مَسارِبُ الحيَّات
بقلم / أمين بن عبد الله جعفر

الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله ,,, أمَّا بعد :
فقد بلغ السيل الزبى ، وجاوز الحزام الطبيين ، ولم يعد الأمر يحتمل السكوت ، وأنا أرى فئاماً مندسة في انتفاضتنا الكبرى ، وثورتنا العادلة ، تسلك مسالك , وتسير دروباً ، لتقضي على هذه الانتفاضة ، أو تحولها عن صحيح أهدافها ، أو تعيقها عن السير في الطريق الذي كان ينبغي أن تسير فيه إلى غايتها ؟
ولتفرِّغ هذه الانتفاضة الكبرى من محتواها ، ولتلتَّف على هذه الثورة العادلة فتسطوا على ثمارها ، وتسرقها وتسرق كل معنى حسنٍ جميلٍ رائعٍ منها .
ولتحيك خيوط أفظعِ مؤامرةٍ لأبشعِ خيانةٍ لأرواح الشهداء, ودماء الكلمى, والتي بذلت طاهرةً زكية لتصل هذه الثورة إلى ما تصبو إليه , بعد أن تحمل شباب الثورة وفتيانها عبأ الثورة ومصابها , ورصاص الطغاة وعذابها , فمهدوا الطريق بتضحياتهم , وأقاموا جسر الحرية بدمائهم , فتيةٌ في مقتبل العمر , طلقوا دنيا الذل والقهر , وخطبوا العزة أو القبر , أفنجازيهم بالخيانة والغدر ؟!
عندها كان من الواجب عليَّ أن لا أقف متمهلاً ، وعن الصدع بالحق متردداً ، بل وجب عليَّ أن أدلَّ أبناء أمتي المسلمة على مواطئ أقدام الفتاك والخبثاء ، وعلى مسارب الحيّات كالتي وصفها المتنخِّل الهذليُّ إذْ يقول :
كأنَّ مَزَاحِفَ الحيَّاتِ فيه قُبَيْلَ الصُّبْح آثارُ السِّيَاطِ
وإنها لحيات ليلٍ مظلم ، لا يشفى لها لديغ ، ولا ينبئك مثل خبير ، فإني كنت أحد من ابتلي بهؤلاء ردحاً من الزمان , فوقفت أرصدها , وأرصد مزاحفها , وأطأ منها ما أطأ بقدمٍ ثابتةٍ ، بصيرةٍ بما يجنبها المتالف والمهالك ، وكان ذلك حسبي في وقاية نفسي شر فتكها ، أمَّا الآن فإني وجدته فريضةً محكمةً عليَّ أنْ أبصِّر أهلي وعشيرتي , وأوقظهم إلى ما يكمن لهم في الطريق من هلاك موبق ، فمن أبصر فلنفسه ، ومن عمي فعليها ، والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ } , فعلى كل ذي علم أن ينصح الناس بما علم ، والله يهدي من يشاء .
إنَّ الأمة الإسلامية أمام حدثٍ تاريخيٍ عظيم , ومفترق طرقٍ خطير , وفرصةٍ تاريخيةٍ نادرةٍ للنهوض والتحرر من العبودية لأهواء الحكام , والقوانين الوضعية , والهيمنة الغربية , وذلك بانتفاضة الشعوب المسلمة المظلومة المقهورة على الطغاة الظلمة المفسدين اللذين أذاقوا الأمة سوء العذاب , هذه الأنظمة الفاسدة الظالمة التي فرضها الغربُ على بلادنا , واتخذها جسراً لتمرير سياساته وفرض إرادته .
إنَّه بإسقاط الطغاة تسقط كل معاني الذلة والخنوع والخوف والإحجام , وتنهض كل معاني الحرية والعزة والجرأة والإقدام . فإلي الثوار الأحرار في جميع الأقطار تمسكوا بزمام المبادرة لا يخطفنها من أيديكم المندسون , واحذروا سلوك سبيل المحاورة مع الطاغوت وأزلامه كما يسارع في ذلك الخونة والانتهازيون , فلا التقاء في منتصف السبيل بين أهل الحق وأهل التضليل , ولا تقفوا بالثورة حتى تتحقق كل الأهداف المنشودة , والآمال المرجوة - بإذن الله تعالى - , فثورتكم هي قطب الرحى , وموضع أمال المكلومين و الجرحى , فقد فرجتم عن الأمة كُرَباً عظيمةً - فرج الله كربكم - , و حققتم أمالاً كبيرةً - حقق الله أمالكم - .
فيا أبناء أمتي المسلمة : إنَّ من الإثم العظيم والجهل الكبير أنْ تضيع هذه الفرصة التي تنتظرها الأمة منذ عقودٍ بعيدة , فلنغتنمها فرصة ونحطم الأصنام والأوثان , ونقيم دولة العدل والإيمان , مبتعدين عن أنصاف الحلول , ومداهنة الظالمين , ومولاة أعداء الله من اليهود والنصارى , والاستقواء بالحليف الكافر سواءً كان غربياً أو شرقيا.
إنَّ روح الثورة, وعنوانها الأكـبر = هو الانعتاق من رِقِّ الهيمنة الغربية , والاحتلال الصليبي لبلاد العرب والمسلمين, بكل صوره وأشكاله سواءً كان مباشراً أو غير مباشـر.
وليُعلم أنَّ الشعوب الإسلامية ما انتفضت في وجه هذه الأنظمة الطاغوتية إلاَّ أنَّها ربطت مصيرها بعجلة الكفر تدور حيث دارت ، فوالت أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين , وحاربت أولياء الله من العلماء والدعاة والمجاهدين ، فالطغاة في دأب مستمر في مصانعة ومهاودة اليهود ، ومناصرة ومآزرة النصارى ، وخذلان الإسلام والمسلمين ، فليس لهم أربٌ ولا غاية إلاَّ الخضوع والرضوخ لأعداء الله , وتمرير مخططاتهم , وتحقيق مقاصدهم , ولو أدى ذلك إلى أن يتلفوا شعوبهم ، فهم في غاية الذل لأعداء الله , ومنتهى الشدة والبطش بأهل الإسلام , أذلةً صاغرين أمام الكافرين من اليهود والنصارى والمشركين ، وأعزةً أشداء أقوياء جبارين أمام وعلى شعوبهم المسلمة المؤمنة , فقد آلو على أنفسهم إلاَّ أنْ يضادوا قول الله عز وجل :{ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } , ويخالفوا قول الله سبحانه وتعالى : { أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ }
كتب هذا الكلام وأنا أرى خلل الرماد وميض جمرٍ ويوشك أنْ يكون له ضرامُ , أرى فئاماً من القوى السياسة والعسكرية وهي ترتمي في أحضان الولايات المتحدة الأمريكية , وتغازل الإتحاد الأوربي بدوله العظمى , يبتغون بذلك الصنيع عزةً ، ويرجون بتلك المسارعة أن يتقووا بمواقف الكفار من يهود ونصارى , فيتخذوهم أولياء , ويمكنوا لهم في الحكم , فإن أبوا إلاَّ أن يسلكوا هذا المسلك , وينهجوا هذا النهج , ويختطوا لأنفسهم هذا الطريق فهم طغاةٌ من جنس من قبلهم من الطغاة, شأنُهم شأنَهم , ومصيرُهم مصيرَهم .
فيا أبناء أمتي المسلمة : إنَّ التغيير الحقيقي الكامل المنشود لن يتحقق إلا بعودة الأمة المسلمة إلى شريعة ربِّها بعدما نحّتها قوى الاحتلال عن الحكم ، فتعود شريعةُ الإسلام خالصةً تحكم أمةَ الإسلام لا تزاحمها شرعية ولا تشاركها مرجعية ، ويكون الدينُ كلُّه لله .
إن التغيير لن يتحقق إلا بتخلص الأمة من كافة أشكال الاحتلال والهيمنة والسيطرة العسكرية والاقتصادية الثقافية والقضائية التي يفرضها الغرب علينا ، ولن يتحقق إلا بإزالة كافة أشكال الظلم السياسي والاجتماعي ، ولا بد لكل هذا من إعدادٍ جادٍّ وتحريضٍ دائمٍ وجهادٍ مستمرٍ ، وقوةٍ تقابل القوةَ ، فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا . (*)
ـــــــــــــــ ـ
(*) أفدت في كتابة هذا المقال من كتاب أباطيل وأسمار للسيد العلامة / محمود محمد شاكر , وغير ذلك.