الدكتور جيلالي بوبكر
العدل أساس استقامة الحياة

سنّ الله لحكمته هو سننا لا تتبدل ولا تتخلف، في الإنسان وفي الطبيعة وفي الكون عامة، سنن جعلت الخلق الإلهي غاية في الدقة والضبط والإحكام، وقمة في النظام والروعة، وفي منتهى الكمال الإبداعي الملهم من الكمال الإلهي في الذات والصفات والأفعال. والعدل سنّة كونية جلية في الخلق الإلهي وثابتة فيما بين المخلوقات من روابط غير منتهية منفصلة أو متصلة أو غير ذلك، مما يقع عليه الحس بصرا ويُلم به العقل إدراكا ويحيط به الشعور وعيا ويعيشه القلب ذوقا وبصيرة، ومما لا يقع عليه كل هذا وبان بالبيان الرباني قصصا وحكما ومواعظ، وما دوّنه التاريخ وسجلته الذاكرة الإنسانية على مرّ العصور، كل هذا يجمع على أحقية العدل في كونه حقيقة ثابتة وغاية تندفع إليها النفس الإنسانية بالفطرة، وتنحو الطبيعة في اتجاهها وفق ضرورة وحتمية تنفي كل ما لا يوافقها بل تضرب بقوّة مضاداتها من غير تردد، ويسعى إليها الاجتماع البشري مهما كان شكله ضمانا لتكوينه وبنيته واستمراره على القوّة والمنعة من الضعف والانهيار، والعدل حقيقة ثابتة مقررة في جميع الدساتير السماوية والوضعية، تطلبها الإنسانية أفراد وجماعات منذ بدايتها الأولى إلى الآن، فعلى وجه الحق المطلق من كل قيد أو شرط جاء العدل بالتأكيد المطلق الإلهي والإنساني التاريخي مرعيا بالتأييد المطلق، كونه سنّة وضرورة وحتمية تستقيم عليها الحياة والمجودات في الكون، في مقابل ما يلحق الحياة والموجودات من اختلال وفساد عند تعطيل فعل العدل والسماح لما يناقضه من أفعال لا تنصف الإنسان والتاريخ والكون.
ارتبطت كلمة عدل نكرة بالجذر الثلاثي الحروف، وهو ع، د، ل. وارتبط بهذا الجذر عدد من الألفاظ كلها تتصل بفكرة الإنسان عن العدل، من منطلق أبعاد الفكر الثلاثة اللّفظ والمعنى والشيء، وأبرز هذه الألفاظ عدالة واعتدال وتعديل وغيرها، وجميعها يقترن بالمطلوب من العدل في توفير الإنصاف والاستقامة، والحصول على كل ما من شأنه لا يذر لغير مضامين ومحتويات الاستقامة والإنصاف مكانا في تصور الإنسان لحياته وللطبيعة ولسائر المخلوقات في هذا الكون الفسيح البديع، فلفظ عدالة مؤنث لا تخرج عن كونها في لغتنا العربية رجاحة وتوازن ومساواة بين أمرين أو أكثر، واتسع مجال استعمال اللفظ ليشمل كل فعل وطبعا من ورائه فاعل، فنقول العدالة الإلهية وعدالة الطبيعة وعدالة الرأي والموقف والعدالة الاجتماعية وغيرها، ويقابل فعل العدالة كل فعل يعارضه، ولفظ اعتدال مقرون بكل حركة في الطبيعة والإنسان والكون تكون على درجة معتبرة من الاستقامة والتسوية والتوازن، ويقابل المعتدل بالتعارض والتناقض الأعوج والأفلج والمختل والفاسد، أما لفظ تعديل ومنه عدّله تعديلا ومعدّلا يعني سوّاه ورجّحه أو أحكمه وضبطه أو غيّره وبدّله وحوّره، فالتعديل يعني التسوية والترجيح والتغيير في اتجاه الاستقامة وتجاوز نقص وخلل ما هو إلى الأفضل في ما يجب لأن يكون. معاني الألفاظ الثلاثة وغيرها مما يرتبط بجذر ع، د، ل في الاشتقاق اللّغوي كلها تتقاطع جميعا وتماما في الدلالة التي يتضمنها حدّ العدل ويستقر عندها.
لفظة عدل في اللّغة العربية تُطلق على جميع المعاني التي تفيدها الحدود اللّغوية التي تنتمي إلى عائلة جذر ع، د، ل، ومنها الرجاحة والتسوية والمساواة والتوازن والإنصاف والوزن بالقسط وغيرها، كما يدل العدل على عدد من القيّم، مثل الحق والخير والعلم والفكر والعمل والجمال وغيرها، وتتعدد مضامين العدل من خلال الاستعمال الدلالي الذي يتميز بالكثرة والتنوع والتغيّر لكثرة وتنوع وتغيّر سياقات وظروف الاستعمال اللّفظي. فالعدل الإلهي صفة إلهية وخاصية ربانية وفعل الخالق الذي يعني أنّ الله خلق كلّ شيء بقدر وخلق الإنسان وسوّاه وكرّمه أيّما تكريم وفضّله على كثير من مخلوقاته وكلّفه، وأمام هذه المسؤولية المؤسسة على التكليف في ضوء نور العقل وبصيرة القلب وحرية واختيار الإرادة يقوم الجزاء ثوابا أو عقابا ويتحمله صاحبه لا غير في مجال الزمان والمكان الممنوح للإنسان للتحرك فيه بحرية وعلم وبصيرة مع إجازة الخطأ والعودة عنه بمقتضى العدل الإلهي وعفوه ورحمته بعباده، فهو العفو الغفور الرحيم العادل المقسط، وما زيّن لفظة العدل وفعل العدل في النفوس السليمة هو اقترانهما باسم الله وبذاته وصفاته وأفعاله، فما أعظم العدل وأجلّه اقترانا بالعادل المقسط العظيم بربّ العرش العظيم اسما من أسمائه وصفة من صفاته وفعلا من أفعاله.
والعدل في الطبيعة وفي الكون، الطبيعة الإنسانية والطبيعة الموضوعية الخارجية وسائر عوالم الكون الفسيح يتلمسه الإنسان حسّا وعقلا وبصيرة وذوقا ووجدانا ومن خلال حركة العمل والاجتهاد، ويبرز بجلاء في الحتمية الكونية التي تحرك الكون وتحكمه في سائر مكوناته مهما صغرت أو كبرت قلّت أو كثرت، وفيما تشهده هذه الحتمية الكونية من تناغم وانسجام واتساق في النظام كفاية وتماما وكمالا في دقة وإحكام وضبط الظاهرة الكونية مهما كان نوعها حركة وتكوينا وبنية وأثرا وتأثرا، صورة العدل الطبيعي الكوني تشهدها بنية البشر البيولوجية والنفسية والعقلية والاجتماعية، كما تعرفها سائر الظواهر الكونية جغرافية وفلكية وفيزيائية وبيولوجية وجيولوجية وغيرها، كل شيء في الكون يجري لمستقر له ومحسوب بقدر وبسنن تحفظ وجوده وتوازنه وحركته وتحقق العدل لضمان القوامة الكونية والقوامة الإنسانية جزء منها، لتتحقق المشيئة الإلهية ويتجسد العدل الإلهي في الكون وسننه، وفي كل ما ليس للإنسان يد فيه، ولا يقدر الإنسان أبدا على الإتيان بما يخرج عن سنن الله طوعا أو كرها، اندماجا أو اعتزالا، اجتهادا وتجديدا أو سكونا وتراجعا وانحطاطا.
ومن العدل التوازن بين المادة والروح في الوجود الإنساني، بين الديني والدنيوي، بين الأخلاقي واللاّأخلاقي، بين المثالي والواقعي، بين طرفي ثنائيات عدّة كل منها تواق هو الإنسان إلى ضمان الإنصاف والاستقامة بين الطرف الأول والطرف الثاني من خلال الاستقرار ضمن نقطة وسطى منصفة ومقسطة، وبغض النظر عن كون الإنسان ينصف في تعاطيه مع الثنائيات أو لا ينصف فإنّه من عدل وإنصاف الطبيعة أنّه مجبول على كونه روحا وجسما، ومادام للجسم حاجاته فالروح لها مطالبها، والقيّم الأخلاقية العليا مطالب الروح الطيبة اللّوامة والمطمئنة، أما ما ساء من الأخلاق وفسد من الآداب فهو مرتع الأنفس الخبيثة والأمارة بالسوء، فأساس التوازن في الحراك البشري بين طرفي كل ثنائية من الثنائيات المتاحة بطرفيها والمطلوب الاجتهاد في ذلك هو العدل باعتباره إنصافا في الوزن واستقامة في القسط. تريح النفوس والضمائر وتستقر عليها العقول وتطلبها القوانين الأخلاقية والدينية.
فإذا كان العدل حتمية كونية خارج العالم الإنساني فهو ضرورة إنسانية لضمان القوامة والخلافة بواسطة الاعتدال والاستقامة والعدالة في الوجود الإنساني بمختلف جوانبه وفي ارتباط هذه الجوانب بعضها مع بعض، على المستوى العاقل في التوازن الفكري في التصورات والفهوم والمواقف وسائر الاتجاهات في التعاطي مع الأنا ومع الغير ومع الكون ككل، وعلى المستوى الذاتي الشعوري الإرادي وغير الشعوري في التوازن بين اللذات والآلام والعواطف والميول والرغبات وسائر الانفعالات في التفاعل سلبا أو إيجابا مع محتويات الأنا وما يشمله العالم الخارجي والإنسان جزء منه يتبادل معه التأثير والتأثر، أما على المستوى البيولوجي فالحتمية البيولوجية في ارتباطها بالحتميات الطبيعية الأخرى يتحقق العدل بمدى مراعاة الحتمية البيولوجية، وعدم الاكتراث بها مؤداه إلى الاختلال وفساد حياة الإنسان ككل على المستوى العاقل والنفساني والجسماني وغيره،
فلا تستقيم الحياة الإنسانية في صورتيها الفردية والاجتماعية إلا بالعدل الذي هو أساس الوجود البشري ذاته، وما دام الوجود البشري في جانب منه روحانيا أخلاقيا فالعدل قيمة خلقية في ذاته مطلوب لذاته لا لغيره فهو بهذه الدلالة قيمة خلقية عليا سمحة ليس مرغوبا فيها لإيجابيتها ونفعيتها على حياة الإنسان وعلى الكون ككل وإنما مرغوب فيها لعينعا ولخيريتها في ذاتها، ولما يبلغ التعاطي الإنساني مع القيم الخلقية العليا هذه المرتبة فيضطلع الأنا الأخلاقي بمهام سوق الإرادة إلى تفضيل هذه القيم على غيرها، متحديا تحدّيات اللاأخلاقية بمختلف صورها ومحتوياتها التي كثيرا ما تطغى ويتسع مجالها فيكون فيها الإنسان أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان ويغيب التفرد البشري وينمحي التفضيل الإلهي له ولم يعد مكرّما.
يتضح مما سبق أن العدل ضرورة طبيعية على مستوى الطبيعة الخارجية والكون إجمالا، وفي الإنسان على المستوى البيولوجي وعلى المستوى الفكري وعلى المستوى السيكولوجي، هذه الضرورة تفرض التوازن الذي هو شرط استمرار الكون والطبيعة والإنسان أمام الاختلال الذي كثيرا ما يؤثر في الحياة وتأثيره وُجد لضمان التوازن الكوني والطبيعي والإنساني، ففي صراع الأضداد وفي الجدل والتناقض ينتج ما يحرك الكون نحو التوازن والاستقامة وما يدفع الإنسان نحو الاضطلاع بالقوامة والخلافة، فالأزمة تلد الهمة، والموت يذكر بالحياة، والاستبداد يصنع الأحرار، والجهل يدفع إلى رفع التحدي بالعلم والبحث والإبداع، والظلم يُقهر بالتصدي له وعيا وثقافة وسلوكا، أي باتخاذ كل ما يسمح بترسيخ قيم العدل وغرسها في النفوس والبحث عنها في السلوك في مختلف مستوياته، لأن العدل لا يقف عند فردية البشر بل أكثر ما هو مطلوب في الاجتماع الإنساني، فالإنسان حيوان اجتماعي ومدني بطبيعته، ينفر من العزلة وينحى صوب الاجتماع، يرتبط بأخيه الإنسان، يتفاعل معه نفعا وضررا، وتحتاج استقامة هذا التفاعل من الجميع أو من بعضه أو من قليل منه إلى تمثل العدل والعدالة والاعتدال في الفكر والمعتقد والمعاملة وسائر الأخلاق والآداب.
العدل كما رأينا من قبل قيمة أخلاقية في ذاتها، لكن الخيرية الذاتية في العدل والإيجابية الأخلاقية في الإنصاف ليست دوما منزهة عن البراغماتية الفردية والاجتماعية، فالأخلاق ذاتها ارتبطت بالوجود الاجتماعي، ولولا الاجتماع البشري ما احتاج الإنسان إلى الأخلاقية، وهو ما يعوّل عليه كثيرا الاجتماعيون في مقابل اتجاه النزعة الفردية، فمن العدل إيجابيته الاجتماعية ومن العدل استلهامه اجتماعيا من الفردية وفرديا من الاجتماعية، وهكذا مع أركان الوجود ككل، فمن الوجود الإلهي نحو الأسفل وعالم المخلوقات نزولا ومن الوجود السفلي نحو الأعلى وعالم الكمال صعودا، فالعدل مطلب اجتماعي، قوته في إيجابيته اجتماعيا على مستوى التواصل والحوار والتسامح والتعايش، وعلى مستوى توزيع الثروة، وعلى مستوى التناسب بين ما يؤخذ وما يُعطى أي بين الحق والواجب وفي القصاص بين الجريمة والعقوبة والتساوي في الفرص وبين الكفاية والاستحقاق وفي ما تتطلبه الحياة الاجتماعية من عدل واعتدال وعدالة من شأنه يسوق المجتمع نحو الخلافة والقوامة والاستقامة والإبداع والحضارة والازدهار.
سجلت الذاكرة الإنسانية ولازالت تسجل بدون توقف عن الكون والطبيعة والوجود الإنساني الفردي والاجتماعي أنّ العدل حقيقة ثابتة وسنّة كونية في اتجاه الاستقامة والإعمار، والحياد عنها هو حياد عن الفطرة والطبيعة، والحياد عن الفطرة والطبيعة هو هدر للوسع وضياع للوقت وكسر للعزيمة وانهزام للإرادة وسقوط في وحل التخلف، وأنّ العدل ضرورة إنسانية لا سبيل للتقليل من شأنها في جو المال أو السلطان أو الجاه أو الغلبة أو غيرها مما ينسي الإنسان حقيقته فيصارع الحق والقدر ويحيد عما فُطر عليه، وأنّ العدل قيمة خلقية عليا ومطلب اجتماعي يؤسس للملك العضود وصفة من صفات الله العلا ومن أسمائه الحسنى. قوله تعالى: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب".
الأربعاء 03 رمضان 1432 هـ
الموافق 03 أوت 2011 م