هيا نشد العزم والنشاط

في التحذير والتنفير من الزنا واللواط

الحمد لله
إن جريمة الزنا قد وقعت في الأمم ومازالت، فلم يخلُ منها زمان ولا مكان، فقد حدثت في بني إسرائيل، فأحدثت فيهم أمراضا، وفي جيشهم هزيمة، وفي مجتمعهم خلخلة، وها هو النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يحذر أمته قتئلا: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُم ْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». مسلم (2742).
وفي أمة النصارى قال عيس عليه السلام: [وَسَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: لاَ تَزْنِ! * أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ بِقَصْدِ أَنْ يَشْتَهِيَهَا؛ فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ! * فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى فَخّاً لَكَ؛ فَاقْلَعْهَا وَارْمِهَا عَنْكَ، فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ تَفْقِدَ عُضْواً مِنْ أَعْضَائِكَ؛ وَلاَ يُطْرَحَ جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ!)] (متي الإصحاح الخامس 27 إلى 29)([1])
وفي هذه الأمة جاء النهي والتحذير من هذه الجريمة، قال سبحانه: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (الإسراء: 32)
فمن زنى جُلِد إن لم يسبق له الزواج، وإن سبق وأن تزوج فيرجم بالحجارة حتى الموت، قال جل جلاله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (النور: 2، 3).
وقد جعل شرعنا لها عقوبةً رادعةً، وحدودًا زاجرةً مانعة، فقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم وجلد، وعفا وصفح. فـ[إِذَا اسْتُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا، لقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}].([2]) واليوم لا تقام الحدود، فعلى الزناة التوبة إلى الله جل جلاله، والإكثار من الأعمال الصالحات.
فالزنا هو البغاء، وهو العنت، وهو الفاحشة، وهو الوطء الحرام، ويطلق عليه الفجور، والعُهر، والسِّفاح، والوقاع الحرام. الزنا؛ جريمةٌ من أكبر الجرائم، ومصيبةٌ من أعظم المصائب على الفرد والأمة. الزنا؛ انتهاكٌ للأعراض، واختلاطٌ للأنساب، وتفككٌ في الأسر، وتخلخلٌ في الأمة والمجتمعات. الزنا؛ يؤدي للقتل حدًّا بالرجم، أو باسم الشرف، أو بذريعة الانتقام والتشفي. الزنا؛ يُغضِب الرحمن الرحيم، {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (الإسراء: 32). الزاني؛ إيمانُه يتخلَّى عنه أثناء زناه، ففي الحديث: «إِذَا زَنَى الرَّجُلُ؛ خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ كَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ». سنن أبي داود (4690)، الترمذي (2625).([3]) وقَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ..".([4]) والزنا؛ لا يرضى عنه ولا به عاقلٌ حُرٌّ شريف، بَلْهَ مؤمنٌ كريم، (أوَ تزني الحرَّة؟؟!)، فالحرَّة ولو كانت كافرةً لا تزني.
واستخدم صلى الله عليه وسلم أسلوب العقل والإقناع للتنفير من الزنا، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ، قَالَ: إِنَّ فَتًى من قريشٍ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِى فى الزِّنَا)، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مَهْ مَهْ! فَقَالَ: "ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، فَقَالَ: "أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟" قَالَ: (لاَ وَاللَّهِ! جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ)، قَالَ: "وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ "، قَالَ: "أَفَتُحِبُّه لابْنَتِكَ؟"، قَالَ: (لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ)، قَالَ: "وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ"، =وذكر الأخت والعمة والخالة، كل ذلك يقول=: (لاَ وَاللَّهِ! جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ)، ... قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ". فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَىْءٍ. رواه أحمد والطبراني وغيرهما.([5])
الزنا؛ يورث الحسرة والندامة، ويجلبُ الخزيَ والعارَ والملامة، ويكسو الوجه سوادا وكلاحة. الزنا؛ يزهِّد في الزواج المباح، ويضعف الرغبةَ الحلالَ في النكاح، ويجلبُ أنواعا خطيرة من الأمراض. الزنا؛ لذةُ لحظة، وشهوة لمحة، وحسرة عمر، وندامة دهر. والزنا أنواع؛ زنا القلبِ والنفس بالتمني، والتفكير والتَّشهِّي، وفوقه زنا النظرِ وتقليبِ البصر، وأعلى منه زنا اللمس، والمصافحة والمماسة، وفوقه زنا الضَّمِّ والحضن والتقبيل، ثم يصدق ذلك أو يكذبه الفرج، ومنه الوقوع على البهائم والحيوانات، وفوقه زنا الأجنبيات، وأشد منه وأغيظ؛ الزنا بالجارات، وأكبر منه وأغلظ؛ الزنا بالمحارم؛ من أخوات وأمهات وبنات، وهناك أكبر جريمة وهي عملُ قومِ لوطٍ عليه السلام.
والإنسان يزني بأعضائه، والفرج يصدق أو يكذب؛ وهذا واقعٌ في الناس مكتوبٌ عليهم، بأسباب يرتكبونها، وجوارحَ ركَّبها فيهم، فـ[.. «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ» .. وأَثْبَتَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ «عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ» ونَصِيبَهُ «مِنَ الزِّنَا» .. =أي من= مُقَدَّمَاتُ الزِّنَا؛ مِنَ التَّمَنِّي، وَالتَّخَطِّي، وَالتَّكَلُّمِ لأَجْلِهِ، وَالنَّظَرِ، وَاللَّمْسِ، وَالتَّخَلِّي، .. =و= الشَّهْوَة، وَالْمَيْل إِلَى النِّسَاءِ، وَخَلَقَ فِيهِ =أي في ابن آدم= الْعَيْنَيْنِ وَالأُذُنَيْنِ، وَالْقَلْبَ وَالْفَرْجَ، وَهِيَ الَّتِي تَجِدُ لَذَّةَ الزِّنَا، ... فقَدَّرَ فِي الأَزَلِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ الزِّنَا فِي الْجُمْلَةِ، «أَدْرَكَ» وأَصَابَ ابْنُ آدَمَ، وَوَجَدَ «ذَلِكَ» أَيْ: مَا كَتَبَهُ اللَّهُ، وَقَدَّرَهُ، وَقَضَاهُ، .. «لا مَحَالَةَ» =و= لا بُدَّ لَهُ، وَلا فِرَاقَ، وَلا احْتِيَالَ مِنْهُ، فَهُوَ وَاقِعٌ أَلْبَتَّةَ؛ =فهناك تسعة أعضاء في الإنسان لها حظها من الزنا؛ إن نجا من أحدها وقع في آخر=:
1) «فَزِنَا الْعَيْنِ.. النَّظَرُ» أَيْ: حَظُّهَا النَّظَرُ عَلَى قَصْدِ الشَّهْوَةِ فِيمَا لا يَحِلُّ لَهُ..؛ لأَنَّ النَّظَرَ قَدْ يَجُرُّ إِلَى الزِّنَا، فَتَسْمِيَةُ مُقَدِّمَةِ الزِّنَا بِالزِّنَا مُبَالَغَةٌ،.. فَإِنَّهُ حَظُّهُمَا وَلَذَّتُهُمَا. =فمن ينجو من زنا النظر؟! إلا من رحم ربك=
2) «وَالأُذُنَانِ .. زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ» صحيح مسلم (2657) أَيْ: إِلَى كَلامِ الزَّانِيَةِ أَوِ الْوَاسِطَةِ، فَهُوَ حَظُّهُمَا وَلَذَّتُهُمَا بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: إِلَى صَوْتِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ مُطْلَقًا؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَوْرَةٌ، أَوْ بِشَرْطِ الْفِتْنَةِ بِنَاءً عَلَى الأَصَحِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ. =وقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: (الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَى). شعب الإيمان (7/ 111) (4754).
3) «وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ» البخاري (6243) أَيِ: التَّكَلُّمُ عَلَى وَجْهِ الْحُرْمَةِ كَالْمُوَاعَدَة ِ. وفي رواية: «الْكَلامُ» أَيْ: مَعَ الأَجْنَبِيَّةِ بِالْمُوَاعَدَة ِ عَلَى الزِّنَا، أَوْ مَعَ مَنْ يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهَا عَلَى وَجْهِ الْحَرَامِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ إِنْشَاءُ الشِّعْرِ، وَإِنْشَادُهُ فِيهَا. =قَالَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بن عبد الْملك أَبُو خَالِد النَّاقِصُ توفي 126 هـ. (لُقِّب الناقص؛ لأنه نقص الناس من أعطائهم)، فوات الوفيات (4/ 333)-: (يَا بَنِي أُمَيَّةَ! إِيَّاكُمْ وَالْغِنَاءَ؛ فَإِنَّهُ يُنْقِصُ الْحَيَاءَ، وَيَزِيدُ فِي الشَّهْوَةَ، وَيَهْدِمُ الْمُرُوءَةَ، وَإِنَّهُ لَيَنُوبٌ عَنِ الْخَمْرِ، وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ السُّكْرُ، فَإِنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَجَنِّبُوهُ النِّسَاءَ؛ إِنَّ الْغِنَاءَ دَاعِيَةُ الزِّنَى). شعب الإيمان (7/ 111) (4755).
4) أما زنا الأنف؛ فبشمِّ ما لا يحلُّ له شمُّه، أو تعريضِ الآخرين لهذا الشمِّ، عَنْ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ» سنن النسائي (5126) واللفظ له، وأبوداود (4173) والترمذي (2786)، حسنه الألباني. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَجَدَ مِنْهَا رِيحَ الطِّيبِ يَنْفَحُ، وَلِذَيْلِهَا إِعْصَارٌ، فَقَالَ: (يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ! جِئْتِ مِنَ الْمَسْجِدِ؟) قَالَتْ: نَعَمْ! قَالَ: (وَلَهُ تَطَيَّبْتِ؟!) قَالَتْ: نَعَمْ! قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تُقْبَلُ صَلاةٌ لامْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ، حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الجَنَابَةِ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: (الإِعْصَارُ غُبَارٌ) سنن أبي داود (4174). فالمرأة المتعطرة ممنوعة من صلاة الجماعة=.
5) «وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ»مسلم (2657) أَيِ: الأَخْذُ وَاللَّمْسُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْكِتَابَةُ إِلَيْهَا، وَرَمِيُ الْحَصَا عَلَيْهَا، وَنَحْوُهُمَا، =[[(«وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ»: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ بَطْشٍ مُحَرَّمٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ زِنًى؛ إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا هُوَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا، وَيُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَالْيَدُ زِنَاهًا اللَّمْسُ» مسند أحمد (14/ 253) (8598)، الصحيحة (2804) فَالْمُرَادُ بَطْشٌ مَخْصُوصٌ..)]]. من طرح التثريب لأبي الفضل زين الدين .. العراقي (المتوفى: 806هـ) (ج8/ ص21).=
6) «وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا»مسلم (2657) جَمْعُ خُطْوَةٍ، .. أَيِ: الْمَشْيُ، أَوِ الرُّكُوبُ إِلَى مَا فِيهِ الزِّنَا.
7) =«وَالْفَمُ يَزْنِي فَزِنَاهُ الْقُبَلُ». سنن أبي داود (2153)، صحيح الترغيب (2/ 190) (1904)، وهذا ما يجري في الناس اليوم إلا ما رحم ربك، حيث يتبادلون القبلات أثناء الزيارات، أو عند القدوم من سفر ونحو ذلك=.
8) «وَالنَّفْسُ» أَيِ: الْقَلْبُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الآتِيَةِ، وَلَعَلَّ النَّفْسَ إِذَا طَلَبَتْ تَبِعَهَا الْقَلْبُ «تَمَنَّى .. وَتَشْتَهِي»: .. أَيْ: زِنَا النَّفْسِ تَمَنِّيهَا وَاشْتِهَاؤُهَا وُقُوعَ الزِّنَا الْحَقِيقِيَّ، .. فَيَكُونُ مَعْصِيَةً، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ فَتَأَمَّلْ. «وَالْقَلْبُ يَهْوَى» أَيْ: يُحِبُّ، وَيَشْتَهِي «وَيَتَمَنَّى».
9) «وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، وَيُكَذِّبُهُ». .. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ حَقَّقَ زِنَاهُ فَيُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي تِلْكَ الْكَبِيرَةِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ بِأَنْ لا يَزْنِي فَيَسْتَمِرُّ زِنَا تِلْكَ الأَعْضَاءِ عَلَى كَوْنِهَا صَغِيرَةً، ..]. المرقاة لعلي بن (سلطان) الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014هـ).
أما الزنا بنساء الجيران؛ فمصيبة من المصائب، وكبيرة من الكبائر، قال الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ: سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَنِ الزِّنَا؟ قَالُوا: حَرَامٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ: «لأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ»، وَسَأَلَهُمْ عَنِ السَّرِقَةِ؟ قَالُوا: حَرَامٌ، حَرَّمَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ: «لأَنْ يَسْرِقَ مِنْ عَشَرَةِ أَهْلِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ بَيْتِ جَارِهِ». الأدب المفرد (ص: 50) (103). صحيح الجامع (5043) ورمز له (حم خد طب). والصحيحة (65). فالزنا بحليلة الجار؛ من أفحش وأقبح أنواع الزنا وتأتي مرتبته في الفحش والشرِّ بعد الشرك والقتل مباشرة، كما ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟! قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». البخاري (4477) ومسلم (86).
[.."أن تزانى حليلة جارك"... وهى زوجته .. ومعنى: "تزاني". أي تزني بها برضاها، وذلك يتضمنُ الزنا، وإفسادَها على زوجها، واستمالةَ قلبِها إلى الزاني، وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشدّ قبحا، وأعظمُ جرما؛ لأن الجار يتوقع من جاره؛ الذبَّ عنه وعن حريمه، ويأمنُ بوائقَه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه، والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كلَّه بالزنا بامرأته، وإفسادِها عليه، مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه؛ كان في غاية من القبح]. انتهى كلام النووي([6])
فاستمع يا من أطلقت لعينيك العنان في نساء المسلمين عامة ونساء جيرانك خاصة؛ ماذا قال عنترة الشاعر الجاهلي:
وأغضُّ طرفي إنْ بدتْ لي جارَتي ... حتَّى يواري جارتي مأواها

منتهى الطلب من أشعار العرب لابن المبارك (1/ 49)
فماذا ننتظر بعد فشو الزنا وانتشاره، «إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ، فَقَدْ أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ» المستدرك للحاكم (2/ 43) (2261)، المعجم الكبير للطبراني (1/ 178) (460)، صحيح الجامع (679). أما إذا استحلت الأمة ما حرم الله جل جلاله، فانظر إلى العاقبة؛ "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ =أي الفرج يعني يكون الزنا عندهم حلالا، يرخص له ويعلن لأماكنه= وَالحَرِيرَ =فيلبسه الرجال من غير نكير=، وَالخَمْرَ =والمسكرات والأفيون وسائر والمخدرات= وَالمَعَازِفَ =وآلات اللهو والمزامير وأنواع الموسيقى الصاخبة والهادئة، والمثيرة، وكل مخلفات الغرب والشرق وكناساتهم توضع في حجورنا، وتقتنى في بيوتنا=، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ =أي جبل للنزهة والمتعة والراحة=، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ =أي بأغنام ومواشي لهم، =، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي الفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، =وهم ينوون الاستهزاء به، وصرفه حتى لا يعكر عليهم لهوهم وباطلهم= فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ =يهلكهم ويمحقهم=، وَيَضَعُ العَلَمَ =فيزلزله ويدكدكه فوق رؤوسهم=، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ =حقيقة يتحولون إلى أخسِّ وأحقر الحيوانات، أو تمسخ أخلاقهم فلا يغارون على عرض، ولا يتغيرون لمنكر، ولعله المعنيان معا=" البخاري (5590)، وللعلامة المقري:
عفوا تعف نساؤكم في المحرم * وتجنبوا ما لا يليق بمسلم

يَا هَاتِكًا حُرُمَ الرِّجَالِ وَتَابِعًا * طُرُقَ الْفَسَادِ فَأَنْتَ غَيْرُ مُكَرَّمِ

مَنْ يَزْنِ فِي قَوْمٍ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ * فِي أَهْلِهِ يُزْنَى بِرُبْعِ الدِّرْهَمِ

إنَّ الزِّنَا دَيْنٌ إذَا اسْتَقْرَضَتْهُ * كَانَ الوفا مِنْ أَهْلِ بَيْتِك فَاعْلَمْ

****************** الحمد لله؛ [ولما كان اللواط أكثرَ أثماً، وأقبحَ فحشاً، وكانت مفسدتُه من أعظمِ المفاسد؛ كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أقبحِ العقوبات، وهو أعظم عند الله من الزنا بالنساء، وهو الزنا بالذُّكران، فهذا أقبحُ القبيح، وأفحشُ الفحشاء، وقد أخبر الله تعالى في القرآن عن قصة قوم لوط، وعظَّمَ مصيبتَهم كما قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} (الأعراف: 80، 81). قال ابن القيم رحمه الله: لم يبتل الله سبحانه وتعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوطٍ أحداً من العالمين، وعاقبَهم عقوبةً لم يعاقبْ بها أمةً غيرَهم، وجمع عليهم أنواعاً من العقوبات من الإهلاك، وقلْبِ ديارهم عليهم، والخسف، ورجمهم بالحجارة من السماء، فنكَّل بهم نكالا لم ينكِّلْه بأمةٍ سواهم؛ وذلك لعِظم مفسدةِ هذه الجريمة، التي تكاد الأرض أن تميدَ بهم من جوانبها؛ إذا عُملت عليها، وتهربُ الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها؛ خشيةَ نزول العذاب على أهلها، فتصيبهم معهم، وتعجُّ الأرضُ إلى ربها تبارك وتعالى، وتكادُ الجبال أن تزولَ عن أماكنها.
وقيل: إن المفعولَ به؛ القتلُ خيرٌ له من وطئِه؛ فإنه إذا وطئَه الرجل قتله قتلاً لا ترجى الحياة معه؛ بخلاف قتله، فإنه مظلوم شهيد، وإنما ينتفع به في آخرته. قالوا والدليل على هذا: أن الله سبحانه وتعالى جعل حدَّ القاتلَ إلى خيرة الولي، إن شاء قتل وإن شاء عفا، وحتَّم قتل اللوطي حداًّ كما أجمع عليه الصحابة -رضي الله عنهم-، ودلَّت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة، التي لا معارض لها؛ بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم.
وقال ابن القيم أيضاً رحمه الله: على كل عاقل أن لا يسلك سبيلاً حتى يعلمَ سلامتها وآفاتِها ،وما توصلُه إليه تلك الطريق من سلامة أو عَطَب، وهذان السبيلان =الزنا واللواط= هلاك الأولين والآخرين بهما، وفيهما من المعاطب والمهالك ما فيهما، ويفضيان بصاحبهما إلى أقبح الغايات، وشر موارد المهلكات؛ ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى سبيل الزنا ساء سبيلاً. فقال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (الإسراء: 32)، إذا كانت هذه سبيل الزنا؛ فكيف سبيل اللواط، التي تعدل الفعلة منه في الإثم والعقوبة أضعافها، وأضعافَ أضعافِها من الزنا؟؟!!
فأما سبيل الزنا فأسوأ سبيل، ومقيل أهلها في الجحيم شر مقيل، ومستقر أرواحهم في البرزخ في تنور =أي فرن= من نار، يأتيهم لهبها من تحتهم، فإذا أتاهم اللهب عجُّوا =بالصراخ والعويل= وارتفعوا =من شدة هبوب اللهب عليهم=، ثم يعودون إلى مواضعهم، فهم هكذا إلى يوم القيامة، كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، ورؤيا الأنبياء حقٌّ لاشكَّ فيها، فقال في أمر التنور: «.. فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ: "قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلاَءِ؟".. فقالوا: وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي»، فالزنا أعظم من شرب الخمر. قال الإمام الأجل أحمد حنبل رحمه الله: ليس بعد قتل النفس شىءٍ أعظم من الزنا. والزنا يجمع خلال الشرك كُلُّها من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، فلا تجد زانياً معه ورع ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث ولا محافظة على صديق ولا غيرة تامة على أهله، فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء، وعدم الأنفة للحريم، وذهاب الغيرة من القلب من شعبه...
واعلم أن ظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة كما في الصحيحين، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا لاَ يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي، قَالَ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ" البخاري (5577). وقد وقعت سُنّةُ الله سبحانه وتعالى في خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب الله سبحانه وتعالى أشد غضبه، فلابد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة. قال عبد الله مسعود رضي الله عنه: فما ظهر الزنا في قرية إلا أذن الله بهلاكها]. سلوة الأحزان للاجتناب عن مجالسة الأحداث والنسوان للخفاف (1/ 27) {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} (الفرقان : 68 – 71)
فالزنا أصحابه في الآخرة يعذبون في مواطن لذاتهم، وأماكن شهواتهم، تُكوَى بالنار فروجهم، يسيل منها الصديد للمدمنين شرابا، ولأهل النار عذابا.
أمَّا أهل العفة والكرامة، والذين صفاتهم الإيمان والعمل الصالح، وتابوا مما يغضب الله تعالى توبة نصوحا، وعملوا الصالحات وأخلصوا فيها، {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} (الفرقان: 75، 76).
خطبة الجمعة بمسجد الزعفران
للفقير إلى عفو رب العباد/ أبو المنذر فؤاد
الوسطى غزة فلسطين
7 شعبان 1432 هلالية
8/ 7/ 2011 شمسية
للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني: zafran57@hotmail.com
أو زوروا الموقع الالكتروني الرسمي للشيخ: www.alzafran.com


[1])) إباحيات الكتاب المقدس لوليد المسلم.

[2])) قاله البخاري بابا، فتح الباري (12/ 321)

[3])) السلسلة الصحيحة (509).

[4])) البخاري ح (2475) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

[5])) أخرجه أحمد (5/256)، والطبرانى (8/162). قال الهيثمى (1/129): [رجاله رجال الصحيح ]. وانظر السلسلة الصحيحة (370).

[6])) شرح النووي على مسلم (2/ 81).