نفحات رمضانية - الصفحة 2
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 45

الموضوع: نفحات رمضانية

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    أدعية رؤية الهلال

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته إلى يوم الدين، أما بعد:

    فقد تعددت الروايات باختلاف أسانيدها، واتحاد معانيها ومقصودها عن نبينا - صلى الله عليه وسلم- في أدعية رؤية الهلال:

    - فجاء أنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى الهلال قال: ((الله أكبر، اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله))1.

    - وجاء عنه أنه قال: ((اللَّهُمَّ أهِلْلُه عَلَيْنَا باليُمنِ والإيْمَانِ، والسلامَةِ والإسْلامِ، رَبِّي ورَبُّك الله))2.

    - وجاء في مصنف ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة أن علياً - رضي الله عنه - كان يقول إذا رأى الهلال: "اللهم ارزقنا أهلة خير، اللهم إني أسألك فتح هذا الشهر وخيره، ونصره وبركته ونوره، ونعوذ بك من شره وشر ما بعده"3.

    - وعن إبراهيم النخعي - رحمه الله - قال: "إذا رأيت الهلال فقل: ربي وربك الله"، وعن أبي مسعود البدري - رضي الله عنه - قال: "لأن أخرَّ من هذا القصر أحب إلي من أن أفعل كما يفعلون، إذا رأى أحدكم الهلال كأنما يرى ربه"4.

    - وعن حسين بن علي قال: سألت هشام بن حسان أي شيء كان الحسن يقول إذا رأى الهلال؟ قال: كان يقول: "اللهم اجعله شهر بركة ونور، وأجر ومعافاة، اللهم إنك قاسم بين عبادك فيه خيراً؛ فاقسم لنا فيه من خير كما قسمت فيه بين عبادك الصالحين"5.


    اللهم آمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين، وصحابته الراشدين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

    ـــــــــ
    1 رواه الدارمي برقم (1625)، وصححه الألباني في صحيح الكلم الطيب برقم (162).
    2 رواه الترمذي برقم (3373)، وصححه الألباني في الصحيحة برقم (1816).
    3 رواه ابن أبي شيبة برقم (29747).
    4 رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (2/510).
    5 رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (2/510).



  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    لا تغضب

    شهر رمضان شهر مبارك تضاعف فيه الحسنات، وتمحى السيئات, وتعتق فيه الرقاب، من صامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه كما ثبت ذلك في الصحيح1, والصيام شأنه عظيم عند الله - تعالى - فكما ثبت الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنَّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم, والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك, للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه))2.

    ومن أبرز خصائص وأسماء شهر رمضان أنه شهر الصبر كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((صوم شهر الصبر وثلاث أيام من كل شهر؛ صوم الدهر))3، والصبر يعني التحمُّل وعدم الإسراع في الجهالة؛ وقد بـيَّن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أهمية الصبر خلال شعيرة الصيام وأمر باجتناب صفة الغضب الذميمة فقال مشيراً إلى ذلك: ((الصيام جُنَّة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم - مرتين -، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله - تعالى - من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها))4، وهذا غاية الأدب وحسن الخلق, فإنه يُذَكِّر نفسه بأنه صائم, ويُذَكِّر المعتدي بأنه صاحب أدب، وأنه إنما امتنع عن الرد على سبه لأنه صائم، إذ السباب والشتم مُذهِبٌ للأجر، وأرشد - صلى الله عليه وسلم - من طلب منه الوصية إلى ذلك كما في الصحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أوصني؟ قال: ((لا تغضب)), فردد مراراً، قال: ((لا تغضب))5, وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر من دعاء: ((اللهم إني أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا)) رواه أحمد6، فإن الغضب إذا اعترى العبد منعه من قول الحق أو قبوله، وقد شدّد السلف الصالح - رضوان الله عليهم - في التحذير من هذا الخلق المشين فها هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقول: "أول الغضب جنون، وآخره ندم، وربما كان العطب في الغضب"7، ويقول عروة بن الزبير - رضي الله عنهما -: "مكتوبٌ في الحِكم: يا داود إياك وشدة الغضب؛ فإن شدة الغضب مفسدة لفؤاد الحكيم"8، وقال بعضهم لابنه: "يا بني لا يثبت العقل عند الغضب، كما لا تثبت روح الحي في التنانير المسجورة، فأقل الناس غضباً أعقلهم"9، وقال آخر: "ما تكلمت في غضبي قط بما أندم عليه إذا رضيت"10.

    والغضب سبب في الظلم والجهل وذلك لأن الإنسان إذا غضب احمرت عيناه ووجهه، وفقد وعيه فلا يعي ما يقول, ولذلك نُهِيَ عنه.

    وحمل الجمهور النهي على التحريم كما قال ذلك الحافظ ابن حجر - رحمه الله -11, وقال ابن عبد البر - رحمه الله -: "قوله: فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ففيه قولان:

    أحدهما: أن يقول الذي يريد مشاتمته ومقاتلته إني صائم، وصومي يمنعني من مجاوبتك، لأني أصون صومي عن الخنا والزور، والمعنى في المقاتلة مقاتلته بلسانه، وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))12.

    والمعنى الثاني: أن الصائم يقول في نفسه: إني صائم يا نفسي، فلا سبيل إلى شفاء غيظك بالمشاتمة، ولا يعلن بقوله إني صائم لما فيه من الرياء، واطلاع الناس عليه، لأن الصوم من العمل الذي لا يظهر، وكذلك يجزئ الله الصائم أجره بغير حساب"13.

    ومن الصفات التي امتدح الله بها عباده المؤمنين في كتابه الكريم كظم الغيض، والعفو عمن صدر منه الجهل قال - تعالى -: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}14، فهذه الآية تشير إلى أن الناس ينقسمون إلى ثلاث مراتب: الأولى: من يكظم غيظه، ويوقفه عند حده، والثانية: من يعفو عمن أساء إليه، والثالثة: من يرتقي به سمو خلقه إلى أن يقابل إساءة الغير بالإحسان إليه.

    وحيث أن رمضان قد هبَّت نسائمه، وفاض عليله؛ فهذه دعوة صادقة منا إلى التحلي بخلق الحلم في هذا الشهر الكريم، والابتعاد عن خلق الغضب فإن الشيطان حريص على أن يفسد عبادة الإنسان.

    نسأل الله - تبارك وتعالى - أن يعيننا على الالتزام بالأخلاق الفاضلة, ومجانبة الأخلاق السيئة, والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    ـــــــــــــ
    1 رواه البخاري برقم (37) و(1905)؛ ومسلم برقم (759) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
    2 رواه البخاري برقم (1805)، ومسلم برقم (1151).
    3 رواه أحمد في المسند برقم (7567)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي كامل؛ وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3718)؛ وفي الجامع الصغير وزيادته برقم (6031).
    4 رواه البخاري برقم (1795) واللفظ له؛ ومسلم برقم (1151).
    5 رواه البخاري برقم (5765).
    6 رواه أحمد في المسند برقم (18351)، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح؛ والبزار في مسنده برقم (1392)؛ وصححه الألباني في تحقيق الاحتجاج بالقدر (90)؛ وفي تحقيق شرح العقيدة الطحاوية (100).
    7 الآداب الشرعية لابن مفلح المقدسي (1/205).
    8 مساوئ الأخلاق للخرائطي (1/338) الشاملة وموقع الكتاب على الإنترنت http://www.alsunnah.com.
    9 إحياء علوم الدين (3/166).
    10 موقع شبكة المنبر: http://www.alminbar.net.
    11 فتح الباري لابن حجر (4/104).
    12 رواه البخاري برقم (1804).
    13 الاستذكار (3/374).
    14 سورة آل عمران (134).



  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    إني صائم ... إني صائمة

    إني صائم : تلك الكلمة يذَكّر الصائم بها نفسه وغيره فيحفظ بها صيامه وطاعته لربه، فلا يجهل على أحد فضلاً عن أن يتعدى ويظلم...

    إني صائم : قد قطعت حظ الشيطان عني بصيامي وضيقت عليه مسالكه وطرقه.

    إني صائم : فصومي سداً منيعاً لهوى نفسي وحظوظها وغوايتها فقد تركت ما اعتدت عليه من الحلال من طعام وشراب وغيرهما تقرباً إلى الله وطاعةً له عز وجل فكيف بما هو في الأصل حراماً ؟ فأنا أبعد الناس عنه ؛ لأني صائم.

    إني صائم : فأنا ساكن النفس ، مستقر البال ، طيب القلب ، نظيف الصدر ، نشيطاً مبتسماً لا أعبس في وجه أحد ، يظهر أثر صيامي على جوارحي وطريقة كلامي وهدي.

    إني صائم : رائحة فمي أطيب عند الله سبحانه من ريح المسك أقسم نبينا صلى الله عليه وسلم على ذلك
    " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ " فلا أغير تلك الرائحة الزكية بالغيبة والنميمة وغيرها وأصون لساني عن ذلك فضلاً عن أن أسب أو أشتم أو أتوعد فصيامي يحول بيني وبين ذلك.

    إني صائم : لا أترك الرد على الإساءة إلا مرضاةً لربي كما أني لا أصوم إلا لأجله سبحانه " يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا".

    إني صائم : فصومي وقاية لي عن الشرور والآثام الجسدية والمعنوية ، كذلك وقاية لي عن الفضول وتفاهات الأمور وضياع الوقت في القيل والقال.

    إني صائم : فعند فطري أعتاد ما كنت عليه وأنا صائم فأفرح بذلك الفطر ؛ لأني قد أديت فريضة ربي وهي الصوم وبقي ما اعتدت عليه من طاعة وصوم وأداء باقي الفروض والأركان وهذه فرحتها الكبرى عند لقاء ربي.

    إني صائم : لأني أعلم قول ربي سبحانه : " إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً" (الإسراء: من الآية36) إني صائم : لا أقول ذلك على سبيل الرياء والسمعة أو العُجب وإنما تطبيقاً لأمر نبينا صلى الله عليه وسلم في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، ِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ" رواه البخاري ومسلم وكذلك المرأة مثل الرجل فهي شقيقته يشملها قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فلتقل :

    إني صائمة : فلا أشغل نفسي بالقيل والقال أو ذهبت فلانة وأتت فلانة من الأمور التي هي تمهيد أو إفضاء إلى الغيبة والنميمة.

    إني صائمة : فأجهز الطعام وأنا أسبح وأؤدي عمل البيت وأنا أقرأ من محفوظي أو أسمع القرآن فطعامي لم ينضجه حرَّ النار إنما أنضجه التسبيح والأذكار.

    إني صائمة : فلا أقضي وقتي في المحلات أو الأسواق التجارية لا ليلاً ولا نهاراً فوقت رمضان علي عزيز فأحرص على اغتنامه.

    إني صائمة : فأكون مربية لأولادي بالقدوة فعندما يرون تسبيحي وقراءتي وصلاتي يقلدونني وكم من ابن أو بنت رأت أمها ساجدةً فسجدت بجوارها ورددت ما تردد ورفعت يديها بالدعاء كما ترفع.

    إني صائمة: فأصون ظاهري بالحجاب والحشمة والوقار كما صنت باطني بالصيام والمعاني العظام.



    إن كمال الصيام وتمامه هو كف الجوارح عن الآثام وذلك بستة أمور هي :

    1. غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره ، وكفه عن كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل.



    2. حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمِراء ، وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن فهذا صوم اللسان.



    3. كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه ؛ لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه ولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى : " سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ"(المائدة: من الآية42) وقال عز وجل : " لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّو نَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" (المائدة:63) .



    4. كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره ، وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار ، فلا معنى للصوم ومنه الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام ، فهذا كمن يبني قصراً ويهدم مصراً.



    5. أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلىء جوفه فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حلال ، عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ " رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح.

    وكيف يستفاد من الصوم بقهر عدو الله إبليس وتضييق مسالكه وكسر شهوة النفس إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام؟! حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر ، ومقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى ، فإذا فرغت المعدة من الفجر أو بعده إلى المغرب حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها ، فغاية الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلاً فلا ينتفع بصومه. بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوي فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في كل ليلة قدراً من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده.



    6. أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين؟ وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها فقد روي عن الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون فقال: إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق قوم ففازوا ، وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون ؛ أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أي : كان سرور المقبول يشغله عن اللعب ، وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك ، وعن الأحنف بن قيس: أنه قيل له : إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك ، فقال: إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه.

    اللهم احفظ علينا ديننا وطاعتك وبلغنا رضوانك وأعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    الصبر على الأذى

    إذا سابك أحد في رمضان فقل: إني صائم.

    إذا قاتلك أحد في رمضان فقل: إني صائم

    نعم .. لن أحمل السلاح لأنني في موسم الصلاح، وميدان النجاح، وفي محراب حي على الفلاح

    اغسل بنهر الدمع آثار الهوى تنسى الذي قد مرَّ من أحزان


    اصبر على أذى الناس، وأتحمل إساءة الآخرين، وأتأسى بنبيي - صلى الله عليه وسلم -، وأقول لمن أساء واعتدى، وآذى وسب وشتم: إني صائم.

    إني صائم .. قد قطعت حظ الشيطان عني بصيامي، وضيقت عليه مسالكه وطرقه.

    إني صائم: كلمة يذَكّر الصائم بها نفسه وغيره فيحفظ بها صيامه وطاعته لربه، فلا يجهل على أحد فضلاً عن أن يتعدى ويظلم.

    إني صائم: فصومي سد منيع لهوى نفسي، وحظوظها وغوايتها، فقد تركت ما اعتدت عليه من الحلال من طعام وشراب وغيرهما تقرباً إلى الله، وطاعةً له - عز وجل -؛ فكيف بما هو في الأصل حرام؟ سأكون أبعد الناس عنه؛ لأني صائم.

    إني صائم: فأنا ساكن النفس، مستقر البال، طيب القلب، نظيف الصدر، نشيط مبتسم لا أعبس في وجه أحد، يظهر أثر صيامي على جوارحي وطريقة كلامي.

    إني صائم: رائحة فمي أطيب عند الله من ريح المسك.

    إني صائم: فأترك الرد على الإساءة مرضاةً لربي، كما أني أصوم لأجله - سبحانه - مصدقاً قول نبيي - صلى الله عليه وسلم -: ((يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا))1، فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصوم لأجل كونه من الصبر قال - تعالى - في الحديث القدسي: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))2، وقد وعد الله الصابرين بأنه معهم، وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم فقال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}3، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر))4، وقال الحسن: "الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله - عز وجل - إلا لعبد كريم عنده".

    والصبر ثلاثة أقسام:

    1- الصبر على الطاعات: فالعبد محتاج إلى الصبر على الطاعات لأن النفس بطبعها تنفر من التكليف.

    2- الصبر عن المعاصي: وما أحوج العبد إلى ذلك؛ إذ النفس أمارة بالسوء.

    3- الصبر على المصائب: وهى كثيرة كموت الأحبة، وهلاك الأموال، وزوال الصحة وغيرها، ومن أعلى مراتب هذا الباب الصبر على أذى الناس لا سيما في شهر رمضان قال - تعالى -: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}5، وقال لنبيه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}6، ويكفيك في هذا ما جاء عن سيد البشر إذ يقول: ((ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم - حتى الشوكة يشاكها -؛ إلا كفّر بها من خطاياه))7، فأنت على خير في مجموع حالاتك أيها المسلم، لا سيما إذا استشعرت أنك متأسي بنبيك - صلى الله عليه وسلم - حينما أوذي فصبر، وشُتم فصبر، وسُب فصبر، سحبوه فصبر، أخرجوه فصبر، سجنوه فصبر، طردوه فصبر ممتثلاً قول الله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}8، وقول الله: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ}9، وعلى هذا المنهاج سار صحابته - رضي الله عنهم - ثم التابعين لاسيما في شهر الصوم والذكر، فقد جاء رجل إلى زين العابدين فقال له: يا زين العابدين فقال: نعم، قال: "ألحيتك أطهر أم ذنب كلبي؟" فقال زين العابدين: "إن دخلت لحيتي الجنة فهي أطهر، وإن دخلت النار فذنب كلبك أطهر"، فانظر أخي الصائم إلى أي درجة بلغ بهم تحمل الأذى، والصبر على الآخرين.

    وفقنا الله وإياك لكل خير، ودفع عنا وعنك كل ضير، والحمد لله رب العالمين.


    ـــــــــــــــ
    1 رواه البخاري برقم (1771).
    2 رواه البخاري برقم (1771).
    3 سورة البقرة (157).
    4 رواه البخاري برقم (1376).
    5 سورة آل عمران (186).
    6 سورة الحجر (97).
    7 رواه البخاري برقم (5210).
    8 سورة يوسف (18).
    9 سورة طه (130).



  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    الإحسان في رمضان

    الخطبة الأولى

    أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

    يوم أو يومين ويهل علينا هلال رمضان نتفيأ في ظلالها الرحمة ونتجلى في أحكام الحكمة، تقبض علينا وعلى قلوبنا سحائب الإيمان، وتشرق وتضيء في نفوسنا أنوار القرآن. تجري بنا مياه المودة والوصل، وتمتد أواصر الإخوة والتكافل، تظهر معالم الوحدة وتتجلى صور النصرة.

    خيرٌ عميم وفضل كبير وموسم رحمة وحكمة وربانية. لا تنقضي أسراره ولا تنتهي خيراته فما عسى أن يكون لنا من شهرنا قبل بدئه؟ وما عسى أن يكون من تفكيرنا واستعدادنا قبل أن تبدأ أيام وليالي الإحسان في رمضان؟ شعار أوصي نفسي وإخواني بأن نرفعه ونحن في هذه الأيام القليلة الفاصلة بينها وبين الإحسان الكلمة العظيمة ذات الدلالات الكثيرة، الإحسان ضد القبح والإساءة، الإحسان الذي يشتمل معاني متعددة؛ فإن قلنا إحسان في القصد كان المراد تجريد الإخلاص لله - سبحانه وتعالى -، وإن كنا نقول الإحسان في العمل فنعني الإجادة والإتقان، وإن قلنا الإحسان مع الله يذكرنا وصف النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

    فإن قلنا الإحسان في المعاملة فذلك التلطف والإكرام، وإن قلنا الإحسان للغير فذلك بتفقد العون والإنعام وجدنا وستجد أن هذه الكلمة العظيمة وهذا المفهوم الإيماني الإسلامي يشتمل على الخير كما قال المناوي عن الإحسان قال هو: " الإسلام ظاهر بسنده وإيمانه باطن ويكمل إحسان شاهداً فكم في هذا الإحسان لمعناه الواسع من دلالات عظيمة.. لماذا نرفع شعار الإحسان في رمضان؟ لأن رمضان موسم إحسان من الغني الكريم جل وعلى والله - سبحانه وتعالى - يقول: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}.

    إحسان الله - سبحانه وتعالى - علينا لا ينقضي لا يختص بزمان دون زمان ولا يحال دون إحسان وتحلي لنا من إكرامه ما قد تكون قلوبنا عقلت عن وعقولنا خلت عن استحضار دلالاته وها نحن نعرف أن الله - سبحانه وتعالى - قد دعانا وأمرنا بهذا الإحسان لقوله - تعالى -: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، {وأحسن كما أحسن الله إليك}.

    نذكر هذا الإحسان الرباني الإلهي العظيم كيف خلقك وسواك وعدلك؟ كيف هداك إلى الإيمان وأعزك بالإسلام وشرفك بطاعة الرحمة؟ كيف هو في شهر رمضان يمحو بكرمه وفضله وجوده ما سلف من الخطايا والذنوب والآثام؟ كيف هو - سبحانه وتعالى - في شهر رمضان يحسن إلى عباده بفتح أبواب الجنان وإغلاق أبواب النيران وتعقيد الشياطين ومردة الجان؟ أليس ذلك كله من فيض إحسان الذي لا ينتهي إلى حد، ولا يحيط به وصف، ولا يمكن أن يفي حقه وحق شكره أحد! أفليس جديراً بنا ونحن نقبل على الموسم العظيم من مواسم إحسان الرب الكريم أن نرفع هذا الشعار شعار الإحسان في رمضان وهو الأمر الذي دعينا إليه في كل أحوالنا حتى فالأحوال المعتادة لقوله - تعالى -: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم}.

    بل وفي الأحوال الغير معتادة لقوله - عز وجل -: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} وإلى حديث أوس بن شداد عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول لنا هذا القول العظيم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته).

    هل رأيتم ديناً فيه عن الإحسان مثل هذا الدين العظيم؟ وهل رأيتم إرشاداً فيه من البلاغة والوجازة مثل هذا القول من الرسول الكريم؟ إحسان في كل شيء حتى عن القتل الجائز للانتفاع!

    ينبغي أن يكون هناك إحسان.. فأين إحسان قولنا؟ وأين إحسان معاملتنا؟ وأين إحساننا على أو إلى من أخطاء علينا؟

    الإحسان في شهر رمضان.. أي شيء نعنيه؟ وأي شيء نقصده عندما نرفع هذا الشعار؟ ولعلي أكرر هنا وأزيد: ارفع هذا الشعار؛ فإنك إن رفضته وكتبته وعلقته وأشعته وطلبت الآخرين أن يذكروك به، وأن يحاسبوك عليه أوشك أن يكون هذا الشهر الكريم بإذن المولى العظيم - سبحانه وتعالى - أعظم شهر يمر بك وأكبر موسم من الخير تحصل فيه المقاصد لأن الله - سبحانه وتعالى - قال: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}. وبيّن الله - سبحانه وتعالى - أثر ذلك وفضله في كتابه الكريم.

    أولاً: تجريد الإخلاص لله - سبحانه وتعالى -

    وهو لب هذه العبادة وسرها الذي جعل لها بها الخصيصة العظيمة: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به.. يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) خالصاً من قلبه لا يقصد من الناس ثناء، ولا يعرف عن صحة أو حدق صومه أحد من الخلق فهو العبادة باستحضار القلب فيها وبتدبر العقل في معانيها وبتطلع وتشوق القلب إلى لذتها وحلاوتها (أرحنا بها يا بلال) فذلكم كان يجد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - راحة نفسه، وأنس قلبه، ولذة روحه، وراحة بدنه في عبادة ربه.. لماذا يوم أخلص فيها لله يوم وجد فيها ضمأ نفسه وفيض روحه وقلبه، وجد فيها أنها التي تفيض السكينة في قلبه، والطمأنينة في نفسه، والخير والبركة في وقته، والصلاح والهدى في ذريته، والبركة والعمار في وقته، والمضاعفة والجزاء لعمله.. ذلكم ما ينبغي أن لا يفوتنا إحساناً في وجوه أخرى كثيرة اجعل الإحسان في شهر رمضان هو الشعار الذي يدعوك إلى الإتقان في كل عمل وإتقان الصلاة تبكيراً إليها واستعداد بالطهارة التامة قبلها وتفريغ للقلب والنفس عن مشاغل الدنيا قبل الدخول فيها وترطيب للسان بذكر والتلاوة قبلها واستحضار للقلب والخشوع فيها اجعل الإحسان في شهر رمضان أن تصف الأقدام طاعة للرحمن وأن تمرغ الجبهة سجوداً وخضوعاً لديان وأن تجعل لسانك رطباً بذكر الله وتلاوة القرآن الإحسان في رمضان في كل عمل تؤديه لأننا نجد صور كثيرة من عدم الإحسان فذاك تراه وقد ارتسمت على وجه بوادر وعلائم من الهم والغم وثقل الصوم على قلبه ونفسه فكأنما أكره على العبادة إكراها يخشى معه أن لا تخلص إلى قلبه ونفسه آثار العبادة وخيرها وبرها ويخشى أن لا يكتب له كمال أجرها وثوابها وذاك أنت تراه وهو لا يكاد لا يؤدي عمل من الأعمال على وجه يصح به في الشرع فضلاً عن أن يتقنه ويحسنه ويكمله.

    ثم انظر أيضاً إلى الإحسان في القول وما أدراك ما إحسان القول! ونحن نعرف ضبط الصيام وإكماله في حكمة تشريعه وآداب وهدي وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخط؛ فإن سابه أحد أو شتمه فليقل: إني صائم) (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) أين إحسان القول باللسان؟ أين ترطيبه بذكر وتلاوة القرآن؟ أين انطاقه بالهداية والموعظة والإرشاد والتوعية؟ أين إحسان في تأليف القلوب والكلمات التي تدخل السرور على النفوس؟ أين نحن من إحسان القول؟ نحن نرى المعارك والصراخ والشتم وكثيراً من هذه الصور تعظم في نهار رمضان حتى أكثر من ليلة ولأي شيء لأسباب تافه من زحام على طعام أو اختلاف في رأي، أو على ذلك لم تخلص العبادة إلى القلب وإلى الفكر، لم يكن شعار الإحسان حاضراً في رمضان فيفوت كثيراً من الخير، ويبعد عن الإنسان والإحسان من بعد في صلة الرحم ووصل الود ومد الجسور ورأب الصدع وإعادة مياه الوصل إلى مجاريها، إحسان فيه المبادرة والمبادأة وليس الانتظار والمراقبة، وهذا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - شاهد على ذلك عندما جاء الرجل يقول: إن لي رحم أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي! فأجاب المصطفى - عليه الصلاة والسلام -: (إن كان كما تقول فكأنما تسفهم ولا يزال عليهم من الله برهان)

    أين هذا أيضاً ونحن نعلم الوصية القرآنية الإحسان مقترن بتوحيد الرحمن لقوله - تعالى -: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً}.

    وفي الآيات الأخرى ما يدل وينص على ذوي القربى واليتامى والمساكين اتباعاً وإلحاقاً في الإحسان مع الإحسان بالوالدين، لماذا لا نجعل شعار الإحسان يزيد كل شحناء وبغضاء ويردم كل فجوة وجفوة ويعيدنا إلى صورة المحبة التي منَّ الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمة الإسلام لقوله - عز وجل -: {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} أليست قلوبنا قد كررتها كثيراً بين أسباب الغل والحقد والحسد والبغضاء والشحناء؟ ألسنا نعلم أن هذه الأمور من موانع الرحمة ومن حواجب المغفرة التي أخبر بها النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ارفع شعار الإحسان في رمضان، ارفع شعار الإحسان في جانب آخر مهم..

    ثانياً: جانب الإحسان في اغتنام الأوقات

    وما أدراك ما عظمة وأهمية الأوقات في رمضان! أما نهاره فكل دقيقة من دقائقه وثانية من ثوانيه عبادة؛ لأنك فيها صائم فكيف تضيع مثل هذه الغنيمة بأمور تنقضها أو تعارضها أو تبدد أثرها أو تزيل من نفسك ومن قلبك استحضار عظمتها وخيرها، وأما ليله فالأصل فيه أنه فرح بنعمة الله بالإفطار ولتلجأ لله - سبحانه وتعالى - بالدعاء والشكر له - جل وعلا - بالقيام فما بال سقف الأسواق يعلو ضجيجه على تلاوة القرآن في المحاريب! وما بالنا نسيء ولا نحسن فنجعل من هذا الشهر في ليلة أعظم ما تكون الغفلة وأجلّ ما يكون الانتقال بالدنيا! وأكبر ما تكون فيه أسباب التعرض للشهوات والفتنة والاختلاط ونحو ذلك!

    كم هو الوقت العظيم الطويل الذي يقضى في صلاة العشاء والتراويح هل هو خمس ساعات أو ثلاث ساعات أو أكثر من ذلك.. إن من أذان العشاء وإلى نهاية الصلاة لا يتجاوز ساعة واحدة! هل ستخرب الدنيا أو سيضيع كل الربح إذا لم تفتح هذه المتاجر بعد الصلاة؟ ما الذي سيضيع من الخير الدنيوي أو الثواب والأجر المالي الذي يترقبه أولئك الذين يفتحون متاجرهم قبل أن تنتهي هذه الصلاة التي لا يؤديها غالب الناس إلا في رمضان فإذا لم يؤديها في رمضان لم يكن منها حريص طوال العام! تضيق على نفسك بنصف ساعة لا تستطيع أن تفاضل فيها بين طاعة الرحمن وأجر الآخرة وبين حظ الدنيا! ولهو وعبث ما يكون في الأسواق لست أدري لماذا في كل عام وفي كل مرة وفي كل خطبة وفي كل موسم ورمضان يذكر هذا ولا شيء يتغير أو يتحرك في واقع الناس.. لماذا؟! لأن النفوس مازالت ليس فيها من الإيمان وترجيح أمر الآخرة على الدنيا ما يدفعها إلى هذا التغيير؛ لأن ليس فيها من التعلق بثواب الله ومرضاته ما يرجح بدريهمات وريالات قليلات في دقائق معدودات هي أقل أن تحب بساعات وإنما هي بدقائق، ومع ذلك ندعي أننا نستعد لشهر رمضان استعداد معاكس ومضاد، ولذلك أقول من شعار الإحسان في رمضان أن لا نفوت شيء من طاعاته ونوافله ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً والإحسان في اغتنام الأوقات يعارض ما يقع من الناس من هدرٍ وتبذيرٍ وتضييع للأوقات في صورتين اثنين إحداهما ترد على الأخرى وتعود إليها بليل في غير منفعة بل ربما كثيراً من الأحوال على معصية يقابل نوم بنهار وغفلة وعدم حضور القلب ولا ترطيب اللسان بالذكر ولا مبادرة للطاعة في المساجد بأداء الصلوات، ويكون رمضان أسوأ عند بعض الناس حالاً فهو شهر الإساءة عندهم الإحسان لأنه لماذا تكون هذه الإساءة أعظم لأنها في موسم خير فتحت فيه الأبواب فيه فرص تكفير الذنوب ومازال البعض يزيد من هذه الذنوب ويملأ جرابه منها ويضاعف رصيده فيها فكيف لا يكون هذه إساءة بل هي أعظم الإساءات اغتنام الأوقات من بعد ذلك يتعارض مع الطوابير الطويل والأوقات الجليلة الفضيلة فيما بعض العصر وقبل الغروب في أي شيء لشراء الخبز والطعام ونحن نعلم أن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - كان يمر عليه الهلالين والثلاثة لا يوقد في بينه نار.. ما طعامكم يا أم المؤمنين؟ قالت: " الأسودان التمر والماء " هل سينقص أجرك إن لم تأخذ هذا النوع من الطعام؟ هل سيقل ثوابك إن لم تشتري هذا الصنف أو ذلك؟ ما بال العقول تسخف حتى تعادل أجر هذه الأوقات الفضيل التي ينبغي أن يكون فيها العقل والقلب حاضراً، واللسان ذاكراً، والأيدي مرتفعة بدعاء ونحن ننشغل بمثل هذه الأمور؟! ولماذا نصنع مثل هذه الأمور التي لا تغير لها إلا أن الناس انحرفوا في مجمل قائمتهم وكثيرٍ عن أحوالهم عن الإحسان الذي ينبغي أن يجتهدوا في تحصيله..

    والإحسان في الوقت يشتمل على أكثر من ذلك، ويشتمل على صور كثيرة عظيمة ينبغي لنا أن ننتبه لها وأن نحرص عليها.

    والإحسان بعد ذلك أيضاً..

    ثالثاً: الإحسان فيما نعين به المحتاجين والفقراء والمرضى وغيرهم من ذوي الحاجات

    والله جل وعلى يقول: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه}.

    ويخاطبنا - سبحانه وتعالى - خطاب الذين تشرفت نفوسهم بأنوار الإيمان، الذين إذا دعوا بدعوة الإيمان والإحسان طارت إليها قلوبهم، وعفت إليها أرواحهم، وخفت إليها أبدانهم، وبذلت لغير تحقيقها أموالهم لقوله - تعالى -: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}.

    ثم الرسول يخبرنا بأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وتخبرنا حالته وهديه وسيرته كيف كان يختار الأطيب والأحسن والأمثل مما عنده فيجعله هو الذي ينُفق لماذا؟ لأنه إنما يبذله لربه وإنما يقدمه لمولاه ليس هو لذلك الفقير وإنما هو لله فلن تختار الردي أو الأسوأ لتقدمه لربك ومولاك! إحسان يقتضي منا أن نجتهد في أداء الفريضة من الزكاة، وفي المنافسة فيما فوق الفريضة من الصدقات، وفي مجاهدة النفس بإخراج الأحسن الأقرب إليها.. وفي صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سئل عن أفضل الصدقة قال: (أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر) وليس إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا! وقد كان لك أن تتصدق في حال صحتك وقوتك والأمل الممتد من نفسك لمزيد من الدنيا فأنت حينئذ تجاهد نفسك، وأنت حينئذ تغالبها وتؤثر الآخرة على الدنيا، وتقدم الأحسن فيما تتقرب به إلى الله - سبحانه وتعالى - كما فعل أسلافنا رضوان الله عليهم: (ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر) قال: " أبقيت لهم الله ورسوله " ويوم جاء أبو الدحداح بعد أن سمع الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال: " يا رسول الله إن بيرحاء - بستان عظيم كبير كثيرا النخل - أحب أموالي إلي وإني خرجت منها لله - عز وجل - " تلك هي المسابقة.. ذلكم هو الإحسان إذا رفعناه شعاراً استطعنا أن نهيئ النفوس والقلوب والأحوال والأوضاع كلها لنكون في هذا الشهر على ما يحب ويرضى.. نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يبلغنا وإياكم شهر رمضان، وأن يجعلنا فيه من أهل الإيمان والإسلام والإحسان، وأن يوفقنا فيه لصالح الأعمال، وأن يمن علينا بالمغفرة والقبول والرضوان.



    الخطبة الثانية:

    أما بعد أيها الأخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن رمضان موسم التقوى الأعظم لقوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}

    والإحسان الذي نذكر به أيها الإخوة واسع لا يتسع مقامنا هذا لذكر صوره.. أحسن إلى زوجتك، أحسن إلى أبنائك، أحسن إلى جيرانك وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: (أحسن جوارك تكن مسلماً) فهو دليل إسلام، وعلامة إيمان. أحسن إلى نفسك بأن لا تضيع وقتك.. وصور الإحسان كثيرة.

    وأريد أن أؤكد على رفع الشعار؛ فإن الإنسان إذا ذكّر نفسه بأمر وإذا جعل نصب عينيه وإذا تعاهد به مع فئة من الناس فذلك يكون محفزاً لالتزامه والعمل به.. اكتبوا هذا الشعار علقوه في بيوتكم، اجعلوه على أبواب متاجركم، وليذكّر به المدرسون أبنائهم الطلاب، ولينشر في الصحف وفي وسائل الإعلام التي في غالب أحوالها هي رمز الإساءة في رمضان؛ فرغم أن التقوى شعار رمضان نرى في كثير من الوسائل الإعلامية الفسق والفجور المناقضة لتقوى لله - عز وجل -! وإذا كان رمضان شهر التشمير في الطاعات فهي باب واسع وغير ذلك كثير من صور الإساءة أحياناً تواجهنا في بيئتنا القريبة!

    فليكن هذا الشعار شعاراً حقيقياً أحسب أننا به سننال من الخير كثيراً، وليقل كل منا لنفسه " رمضان في هذا لعام مختلف.. رمضان في هذا العام شعاره الإحسان " نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يعيننا على ذلك، ونسأله - جل وعلا - أن يوفقنا للخيرات وأن يفيض علينا البركات، وأن يضاعف لنا الحسنات، وأن يمحوا عنا السيئات..نسأله - سبحانه وتعالى - أن يوفقنا لما نحبه ويرضى، وأن يصرف عنا ما لا يحب ويرضى، وأن يبلغنا في مرضاته آمالنا، وأن يختم بصالحات آجالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    ولكنه صيام قلب

    ما أجمل رمضان حينما نستجيب للرحمن في ترك المفطرات ابتغاء مرضات الله، وامتثالاً لأمر ه، ولكن يا ترى أليس هناك إمساك آخر، وصيام آخر؟.

    يا ترى ألا يوجد هناك في الإسلام صيام غير الصيام عن المفطرات؟.

    الجواب: بلى والله، إن هناك إمساك وصيام يتعلق بالقلوب والسرائر، نعم، إنه صيام القلب وإمساكه عن المحرمات والآثام التي نهانا الله عنها.

    إنه صيام القلب عن الحقد والغل والغش والبغضاء، فهنيئاً لقلب صائم عن هذه الأخلاق الذميمة، ويا فوز ذلك القلب الذي امتلأ بحب الرحمن والإنابة إليه ودوام التعلق به والرغبة والفرار إليه.

    إن من العجيب والله أن نجاهد أنفسنا عن الإمساك عن الطعام والشراب ونغفل عن الإمساك عن ذنوب القلب وشهواته المحرمة.


    ألم تعلم بأن الذي يرانا لو أفطرنا في نهار رمضان هو الذي يرى ويعلم ما في قلوبنا {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } [الأحزاب: 51].

    فيا من صام عن الطعام ليصم قلبك عن كل سوء، ولتطهر روحك ولتسمو بنفسك عن كل عيب؛ لعل الله أن يغفر ذنبك ويستر عيبك ويرفع ذكرك.


  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    من صيام الرسوم إلى صيام الحقائق

    الشعائر التعبدية تحقق لمن يقوم بها عدة معان، لا بد من إدراكها ومراعاتها حتى تؤتي الشعيرة أكلها، وتحقق الغاية التي من أجلها شرعت، وهي تقوى الله - تعالى -، {لعلكم تتقون}، التي بدورها ترقي العبد إلى رضوان الله والفوز بجناته ونعيمه.



    ويأتي في مقدمة هذه المعاني أنها: ليست قيوداً ولا أثقالاً عند من عرف حقيقتها واغترف من معينها وتذوق من مشاربها، بل هي انعتاق من قيود الشهوات والأهواء والعوائد، المباحة منها والمحرمة، فينال العبد حريته الكاملة بفضل عبوديته لله - تعالى -، كأنه يقول بلسان حاله: أنا عبد الله وحده، لا عبد نزوة ولا عادة ولا هوى، فليس هو عبد دينار ولا درهم ولا قطيفة ولا خميصة، يقيد نفسه بأحوالها، إن أقبلت فرح، وإن أدبرت جزع وفزع، بل إن أقبلت شكر، وإن أدبرت صبر، وربما لحظ من خلالها ملامح التهذيب والتأديب والامتحان ليكون على الطريق سالكاً، وبالحق متمسكاً.



    هذا ما ينبغي أن نبحث عنه في شعيرة الصيام، التي هي بالمعنى الفقهي المدرسي: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى مغيب الشمس، فمن فعل ذلك ملتزماً بأركانه وواجباته مجتنباً مفسداته ومحظوراته فقد صام الفرض وسقط عنه الواجب وليس عليه قضاء، ولكن..



    ولكن هل استفاد من صيامه تلك المعاني التي ذكرناها؟ هل لحظ في صيامه أنه ليس مجرد حرمان للنفس من شهواتها ولذائذها؟ أم أن ذلك وسيلة لغاية أكبر، وهدف أسمى، لا يتحقق إلا بالصوم، إنه ليس مجرد حرمان من حظوظ النفس من الطعام والشراب والشهوة، بل هو دُربة لها لكي تمحِّض العبودية لله - تعالى -، فتلين عريكتها ويسهل قيادها لأحكام الشرع وتوجيهاته..إنه يجعل من متع الدنيا وطيباتها وسائل للعيش الكريم لا غاية في نفسها يجهد نفسه للحصول عليها، فتكون نهاية مطلوبه وغاية مرغوبه، فيتعس بذلك وينتكس وإذا شيك فلا ينتقش.. بل غايته أسمى وأعلى، وفي سبيلها يهون كل شيء، الغالي والنفيس، والمهج والنفوس ((إذا لم يكن بك علي غضب فلا أبالي)).

    إن المؤمن بصيامه يتعلم كيف يثق في أحكام الله وموعود الله، وإن خالف ذلك لذائذ الحياة وشهواتها، بل سيصل إلى لذة أخرى هي أعمق وأدوم وبعيدة عن المضار الجانبية، والمآلات غير المحمودة، هي لذة الانقياد لشرع الله، والأنس بطاعته.. ((حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة))، ((أرحنا بها يا بلال)).

    ما سبق من المعاني يؤكده ما جاء في الهدي النبوي: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))، وقيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فلانة تصوم النهار وتقوم الليل ـ وهي عبادة تطوع ـ إلا أنها تؤذي جيرانها! "، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((هي في النار))... وقيل: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.

    هذه أحوال من لم يدرك الغاية من الصوم، ووقف عند الرسوم والظواهر، ولم يتعداها إلى الحقائق والجواهر.. فينقلب الصوم لديه إلى عادة، بل إلى عادة ثقيلة، يتعجل رحيلها، ويسعى للتفلت منها، والتشاغل عنها، لهذا تجده يقطع نهاره نوماً وتناوماً، وليله لاهياً عابثاً.. ثم يشارك أهل العيد فرحتهم، لكن فرحة من نوع آخر، فرحة من أفلح في التخلص من الحبس، وانعتق من القيد، ويأمل ألا يعود..



    فالله نسأل أن يجعل صيامنا على الوجه المقبول، وأن نفيد منه إخلاصاً وتطهيراً وارتقاء وتزكية. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.



  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    والكاظمين الغيظ

    وصف الله - تبارك وتعالى - المتقين الذين يستحقون الجنة في قوله - تعالى -: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}1؛ فجعل من صفاتهم أنهم يكظمون الغيظ، ويعفون عمن ظلمهم قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: "وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيط، والعفو عن الناس؛ من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثاً على ذلك، ودلَّت أيضاً: على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به"2، وقال الإمام الطبري - رحمه الله - في قوله: {وَالْكَاظِمِين الْغَيْظَ} يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال منه: "كظم فلان غيظه" إذا تجرعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها، وأصل ذلك من كظم القربة، يقال منه: "كظمت القربة" إذا ملأتها ماء، و"فلان كظيم ومكظوم" إذا كان ممتلئاً غماً وحزناً؛ ومنه قول الله - عز وجل -: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}3 يعني: ممتلئ من الحزن، ومنه قيل لمجاري المياه: "الكظائم" لامتلائها بالماء؛ ومنه قيل: "أخذت بكظمه" يعني: بمجاري نفسه"4؛ وقال قتادة - رحمه الله -5: "قوم أنفقوا في العسر واليسر، والجهد والرخاء، فمن استطاع أن يغلب الشر بالخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله، فنعمت والله يا ابن آدم الجرعة تجترعها من صبر وأنت مغيظ وأنت مظلوم"6، وقال القطان : "أي: الذين يمسكون أنفسهم عن الانتقام مع القدرة عليه؛ ثم أردف - تعالى - بمزية عظيمة أخرى وهي قوله: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} أي: الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس، ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك, وتلك منزلة من ضبط النفس، وملك زمامها؛ قلَّ من يصل إليها, وهي أرقى من كظم الغيظ، إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة فالله - سبحانه وتعالى - يريدنا أن نكظم غيظنا، ونعفو عن الناس، وننسى إساءتهم"7.

    أخي الكريم: ونحن في شهر الجود والإحسان شهر رمضان المبارك ينبغي على من ابتلي بمن يجهل عليه؛ أن يعفو ويصفح, ويكظم غيظه؛ لينال بذلك الأجر العظيم من الله - تبارك وتعالى -؛ مستشعراً في ذلك ما أمره الله ورسوله به، وليكن له في سلفنا الصالح الأسوة والقدوة فقد ذكر الإمام القرطبي - رحمه الله - عن ميمون بن مهران - رحمه الله -: "أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة، وعنده أضياف، فعثرت، فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي استعمل قول الله - تعالى -: {وَالْكَاظِمِين الْغَيْظَ}، قال لها: قد فعلت، فقالت: اعمل بما بعده: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، فقال: قد عفوت عنك، فقالت الجارية: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال ميمون: قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله - تعالى -"8.

    وإن المتأمل لما ورد في السنة ليجدها ممتلئة بالأحاديث التي تتحدث عن فضل كظم الغيظ ومنها ما ثبت عن سهل بن معاذ عن أبيه - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله - عز وجل - على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيِّره الله من أي الحور العين شاء))9، وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "ما خُيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها"10.

    ولعل مشكلاً يقع في الأذهان بما ورد في القرآن من جواز الانتقام ممن اعتدى والمعاقبة بالمثل، مع ما ورد كذلك في فضل كظم الغيظ، والعفو والصفح مما يوهم التعارض والاضطراب؛ وقد فصل القول في ذلك العلامة المفسر الإمام الشنقيطي - رحمه الله تعالى - فقال: "قوله - تعالى -: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}11الآية, هذه الآية تدل على طلب الانتقام, وقد أذن الله في الانتقام في آيات كثيرة كقوله - تعالى -: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ}12الآية, وكقوله: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ}13الآية, وقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}14, وقوله: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}15, وقد جاءت آيات أخر تدل على العفو وترك الانتقام كقوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}16, وقوله: {وَالْكَاظِمِين الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}, وقوله: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }17, وقوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}18, وكقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}19 والجواب عن هذا بأمرين:

    أحدهما: أن الله بيَّن مشروعية الانتقام ثم أرشد إلى أفضلية العفو, ويدل لهذا قوله - تعالى -: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}20, وقوله: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}21, أذن في الانتقام بقوله:{إِلاَّ مَن ظُلِمَ}22, ثم أرشد إلى العفو بقوله: {إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا}23.

    الوجه الثاني: أن الانتقام له موضع يحسن فيه, والعفو له موضع كذلك, وإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة الله, ألا ترى أن من غصبت منه جاريته مثلاً إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور, تنتهك به حرمات الله, فالانتقام في مثل هذه الحالة واجب, وعليه يحمل الأمر{فَاعْتَدُواْ} الآية, أي كما بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب, بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه من المسلمين بكلام قبيح, ونحو ذلك؛ فعفوه أحسن وأفضل, وقد قال أبو الطيب المتنبي:

    إذا قيل حلم قل فللحلم موضع وحلم الفتى في غير موضعه جهل"24


    وقال الألوسي - رحمه الله - في بيان الفرق بين الغضب وكظم الغيظ: "قيل: إن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة، ولا كذلك الغيظ، وقيل: الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير اختيار، والغيظ ليس كذلك، وقيل: هما متلازمان؛ إلا أن الغضب يصح إسناده إلى الله - تعالى -، والغيظ لا يصح فيه ذلك, والمراد والمتجرعين للغيظ الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم منه؛ فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم، ولا يبدون له ما يكره، بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الإنفاذ والانتقام، وهذا هو الممدوح"25.

    نسأل الله - تبارك وتعالى - أن يجعلنا من الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس, وأن يعيننا على طاعته ورضاه، وأن يجنبنا معصيته, والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


    ـــــــــــــــ ـ
    1 سورة آل عمران (133-134).
    2 أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (27/235).
    3 سورة يوسف (84).
    4 تفسير الطبري (7/214).
    5 سورة آل عمران (133-134).
    6 تفسير الطبري (7/215).
    7 تفسير القطان (1/222).
    8 تفسير القرطبي (4/207).
    9 رواه أبو داود في سننه برقم (4777)؛ والترمذي برقم (2021) وقال:حديث حسن غريب، ورواه برقم (2493) وابن ماجة برقم (4136)؛ وأحمد في المسند برقم (15675) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن ؛ وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة برقم (3375)؛ وصححه في صحيح الترمذي برقم (2026).
    10 رواه البخاري في صحيحه برقم (3367)؛ ومسلم برقم (2327).
    11 سورة البقرة (194).
    12 سورة الشورى (41-42).
    13 سورة الحج (60).
    14 سورة الشورى (39).
    15 سورة الشورى (40).
    16 سورة الحجر (85).
    17 سورة الشورى (43).
    18 سورة الأعراف (199).
    19 سورة الفرقان (63).
    20 سورة النحل (126).
    21 سورة النساء (148).
    22 سورة النساء (148).
    23 سورة النساء (149).
    24 دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (1/12).
    25 تفسير الألوسي (3/218).


  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    فلا يرفث

    نمرُّ عند قراءتنا للقرآن على كثير من الآيات التي تستوجب التأمل والتدبر، ومنها قول الله - تعالى -: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}1، ولعل من أبرز ما ميَّز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات وحسَّنه به؛ قدرته على الكلام.

    واللسان في حياتنا له أهمية كبرى، فبه يكون المنطق والبيان، وبه يعبر الإنسان عما يجيش في نفسه، وعن مكنون صدره، وما يفيض به قلبه؛ ولذلك امتن الله - تعالى - علينا به فقال في كتابه الكريم: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}2، ومع كون اللسان كذلك إلا أنه سلاح ذو حدين: إذ به يكون ذكر الله - تبارك وتعالى -، وقراءة القرآن، وبه تكون أيضاً الغيبة والنميمة، والقذف والبهتان - عياذاً بالله -، ويكفي أن نتذكر هنا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم))3.

    فهو إذن سبب في دخول الجنة به يكون ذكر الله، وتسبيحه وتهليله، واستغفاره وقراءة القرآن, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وغيرها من الطاعات، وقد جاء أعرابي إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال: "يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة", فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((أطعم الجائع, واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر, فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير))4، وكان جزاء من اهتم بلسانه، وتنبه من الوقوع في مزالقه؛ أن وَرَدَ في الحديث: ((إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها, وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله لمن أطاب الكلام, وأطعم الطعام, وصلّى بالليل والناس نيام))5، وفي حديث عدي - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة))6.

    وكما اللسان سبب في دخول الجنة؛ فإنه من أكبر أبواب النار؛ فقد سُئِلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: ((تقوى الله، وحسن الخلق)), وعن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: ((الفم والفرج))7, وأكًّد النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك في حديث معاذ - رضي الله تعالى عنه - الطويل: "يا رسول الله: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ((ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم))"8.

    ومع ما نعيشه في هذا الشهر الكريم من أجواء إيمانية، ونفحات ربانية؛ يزداد التأكيد والتحذير من الغفلة عن خطر اللسان الداهم على الإنسان إن هو نسي أمر الله فيه، ولم يحافظ على لسانه فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))9.

    فعلى الإنسان أن يحافظ على صومه بحيث يكون بعيداً عن اللغو والرفث والكلام فيما لا يعنيه، والتعرض لكل ما ينقص الأجر فيه ومن ذلك الغيبة والنميمة, والوقوع في أعراض الناس، فإن كل ذلك من الرفث الذي لا يحبه الله - تعالى - لعباده، ولا يرضاه لهم كما في الحديث: ((قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم))10.

    نسأل الله - تبارك وتعالى - أن يوقفنا لصالح الأعمال والأقوال، ويتقبلها منا, وأن يجنبنا معصيته إنه على كل شيء قدير، ونسأله الإخلاص في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    ـــــــــــــــ
    1 سورة التين (4).
    2 سورة الرحمن (4).
    3 رواه البخاري برقم (6113).
    4 رواه ابن حبان في صحيحه برقم (374)؛ وبمعناه أخرجه الحاكم في المستدرك برقم (2861)؛ والبخاري في الأدب المفرد برقم (69)؛ وصححه الألباني في مشكاة المصابيح برقم (3384).
    5 رواه ابن حبان في صحيحه برقم (509)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي من حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -؛ والحاكم في المستدرك برقم (270) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - وقال: على شرط الشيخين؛ وقال الألباني: صحيح لغيره في صحيح الترغيب والترهيب برقم (681) و(946).
    6 رواه البخاري برقم (3400)، و(5677)؛ ورواه مسلم برقم (1016).
    7 رواه الترمذي برقم (2004)، وقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب؛ ورواه ابن ماجة برقم (4246)؛ وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (1723)؛ و(2642)؛ وفي السلسلة الصحيحة برقم (977)؛ وصحيح ابن ماجة برقم (3424) وهو من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
    8 رواه الترمذي برقم (2616)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ وأحمد في المسند برقم (22069)؛ وصححه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل برقم (413)؛ وفي صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2616)؛ وفي السلسلة الصحيحة برقم (1122)، وقال: صحيح بمجموع طرقه.
    9 رواه البخاري برقم (1804)، و(5710).
    10 رواه البخاري برقم (1805)؛ ومسلم برقم (1151) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.



  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    من فطَّر صائماً

    الحمد لله ما حمده الذاكرون الأبرار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله وصحبه ما تعاقب الليل والنهار، أما بعد:

    فمن لطف الله - سبحانه وتعالى -، وعظيم نواله؛ أن جعل أبواب الخير في رمضان مشرعة، وأغدقه بأعمال من البر مترعة، ألا وإن من جملة تلك العبادات التي حثَّ الشارع عباده عليها: "تفطير الصائمين"، الذي ارتبط فضله وأجره بمنزلة الصوم، ومكانة الصائمين عند الله - عز وجل -، ولذا كان الجزاء على تفطيرهم عظيماً يتناسب مع منزلة الصوم، ومكانة الصائمين فقد ثبت عن زيد بن خالدٍ الجهني - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيء))1 قال العلامة المناوي: "((من فطَّر صائماً)) بعشائه، وكذا بنحو تمر، فإن لم يتيسر فماء ((كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء))...، ثم يتابع فيقول: فقد حاز الغني الشاكر أجر صيامه هو أو مثل أجر الفقير الذي فطره، ففيه دلالة على تفضيل غني شاكر على فقير صابر2، وقال شيخ الإسلام: والمراد بتفطيره أن يشبعه3.

    وفي الحديث من الفقه أن كل من أعان مؤمناً على عمل بر فللمعين عليه أجرٌ مثل العامل، وإذا أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن من جهَّز غازياً فقد غزا؛ فكذلك من فطَّر صائماً، أو قوَّاه على صومه، وكذلك من أعان حاجَّاً أو معتمراً بما يتقوى به على حجه، أو عمرته حتى يأتي ذلك على تمامه؛ فله مثل أجره"4.

    حرص السلف على تفطير الصائمين:

    - كان عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، وكان إذا جاء سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقى في الجفنة، فيصبح صائماً ولم يأكل شيئاً.

    - وهذا الحسن البصري يطعم إخوانه وهو صائم تطوعاً، ويجلس يروحهم وهم يأكلون.

    - وأُثِرَ عن حماد بن أبي سليمان أنه كان يفطر كل ليلة في شهر رمضان خمسين إنساناً، فإذا كان ليلة الفطر كساهم ثوباً ثوباً.

    - وقال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد؛ ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس، وأكل الناس معه.

    - واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً وكان صائماً، فوضع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلاً يقول: من يقرض الملي الوفي الغني؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات، فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه، وبات طاوي5.

    فضائل أخرى:

    ومما ينشأ عن عبادة تفطير الصائمين عبادات كثيرة منها:

    - التودد والتحبب إلى المُطعَمين فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا))6.

    - مجالسة الصالحين، واحتساب الأجر في معونتهم على الطاعات التي تقووا عليها بطعامك؛ يقول ابن رجب الحنبلي - رحمه الله تعالى - معدداً فضائل الجود في رمضان ومنها: "إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم"7.

    ومن البشائر أن تجد هذه السنَّة بفضل الله ما زالت قائمة، يتسابق إليها الناس، وينشأ عليها الجيل بعد الجيل، فلله الحمد أولاً وأخراً.

    فيا أخي: أبذل القليل من مالك تغنم الكثير منتهى مآلك، وأسعد صائماً بفطرك تنعم بها يوم نشرك، فبادر ولا تنس فبين يديك شهر الجود والإحسان، سدَّد الله خطاك للمغنم، وعظيم الغفران.

    وصلى الله وبارك على نبيه وآله وصحبه وسلم.


    ــــــــــــــ
    1 رواه الترمذي برقم (807)، وابن ماجه برقم (1446)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (11360).
    2 فيض القدير (6/187).
    3 الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/376).
    4 شرح صحيح البخاري لابن بطال (5/51).
    5 اختيار الأولى في شرح حديث اختصار الملأ الأعلى.
    6 رواه أبو داود برقم (5195)، والترمذي برقم (2510)، وابن ماجه برقم (68)، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (5673).
    7 شذى الريحان في روائع رمضان (183).



  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    الدال على الخير كفاعله

    من بديع روح الشريعة، وحسن جوهرها؛ أن جعلت من يدل على عمل من أعمال البر بمثابة الفاعل له، حيث ثبت من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أبدع بي فاحملني، فقال: ((ما عندي))، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله))1 قال الإمام النووي - رحمه الله - في شرحه على هذا الحديث: "فيه فضيلة الدلالة على الخير، والتنبيه عليه، والمساعدة لفاعله، وفيه فضيلة تعليم العلم، ووظائف العبادات؛ لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم، والمراد بـ((مثل أجر فاعله)) أن له ثواباً بذلك الفعل كما أن لفاعله ثواباً، ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء"2.

    وقد أمرنا الله - تبارك وتعالى - بالتعاون على البر والتقوى فقال - تعالى -: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}3, والإرشاد إلى الخير وفعل المعروف هو من التعاون على البر والتقوى، كما أن الدلالة على الشر أو الإعانة عليه جالبه للوزر فقد جاء في حديث جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحثَّ الناس على الصدقة، فأبطؤوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه, قال: ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرَّة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا، حتى عُرف السرور في وجهه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء))4.

    وهذا الشهر الكريم تكون فيه نفوس الناس مقبلة على الخير, عاملة له؛ فنذكر إخواننا من الدعاة إلى الله أن يستغلوا هذه الفرصة في توجيههم وإرشادهم للمسارعة إلى فعل الخيرات؛ مستشعرين ومشعرين بقوله - تعالى -: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}5.

    ومن أهم الأعمال التي ينبغي للدعاة الله أن يقوموا بها تفقد أحوال المحتاجين ومواساتهم, وحث الناس وترغيبهم على الإحسان إليهم, وكذا تفطير الصائمين كما في حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من فطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً))6.

    وبالعموم فإن أفعال الخير كثيرة جداً, وعلى كل إنسان أن يعمل جاهداً في طاعة الرحمن، مسارعاً فيها، متخيراً منها ما يستطيعه؛ فإنما هذه الحياة ساعة قريب تمامها {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}7.

    نسأل الله - تبارك وتعالى - بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى؛ أن يختم لنا بالحسنى، وأن يعيننا على طاعته ورضاه، وأن يبلَّغنا رمضان، وأن يتقبل منا, ويعفو عنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


    ــــــــــــــ
    1 رواه مسلم برقم (1893).
    2 شرح النووي على مسلم (13/39).
    3 سورة المائدة (2).
    4 رواه مسلم برقم (1017).
    5 سورة آل عمران (133).
    6 رواه الترمذي برقم (807)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ وابن ماجة برقم (1746)؛ وابن حبان في صحيحه برقم (3429)؛ وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6414)؛ وفي الجامع الصغير وزيادته برقم (11360)؛ وفي صحيح ابن ماجة برقم (1417).
    7 سورة البقرة (197).



  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    انتصاف رمضان والحث على الصدقة

    الخطبة الأولى

    أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله سبحانه، إذ بها تشرف النفس، ويثقل الميزان، ويعلو القدر، ويعظم الجاه، ويحصل القرب من الباري جلّ شأنه، فما خاب من اكتنفها، ولا أفلح من جفاها، ولا جَرَم ـ عباد الله ـ فإن العاقبة للتقوى، { فَاتَّقُواْ اللَّهَ يا أُوْلِى الأَلْبَـابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }[المائدة: 100].

    أيها المسلمون، إنكم في شهر لا يشبهُه شهر، عظيم الأمر، جليل القدر، هو من أشرف أوقات الدهر، فضائله لا تحصى، ومحامده لا تُستقصى، موسمٌ وافرُ الأرباح لمن اتَّجر، مهلكٌ لأرواح من طغى فيه وفجر.

    شهرٌ يفوق على الشهور بليلةٍ *** من ألف شهر فُضّلت تفضيلا

    طوبى لعبدٍ صـح فيه صيامه *** ودعا المهيمن بكـرة وأصيلا

    وبليله قـد قام يختـم ورده *** متبتـلاً لإلهـــه تبتيـلا


    أيها المسلمون، لقد مضى من رمضان صدره، وانقضى منه شطره، واكتمل منه بدره، فاغتنموا فرصة تمرُّ مرَّ السحاب، ولِجوا قبل أن يُغلق الباب، وبادروا أوقاته مهما أمكنكم، واشكروا الله على أن أخّركم إليه ومكّنكم، واجتهدوا في الطاعة قبل انقضائه، وأسرعوا بالمثاب قبل انتهائه، فساعاته تذهب، وأوقاته تُنهب، وزمانه يُطلب، ويوشك الضيف أن يرتحل، وشهر الصوم أن ينتقل، فأحسنوا فيما بقي، يغفر لكم ما مضى، فإن أسأتم فيما بقي أُخذتم بما مضى وبما بقي.

    أيها المسلمون، تنصَّف الشهر وانهدم، وفاز مَن بحبل الله اعتصم، وخاف من زلّة القدم، واغتنم شهر رمضان خير مغتنم، وشقي الغافل العاصي بين الذل والسقم والأمن والندم، ويا ويله يوم تحل على أهل المخالفة الآفات، يوم تنقطع أفئدة أهل التفريط بالزفرات، يوم يُحشر أهل المعاصي والدموع على الوجنات، يقول الرب العلي في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) أخرجه مسلم.

    عباد الله، اشكروا الله على ما أنعم به عليكم من نعمة الدين والدنيا، فلقد أرسل الله إليكم رسولاً يتلو عليكم آيات ربكم ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، فبقي دينه متلوًا في كتاب الله، غير مُبَدل ولا مُغيّر، ومأثورا فيما صح من سنة رسول الله، وأفاض عليكم المال لتستعينوا به على طاعته، وتتمتعوا به في حدود ما أباحه لكم، فهو قيام دينكم ودنياكم، فاعرفوا حقه، وابذلوه في مستحقه، { وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [المزمل: 20].

    أيها المسلمون، اعلموا أنّ رمضان هو الشهر الذي يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق الخيرون للتقرب إلى ربهم جل جلاله بأنواع الطاعات والقربات، ما بين صيامٍ وقرآن وقيامٍ ودعاء وتضرعٍ ونفقةٍ وصدقةٍ وتفطيرٍ للصائمين، وغير ذلك من أنواع البر وأصنافه، وإن من أعظم أنواع البر في هذا الشهر المبارك التقرب إلى الله عز وجل بإخراج المال طيبةً به نفوسنا، كريمةً به أيدينا، نرجو ثوابه عند الله عز وجل، وقد علمنا يقينًا أن هذه النفقة سببٌ لدخول الجنة، { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } [الذاريات: 15ـ 19]، وهذه النفقة كذلك سببٌ في دخولك ـ يا عبد الله ـ في زمرة المتقين، { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [البقرة: 2، 3]، كما أنّ هذه النفقة سببٌ لمضاعفة الحسنات، { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [البقرة: 245].

    هذه النفقة ـ أيها المسلمون ـ هي سبيل الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين، الذين كانوا يجودون بما آتاهم الله من فضله، يبتغون ما عند الله من ثوابٍ وأجر، قال أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: ما سُئل رسول الله على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، وقد جاءه رجلٌ فسأله فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع الرجل إلى قومه يقول لهم: أسلموا؛ جئتكم من عند خير الناس، إنَّ محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر أبدًا. كان لا يُسأل عن شيءٍ قطّ فيقول: لا، ربما خلع قميصه الذي يلبسه فوهبه لمن سأله إياه، ولربما وهب قميصه لمن طلبه ليكفِّن فيه أباه، ما كان يُسأل شيئًا قط فيقول: لا.

    وقد اقتدى به أصحابه رضوان الله عليهم، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعانا رسول الله إلى الصدقة، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكرٍ إن سبقته يومًا قطّ، فجئت بنصف مالي إلى رسول الله، فقال ليَ: ((وما تركت لأهلك يا عمر؟)) قلت: تركت لهم مثله، فجاء أبو بكرٍ رضي الله عنه بماله كله، فقال له: ((وما تركت لأهلك؟)) قال: تركت لهم اللهَ ورسوله.

    أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه كان عنده بيرحاء: بستانٌ من أطيب بساتين المدينة وأكثرها ثمرًا، لما نزل قول الله عز وجل: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران: 92] جاء رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، قد أنزل الله ما قد علمتَ، وليس لي مالٌ أطيبَ من هذا البستان، هو لك يا رسول الله، ضعه حيث شئت مما أراك الله أدخره عند الله، فقال: ((بخٍ بخٍ، ذاك مالٌ رابح، اجعله في أهلك وقرابتك))، فجعله أبو طلحة رضي الله عنه في أرحامه وبني عمومته، قسم عليهم ذلك البستان، يرجو ما عند الله من فضلٍ وإحسان.

    أيها المسلمون، الصدقة تطفئُ غضب الربِّ كما يطفئُ الماءُ النار، والصدقةُ أجرها مُضاعف وثوابها عظيم، { مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 261]، في الصدقة تزكيةٌ للمال، وتطهيرٌ للبدن، ووقايةٌ لمصارع السوء، في الصدقة دفعٌ للبلايا والمصائب والأمراض، كما قال رسول الله: ((داووا مرضاكم بالصدقة، حصنوا أموالكم بالزكاة))، كما أن الصدقة ـ أيها المسلمون عباد الله ـ تنفع العبد يوم القيامة، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، الصدقة ترفع العبد عند الله درجاتٍ، وتخفف عليه الحساب، وتثقل الميزان، وتكون سبب جوازه على الصراط، كما أنّ الصدقة سببٌ لظل العبد في ذلك اليوم العبوس القمطرير في ظل عرش الله عز وجل يوم لا ظلَّ إلا ظله، ذاك الذي تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، { إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [البقرة: 271].

    أيها المسلمون، { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 268]، قد يقول قائل: أنا لا أملك إلا ما أقتات أنا وأهلي وعيالي، قال رسول الله: ((سبق درهم مائة ألف درهم))، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: ((رجلٌ عنده درهمان فتصدق بأحدهما، فقد تصدق بنصف ماله، ورجلٌ عنده مالٌ كثير فأخذ من عرضه مائة ألفٍ فأنفقها في سبيل الله)).

    رُبَّ عملٍ قليلٍ تُكثِّره النية، قد تتصدق بتمرة فيقيك الله بها حر النار، ((ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدّم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدّم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة))، تمرة تتقرب بها إلى الله عز وجل، ترجو ثوابه وتخاف عقابه، تنفقها في سبيل الله، تطعم بها جائعًا، تهديها إلى مسكين، تدخل بها السرور على مسلمٍ، هيَ عند الله عز وجل بميزانٍ عظيم.

    يا أيها الغني، اعلم بأن الصدقة سبب لبركة المال ونمائه، سبب لحصول النعمة وتجددها من الله عز وجل، فما استُجلبتْ نعم الله عز وجل ولا استُدفِعت نقمه بمثل الإحسان إلى عباده.

    واعلم ـ أيها الغني ـ أنَّ الصدقة لا تنقص المال، قال رسول الله: ((ثلاثةٌ أقسم عليهنّ، وأحدثكم بحديثٍ فاحفظوه: ما نقصَ مالٌ من صدقة، وما ظُلِم عبدٌ مظلمةً فعفا إلا زاده الله بها عزًا، وما فتح عبدٌ باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)). أنفق ـ أيها الغني ـ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، واعلم بأنّ الله عز وجل خزائنه ملأى، لا يغيضها عطاء، ويده سحّاء الليل والنهار، وهو أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.

    ويا أيها الفقير، يا من قدِر عليك رزقك، اعلم أنّ رسول الله قال: ((من أنفق عدل تمرةٍ من كسبٍ طيبٍ ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ فإن الله يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فَلْوه ـ أي: كما يربي أحدكم حملاً أو فرسًا أو دابةً في بيته ـ حتى تكون مثل الجبال))، هذه التمرة التي تصدقت بها ترجو بها وجه الله عز وجل، حالك كحال الصالحين الذين قالوا: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا } [الإنسان: 1ـ 9]، هذه التمرة تجدها يوم القيامة حسناتٍ كأمثال الجبال.

    فالبدار البدار أيها المسلمون، أدخلوا السرور على أرحامكم وعلى إخوانكم، وأنفقوا من أموالكم، واعلموا أن الله عز وجل يخلف عليكم بخيرٍ مما أنفقتم، { وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } [سبأ: 39].

    أيها المسلمون، اعلموا أنّ إمساك المال والشح به لا يزيده، بل يمحقه ويُذهب بركته، وينزل غضب الربّ على صاحبه، فإنّ الله عز وجل نعى على أقوامٍ فقال: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [التوبة: 75ـ 77]، وقد ذمَّ الله عز وجل في القرآن من يبخلون بهذا المال، وأثنى على من يوقَ شحَّ نفسه، ووصفه بالفلاح، وبين ربّنا جل جلاله أنّ هذا المال عذابٌ على صاحبه إن لم ينفقه في سبيل الله، ويتقرب به إلى ربه ومولاه: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35].

    يا مسلم، يا عبدَ الله، قد تُطعم أخاك على جوعٍ فيجزيك الله من جنس عملك، يطعمك يوم القيامة من ثمار الجنة، قد تكسو مسلمًا على عُريٍ فيكسوك الله عز وجل من حُلل الجنة، تقدم مالك تبتغي به وجه الله عز وجل يقيك الله به حرَّ النار يوم القيامة، أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيحٌ شحيحٌ تخشى الفقر وتأمل الغِنى، ولا تنتظر حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: هكذا وهكذا ولفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا. إن بعض الناس لا تجود نفسه بمال ولا يقبل أن ينفق، بل ربما يعدّ المنفقين والمتصدقين ممن خفت عقولهم وذهبت أحلامهم، حتى إذا أصاب ذلك المسكين داءٌ عضال ومرضٌ فتّاك وعاين الموت بدأ ينفق ماله يمنةً ويسرة، بعدما ذهبت نضرة الشباب وبهجة الدنيا، شتان شتان بين هذا وذاك، شتان شتان بين من أنفق حال شبابه وقوته، حال حضور ذهنه واكتمال رغبته في هذه الدنيا، وبين هذا الذي تصدق بعدما عاين الموت، بعدما أيقن أنّ الدنيا قد ولت مدبرة وأن الآخرة قد جاءت مقبلة بدأ يتصدق، شتان شتان بينهما.

    أيها المسلمون، خير من توجهون إليه صدقاتكم أرحامكم، قراباتكم، فإنَّ رسول الله قال: ((الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقةٌ وصلة))، ثم ثانيًا: من كان عفيفًا متعففًا ذا عيال لا يسأل الناس ولا يتَفَطّن له فيُتصدق عليه، اقرؤوا إن شئتم: { يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا } [البقرة: 273].

    واعلموا ـ أيها الإخوة في الله ـ أنّ الصدقة أمانٌ للفرد والمجتمع، أن الصدقة يحصل بها الرضا والسرور، أن في الصدقة تفريجًا للكروب وتنفيسًا للهموم وإعانةً للمحتاجين، إدخالاً للسرور على المسلمين، فأدخلوا السرور على إخوانكم يدخل الله السرور عليكم.

    واعلموا ـ أيها الإخوة في الله ـ أن هموم المسلمين ليست محصورةً في بلدنا هذا، فهناك إخواننا في فلسطين حاجاتهم متجددة، تحت حصارٍ ظالمٍ من قوةٍ باغية من اليهود الذين غضب الله عليهم ولعنهم، الذين هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، يحاصرون إخواننا، يحرقون زروعهم، يمنعون تجارتهم، يحولون بينهم وبين ما يشتهون من الضربِ في هذه الأرض والتماس بركة الله عز وجل، فلنتصدق على إخواننا المسلمين في كل مكان، ولنتقرب إلى الله عز وجل بمحاولة تفريج همومهم، ولنجاهد بأموالنا إذ قد عجزنا عن الجهاد بأنفسنا: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ }[التوبة: 111]، قدموا أموالكم لإخوانكم، وتبرعوا لأهل دينكم وملتكم.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا ممن يخرجون أموالهم طيبة بها نفوسهم، وممن يبتغون بذلك وجه ربهم.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والمواعظ والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



    الخطبة الثانية

    الحمد لله ربِّ العالمين، الرّحمن الرحيم، أحمدُه سبحانه وأشكره أن هدانا للصّراط المستقيم، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحدَه لا شريك له العظيم الحليم، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلّم تسليمًا كثيرًا.

    أمّا بعد: فيا عبادَ الله، الصّدقة لها معنًى واسع، فهِي تشمَل عملَ كلّ خير، إرشادُ الضالّ، إماطةُ الأذى، العدلُ بين اثنين، التبسّم في وجه أخيك المسلم، غرسُ شجرة، تعليمُ علمٍ نافع، إصلاح ذات البَين، الكلمَة الطيّبة صدقة، قال رسول الله: ((على كلّ مسلمٍ صدقة))، فقالوا: يا نبيَّ الله، فمن لم يجد؟ قال: ((يعمل بيده فينفَع نفسَه ويتصدّق))، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((يعين ذا الحاجةِ الملهوف))، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((فليعمَل بالمعروف، وليمسك عن الشرّ، فإنّها له صدقة)) أخرجه البخاري.

    فيا عباد الله، فإن رمضان شهر البر والصلة والصدقة، والأنفس الأبية هي التي تعطف على الفقراء، وتبذل لهم شيئًا من المعروف، فإن من معاني الصيام تذكر حالة البائسين والمعوزين والعطف عليهم ومواساتهم بالمال والإحسان. إن القلوب التي لا يُشعِرها رمضان بحال إخوانها الفقراء قلوب يصدق فيها وصف المنفلوطي حين قال في كتابه النظرات: "فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحًا أو متلافًا، أما الأول ـ يعني الشحيح ـ فلو كان جارًا لبيت فاطمة رضي الله عنها وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديها من الجوع ما مد أصبعيه إلى أذنيه؛ ثقة منه أن قلبه المتحجّر لا تنفذه أشعة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان". يقول رحمه الله: "لو أعطى الغني الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سُقمًا ولا ألمًا، لقد كان جديرًا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته، ويطفئ غلته، ولكنه كان محبًا لنفسه مغاليًا بها، فضم إلى مائدته ما اختلسه من صحفة الفقير، فعاقبه الله على قسوته بالبطنة"، إلى أن قال رحمه الله تعالى: "لا أستطيع أن أتصوّر أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنًا؛ لأني لا أعتمد فصلاً صحيحًا بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان، وإني أرى الناس ثلاثة: رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلاً إلى الإحسان إلى نفسه، وهذا هو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان، ورجل يُحسن إلى نفسه ولا يُحسن إلى غيره، وهو الشره المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذبح في سبيله الناس جميعًا".

    إن المحسن منكم ـ أيها المسلمون ـ من يسعى في رمضان وغير رمضان لرحمة يتيم يترقرق الدمع في عينيه أن لا يجد من يواسيه لفقد أبيه، أو لرحمة أسرة فقدت معيلها وضاعت خيراتها، أو رحمة كسير ومريض أقعده المرض وأجبره على نزف دموع الفقر والحاجة، أو رحمة أخ غريب بينكم نأت به الديار عن أهله وذويه، ولئن بت آمنًا في بيتك معافى في بدنك بين أهلك وأسرتك، فإنما يعيش هو وحيدًا بلا أنيس، وفقيرًا بلا معين، يتابع الإعلام فيرى صورة يهودي يهدّم بيته ومأوى أسرته، أو يسمع صوت قنبلة أطاحت ببعض أهله أشلاء مفرقة، فإن لم نكن هؤلاء، فما أجدر وصف المنفلوطي بنا.

    وأخيرًا: رحل النصف الأول، ولئن كنا فرطنا فلا ينفع ذواتنا بكاء ولا عويل، وما بقي أكثر مما فات، فلنُرِ الله من أنفسنا خيرًا، فالله الله أن يتكرر شريط التهاون، وأن تستمر دواعي الكسل، فلقيا الشهر غير مؤكدة، ورحيل الإنسان مُنتظر، والخسارة مهما كانت بسيطة ضعيفة فهي في ميزان الرجال قبيحة كبيرة.

    رحل النصف الأول وبين صفوفكم الصائم العابد الباذل المنفق الجواد نقي السريرة طيب المعشر، فهنيئًا له رحلة العشر بخيرات كهذه. ورحل النصف الأول وبين صفوفكم صائم عن الطعام والشراب، يبيت ليله يتسلى على أعراض المسلمين، وتقامر عينه شهوة محرمة يرصدها في ليل رمضان، يده امتدت إلى عامل فأكلت ماله، أو حفنة ربا فاجتالتها دون نظر إلى عاقبة أو تأمل في آخرة، رحلت وبين صفوفكم من فاتته صلوات وجماعات، وقد آثر النوم والراحة على كسب الطاعة والعبادة. رحل النصف الأول وبين صفوفكم بخيل شحيح، أسود السريرة، سيئ المعشر، دخيل النية، فأحسن الله عزاء هؤلاء جميعًا في عشرهم الأول، وجبرهم في مصيبتهم، وأحسن الله لهم استقبال البقية، وجعلهم فيما يستقبلون خيرًا مما ودعوا، والله المسؤول.

    ألا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه في قول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَ هُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا } [الأحزاب: 56]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلى، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك الموحدين...



  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    الصوم ... جنة الصابرين

    خلق الإنسان مجموعاً من روح وجسد، فالروح تجذبه إلى السمو وتذكره بمنصبه ومركزه وغايته ومهمته، وتفتح فيه السبيل إلى العالم الذي انتقل منه وإلى سعته وجماله ولطافته وصفائه، وتثير فيه الأشواق والطموح، وتبعث فيه الثورة على المادة الثقيلة، فيحلق في الأجواء الفسيحة، ويفك السلاسل والأغلال، ويحبب إليه الجوع والعطش، وغض الطرف عن الملذات، والتجرد عن الشهوات.

    والجسد يجذبه بكثافته وثقله إلى الأرض، ورغبة الطعام والشراب، وقضاء الشهوات، فيتألم من الجوع، ويشق عليه العطش، ويأسره لمعان المغريات، فيصبح وهو في أوج مدنيته وحضارته وقمة علمه وثقافته - بعيدا عن قيمة إيمانه وروحانيته - بين المطعم والمرحاض، لا يعرف سوى ذلك مبدأ ومعادا، ولا يعرف غير الطواف بينهما شغلا وجهادا، فتموت فيه كل رغبة إلا رغبة الطعام والشراب، ويتبلد فيه كل حس إلا حس اللذة والمتعة، ويزول عنه كل هم إلا هم الكسب والمعاش.

    ولا تصوير أدق من تصوير القرآن المعجز في قوله - تعالى -: { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم }.

    وإذا تغلبت الطبيعة الحيوانية وملكت زمام الحياة واستحوذت على مشاعر الإنسان وحواسه فلم يجد طول عمره وقتا صافيا ولا قلبا فارغا ولاعقلا يقظا و لا ضميرا حيا، فتثقل عليه العبادة والذكر، والطاعة والفكر والصفاء, وإذا تغلبت الطبيعة الحيوانية وملكت زمام الحياة واستحوذت على مشاعر الإنسان وحواسه فلم يجد طول عمره وقتا صافيا ولا قلبا فارغا ولا عقلا يقظا و لا ضميرا حيا، فتثقل عليه العبادة والذكر، والطاعة والفكر والصفاء، { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً }.

    وقد جاءت النبوة تغيث الإنسانية المهددة بالمادية الطاغية، وتقيم الموازين القسط في الحياة، وتعد الإنسان إعداداً جيداً للغاية التي خلق لها وهي العبادة، فأمرت بالصوم ليحد من شره هذه المادية، وليشحن النفس شحنا روحانيا إيمانيا تستطيع أن تحفظ به اعتدالها في الحياة وتقوم به مغريات الشهوة.

    يقول الغزالي - رحمه الله -: (كلما انهمك الإنسان في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين والتحق بغمار البهائم، وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة).

    ويقول ابن القيم - رحمه الله -: " لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله – تعالى - متوقفا على جمعيته على الله، ولمّ شعثه بإقباله بالكلية على الله - تعالى -، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله – تعالى- ، وكان فضول الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام وفضول الكلام وفضول المنام مما يزيده شعثا ويشتته في كل وادي، ويقطعه عن سيرة إلى الله - تعالى -أو يضعه أو يعوقه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعبادة أن شرع من الصوم، ما يذهب فضول الطعام والشراب ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيرة إلى الله – تعالى- ، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة ".

    ويقول ابن القيم أيضا: " ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة وألفت أوامر القرآن فنقلت إليه بالتدريج، وكان فرضه من السنة الثانية من الهجرة فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صام تسع رمضانات) زاد المعاد.

    وقد جاء خطاب الصيام وقد لفه اليسر والتيسير وزانته الرحمة والبر. فإن الذين قد توجه إليهم الخطاب في قوله - تعالى -:{ كتب عليكم الصيام } ثلاثة أقسام الأول المقيم الصحيح فيجب عليه الصوم رغبة في التقوى وزيادة، والثاني المريض والمسافر فيباح لهم الإفطار مع القضاء، والثالث من يشق عليه الصوم بسب لا يرجى زواله كالهرم والمرض المزمن فيفطران ويطعمان لكل يوم مسكينا..

    وقد خاطب الله المكلفين بقوله تعالى: " يأيها الذين آمنوا " فهيأهم لقبول كل ما يكلفون به مهم كان شاقا لأن صفة الإيمان تقتضي ذلك، ثم ذكر الله أنه كتب عليهم الصيام ولكنه لم يكتبه عليهم لأول مرة في تاريخ الأديان فقد كتبه على من سبقهم وهكذا خفف وطأة هذا التشريع على النفوس، ثم ذكر أنه ليس امتحانا فقط ولا مشقة ليس من ورائها قصد، بل هو تربية إيمانية وإصلاح وتزكية ومدرسة خلقية " لعلكم تتقون ".

    هذا هو الصيام الزاخر بالحياة والمنافع والبركات، البعيد عن المشقات التي لا تطيقها النفوس، { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }.

    والشرع الإسلامي لم يكتف من الصوم بصورته، بل ارتجى حقيقته، فلم يحرم الأكل والشراب والعلاقات الجنسية في الصوم فحسب، بل حرم كل ما ينافي مقاصد الصوم وغاياته، وكل ما يضيع حكمته وفوائده، فأحاط الصوم بسياج من التقوى والأدب، وعفة اللسان والنفس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم ) متفق عليه

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) رواه البخاري.

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: ( كم من صائم ليس له من صومه إلا الظمـأ ) أخرجه الدارمي.

    وليس الصوم أوامر سلبية فحسب، فلا أكل ولا شرب ولا رفث ولا فسوق ولا جدال، بل هو أوامر إيجابية أيضا، فهو وقت العبادة والتلاوة والذكر والتسبيح والبر والمواساة، فمن " تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة.

    وأخرج الترمذي عن زيد الجهني قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:( من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ).



  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    تفطير الصائمين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    لا يخفى على أحد ما لتفطير الصائم من ثواب عظيم عند الله - تبارك وتعالى -، كما لا يخفى علينا منزلة الصوم ومكانة الصائمين عند الله - عز وجل -، ولذا كان الجزاء على تفطيرهم عظيماً يتناسب مع هذه المنزلة، وهذه مكانة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يحدثنا عن أجر وجزاء تفطير الصائمين: (من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء)1.

    فمن فطر صائماً نال من الأجر مثل أجر الصائم من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئاً، وقد كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يحرصون على تفطير الصائمين، وما زالت هذه -ولله الحمد- سنة قائمة وعادة متعارفة، ينشأ عليها الناس جيلاً بعد جيل، فقد كان كثير من السلف يواسون المساكين من إفطارهم، أو يؤثرون به، ومما أثر في ذلك:

    قال ابن رجب -رحمه الله-: كان ابن عمر يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم، لم يتعشَّ تلك الليلة.. وكان إذا جاء سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائماً.. ولم يأكل شيئاً.

    واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً وكان صائماً فوضع بين يديه عند فطوره فسمع سائلاً يقول: من يقرض الملي الوفي الغني؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات، فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاوياً.

    وجاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره، ثم طوى وأصبح صائماً.

    وكان الحسن يطعم إخوانه وهو صائم تطوعاً، ويجلس يروِّحهم وهم يأكلون.

    وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم2.

    وليس غريباً أن يكون هذا حال أهل الصدق مع الله جل وعلا وأهل التأسي به صلى الله عليه وسلم فقد كان عليه الصلاة والسلام- أجود الناس، وكان جوده يتضاعف في رمضان، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة)3.

    قال ابن رجب-رحمه الله-: وكان جوده -صلى الله عليه وسلم- يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضاً، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة4.

    وقد عدد ابن رجب يعدد فوائد جوده -صلى الله عليه وسلم- في رمضان وذكر منها:

    1.شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه..

    2.ومنها إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، كما أن من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا.

    3.ومنها: أن الصائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصائمين على التقوِّي على طعامهم و شرابهم، كان بمنزلة من ترك شهوة لله، وآثر بها أو واسى منها، و لهذا يشرع له تفطير الصوَّام معه إذا أفطر؛ لأن الطعام يكون محبوباً له حينئذ فيواسي منه؛ حتى يكون ممن أطعم الطعام على حبه، ويكون في ذلك شكرٌ لله على نعمة إباحة الطعام والشراب له، ورده عليه بعد منعه إياه، فإن هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها، وسئل بعض السلف:لم شرع الصيام؟ قال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع، و هذا من بعض حكم الصوم و فوائده5.

    فهنيئاً لأناس أودع الله في قلوبهم حب الخير، فوجدوا سعادة قلوبهم وراحة أفئدتهم في إدخال السرور على فقراء المسلمين، ورسم البسمة في وجوه أطفالهم، ولأنهم يدركون عظمة هذا الشهر وعظمة أجر المتصدق فيه، ويدركون مدى حاجة إخوانهم الفقراء إلى ينابيع الخير والعطاء كمشاريع إفطار الصائم الرمضانية، سواء ما كان منها على شكل إفطار جماعي في المسجد، أو كان وجبات توزع على البيوت، أو كان مواداً غذائية توزع على الأسر الفقيرة.

    وكم أرملة، وكم يتيم، وكم شيخ طاعن في السن، وكم فقير لا يجدون ما يفطرون به!، وعندما يأتيهم الخير عبر مشروع إفطار الصائم فإنهم يرفعون أكفهم ودموعهم على وجوههم فرحاً، يدعون لذلك المحسن الكريم.

    فما أجمل تلك المشاهد الجميلة التي يراها الإنسان في رمضان؛ مشاهد البر والإحسان والعطف على الفقراء والمساكين، إنها مشاهد التعاطف والأخوة والمحبة والرحمة والبذل بين أبناء الجسد الواحد.

    وليس تفطير الصائمين محصوراً في الفقراء والمساكين، بل إن التفطير يكون لكل المسلمين فقيرهم وغنيهم، وهو بمثابة الهدية للغني.

    وإن أجر تفطير الصائم يستطيع أن يناله كل واحد منَّا، فهو لا يتطلب مبلغاً كبيراً من المال، ولا أنواعاً فاخرة من أنواع الطعام وأصناف المأكولات، وإنما يمكن أن ينال ذلك الأجر ولو بشربة ماء أو شق تمرة. فلله الحمد والمنة يَقبل القليل ويُعطي الكثير، فلا تحقرنَّ عبد الله من المعروف شيئاً.

    وبادر إلى مثل هذه المشاريع الرمضانية وأعن من يقوم عليها، فإن ذلك من أعظم القربات إلى الله تبارك وتعالى..

    ـــــــــــــــ ــ
    1- رواه الترمذي وابن ماجه وهو حديث صحيح كما في صحيح الترمذي للألباني برقم (647).
    2- لطائف المعارف (188-189).
    3- أخرجه البخاري كتاب بدء الوحي برقم(6).
    4-لطائف المعارف (185).

    5- لطائف المعارف (188).


  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    اغتنم الموسم

    رمضان موسم

    شعاره: فمن شهد منكم الشهر فليصمه.

    عمره: أياماً معدودات.

    غايته: لعلكم تتقون.

    نداؤه: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.

    أيها المبارك:

    إن من فضل الله - تعالى - ونعمه على عباده أن هيأ لهم المواسم العظيمة، والأيام الفاضلة؛ لتكون مغنماً للطائعين، وميداناً للمتنافسين، ومن هذه المواسم ما شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أيامه ولياليه مباركة، وبالبر متداركة؛ أظنك عرفته، فلا يخفى القمر في إطلالته إنه: "شهر رمضان، أشرف الشهور، وأزكاها عند الله"، شهر الصفقة الرابحة, والكفة الراجحة، والفرصة السانحة.

    شهر الأجور المضاعفة، والأرصدة المتراكمة، والحسنات المتكاثرة.

    شهر بابه بالبر مفتوح، وبالمغنم يغدو ويروح، وبالفضل يعذب ويفوح.

    حث وحض:

    يقول ابن رجب - رحمه الله -: "وما من موسم من هذه المواسم الفاضلة إلا ولله - تعالى - فيه وظيفة من وظائف الطاعة يتقرب بها العباد إليه، ولله - تعالى - فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور، والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من طاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار، وما فيها من اللفحات"1.

    أُخي: إذن هي فرصتك لتساهم في موسم الخيرات، وتدخل سوق المرابحة برفيع الدرجات، وتحظى بالمتاجرة مع رب الأرض والسموات.

    والحديث معك هو من باب الدلالة على باب من أبواب الخير مشهد، وطريق صوب الجنان ممهد، نحثك فيه على عبادة يضاعف أجرها، ويعظم فضلها في شهر يزورك في العام مرة واحدة، فما رأيك هل أنت مستعد لتعقد الصفقة، وتحوز المغنم قبل أن يؤذنك الشهر برحيل، ويودعك في سفر طويل؟

    إذاً حان الوقت لنهمس في إذنك بما أكنناه في صدورنا، عسى أن تبادر قبل أن يبادرك الشهر بفوات.

    أيها الموفق:

    لا تنس فأنت في شهر الجود والإحسان.

    وقد كان نبيك - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقى جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة كما يقول ابن عباس - رضي الله عنهما -2.

    فبالله عليك ألا يدعوك حرص قدوتك الأعظم، وأسوتك الأكرم؛ في مضاعفة جوده وإحسانه على أهله ومستحقيه في شهر رمضان أكثر من غيره إلى أن تكون باذلاً للمعروفـ ماداً يد العون للمحتاج والمعوز والضعيف تأسياً واحتذاء؛ فـ{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}3.

    ألا يحركك إلى إطعام جائع، أو إعطاء مسكين، أو إتحاف فقير؟!.

    ألا يستعطفك لترسم البسمة على محروم، أو تسكت الجوع في بطن مكلوم؟!

    والقضية شربة ماء، مذقة لبن، حفنة تمر، صاع طعام، كساء عارٍ.

    وتيقن وتأكد واستبشر

    فأنت تتعرّض بهذا الإنفاق لدعوة الملَك: ((اللهم أعط منفقاً خلفاً))4، ولاستجابة أمر الله - تعالى -: ((يا ابن آدم أنفق أُنفق عليك))5، وتهيئ نفسك لولوج بوابة أحب الأعمال إلى الله - تعالى - كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أحب ألأعمال إلى الله - تعالى - سرور تدخله على مؤمن، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً))6.

    اغتنم الموسم..

    فإذا كان للتجارة مواسم للمرابحة، فالطاعات أيضاً لها مواسم للمنافسة، وإذا كان الناس عادة ما يسعون في مواسم التجارة إلى مضاعفة نشاطهم كي يزداد ربحهم؛ فلأنت أولى وأحرى أن تغتنم مواسم الطاعات فيما يرفع رصيدك من الدرجات عند ربك في الآخرة يقول الإمام الشافعيُّ - رحمه الله -: "أحبُّ للرجل الزيادة بالجود في رمضان؛ اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم"7.

    فتعرّض إذاً لنفحات الله - تعالى - في هذا الشهر، واغتنم شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه قبل أن يتفلت منك، فرُبَّ شيء يسير بطيب نفس يلج بك إلى فسيح الجنات، ومرتع الروضات.

    فاستكثر من أنواع الإحسان: فطِّر صائماً، أطعم جائعاً، اكفِ مسكيناً، واسِ محروماً، أغث ملهوفاً، أعنْ معوزاً، ولك بذاك عظيم الأجر والفضل.

    ختاماً:

    نعود فنقول: إن السعيد من اغتنم موسم الشهور والأيام والساعات بما يقربه إلى مولاه، ويمنحه لطيف النفحات، وينجيه من سقر وما فيها من اللفحات.

    فأين المبادرون، وأين المشمرون؟

    إذا هبّت ريـاحك فاغتنمهـا فإن الخافقات لها سكون


    وفقنا الله وإياك لمرضاته.

    ـــــــــــــــ ــ
    1 ابن رجب في اللطائف (ص40).
    2 رواه البخاري في كتاب الصوم - باب أجود ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون في رمضان برقم (1803)، ومسلم في كتاب الفضائل - باب كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير من الريح المرسلة برقم (2308).
    3 سورة الأحزاب (21).
    4 رواه البخاري برقم (1374)، ومسلم برقم (1010).
    5 رواه البخاري برقم (4407)، ومسلم برقم (993).
    6 رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (13646)، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (176).
    7 الحاوي في فقه الشافعي (3/479).



  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    الاحتساب في رمضان

    الحمد لله الذي فتح لعباده أبواب الخير، وسهل لهم طريق الوصول إليه، والصلاة والسلام على محمد عبد الله ورسوله، دعا إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    أيها المسلم الحبيب حياك الله وبياك في هذا اللقاء الطيب المبارك.

    أخي الفاضل: هذا الشهر العظيم هو شهر الفرص والبركات، شهر النفحات الإلهية المباركة، فيه يتسابق المتسابقون إلى كل قربة، ويسارعون إلى كل طاعة، وإن من أعظم الطاعات والقرب في هذا الشهر الكريم قربة: الاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كيف لا وقد قال الحق - سبحانه - عنها: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}1، فمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد دعا إلى الله - تعالى -، بل قد أناط الله - تعالى - خيرية هذه الأمة بهذا العمل المبارك فقال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ...}2.

    فبادر أخي المسلم في هذا الشهر المبارك إلى هذا العمل الجليل، وليكن ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.

    كيف تحتسب في رمضان:

    يتسائل البعض هذا السؤال، فنقول لك: بإمكانك أيها الأخ المبارك أن تحتسب في شهر رمضان بما يلي - على سبيل المثال لا الحصر -:

    1- تجعل في جيبك أو سيارتك مجموعة من الأشرطة لبعض المشايخ المؤثرين سواء كان شريطاً يتكلم عن شهر رمضان، أو عن بعض المواضيع المهمة.

    2- إن رأيت مسلماً يسب أو يشتم بَلّغتَه بحكمة ولطف، ودون أن تفارق وجهك البسمة؛ حديثَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء))3، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الصيام جنة، وإذا كان أحدكم يوماً صائماً فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم))4.

    3- حاول أن تحضِّر وتجهز بعض الكلمات والخواطر المؤثرة، ثم قم بزيارة بعض المساجد لإلقائها عليهم، أو في أي مكان مناسب.

    4- اكتب بعض الكلمات والعبارات المؤثرة في قصاصات صغيرة بدون تطويل، فيكون بعضها مثلاً بعنوان: (إلى أخي بائع الغناء)، وأخرى بعنوان: (إلى جاري العزيز)، ثم تكتب تحت هذا العنوان نصيحة طيبة مختصرة لبعض المقصرين في طاعة الله - تعالى -.

    5- اصحب بعض زملائك - ممن تراه مقصراً في أمور دينه - إلى محاضرة مؤثرة.

    6- وأخيراً: ادع الله - تعالى - بخشوع وصدق لمن هو مقصر في دينه من أقربائك أو زملائك أو غيرهم؛ فإن للدعاء أثر كبير في هداية كثير من الناس، وفيه من إعلان الولاء للمؤمنين، وحب الخير لهم ما الله به عليم، مع رجوع ذلك الدعاء لك؛ حيث يقول المَلَكُ: ولك مثله5.

    * ملاحظة: لا بد من أن يلاحظ المحتسب أن شهر رمضان فرصة كبيرة للدعوة إلى الله؛ وذلك لأن قلوب المسلمين - حتى العصاة منهم - تكون لينة قابلة للموعظة الحسنة؛ فعسى أن توافق الموعظة قلب المدعو وهو مطمئن لين هادئ فيكتب له بتلك النصيحة سعادة الأبد؛ ((...فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم))6، وأبواب الاحتساب كثيرة، ومن يصدق الله يصدقه.

    والله ولي التوفيق.

    ـــــــــــــ
    1 سورة فصلت (33).
    2 سورة آل عمران (110).
    3 رواه البخاري في الأدب المفرد برقم (312)وصححه الألباني في تحقيق الأدب المفرد.
    4 رواه البخاري برقم (1894) ومسلم برقم (2758)وأحمد برقم (7484)واللفظ له.
    5 كما في الحديث عند أبي داود برقم (1536)، وصححه الألباني في تحقيقه لأبي داود بنفس الرقم ((إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة آمين ولك بمثل)).
    6 رواه البخاري برقم (3498)، ومسلم برقم (6376).



  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    الزكاة .. طهر ونماء

    تتجلى عظمة الإسلام في جميع الشعائر والعبادات والفرائض التي افترضها الله على عباده، ومن هذه الفرائض ركن الإسلام الثالث ألا وهو إيتاء الزكاة . وبما أن شهر رمضان المبارك شهر الجود والإحسان والإنفاق والصدقة والإطعام؛ ناسب أن يكون لنا حديث عن الزكاة المفروضة، والتي قرنها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم مع الصلاة في 82 موضعاً .

    ولا يستقيم إسلام المسلم إلا بأدائها، لما لها من دور في التقريب بين أغنياء المسلمين وفقرائهم, وخلق روح التعاطف والمحبة بين أبناء المجتمع ،وتحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم وتأمين حاجة الفقراء والمساكين وأبناء السبيل والأيتام والأرامل وكفاية مستحقيها عن الحاجة والسؤال.

    وقد أجمع علماء الإسلام سلفاً وخلفاً على انه لا يتم إسلام المرء إلا بأداء الزكاة, فمن أنكر وجوبها فهو كافر، ومن امتنع عن أدائها مع اعتقاده وجوبها تؤخذ منة قهراً وعنوة كما فعل الخليفة الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه مع الذين امتنعوا عن أداء الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تعريفها
    والزكاة في اللغة: النماء، يقال زكا الزرع إذا نما. وأيضًا بمعنى التطهير،كذلك بمعنى الصلاح.

    وشرعًا: تمليك مال مخصوص لمستحقه بشرائط مخصوصة.

    أدلة وجوبها

    فرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة . وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله. ‏

    أما دليل فرضيتها من الكتاب:

    فقد قال تعالى: {وأقيموا الصلاة وَآتُواْ الزَّكَاةَ} سورة البقرة:110

    وقال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تطهرهم وتزكيهم بها} التوبة:103

    وقال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} سورة المعارج:25

    وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبد الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} سورة البينة 5



    وأما السنة فكثيرة:

    منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا)) رواه البخاري ومسلم. وفي حديث معاذ رضي الله عنه لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم)) رواه البخاري ومسلم.

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحـق الإسلام، وحسابهم على الله )) متفق عليه.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته، دخلت الجنة. قال ((تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)) قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا. فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا )) متفق عليه.



    وأما الإجماع:

    فقد ذكره كثير من العلماء، قال ابن قدامة: وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها ( المغني 2/433 )

    شروط وجوبها :

    أجمع العلماء على أن الزكاة تجب على كل مسلم حرٍّ بالغ عاقل مالكٍ النصابَ ملكاً تاماً حال عليه الحول، فيما عدا الزروع والثمار فإنه يجب فيها من دون حول الحول. واختلفوا في المرتد، والصبي، والمجنون، والعبد، وما خلا المالك ملكاً تامًّا. ( وهذه مسائل مبسوطة في مظانها في كتب الفقه ).



    حكمتها وفضلها:

    الزكاة فيها تطهير للنفس والمال، ورفعة في الدرجات، وحصول للبركة ، وزيادة في الأجر والمثوبة، ونفي للفقر، ومواساة للمحتاجين ، وترابط للمجتمع المسلم.

    وقد حدد الله عز وجل مصارفها فقال: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ، فريضة من الله والله عليم حكيم } التوبة : 60

    ومن اسم الزكاة يتضح لنا ما فيها من الزكاء والطهارة والنماء. وقد قال تعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } التوبة : 103 ، فهي تعتبر طهراً للمال، وعلاجاً شافياً لأمراض البخل والشح والطمع والأنانية والحقد.

    وقد وعد الله أهل الزكاة والإنفاق بالبركة والزيادة والنماء فقال: { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين } سبأ: 39 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما نقصت صدقة من مال)) صحيح الترمذي.

    وللزكاة دور كبير في تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم ، فالله عز وجل قسم الأرزاق بين عباده حسب مشيئته، وفضل بعضهم على بعض في الرزق، فجعل منهم الغني والفقير، والقوي والضعيف، وفرض على الأغنياء حقاً معلوماً ونصيباً مفروضاً يؤخذ منهم ويرد على الفقراء كيلا يكون المال دولة بين الأغنياء ، وليحصل الفقراء على العيش الكريم، فلا يمنّ غني بنفقته ، فالمال مال الله وهو الذي أوجب فيه حق النفقة والمواساة.وهذا من أروع صور التكافل في المجتمعات. ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد . إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) رواه مسلم.‏

    كذلك فان الزكاة تعبير عملي عن أخوة الإسلام، وتطبيق واقعي لأخلاق المسلم من جانب المزكي، كذلك فإن لأداء الزكاة دور كبير في تحقيق الأمن والاستقرار، فحينما يحصل الفقير على حقه ويحصل على ما يؤمن حياته فإنه يبتعد عن إحداث أي اضطرابات في حياة المجتمع الإسلامي ويشعر أنه ضمن جماعة ترعى حقه فيعم الأمن والأمان والسلم والسلام طبقات المجتمع.

    كذلك فإنه متى ما أدى الغني حق الفقير اختفت من المجتمع الإسلامي مظاهر الحسد، وسلموا من غوائل الضغينة وعاش الجميع في إخاء ومحبة ومودة وسعادة وهناء.

    أيضاً فإن الزكاة تكفر الخطايا وتدفع البلاء، وتجلب رحمة الله، قال تعالى ‎: ‏ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ …} الأعراف: 156.‏

    موقف الإسلام من مانعي الزكاة

    من أشد المصائب التي يبتلى بها الإنسان داء البخل الذي يجعله يظن أن بخله يحفظ أمواله من الضياع، أو أنه يزيده مالاً فوق ماله، مع أنه لو علم ما يصيبه من الخسران في الدنيا وما يحيق به من العذاب في الآخرة، مع ما يفوته على نفسه من الأجر والبركة، فإنه لو أدرك ذلك لكان مسارعاً في إخراجها، بل ويزيد من الصدقات والمعروف.

    وقد جاء الوعيد الشديد في كتاب الله تعالى لمن بخل ولم يؤد زكاة ماله.

    فقال تعالى :‎‎ ‏{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } آل عمران:180.‏

    وقال تعالى : { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(34)يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ(35) } التوبة

    ففي الامتناع عن أداء الزكاة إثم عظيم، وضررٌ كبير على الفقراء والمحتاجين، وتعرض لغضب الله وعاجل عذابه. لذا فمنع الزكاة يهدم بناء المجتمع ويقوض دعائمه. لذا فإن من امتنع من الأغنياء عن أداء الزكاة فإنها تؤخذ منه قهراً ، وإن كانوا جماعة لهم سلطان وقوة قاتلهم الإمام حتى يؤدوا الزكاة كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه مع مانعي الزكاة.

    ومن أنكر وجوبها وهو عالم ولم يخفَ عليه حكمها فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين . بخلاف من تركها مع عدم جحدها فهذا تؤخذ منه بقوة السلطان ويعزره الإمام إن لم يكن له عذر. وهو داخل في الوعيد الشديد الذي جاء في مانعي الزكاة.

    ومما جاء في تهديد مانعي الزكاة في السنة النبوية ، حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من صاحب ذهب، ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله، فالإبل؟ قال: "ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها، رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار". قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم؟ قال: "ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها، رد عيه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"...الحديث)) رواه مسلم.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من آتاه الله مالا ، فلم يؤدي زكاته ، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع ، له زبيبتان ، يطوقه يوم القيامة ، ثم يأخذ بلهزمتيه ، يعني شدقيه ، ثم يقول : أنا مالك ، أنا كنزك ، ثم تلا : { ولا يحسبن الذين يبخلون } . الآية .. رواه البخاري

    وعنه أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا ما رب النعم لم يعط حقها تسلط عليه يوم القيامة ، فتخبط وجهه بأخفافها )) رواه البخاري

    وفي الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((و لم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، و لولا البهائم لم يمطروا .. الحديث) صحيح ابن ماجه ـ حسنه الألباني

    فأي ترهيب بعد هذا الترهيب ، وأي وعيد بعد هذا الوعيد ، فليتقِ الله مانع الزكاة وليتب إلى ربه فإنه يقبل توبة التائبين.

    أخي الصائم .. ها نحن في العشر الأخيرة المباركة من شهر رمضان .. عشر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران ، فليكن لك من الإنفاق نصيب ، ولا تكن ممن يبخلون فيستحسرون ، أدّ زكاة مالك في وقتها ، وتصدق بفضول مالك فينميه الله لك ويضاعفه لك أضعافاً كثيرة . {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} البقرة: 245

    تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ، وكتبنا جميعاً من عتقائه من النار.



  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    إليك أيها الميسور

    الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بالحث على الجود والبذل والإنفاق في سبيل الله؛ يقول الله - عز وجل -: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}1، و يخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً؛ ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً))2، كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه: ((ما نقصت صدقة من مال))3.

    ونحن نعيش أجواء شهر البذل والجود والإحسان؛ هذه دعوة نوجهها إلى كل ميسور، إلى كل من أنعم الله عليه؛ فأعطاه من فضله، ووسع عليه في رزقه، وأمدَّه من كرمه عليه؛ أن تكون يده سخية بالعطاء، كريمة بالبذل، فيعطي مما أعطاه الله، ومما استخلفه فيه، متذكراً حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه: ((ما منكم من أحد إلا سيكلم الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان, فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه؛ فاتقوا النار ولو بشق تمرة, ولو بكلمة طيبة))4، وفي هذا الحديث: الحث على أن يحرص الإنسان على فعل كل ما يتقي به من عذاب الله، من ذلك الصدقة والإنفاق في وجوه الخير؛ فإن: ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فُلوَّه حتى تكون مثل الجبل))5، وليعلم كل إنسان أنه ليس له من ماله إلا ما قدمه لآخرته، وبذله في سبيل الله؛ هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يسأل الصحابة فيقول: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟)) قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه, فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما آخر))6.

    فقدم - أخي - لآخرتك، وابذل من مالك، وكن كريماً جواداً بالذي تستطيع عليه ولو كان قليلاً، وعليك بالإخلاص؛ فرب درهم سبق ألف درهم، لتكن يدك سخية معطية باذلة فقد جاء في حديث مالك بن نضلة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الأَيْدِي ثَلاَثَةٌ: فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِى التي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى، فَأَعْطِ الْفَضْلَ، وَلاَ تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ))7.

    وتأمل - معي - أخي في الله إلى قدوتنا وأسوتنا - صلى الله عليه وسلم - حيث كان أجود الناس وأكرمهم وخاصة في شهر رمضان؛ فقد جاء في الحديث عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - "أن رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ في شَهْرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كَانَ يَلْقَاهُ في كُلِّ سَنَةٍ في رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَة"8.

    ومن جوده وكرمه - عليه الصلاة والسلام - أنه كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر؛ فهذا رجل سَأَلَه - صلى الله عليه وسلم - "فَأَعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أي قَوْمِ أَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّداً لَيُعْطِى عَطَاءَ مَنْ لاَ يَخَافُ الْفَاقَةَ"9.

    وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده قال: ((ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم))10.

    وقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة اتباعاً لمنهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجود والبذل والعطاء؛ ففي أعظم مضمار سباق عرفه التاريخ؛ يقول عمر - رضي الله عنه - يوماً: لأسبقنَّ أبا بكر اليوم، فيخرج بنصف ماله، فيسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا عمر ما تركتَ لأهلك؟))، فيقول: تركتُ لهم مثله، فيجيء أبوبكر الصديق بماله كله، فيسأله النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا أبا بكر ما تركتَ لأهلك؟))، فيقول: تركتُ لهم الله ورسوله11.

    وهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقول: "من آتاه الله منكم مالاً فليصل به القرابة، وليُحسن فيه الضيافة، وليفك فيه العاني والأسير، وابن السبيل والمساكين، والفقراء والمجاهدين، وليصبر فيه على النائبة؛ فإن بهذه الخصال ينال كرم الدنيا، وشرف الآخرة"12، ويقول أيضاً - رضي الله عنه -: "سوِّسوا إيمانكم بالصدقة، وحصِّنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء"13، وقال أبو حاتم: "البخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها جرَّه إلى النار، كما أن الجود شجرة في الجنة؛ أغصانها في الدنيا، فمن تعلق بغصن من أغصانها جرَّه إلى الجنة، والجنة دار الأسخياء"14.

    ويقول الفضيل بن عياض عن الذين يتصدق الناس عليهم فيأخذون الصدقات: "يحملون أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله - عز وجل -"، وأما يحيي بن معاذ فيقول: "ما أعرف حبَّة تزن جبال الدنيا إلا من الصدقة"، ويقول عبد العزيز بن عمير: "الصلاة تبلغك نصف الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، والصدقة تدخلك عليه"15.

    فليت لنا أمثال هؤلاء؟

    بهم نصر الله محمداً، وبهم يجب علينا أن نقتدي، وأن نتشبه

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح16


    نسأل الله أن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معصيته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    ــــــــــــ
    1 سورة سبأ (39).
    2 رواه البخاري (1315) ومسلم (1678).
    3 رواه مسلم (4689).
    4 رواه البخاري (6958) ومسلم (1688).
    5 رواه البخاري (1321).
    6 رواه البخاري (5961).
    7 رواه أبو داود (1406) وهو في صحيح أبي داود (1455).
    8 رواه البخاري (5).
    9 رواه مسلم (4275).
    10 أخرجه البخاري (1469)، ومسلم (1053).
    11 أخرجه أبو داود (1678)، والترمذي برقم (2675)، وقال: "حسن صحيح"، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (1472).
    12 روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (182)، أبو حاتم البستي.
    13 نفائس الكلام من أفواه السلف الكرام (ص35)، مصطفى حقي، دار الشريف، الرياض.
    14 المصدر السابق نفسه.
    15 التبصرة (2/257).
    16 مقدمة عيون الأخيار (ص4).



  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    الجود والإنفاق في رمضان

    ثبت في الصحيحين عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضان حين يلقاهُ جبريلُ،... فإذا لقيه جبريل - عليه السلام - كان أجودُ بالخير من الريح المرسلة"1 ورواه أحمد، وزاد "لا يُسأل عن شيءٍ إلا أعطاه"2 قال ابن حجر: "أجود الناس" أي: أكثر الناس جوداً، والجود: الكرم وهو من الصفات المحمودة، وقوله: "أجود بالخير من الريح المرسلة" أي: المطلقة، يعني في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبَّر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه"3، وذكر الزين بن المنير وجه التشبيه بين أجوديته - صلى الله عليه وسلم - بالخير، وبين أجودية الريح المرسلة: أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله - تعالى - لإنزال الغيث العام الذي يكون سبباً لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي: فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة - صلى الله عليه وسلم -4.

    قال بعضهم: فضل جوده على جود الناس، ثم فضل جوده في رمضان على جوده في غيره، ثم فضل جوده في ليالي رمضان، وعند لقاء جبريل؛ على جوده في سائر أوقات رمضان، ثم شبه بالريح المرسلة في التعميم والسرعة، قال ابن الملك معللاً: لأن الوقت إذا كان أشرف يكون الجود فيه أفضل"5، يقول ابن عمر - رضي الله عنه -: "ما رأيت أجود ولا أمجد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"6.

    فيا عبد الله: هذا حال نبيك مع الإنفاق في رمضان، وهو القدوة والأسوة؛ فكيف حالك أنت؟

    قال الشافعيُّ - رحمه الله -: "أحبُّ للرجل الزيادة بالجود في رمضان؛ اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم"7.

    أخي المبارك لا تنس:

    أن شهر رمضان موسم المتصدقين، وفرصة سانحة للباذلين والمعطين، وإن الصيام يدعوك إلى إطعام الجائع، وإعطاء المسكين، وإتحاف الفقير.

    الله أعطـاك فابذل من عطيته فالمــــال عارية والعمر رحال


    المال كالماء إن تحبس سواقيه يأ سن وإن يجر منه يعذب منه سلسال


    يقول ابن رجب في لطائف المعارف: "وفي تضاعف جوده - صلى الله عليه وسلم - في رمضان بخصوصه فوائدُ كثيرةٌ منها:

    - شرف الزمان ومضاعفةُ أجر العمل فيه؛ وفي الترمذي عن أنس مرفوعاً: "أفضلُ الصدقةِ صدقةُ رمضانَ"8.

    - إعانةُ الصائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجبُ المعينُ لهم مثل أجورهم، كما أن من جَهَّز غازياً فقد غزا، ومن خلفَه في أهله بخير فقد غزا.

    - أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة كما في حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن في الجنة غُرفاً يُرى ظهورُها من بطونها، وبطونُها من ظهورِه)) فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: ((لمن طَيَّبَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وأدامَ الصيامَ، وصلَّى بالليلِ والناسُ نيام))9، وهذه الخصالُ كلُّها تكونُ في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام، والقيام، والصدقة، وطيب الكلام، فإن الصائم ينهى فيه عن اللغو والرفث.

    - والصلاة والصيام والصدقة: توصلُ صاحبها إلى الله - عز وجل -، وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أصبح منكم اليوم صائماً؟)) قال أبوبكرٍ: أنا، قال: ((من تَبعَ منكم اليوم جنازة؟)) قال أبوبكرٍ: أنا، قال: ((من تصدقَ بصدقةٍ؟)) قال أبوبكرٍ: أنا، قال: ((من عاد منكم مريضاً؟)) قال أبوبكرٍ: أنا، قال: ((ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة))10.

    - أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغُ في تكفير الخطايا، واتقاء جهنم، والمباعدة عنها، خصوصاً إن ضُمَّ إلى ذلك قيام الليل فقد ثبت عن معاذٍ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النارَ...))11، وكان أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقول: صلُّوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يوماً شديداً حرَّهُ لحرِّ يوم النشور، تصدقوا بصدقة السرِّ لهول يوم عسير.

    - أن الصيام لا بدّ أن يقع فيه خللٌ أو نقصٌ، وتكفيرُ الصيام للذنوب مشروطٌ بالتحفظ مما ينبغي أن يُتحفَّظَ منه، فالصدقةُ تجبر ما كان فيه من النقص والخلل، ولهذا وجب في آخر رمضان زكاةُ الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث12.

    أيها الصائم: إنك ببذلك وعطائك تقرض ربك ليوم فقرك وحاجتك وضرورتك يوم الفقر والمسكنة، يوم التغابن.

    أيها الصائم: شربة ماء، ومذقة لبن، وحفنة تمر، وقليل من الطعام والمال، واللباس والفاكهة؛ تسديها إلى محتاج؛ هي طريقك إلى الجنة.

    أيها الصائم: تالله لا يحفظ المال مثل الصدقة، ولا يزكي المال مثل الزكاة، مات كثير من أثرياء الأموال والكنوز، والدور والقصور؛ فأصبح كل ذلك حسرة عليهم وندامة وأسفاً؛ لأنهم جعلوه في غير مصارفه، وغداً يظهر لك الربح من الخسران والله المستعان.

    ختاماً: تذكر أيها الصائم أن رمضان يدعوك للبذل والعطاء، ورحمة الفقراء والمساكين، وهي دعوة في ذات الوقت لنفسك لتقرض ربك في الدنيا فيكرم قرضك يوم تلقاه: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}13، وتذكر أن الأموال والكنوز والقصور مآلها إلى الزوال والضياع، وليكن حداءك قول رسولك -صلى الله عليه وسلم -: ((ما نقصت صدقة من مال))14.

    نسأل الله - تبارك وتعالى - أن يجعلنا من المنفقين والمستغفرين بالأسحار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    ـــــــــــــــ ــ
    1 رواه البخاري برقم (1803)، ومسلم برقم (2308).
    2 رواه أحمد برقم (2042)، وصححه شعيب الأرناؤوط.
    3 فتح الباري (1/30).
    4 فتح الباري (6/140)
    5 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/444).
    6 الاستذكار لابن عبد البر (5/78).
    7 الحاوي في فقه الشافعي (3/479).
    8 رواه الترمذي برقم (663)، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (2948).
    9 رواه أحمد في مسنده برقم (6615)، وقال شعيب الأرناؤوط: حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف.
    10 رواه مسلم برقم (1028).
    11 رواه الترمذي برقم (614)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (5262).
    12 لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي (232).
    13 سورة التغابن (17).
    14 رواه مسلم برقم (2588).



  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    المشاركات
    961

    افتراضي رد: نفحات رمضانية

    كل معروف صدقة

    أرشد الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يأمر أمته بالمعروف، وأن يكون سجية وخلقاً له ولهم فقال - تعالى -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}1 يقول العلامة المفسر ابن سعدي - رحمه الله - في قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} "أي بكل قول حسن، وفعل جميل، وخلق كامل؛ للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك إما تعليم علم، أو حث على خير من صلة رحم، أو بِرِّ والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية"2.

    وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن: ((كل معروف صدقة))3، و"كل" من أقوى ألفاظ العموم، كما هو معلوم في كتب الأصول، فكل معروف تفعله - أخي - تؤجر عليه؛ وقد جاءت نصوص كثيرة تبين لنا خصال الخير، ومنها ما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة))4، وهذه "الأنواع التي أشار إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصدقة منها ما نفعه متعدٍ كالإصلاح، وإعانة الرجل على دابته بحمله عليها لرفع متاعه عليها، والكلمة الطيبة، ويدخل فيها السلام، وتشميت العاطس، وإزالة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفن النخاعة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسماع الأصم، وتبصير المنقوص بصره، وهداية الأعمى أو غيره الطريق، ... ومنه ما هو قاصر النفع كالتسبيح والتكبير، والتحميد والتهليل، والمشي إلى الصلاة، وصلاة ركعتي الضحى"5.

    ومن أنواع الصدقات ما جاء في حديث عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله، وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أحب الناس إلى الله - عز وجل - أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم, أو تكشف عنه كربة, أو تقضي عنه ديناً, أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً في مسجد المدينة، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غضبه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رخاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام))6.

    وعن أبي جرىٍّ الهجيميّ - رضي الله عنه - قال: أتيت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول اللّه إنّا قوم من أهل البادية، فعلّمنا شيئاً ينفعنا اللّه - تبارك وتعالى - به؟ قال: ((لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلّم أخاك ووجهك إليه منبسط))7.

    ومن أنواع الصدقات أيضاً أداء الحقوق إلى أصحابها فعن أَبى هريرة - رضي الله عنه - أَن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ)) قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ))8، وفي حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع: وذكر منها: ((وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ))9، وعن عمر بن الخطاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه القصة قال: ((وتغيثوا الملهوف، وتهدوا الضال))10.

    ومنها: إنظار المعسر في الدين فعن سليمان بن بريدة عن أَبيه قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ)) قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ))، قُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ؟ قَالَ: (( لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ))11.

    ومنها: الإحسان إلى البهائم لما جاء في الحديث: عن أَبي هريرة أَن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - قال: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْراً؟ فَقَالَ: ((نَعَمْ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ))12.

    بل قد يسر الله الصدقة، وسهلها على الإنسان، فجعل من الصدقات التي يمكن للإنسان أن يقوم بها أن يكف أذاه عن الناس، فإذا لم يفعل الخير فلا يفعل الشر، ويشهد لذلك ما جاء في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله، والجهاد في سبيله)) قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: ((أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمناً)) قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق)) قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: ((تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك))13.

    وضرب لنا السلف الصالح أروع الأمثلة في فعل المعروف؛ فهذا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - حين ولي الخلافة كان يأتي بيتاً في عوالي المدينة تسكنه عجوز عمياء كل يوم، فينضج لها طعامها، ويكنس لها بيتها وهي لا تعلم من هو، فكان يستبق وعمر بن الخطاب إلى خدمته14، ولما ولي عمر الخلافة خرج يتحسس أخبار المسلمين؛ فوجد أرملة وأيتاماً عندها يبكون يتضاغون من الجوع، فلم يلبث أن غدا إلى بيت مال المسلمين فاحتمل طعاماً على ظهره، وانطلق فأنضج لهم طعامهم، فما زال بهم حتى أكلوا وضحكو15.

    ومن عجيب ما يذكر عن علي زين العابدين أن أناساً من أهل المدينة كانوا لا يدرون من أين تأتيهم معايشهم، فلما مات فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتَوْنَه في الليل, ولما غسلوه - رحمه الله - وجدوا بظهره أثراً مما كان ينقله بالليل إلى بيوت الأرامل16.

    "وهذا عبد الله بن المبارك - رحمه الله - كان ينفق من ماله على الفقهاء، وكان من أراد الحج من أهل مرو إنما يحج من نفقة ابن المبارك، كما كان يؤدي عن المديون دينه، ويشترط على الدائن أن لا يخبر مدينه باسمه"17.

    وفاعل المعروف وإن لم يكن له نية التقرب حين الشروع بالعمل فنرجو أن يأجره الله على ذلك، فقد سئل الحسن - رحمه الله - عن الرجل يسأله آخرُ حاجة وهو يبغضه، فيعطيه حياء؛ هل له فيه أجر؟ فقال: "إن ذلك لمن المعروف، وإن في المعروف لأجراً"، وسئل ابن سيرين - رحمه الله - عن الرجل يتبع الجنازة لا يتبعها حسبة يتبعها حياء من أهلها أَلَهُ في ذلك أجر؟ فقال: "أجر واحد؟ بل له أجران، أجر الصلاة على أخيه، وأجر لصلته الحي"18.

    فلنبادر معاشر المؤمنين إلى فعل المعروف يقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر"، ويقول الماوردي - رحمه الله -: "فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت ندماً، ومعول على مكانة زالت فأورثت خجلاً"، وقال العباس - رضي الله عنه -: "لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره، وستره، فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته"19.

    فلا تتردد - أخي الكريم - أن تقضي حاجة لأخيك ولو على حساب وقتك وجهدك، وثق في خالقك أنه سيخلفك خيراً، وسيكون في حاجتك يخفف عنك همك، ويرفع عنك غمك، ويبارك لك في رزقك، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ))20 يقول ابن عباس - رضي الله عنهما -: "من مشى بحق أخيه إليه ليقضيه فله بكل خطوة صدقة".

    فلا تزهد أن تقوم على همٍ فتخففه عنه، أو نجدة تسعفه بها، أو دين تقضيه عنه، أو مال تقرضه إياه، أو نقيصة تدفعها عن عرضه، أو رفقة تؤنسه بها، أو دعاء له تخفيه عنه، وكل عون في بِر، أو مساعدة في خير هي صنائع تنال بها محبة الله، وتفوز من أجلها برضاه، وبالعموم فلنتذكر حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((والذي نفسي بيده ما من عبد يعمل بخصلة منها يريد ما عند الله إلا أخذت بيده يوم القيامة فأدخلته الجنة))21.

    نسأل الله أن ينفع بنا، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يستعملنا في طاعته، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    ـــــــــــــــ
    1 سورة الأعراف (199).
    2 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص313).
    3 أخرجه البخاري (5562)، ومسلم (1673).
    4 رواه البخاري (2767)، ومسلم (1677).
    5 جامع العلوم والحكم (ص247) الناشر: دار المعرفة. بيروت. الطبعة الأولى (1408هـ).
    6 رواه الطبراني في الكبير برقم (13646)، وحسّن إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (906)، وقال الألباني: "حسن لغيره" برقم (2623).
    7 رواه أحمد (5/63) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (98).
    8 رواه مسلم (4033).
    9 رواه البخاري (2265)، ومسلم (3848).
    10 رواه أبو داود برقم (1481)، وهو في السلسلة الصحيحة (2421)، وحجاب المرأة (34).
    11 رواه أحمد برقم (12986)، وهو في صحيح الترغيب والترهيب برقم (907).
    12 أخرجه البخاري برقم (2190)، ومسلم (4162).
    13 أخرجه مسلم (119).
    14 أسد الغابة (3/327).
    15 الرياض النضرة (1/385).
    16 سير أعلام النبلاء (4/393).
    17 سير أعلام النبلاء (8/386).
    18 جامع العلوم والحكم (248).
    19 يراجع: الجامع لأحكام القرآن (5/363) للقرطبي.
    20 الحديث أخرجه البخاري (2262)، ومسلم (4677).
    21 أخرجه ابن حبان في صحيحه (373)، وقال الألباني: "حسن لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب برقم (2318).



صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •