(الأبواق الكاذبة)

الكذب رأس المآثم، يهدي إلى الفجور، وهو مجمع الشرور، كما أن الصدق يهدي إلى البر، والبر يشمل كل خير، الكذب تَأَبَّتْهُ أخلاق الجاهلية الأولى، وهذا ما كان من أبي سفيان قبل إسلامه عندما سأله هرقل_أثناء وجوده في الشام_ عن نسب النبي –صلى الله عليه وسلم-، وعن دعوته وأتباعه، فأجابه بكل صدق، قال أبو سفيان: وايم الله، لولا أن يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الكذِبَ لَكَذَبْتُ.
لكن الكذب صار في عصرنا هذا شيئاً شائعاً، وصناعة رائجة، لها أبواقها ورجالها، وما ينبغي أن نسميهم رجالاً، بل هم أفّاكون محترفون، يحاولون _جهدهم_ أن يقنعوا الناس بأنهم أصدق من هدهد سليمان، وهم في الحقيقة أكذب من مُسَيْلِمَةِ بني حَنِيفةَ، وما أجمل قول القائل في هؤلاء وأمثالهم:
أَسْتَغْفِرُ الله لا فَخْرٌ ولا شَرَفُ
ولا وَفَاءٌ ولا دِيْنٌ ولا أَنَفُ

وقدْ أتوكَ بِمَيْنٍ منْ حديثهمُ
يَكَادُ يضْحَكُ مِنْهُ الحِبْرُ وَالصُّحُفُ

ظنٌّ بعيدٌ وأقوالٌ ملفقةٌ
تَخْفَى علَى الغُمْرِ أحياناً وتنكشفُ

ولا يغركَ منْ دعواهمُ قسمٌ
فالقومُ أكذبُ ما كانوا إذا حلفوا


والمرء إذا اعتاد سيء الأخلاق؛ انتكس واستمرأ الخطأ، وصار مثل ذلكم الفارسي الذي اشتُهر بالكذب؛ حتى سمّاه قومه جِرَاب الكذب، وكان يقول: إن منعتُ الكذبَ انشقَّتْ مرارتي، وإني والله لأجد به_مع ما يلحقني من عاره_من المسرة، ما لا أجده بالصدق، مع ما ينالني من نفعه.
الكذب، والنفاق، والحسد، أَثافِيُّ الذل، كما قيل، فمن جمع هذه الصفات الذميمة كلها، كان ذليلاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كان على خصلة من الذل حتى يدعها.
لا يكذب المرء إلا من مهانته...أو فعله السوءَ أو من قلة الأدب

يخرج علينا قومٌ بُهُتٌ في كل يوم بكذب أبلق، ولا يستحون من كذبهم، يحللون الأوضاع الراهنة، ويعلقون على أحداثها، ولا يكادون يَصْدُقون في شيء، فقولوا لنا ماذا نصنع مع هؤلاء:
لِي حيلةٌ فِيمنْ يَنُمْ ـمُ وَلَيْسَ فِي الكَذّابِ حِيلَهْ

مَنْ كانَ يَخْلُقُ ما يقو.........لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَهْ

تراهم يُتَوْبِلُون الكلامَ، ويفلفلونه، ويسعترونه، ويزوقونه، حتى تخاله صدقاً، وهو أكذب من لمعان السراب، إنهم يدينون بالكذب مذهبًا، ويستلينون الزور مركبًا، يلفقون وينمقون، وأقاويلهم يتمشى الزور في مناكبها، ويتردد البهتان في مذاهبها، فما هم إلا قذى العين، وشجى الصدر، وأذى القلب، وحُمَّى الروح، لقد ذكرني هؤلاء بالمهلب بن أبي صُفْرة في حرب الخوارج حيث كان يكذب لأصحابه؛ ليقوي بذلك جأشهم، فكانوا إذا رأوه مقبلاً إليهم قالوا: جاءنا بكذب. حتى قالت العرب في أمثالها: أكْذَبُ مِنَ الْمُهَلَّبِ.
وداء الكذب _أيها القراء_ إن تمكن من صاحبه، فمن العسير أن يتخلص من ربقته، قال يحيى بن خالد: رأينا شارب خمر نزع، ولصًا أقلع، وصاحب فواحش رجع، ولم نرَ كذابًا صار صادقًا.
وللكذابين عجائب وغرائب، قديماً وحديثاً، سأحدثكم عن طرف منها _إن شاء الله_ في مقال لاحق.