الثورات العربية ... والقضية الفلسطينية ( 3/3)
( كسر الطوق )
بقلم / أمين بن عبد الله جعفر


لا تزال أمتنا الإسلامية المجيدة, بشعوبها العربية الأبية, تدك حصون الطواغيت حصناً تلو الآخر, لتسطّر تاريخ الكرامة, بمداد العزة, على صحائف المجد, ولكأنما يخيّل إلىّ سماع أصوات تكسر عظام الأنظمة الفرعونية المهترئة الهرمة المتهاوية تحت أقدام الشعوب الثائرة، وأسمع معها – كقرع الطبول - دقاتِ قلوب اليهود والنصارى, ودويلتهم المسخ - إسرائيل - وهي على مرمى حجر, وقلوبهم تضطرب في خفقٍ رهيبٍ, تكاد تطير من الرعبِ والذعر الذي ألقاه الله عليهم بهذا الحادث الجلل.!


فهذَا أَوَانُ الشَّدِّفَاشْتِدِّي زِيَمْ ... قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسوّاقٍ حَطَمْ


لم يكن يدور في بال أحدٍ أنْ تثور الشعوب العربية على هذه الأنظمة الحاكمة الطاغوتية العلمانية العميلة الذليلة أمام أعدائها, المتجبرة شديدة البطش بشعوبها, والتي كانت ولا زالت وما فتئت طوقاً دفاعياً لدولة يهود إسرائيل, كما أنَّه لم يكن يدور في بال أحدٍ أنْ تتجه بوصلة ثورات الشعوب العربية صوب دولة يهود إسرائيل كما جعلت أشراط أوله تبدو هذه الأيام.
وهاهي ذا الشعوب العربية الثائرة تحتشد المرة تلو المرة على حدود الأرض المباركة المقدسة في جولان سوريا, وعلى الحدود اللبنانية, وفي الداخل الفلسطيني, ولم تخل الأردن ومصـر من حراك فيهما, ومعشر يهود قد بلغت القلوب منهم الحناجر, فهم في هلعٍ شديد, وأمرٍ مريج, يرعدون ويزبدون, يهددون ويتوعدون, قد هيئوا الجُدر والقرى المحصنة من الخنادق والأسلاك الشائكة والآليات الحربية المتطورة, ولكن هيهات هيهات, فلقد شبت الشعوب عن الطوق, وهاهي ذا تكسر عن أعناقها وأيديها وأرجلها كل طوق, وعما قريبٍ ستستعيد مسجدها الأقصى ومسرى نبيها الأكرم عليه أزكى الصلاة والسلام, فإنَّ الطريق إلى القدس يمر عبر جميع عواصم الدول العربية .

· كسر الطوق :
الطوق في أصل اللغة هو كل ما استدار حول الشيء وأحاط به, و دول الطوق: هي الدول العربية المحيطة بفلسطين, أو هي الدول ذات الحدود المشتركة مع دولة يهود ( إسرائيل ) , ومهمتها تأمين الطوق الدفاعي حول دولة اليهود, حيث أنها تقوم بدور كلاب الحراسة الشرسة الوفية لحماية دولة يهود ( إسرائيل ), وحماية مصالح بني صهيون, فهي طوقٌ على المجاهدين لا على اليهود المغتصبين. وثمة حقيقةٌ لا يمكن إغفالها: وهي أنَّبلاد الطوق المحيطة بفلسطين .. تعلوها أنظمةٌ طاغيةٌ كافرةٌ تحارب الله ورسوله, هي أشد كفراً وعداءً للأمة الإسلامية من اليهود الصهاينة المحتلين لأرض فلسطين. وهذه الأنظمة المرتدة الحاكمة في بلاد الطوق وغيرها من البلاد العربية أو الإسلامية يعملون بشراسة وإخلاص لمنع وصول أي مسلم لجهاد اليهود الصهاينة, ولن يتم لنا تحرير المسجد الأقصى من قبضة اليهود الصهاينة, ولا إجلاء اليهود عن الأرض المقدسة المباركة إلا بتطهير المنطقة من حراس دولة إسرائيل, هذه حقيقةٌ شرعيةٌ وعقليةٌ لا يمكن ألبته إغفالها فضلاً عن إلغائها.

منع دول الطوق إسرائيل وحمايتها, وحماية مصالحها :
هذه الدول التي استدارت حول إسرائيل, وأحاطت بها إحاطة السوار بالمعصم, والقلادة بالعنق, فكانت لها حصناً منيعاً, وطوقاً حامياً حصيناً, تُبيحها الأرضَ تعيث فيها فساداً, وتدعها ترتع في دماء المسلمين المستضعفين من أبناء الأرض المباركة رجالاً ونساء, شيوخاً وأطفـالاً, بل وتقف بكل صرامةٍ وضراوةٍ لكل من يُطيف بمخيلته طيفٌ, أو يدور بخلده خيالٌ _ مجرد خيال_ , بأنْ يسعى لاستنقاذ المسلمين المستضعفين من أبناء الأرض المباركة, والانتصاف لهم, والانتصار لهم, وتحول بكل ما تملك من قوةٍ وبأس, وبكل سبيلٍ ووسيلة بين المسلمين وبين جهاد وقتال اليهود الصهاينة المحتلين لأرض فلسطين, وتحرير المسجد الأقصى من قبضة اليهود الصهاينة.
وهذه العلة المذكورة ههنا متحققةٌ في جميع الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية من عـدة أوجـه :

الوجه الأول :- أنَّ هذه الدول بعضها طوقٌ على بعض , فالطوق الأول هو الدول المتاخمة حدودياً لدولة يهود ( إسرائيل ), يليه الطوق الثاني وهو الدول التي تحيط بدول الطوق الأول وتُجاورها حدودياً, ثم تليه دول الطوق الثالث, وهكذا دواليك طوقٌ يلي طوق, وكل طوقٍ يمنع دول الطوق التي تليه ويحميها, حتى يُبلَغَ إلى دول الطوق التي تمنع إسرائيل وتحميها, ومن أراد الوصول إلى إسرائيل من شرق العالم الإسلامي أو غربه, فستحول بينه وبينها جيوش تلك الدول _ دولةً دوله _, وحرس حدودها, وأجهزة أمنها واستخباراتها, وستزهق روحه قبل أن يصل إلى إسرائيل بالآلاف من الكيلومترات, وهو لا يعلم من أين انطلقت رصاصة حتفه, من أمامه أم من خلفه, وعليه فلن يتأتى الوصول إلى إسرائيل إلا بكسر هذه الأطواق المتراكمة المتتالية والجاثمة على صدر الأمة الإسلامية. ولعلي أذكر مثالاً تتضح به الصورة, ويتجلى معه الأمـر :
وهو لو أنَّ جماعةً خرجت من المسجد, فوجدت طفلاً قد أضجعه رجلٌ شديد البأس للقتل, وقد أحاطت به جماعةٌ من الناس, لا يقلّون بأساً وضراوةً عنه, إحاطة السوار بالمعصم, فكانت له حصناً منيعاً, وطوقاً حامياً حصيناً, وأحاطت جماعةٌ أخرى بالجماعة الأولى, ثم أحاطت جماعة ثالثةٌ بالجماعة الثانية, فكانت هذه الجماعات بعضها طوقٌ على بعض, فأرادت جماعة المسجد أنْ تستنقذ ذلك الطفل, فحالت بينها وبين ذلك جماعات الطوق بكل ما تملك من قوةٍ وبأس, وبكل سبيلٍ ووسيلة, تُرى ما الواجب على جماعة المسجد ؟!! فالجواب الذي لاشك فيه ولا ريب, بل لا يرتاب فيه من لديه مِسكةُ عقلٍ, وذرةُ لبٍ, هو وجوب كسر الأطواق جميعها, كي يُبلغ إلى ذاك الطفل, فيستنقذ من بين يديّ ذاك المجرم الغاصب المعتدي. فكيف والحال ألافٌ من المجرمين المعتدين القتلة, ومئاتٌ من الآلاف من المستضعفين المظلومين البررة, رجالاً ونساء, شيوخاً وأطفـالاً, فالوجوب هاهنا أعظم, والفرضية أبلغ.

الوجه الثاني :- هو أنَّ جميع الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية بلا استثناء, قد أخذت على عاتقها حماية الصهيوصليبية العالمية ممثلةً بأمريكا وإسرائيل, وحماية مصالحها وكل ما يمت لها بصلةٍ, كما جعلت شغلها الشاغل حرب الجهاد والمجاهدين فيما بات يُعرف بالحرب على الإرهاب, فتحققت بذلك العلة الموجودة في دول الطوق, وهي تأمين الطوق الدفاعي حول دولة اليهود وحمايتها, وحماية راعيتها أمريكا, وحماية مصالحهما بصورةٍ واضحةٍ مباشرةٍ.

الوجه الثالث :- أنَّ ما يُمارس على الأرض المباركة ( فلسطين ) من احتلالٍ للأرض, وقتلٍ للأنفس, وهتكٍ للأعراض, ونهبٍ للثروات هو ذاته الذي يمارس على كل أرضٍ مسلمةٍ احتلها أعداء الأمة الإسلامية من يهود أو نصارى في العراق أو أفغانستان أو الصومال أو غيرها من ثغور الإسلام المحتلة, وكل الدول المتاخمة حدودياً لذلك الثغر هي دول طوقٍ عليه تؤدي ذات المهمة التي تؤديها دول الطوق الإسرائيلي وهي تأمين الطوق الدفاعي حول دولة الاحتلال لذلك الثغر, ومن ثمّا تتعدد الأطواق وتتداخل بتعدد قضايا الأمة المصيرية.
وثمة مناطٌ آخـر يمكن انتزاعه مما سبق تقريره, ومن عموم المعنى اللغوي للطـوق, وهو أنَّ هذه الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية قد ضربت طوقاً حديدياً بين الأمة الإسلامية وبين الحكم والتحاكم بـ وإلى شريعة ربها وشرعة خالقها, كما ضربت طوقاً حديدياً بين الأمة الإسلامية وبين سبيل العزة, والممهد إلى الكرامة : ذروة سنام الإسلام : الجهاد والقتال في سبيل الله, ورسخت في حياة الناس حب الطاغوت ( الديمقراطية ) _ والذي أمرنا أن نكفر به ( بها ) _ وعقدت الولاء له وعليه وبغض ومحاربة كل من يعاديه أو يخالفه.
ولئن كان الطوق المذكور سابقاً _ أي الطوق الحُدودي _ طوقاً حسياً, فإنَّ هذا الطوق طوقٌ معنوي, هو أعظم ضرراً وأشد خطراً من الذي قبله, بما لا يمكن قياسه أو مقارنته, فغاية ما يكون من الطوق الأول قتلٌ للأنفس, وهتكٌ للأعراض, واستلابٌ للحريات, وكل ذلك يهون إنْ سلم أمـر الدين والتوحيد والعقيدة, وأمَّا إنْ كان الأمر على الضد من ذلك, فذاك هو الخسران المبين, والضلال البعيد, ووجوب كسر هذا الطوق أعظم, وفرضية إزالته آكـد, قال الله تعالى:{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه}.
فالواجب على الأمة الإسلامية إقامةُ حكم الله عز وجل في هذا الشأن, ألا وهو إزالة الدول التي وضعت طوقاً حديدياً بين الأمة وبين شريعة ربها, وبين الأمة وبين جهاد وقتال أعدائها, بكل السبل المتاحة, والوسائل المقدورة, فإنَّ ذلك من أوجب الواجبات وأجل القربات في هذا الوقت, وهو من أبلغ الجهاد الذي كتبه الله على عباده المؤمنين وفرضه عليهم, فهو واجبٌ حتى تكون كلمة الله هي العليا, وحتى يكون الدين كله لله, وحتى يظهر دين الله على الدين كله.
وإنَّ أمتنا الإسلامية لو أرادات _ لا أقول أن تكسر الطوق المحيط بدولة إسرائيل فتزيل رجسة الخراب هذه _ لو أرادت أن تكسر الطوق المضروب عليها بحاكمية غير الشريعة, ولو أرادت أن تكسر الطوق المضروب عليها بحدود سايكس وبيكو الصهيوصليبية, والتي مزقت أوصالها, وقطعت روابط أخوتها الإيمانية والدينية لكسرت ألف طوقٍ وطوق، ولكنها أمةٌ فقدت مقومات النصر وأسباب التمكين, وها هي ذا بدأت تحثا خطاها نحو نصرها المحتوم إنْ تحققت بأسبابه.