السجن مع ولده في عهد هارون الرشيد فسأله ولده: يا أبت هل ترى ما نحن فيه بعد العز والجاه؟ فقال : يا بني دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها.
نظرت إلى أعداد المحامين الذين تكالبوا للدفاع عن الرئيس المخلوع وزبانيته، فتذكرت قول الله تعالى «ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا».
تخيلت تلك المحاكمة الربانية التي سيقف خلالها الرئيس المخلوع أمام الله تعالى يوم القيامة، وحيداً فريداً بلا محامين ولا حاشية ولا أولاد ولسان حاله يقول «يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانية»، ولحظتها لن يستطيع إنكار الجرائم التي ارتكبها كما فعل في جلسة المحاكمة، فالله تعالى لا تخفى عليه خافية.
هذه المحاكمة والتي اعتقد أنها ستطول كثيراً، وبغض النظر عن الأحكام التي ستصدر عنها، فأعتقد أنها قد شفت شيئاً مما في قلب الشعب المصري بل والشعوب العربية، وهي ترى انتقام الله عز وجل من أحد أشهر طغاة العصر.
من الجدير الإشارة إلى أن من مميزات هذه المحاكمة أنها محاكمة شعبية خالصة، لم تأت بناء على سلطة أعلى منها وهي الاحتلال الأجنبي كما حدث مع المجرم صدام حسين.
هناك مسرحية يستخدمها المجرمون ويحاولون من خلالها كسب التعاطف، وهي حمل المصحف، وكأنهم يقولون نطالب بمحاكمة عادلة، أو أنهم قريبون من الله، أو أنهم حريصون على تطبيق ما في كتاب الله، وقد تكرر الأمر مع صدام وزبانيته، واليوم نشاهد جمال مبارك يؤدي المشهد نفسه، ونقول لهم أين أنتم من كتاب الله يوم نهبتم ثروات الشعب، وأين أنتم من الدماء التي سالت والأرواح التي أزهقت، والتي جاء تحريم التعدي عليها في الكتاب الذي تحملونه؟
إن منظر الرئيس المخلوع وهو يتلقى التهم من محامي الادعاء والنيابة العامة، وهو خلف القضبان لا يملك الكلام إلا بإذن، لتشير إلى مدى المذلة والمهانة التي يتعرض لها ذلك الظالم، ولا نملك إلا أن نقول اللهم لا شماتة. إن في محاكمة الرئيس المخلوع وحاشيته درسا وعظة لمن يسيرون على نهجهم، فهل يتعظون؟
وكتبه: عبد العزيز صباح الفضلي