صُوَرٌ مِنْ بَلاغَةِ الأَطْفَاْلِ

منقول من المجلة العربية العدد :( 416 ) رمضان 1432هـ - أغسطس 2011م

نعلم جميعاً أن مرحلة الطفولة هي أروعُ المراحل التي يمر بها الإنسان في رحلة حياته, وأن الطفولةَ كلما ذُكرت فإن البراءةَ والطهر والنقاء تُذكر معها.....ويجول في خواطرنا قول الشاعر:
وصن ضحكةَ الأطفال يا رب إنها إذا غرّدت في ظامئ الرمل أعشبا

كما أننا عندما نطالع سيَر العظماء, ونعود إلى مراحل صباهم, فإننا نرى أن النجابة والإبداع والذكاء ظهرت بوادرُه في وقت مبكر من حياتهم....وخاصةً العلماءُ منهم, فلهم ذكرياتٌ مع الطفولة لا تُنسى, وهم لا يزالون في مرحلة الطلب, فهذا الإمام سفيان بن عيينة يصف نفسه عندما كان صغيراً.وهو يتحدث عن بداية حياته, مخاطباً النضرَ الهلالي:
لو رأيتني يا نضرُ ولي عشر سنين, طولي خمسة أشبار, ووجهي كالدينار, وأنا كشعلة نار, وثيابي صغار, وأكمامي قصارٌ, وذيلي[أسفل الثوب] بمقدار, ونعلي كآذان الفار, أختلف إلى علماء الأمصار, كالزُّهري وعمرو بن دينار,أجلس بينهم كالمسمار. محبرتي كالجوزة, ومقلمتي كالموزة, وقلمي كاللوزة. فإذا أتيت قالوا:
أوسعوا للشيخ الصغير ! ثم ضحك !....(1)
وعندما نقرأ في القرآن الكريم ونتأملُ فيه نرى أن الله جل وعلا يخبرنا أنه آتى يحيى الحكمَ صبياً, وأن قوم إبراهيم قالوا: سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم,كما حدثنا عن أصحاب الكهف:إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى.....والآيات القرآنية في هذا الصدد كثيرة جداً,فطفولة الأنبياء ومن ذكرهم الله في كتابه الكريم طفولةٌ تدل على الفهم والإدراك وسبق الزمن والعمر..
وعندما نتحدث عن الأطفال النجباء فإننا نتذكر طفولةَ بعض الصحابة, فهذا ذو نَهَمٍ شديد بطلب العلم,وهذا ذو شوق للجهاد في سبيل الله حتى يحظى بالشهادة, وغيرُه يتعارك مع صديقه ليصرعَه أرضاً ويبرهنَ بذلك على قوته حتى يقبَلَهُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم في المعركة,وذلك كما حصل مع سمرةَ بنِ جندب ورافعِ بنِ خديج.... ومن محبة الأطفال للجهاد في سبيل الله ما يقصه علينا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو يحدثنا عن أخيه عمير رضي الله عنه, قال : رأيت أخي عميرَ بن أبي وقاص يتوارى قبيل بدء معركة بدر , فقلت : مالك يا أخي؟, قال: إني أخاف أن يراني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرَني فيردَّني, وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة.
قال: فعُرض الجيش على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه, فرده لصغره, فبكى أخي عميرٌ فأجازه مرة أخرى.
فكان سعد رضي الله عنه يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره, فقتل وهو ابن ستَّ عشْرةَ سنة.(2)

ونماذجُ الطفولة الذكية المبدعة الخلاقة في حبها للجهاد وشغفها بطلب العلم ظهرت عند كثير من الصحابة في سن مبكرة, كما قرأنا في سيرة ابن عباس وابن عمر وأسامة بن زيد ومعاذ ومعوِّذ..... رضي الله عنهم أجمعين.
وسنسوق في هذه العجالة بعضَ الصور والنماذج الرائعة للأطفال البلغاءِ المبدعين من الصحابة وغيرهم وفي ميادين شتى , وإنني سأهتم بجانب واحد من جوانب ذكاء هؤلاء الأطفال , وهو الأجوبة البليغة التي يعجز عنها الكبارُ, والتي تأتي محكمةَ السَّبك, رصينةَ العبارة, ثابتةً كثبوت الجبال , تدلُّ على بلاغة وبيان, مع ثقة الطفل المتكلم بها بنفسه, واحترامه لمن يخاطبه.....
فعندما مرّ عمرُ بن الخطاب بعبد الله بن الزبير وهو صبي يلعب مع الصبيان, ففروا ووقف, فقال له: مالك لم تفر مع أصحابك؟ قال :يا أمير المؤمنين, لم أجرم فأخافَ, ولم تكن الطريق ضيقةً فأوسّعَ لك.
وكذلك ما ذكر من أن إياس بن معاوية تقدم وهو صبي إلى قاضي دمشق, ومعه شيخ فقال: أصلح الله القاضي, هذا الشيخ ظلمني واعتدى عليّ وأخذ مالي, فقال القاضي: أرفق به ولا تستقبل الشيخ بمثل هذا الكلام! فقال إياس: أصلح الله القاضي, إن الحق أكبرُ مني ومنه ومنك. قال: اسكت, قال: إن سكتُّ فمن يقوم بحجتي؟ قال: تكلم , فوالله إنك لا تتكلم بخير فقال إياس: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, فرفع صاحب الخبر هذا الخبر إلى الخليفة فعزل القاضي وولى إياساً مكانه.
ثم يروي لنا الأصمعي هذه الحادثة فيقول: قلت لغلام حدَثِ السن من أولاد العرب: أيسرك أن يكون لك مائةُ ألف درهم وإنك أحمق؟ فقال: لا والله, قلت :ولم؟ قال أخاف أن يجني عليّ حمقي جِناية تُذهب مالي, ويبقى عليّ حمقي.
وأُدخل على الرشيد صبي له أربع سنين فقال له: ما تحب أن أهب لك, قال: حسنُ رأيك.
بل قد تكون فتاة صغيرة , وتأتي بكلمة تسكت الرجل ولا ينبس ببنت شفة في الجواب .قال بشر الحافي: أتيت باب المعافى بنِ عُمران فدققت الباب, فقيل لي: من؟ قلت بشر الحافي, فقالت لي بنية من داخل الدار: لو اشتريت نعلاً بدانقين ذهب عنك اسمُ الحافي. (3)
بل قد تنقذ الفتاة الصغيرة أباها من القتل عندما تحسن الكلام , فكيف بها إذا كنت تحسن نظم الشعر, وذلك كما حصل مع يزيدُ بن زبيبة الشيبانيُّ الذي عاش دهراً طويلاً حتى لحق زمن الحجاج, وسعى مع ابن الأشعث، فظفر به الحجاجُ وورد عليه كتابُ عبد الملك بنِ مروان يأمره بقتله,فلبس ثياباً بيضاً, وتهيأ للقتل وركب, وخرجت نساؤه حتى أتينَ باب الحجاج, فلما أدخل يزيد عليه، قال له الحجاج: أنت يزيد بن قرة؟ قال: نعم. قال: قتلني الله إن لم أقتلْك. قال: نشدتك الله أيها الأمير أن تقتلني، فإني قيِّم أربع وعشرين امرأةً، ليس لهن قيّم سواي. قال: ومن يعلم ذلك؟ قال: هُنّ بالباب. فأمر بإدخالهن، فكل واحدة تقول: اقتلني ودعه. فيقول: من أنت؟ فتقول: عمتُه أو خالته أو بنته أو بنتُ أخ أو بنت أخت، حتى اجتمعن بين يديه قياماً، فقامت بنيةٌ له صغيرة. فبكت بكاء حاراً موجعاً محرقاً, وأنشأت تقول:
أحجَّاجُ إمـا أن تـمُن بنعمةٍ ... عليـنا وإمـا أن تُقتّلنا مـعاً

أحجاجُ كم تُفجعْ به إن قـتلته ... ثمانيَ عشرٍ واثنـتين وأربـعـا

أحجاجُ لو تسمعْ بكاءَ نسـائه ... وعماتِه ينـدبنه الليلَ أجـمعـا

أحجاجُ من هـذا يقومُ مقامَـهُ ... علينا، فمهلاً لا تزدنا تَضَعْضـعا

أحجاجُ هَبْـهُ الـيومَ للهِ وحده ... وللـباكيات الصارخات تفجُّعا

فرقَّ لها الحجاج وبكى، وكتب في أمره إلى عبد الملك " يصف ما جرى " فكتب إليه: إن كان حقاً فاعفُ عنه، وألحق عياله في العطاء، ففعل.(4)
كما أن الخيرَ والنفع قد يعم البوادي عندما يتكلم طفل بكلام بليغ فصيح بين يدي الخليفة وذلك كما حصل مع دِرْواس بن حبيب فقد حُكي أن البادية قحطت في أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت عليه العرب، فهابوا أن يكلموه، وكان فيهم دِرْواسُ بن حبيب، وهو ابن ست عشرة سنة[ وقي بعض المراجع ابن أربع عشرة سنة]، له ذُؤابة، وعليه شملتان، فوقعت عليه عين هشام، فقال لحاجبه:
ما شاء أحد أن يدخل عليّ إلا دخل حتى الصبيانُ!، فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقاً فقال:
يا أمير المؤمنين إن للكلام نشراً وطيّاً، وإنه لا يُعرف ما في طيّه إلا بنشره، فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشرَه نشرتُه، فأعجبه كلامُه، وقال له: انشره لله درك!، فقال:
يا أمير المؤمنين إنه أصابتنا سنون ثلاثٌ: فسنة أذابت الشحم, وسنة أكلت اللحم، وسنة دقَّت العظم، وفي أيديكم فُضول أموالٍ، فإن كانت لله ففرّقوها على عباده، وإن كانت لهم، فعلام تحبسونها عنهم؟!، وإن كانت لكم، فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، فقال هشام: ما ترك الغلام لنا في واحدةٍ من الثلاث عُذراً. فأمر للبوادي بمائة ألف دينار، وله بمائة ألف درهم، ثم قال له: ألك حاجة؟ قال: ما لي حاجةٌ في خاصة نفسي دون عامة المسلمين، فخرج من عنده وهو من أجلِّ القوم.(5)
وما أجمل جوابَ حسن بن الفضل , بل لله دره كيف أسكت الخليفة ببيانه! فقد دخل حسنُ بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم, فأحب حسنٌ أن يتكلم, فزجره الخليفةُ, وقال : أصبيٌّ يتكلم في هذا المقام؟ فقال: يا أمير المؤمنين, إن كنت صبياً فلست بأصغرَ من هُدهد سليمان, ولا أنت أكبرُ من سليمان عليه السلام, إذ قال: ( أحطت بما لم تحط به), ثم قال: ألا ترى أن الله فهّم الحكم لسليمان, ولو كان الأمر بالأكبر لكان داودُ أولى. (6)
وما أشد ذكاء الفتح بن خاقان عندما أجاب عن أسئلة المعتصم, مع أنه لا يزال في ريعان الصبا, والقصة مشهورة عندما ركب المعتصم إلى خاقان يعوده, والفتح صبي يومئذ, فقال له المعتصم:((أيما أحسن: دار أمير المؤمنين أو دار أبيك؟)) قال: (( إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي, فدار أبي أحسن )), فأراه فصا [ خاتما ] في يده, فقال: ((هل رأيت يا فتح أحسن من هذا الفص ؟)) قال: نعم, اليد التي هو فيها )).(7) .
وهكذا رأينا أن البلاغة لا تقتصر على الكبار دون الصغار , ولا على جنس دون جنس, وصغارُ اليوم هم كبار قوم آخرين,وعلى كل الأحوال, ما رأينا إنساناً مبدعاً في رجولته إلا وكانت علاماتُ النجابة والفصاحة والبلاغة ترتسم عليه في طفولته.
وهذا غيضٌ من فيض عن بلاغة الأطفال وفصاحتهم, وتاريخنا حافلٌ بالكثير الكثير من أمثال هذه الصور والمواقف ......وليس لي إلا أن أقول لأطفال اليوم:
فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلَهُم إن التشبهَ بالـكرامِ فـلاحُ

مصطفى قاسم عباس
ـــــــــــــــ ــــــــ
(1) - سفيان بن عيينة شيخ الإسلام وحافظ العصر- محمد خير رمضان يوسف, ط: (1) , 1415هـ - 1995 م , دار ابن حزم, ص:7 -8
(2) - نوادر الكتب غريبها وطريفها _ محمد خير يوسف_ط: 2 1425 هـ مكتبة العبيكان ص:44
(3) - الأذكياء, ابن الجوزي, تـ : أسامة عبد الكريم الرفاعي,مكتبة الغزالي , 1985 م ص: 242- 246
(4) - أشعار النساء ,المرزباني. وانظر:المحاسن والمساوئ لإبراهيم البيهقي, و نوادر الكتب غريبها وطريفها _ محمد خير يوسف ص: 46 - 47
(5) - المستطرف في كل فن مستظرف, الأبشيهي
(6) - دكانة الكتب, رحلة إلى جزر التراث, محمد خير رمضان يوسف, ط:1 ,1419هـ, دار ابن حزم, ص:247
(7) - علو الهمة, محمد أحمد إسماعيل المقدم, المكتبة التوفيقية ص:357