اطلعت كغيري على البيان الذي أصدره عدد من الأطباء النفسيين لمساندتهم - بظلم - زميلهم الطبيب النفسي طارق الحبيب ، وأنا حينما قلت (بظلم ) فإني سأبينه لإيضاح الحقيقة التي دلَّس عليها معسول بيانهم ومغازلتهم المكشوفة.

الدكتور طارق الحبيب لديه إشكال حول حكم الشريعة الإسلامية في جواز تزويج البنت الصغيرة برجل أكبر منها بفارق كبير ، أو زواج الرجل من امرأة أكبر منه بفارق كبير ، وهذا الإشكال هو موجود أصلا في البيان الذي أصدره عدد من الأطباء النفسيين .
فطارق الحبيب ذكر أن الفرق المحتمل بين الزوجين من 3-5 سنين، كما نص على أن الزيادة على ذلك خطأ ..

هذا هو الإشكال الحقيقي معه ، فهو يصف عدم التقارب في السن بين الزوجين بأنه خطأ مع ان الشريعة أجازته، والشريعة معصومة لا خطأ فيها البته .
فقد أباح الله الزواج بين الرجال والنساء، ولم يأت في ذلك حد كما يدعي هذا، وقد زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم بنته أم كلثوم سنة 3هـ زوَّجها عثمان وكان عمره نحو 50 سنة، وبينه وبينها أكثر من 20 سنة على أقل تقدير.
وكذا تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم والفارق بينهما نحو 46 سنة، وحصل مثل ذلك كثير في حالات لا يمكن حصرها، وعلى هذا جرى عمل المسلمين قديما وحديثا، وأجمعوا عليه. نعم التقارب بين الزوجين في السن حسن لكنه ليس بواجب كما أن عدم التقارب ليس خطأ .

يقول طارق الحبيب : ( هل يشرع ـ وهذه أهديها إلى علماء الشريعة ـ زواج الكبير بالصغيرة أقول: لا ) !!

فالدكتور الحبيب مشكلته مع الحكم الشرعي، فجعل الحكم الشرعي خطأ وقال إنه لا يُشرَع ، وجعل حكم تفسيراته النفسية الذي يزعمه هو الصحيح . وهذا ما تابعه فيه البيان حين قال موقعوه ( أدرك الأستاذ الدكتور طارق الحبيب أنه أخطأ باستعماله "المفردة الصح" في "الموقع الخطأ" ).

المفردة التي يقصدونها ويدلسون بها هي ( الوصف بالنقص في الشخصية ) . يقولون إنها صحيحة لكن لا يصح بها وصف النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبل نبوته كما فعل طارق الحبيب .

ولا أدري كيف تكون المفردة صحيحة في سياق كلامهم؟!! يعني هل غير النبي إذا كان لديه نقص في شخصيته ويحتاج أكبر منه لتعويض حنان الأم أو لديه احتياج أن يكون كالأب لزوجته بالرعاية يُفضل له أن يتزوج امرأة أكبر منه بفارق كبير أو أصغر منه بفارق كبير؟! مما يدل على أن من أراد حياة تعامل الأزواج مع زوجاتهم لا يصح له ذلك وأن حكم الزواج بهذا الفارق الكبير خطأ !!

مع إن الشريعة الإسلامية لم تشترط لجواز ذلك إذا كان الرجل فيه نقص في الشخصية سواء بوفاة والديه أو من لديه احتياج الأبوة والرعاية ، والأدلة السابقة من زواج عثمان بأم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه سلم وزواج عمر بأم كلثوم بنت علي مع فارق السن بينهم وبين زوجاتهم كل ذلك يدل على أن هذا الشيء جائز في الشرع دون النظر في الرجل هل به نقص أم لا وهل يحتاجها كزوجة أو كأم أو سيكون لها كأب..

فالموقعون على البيان يقصدون ما قرره الحبيب من أن زواج البنت الصغيرة من رجل أكبر منها بفارق كبير خطأ لمن كان ليس لديه نقص في شخصيته أو لم يكن زواجه لرعاية الزوجة كأب لها، فهم يقفون معه في نفس الخندق الضيق الكئيب؟! أرادوا مساندة حكم طارق الحبيب التأصيلي وهو ( خطأ تزويج البنت الصغيرة برجل أكبر منها بفارق كبير ) فهل هذا التأصيل صحيح كما يزعمه الحبيب وكما دلس حوله مساندوه؟!

التأصيل نفسه خاطئ لأن ذلك يعارض الحكم الشرعي وهو ( جواز تزويج البنت الصغيرة برجل أكبر منها بفارق كبير ) ولو كان الحكم الشرعي خطأ لأنكرته الشريعة وحرمته لأن الشريعة لا تقر الخطأ وقد سبق ذكر شواهد من السنة النبوية.

وإن ادعى أن هذا باب يسبب خللا أو فجوة بين الزوجين وذكر لذلك وقائع، فيقال: يقع أكثر منها بين المتقاربين في السن، وهناك وقائع في ذلك لاتخفى.

ومشكلته السابقة التي اعتذر منها هي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاعتذر من ذلك لكن لاتزال مشكلته مع الشريعة حينما يقوم بتخطئة ما تجيزه الشريعة بزعم التحليل النفسي دون إسناد ما يقوله إلى دراسات علمية، وإنما تحليل شخصي منه لا أقل ولا أكثر، وحتى لو كانت هناك دراسات تخالف الشريعة فإنه يُضرَب بها عرض الحائط ، وكم من الدراسات التي فتنت الناس تراجع عنها باحثوها لأنه تبين لهم خطؤها مع الوقت ، فالعقل البشري قاصر وعلمهم المحض الذي لا يعتمد على الشريعة يطرأ عليه التغير والتراجع والخطأ ، بينما الشريعة ثابتة وشاملة ومعصومة لا يتطرق إليها الخطأ.

والذي جعل طارق الحبيب يسيء للنبي صلى الله عليه وسلم هو أنه قام بإيراد السؤال التالي - استطراداً بعد تخطئته للحكم الشرعي في تأصيله السابق - : ( كيف تقول هذا ونبيك صلى الله عليه وسلم يتزوج خديجة بفارق 15، ويتزوج صغيرة هي عائشة ؟ ).

والعجيب أن كثيرا من القراء أخذ عليه إساءته للنبي صلى الله عليه وسلم فقط ، فبمجرد اعتذاره من ذلك فقط عذره الكثير ، ومجمل اعتذاره في الحقيقة أنه أقر بخطئه في استعمال التفسير النفسي - الذي يراه صحيحا - في شخص النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله وحفظه وأعطاه الكمال البشري، وعلى هذا تابعه الموقعون على البيان من الأطباء النفسيين حينما قالوا عن توضيح اعتذاره( موضحا أنه أخطأ فيما ذهب إليه وأن ما نعده من منظورنا البشري "استنقاص" لسائر العباد، هو ليس كذلك للمصطفين الأخيار من الأنبياء والرسل، إن لم يكن "استكمالاً" لكمالهم. أوليس الذي جعل النار الحارقة برداً وسلاماً على خليله، بقادر أن يجعل ما هو "استنقاص" عند سائر خلقه، "استكمالاً" عند المصطفين من عباده. أوليس أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له "كن"... فيكون. )

فالخلاف ليس معه في ذلك كما سبق إيضاحه.

والعجيب أن طارق الحبيب يفسر بعض الأحكام الشرعية بالطريقة التي يجتهد فيها مع انه ليس مختصا في العلم الشرعي. كان يقول في برنامج فضائي بأنه لا يصح أن نغرس في الأطفال دون الثانية عشرة من العمر كره الكفار ، ويقوم بتفسيرات نفسية لذلك ، مع ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصلاة على الكفار وهو الذي حث الآباء على أمر أبنائهم بالصلاة لسبع وضَرْبِهم عليها لعشر دون أن يقول إذا دعوت على الكفار اخرجوهم من المسجد أو إذا أردت أن أدعو على الكفار أخبركم فلا تأتوا بهم للمسجد ، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع أن ابن سبع سنين وما فوق يفهم معنى الدعاء على الكفار وينبني على ذلك كرههم، وعقيدة ولاء المؤمنين ومحبتهم والبراء من الكافرين وكرههم هي أساس الدين وأصل الإيمان ، وفي الفاتحة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) وفي سور القرآن الأخرى آيات كثيرة في لعن الكفار على جهة العموم والبراءة منهم ، ومع ذلك لم ينهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعليم أبنائنا القرآن وفيه كل هذا .

فطارق الحبيب وزمرته يجيزون لأنفسهم الاجتهاد في أحكام الشريعة كما جاء في بيانهم( نعم اجتهد الدكتور طارق الحبيب واخطأ في اجتهاده وجلّ من لا يخطئ، ).

مع انهم يأثمون لو اجتهدوا في ذلك لأنهم سيكونون ممن يتكلم في الشريعة بغير علم ، والمجتهد في الشريعة له شروط مبحوثة في علم أصول الفقه لا تتوفر في هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم في تفسير أحكام الشريعة تفسيرات نفسية.

- نفس مشكلة يحيى الأمير تتكرر :

يحيى الأمير حينما وصف بالوحشية حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم ( ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء ) مع ان الحديث ثابت في الصحيحين قال إنه لم يقصد ذات النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذ يبرر دون أن يصرح بأن نظرته للحديث قد تغيرت ودون أن يصرح بالتوبة من نظرته السابقة للحديث ، هو لا يؤمن بأن المرأة أضر فتنة على الرجال، فالحديث عنده لا زال ذا معنى وحشي، وهذا يسيء لمقام النبوة ، ومع ذلك اعتبره عبدالعزيز قاسم في برنامج البيان التالي تائبا مع أنه لم يتب من حقيقة مشكلته من أن النساء فعلاً أضر فتنة على الرجال كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وإنما كانت مسرحية مكشوفة أدارها قاسم معه.
يحيى الأمير يعتقد بأن النساء ليسوا فتنه أضر على الرجال ، على خلاف ما يعتقده المصدقون لقول النبي صلى الله عليه وسلم.

طارق الحبيب وصف نبينا صلى الله عليه وسلم بالنقص في شخصيته قبل النبوة، مع ان النبي صلى الله عليه وسلم جُبِل على أتم الأخلاق والصفات، ورعاه الله أتم رعاية، من حين ولد، وقد ذُكرتْ أسباب ذلك مفصلة في كتب أهل العلم.

لكن الحبيب اعتذر من وصف النقص وسكت عن تخطئته للحكم الشرعي، ويحيى الأمير سكت عن نظرته لذات الحديث مبقيا على كلامه من أن الحديث ذا معنى وحشي وقام بتبريرات مكشوفة.

أنا أعلم الفرق بين منهج طارق الحبيب و منهج يحيى الأمير لكن المشكلة مع الحكم الشرعي تتكرر، كلاهما ضده.

ونحن نأمل من الدكتور طارق أن يعتذر ويتوب من مشكلته الحقيقية التي غفل عنها الكثير لكن الله لا تخفى عليه خافية، فليتق الله وليسلم بأحكام الشريعة ، فقد قال الله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ).