تحقيق التوحيد


أصل معنى شهادة ألا إله إلا الله: أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده. لأن التأله في لغة العرب هو التعبد، فالإله هو المعبود، و إذا لم يكن يستحق العبادة إلا الله وحده فيكون معنى شهادة ألا إله إلا الله أنه لا معبود بحق إلا الله تعالى. وعلى هذا لا يكون معنى إله مطابقاً لمعنى الرب كما يظنه من لم يفهم حقيقة الفرق بينهما، مما أدى إلى أخطاء شنيعة في معرفة حقيقة التوحيد والشرك.
يقول الزجاجي: ( إله: فعال بمعنى مفعول. كأنه مألوه أي معبود مستحق للعبادة يعبده الخلق ويؤلهونه ) ([1]).
ويقول الجوهري في معنى كلمة (الله): (.. وأصله إلاه على فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود، كقولنا إمام فعال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به) ([2]).
ويقول ابن سيده: ( و الإلاهة و الألوهة والألوهية العبادة) ([3])
و أما الألوهية التي جاءت هذه الكلمة لإثبات استحقاق الله وحده لها فهي من مجموع كلام أهل اللغة أيضاً فزع القلب إلى الله، وسكونه إليه، واتجاهه إليه لشدة محبته له، وافتقاره إليه .
ويجمعهما كون الله هو الغاية والمراد والمقصود مطلقاً.
يقول ابن الأثير: (أصله من أله يأله إذا تحير، يريد: إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد ) ([4]).
ويقول أبو الهيثم: ( الله: أصله إله … ولا يكون إلها حتى يكون معبوداً، وحتى يكون لعابده خالقاً ورازقاً ومدبراً وعليه مقتدراً … وأصل إله ولاه. فقلبت الواو همزة… ومعنى ولاه أن الخلق إليه يؤلهون في حوائجهم ويفزعون إليه فيما ينوبهم كما يوله طفل إلى أمه) ([5]).
ويقول الإمام ابن القيم: ( اسم الله دال على كونه مألوهاً معبوداً تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب) ([6]).
وقال الفيروز أبادي في لفظ الجلالة )) أصله إله كفعال بمعنى مألوه وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه والتأله التنسك والتعبد والتاليه التعبيد)) القاموس المحيط (4/280)
وقال البيضاوي )) الإله في الأصل لكل معبود ثم غلب على المعبود بالحق ... واشتقاقه من أله آلهة وألوهة وألوهية بمعنى عبد)) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/15)
قال الفخر الرازي عند قوله تعالى: ((وإلهكم إله واحد)) :قوله (إلهكم ) يدل على أن معنى الإله مايصح أن تدخله الإضافة فلو كان معنى الإله القادر لصار المعنى وقادركم قادر واحد ومعلوم أنه ركيك فدل على أن الإله هو المعبود)) التفسر الكبير (4/192) وقد خطا الرازي من فسر الإله بالقادر ونحوه.
وفسر ابن كثير الإله بالمعبود عند آية سورة ص ((أجعل الآلهة إله واحدا)) التفسير (4/27)
تعريف العبادة:
قال الرازي ((العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح)) التفسير (10/99)
وقال ابن حجر العسقلاني ((المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي)) فتح الباري (24/134)
معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله :
فقد قال الخطيب الشربيني عند شرحه لمقدمة كتاب المنهاج (لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود إلا الله ) مغني المحتاج(1/13)
وقال السيوطي عند تفسير آية الكرسي (الله لا إله إلا هو)(أي لا معبود بحق في الوجود إلا هو)
وقال البيضاوي عند تفسير آية الكرسي (الله لا إله إلا هو)(مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لاغيره) أنوار التنزيل (1/257)

فائدة: قال البغوي عند تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
اعْبُدُوا } وحدوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد) تفسير البغوي - (1 / 71)

قال الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية الشريط الثاني:
"[المسألة الثانية]:
أن قوله (لا إله غيره) مشتمل على كلمة (إله) وكلمة (الإله) هذه اختلف الناس في تفسيره.
- فالتفسير الأول لها:
أن الإله هو الرب، وهو القادر على الاختراع، أو هو المستغني عما سواه، المفتقر إلى كل ما عداه.
وهذا قول أهل الكلام، في أن الإله هو الرب؛ يعني هو الذي يقدر على الخلق والاختراع والإبداع، وهو الذي يستغني عما سواه وكل شيء يفتقر إله.
كما ذكرنا إليكم مرارا عبارة صاحب السنوسية وعبارة أهل الكلام في ذلك.
وهذا التفسير بكون الإله هو القادر على الاختراع وهو الرب لأهل الكلام، من أجله صار الافتراق العظيم في فهم معنى كلمة التوحيد وتوحيد العبادة وفي فهم الصفات وفي تحديد أول واجب على العباد.
- التفسير الثاني لها:
نأتي للجملة هذه [.....] (1) وأن الإله، إله ( فعال ) بمعنى مفعول يعني مألوه.
سمي إله لأنه مألوه.
والمألوه مفعول من المصدر وهو الإلهة.
والإلهة مصدر أله يأله إلهة وألوهة إذا عبد مع الحب والذل والرضا.
فإذا صارت كلمة الإله هي المعبود، والإلهة والألوهية هي العبودية إذا كانت مع المحبة والرضا.
فصار معنى الإله إذا هو الذي يعبد مع المحبة والرضا والذل.
وهذا التفسير هو الذي تقتضيه اللغة؛ وذلك لأن كلمة (إله) هذه لها اشتقاقها الراجع إلى المصدر إلهة، الذي جاء في قراءة ابن عباس في سورة الأعراف {ويذرك وإلهتك}[الأعراف:127] يعني ويذرك وعبادتك، وأما مجيؤها في اللغة فهو كقول الشاعر كما ذكرنا لكم مرارا:
لله در الغانيات المده ****** سبحن واسترجعن من تأله
يعني من عبادتي.
فالإله هو المعبود، ولا يصح أن يفسر الإله بمعنى الرب مطلقا.
لأن الخصومة وقعت بين الأنبياء وأقوامهم، بين المرسلين وأقوامهم في العبودية لا في الربوبية.
فالمشركون أثبتوا آلهة وعبدوهم، كما قال - عز وجل - {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا(81)كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا}[مريم:81-82]، وكقوله {أجعل الآلهة إلها واحدا}[ص:5] يعني أجعل المعبودات معبودا واحدا.
وهذا يدلك على أن هذا النفي في قوله (ولا إله غيره) راجع إلى نفي العبادة.
وهذا القول الثاني هو قول أهل السنة وقول أهل اللغة وقول أهل العلم من غير أهل البدع جميعا، وهو المنعقد عليه الإجماع قبل خروج أهل البدع في تفسير معنى الإله.
وهذا هو معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) يعني لا معبود بحق إلا الله جل جلاله".

وأما تفسير لا إله إلا الله : لا معبود إلا الله فهذا غير صحيح لأنه يتضمن خطأ عقدياً ونحوياً
عقدياً :
لأنه يوهم أنكل معبود عبد في الوجود هو الله وهذه عقيدة الحلولية.
وأيضاً يوهم أنه ليس هناك معبودعبد في الوجود إلا الله ، وهذا باطل فهناك معبودات عبدت في الوجود كالشمسوالقمر والجن والبشر والقبر والوثن...فهذا خلاف الواقع.
نحوياً :
فإن لا النافية للجنس كثيراً ما يحذف خبرهاكما قرره ابن مالك في الألفية ، وقدره العلماء (حق) فيكون معنى لا اله إلاالله
أي لا معبود(حق)إلا اللهوالدليل قوله تعالى(ذلك بأن الله هو الحق وان مايعبدون من دونه هوالباطل)
قال الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية:
"كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ما معناها؟
معناها: لا معبود حق إلا الله - عز وجل -.
وكما هو معلوم الخبر في قوله (لا)، خبر (لا) النافية للجنس محذوف (لا إله)، ثم قال (إلا الله).
وحذف الخبر؛ خبر (لا) النافية للجنس شائع كثير في لغة العرب كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، ولا نوء، ولا غول)(1) فالخبر كله محذوف.
وخبر (لا) النافية للجنس يحذف كثيرا وبشيوع إذا كان معلوما لدى السامع، كما قال ابن مالك في الألفية في البيت المشهور: وشاع في ذا الباب -يعني باب لا النافية للجنس:
وشاع في ذا الباب إسقاط ****** الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر
فإذا ظهر المراد مع السقوط جاز الإسقاط.
وسبب الإسقاط؛ إسقاط كلمة (حق)، (لا إله حق إلا الله) أن المشركين لم ينازعوا في وجود إله مع الله - عز وجل -، وإنما نازعوا في أحقية الله - عز وجل - بالعبادة دون غيره، وأن غيره لا يستحق العبادة.
فالنزاع لما كان في الثاني دون الأول؛ يعني لما كان في الاستحقاق دون الوجود، جاء هذا النفي بحذف الخبر لأن المراد مع سقوطه ظاهر وهو نفي الأحقية.
في (لا إله) صار الخبر راجعا أو صار الخبر تقديره حق كما قال تعالى {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل}[الحج:92]، وفي الآية الأخرى قال - عز وجل - {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل}[لقمان:30]، فلما قال سبحانه {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} قرن بين أحقية الله للعبادة وبطلان عبادة ما سواه، دل على أن المراد في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هو نفي استحقاق العبادة لأحد غير الله - عز وجل -.
فإذا صار تقدير الخبر بكلمة (حق) صوابا من جهتين:
- الجهة الأولى:
أن النزاع بين المشركين وبين الرسل كان في استحقاق العبادة لهذه الآلهة، ولم يكن في وجود الآلهة.
- الجهة الثانية:
أن الآية بل الآيات دلت على بطلان عبادة غير الله وعلى أحقية الله - عز وجل - بالعبادة دون ما سواه.
إذا تقرر ذلك فكما ذكرت لك الخبر مقدر بكلمة (حق)؛ (لا إله حق).
و(لا) نافية للجنس، فنفت جنس استحقاق الآلهة للعبادة.
نفت جنس المعبودات الحقة، فلا يوجد على الأرض ولا في السماء معبود عبده المشركون حق، ولكن المعبود الحق هو الله - عز وجل - وحده وهو الذي عبده أهل التوحيد.
وتقدير الخبر بـ(حق) كما ذكرنا لك هو المتعين خلافا لما عليه أهل الكلام المذموم، حيث قدروا الخبر بـ(موجود) أو بشبه الجملة بقولهم (في الوجود) (لا إله في الوجود) أو (لا إله موجود).
وهذا منهم ليس من جهة الغلط النحوي، ولكن من جهة عدم فهمهم لمعنى (الإله) لأنهم فهموا من معنى (الإله) الرب، فنفوا وجود رب مع الله - عز وجل -، وجعلوا آية الأنبياء دليلا على ذلك وهي قوله - عز وجل - {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}[الأنبياء:22]، وكقوله في آية الإسراء {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا}[الإسراء:42]، ففسروا آية الأنبياء وآية الإسراء بالأرباب؛ بالرب، ولكن هي في الآلهة كما هو ظاهر لفظها.
إذا تقرر ذلك فنقول: إن عبادة غير الله - عز وجل - إنما هي بالبغي والظلم والعدوان والتعدي لا بالأحقية
[المسألة الرابعة]:
في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
(لا) نافية للجنس.
(إله) هو اسمها مبني على الفتح.
و(لا) النافية للجنس مع اسمها: في محل رفع مبتدأ.
وحق: هو الخبر؛ وحق المحذوف هو خبر، والعامل فيه هو الابتداء أو العامل فيه (لا) النافية للجنس على الاختلاف بين النحويين في العمل.
و(إلا الله)
(إلا) استثناء؛ أداة استثناء.
(الله) مرفوع، وهو بدل من الخبر، لا من المبتدأ؛ لأنه لم يدخل في الآلهة حتى يخرج منها؛ لأن المنفي هي الآلهة الباطلة، فلا يدخل فيها -كما يقوله من لم يفهم- حتى يكون بدلا من اسم لا النافية للجنس، بل هو بدل من الخبر.
وكون الخبر مرفوعا والاسم هذا مرفوعا، يبين ذلك أن التابع مع المتبوع في الإعراب والنفي والإثبات واحد.
وهنا تنتبه إلى أن الخبر لما قدر بـ(حق) صار المثبت هو استحقاق الله - عز وجل - للعبادة.
ومعلوم أن الإثبات بعد النفي أعظم دلالة في الإثبات من إثبات مجرد بلا نفي.
ولهذا صار قوله (لا إله إلا الله) وقول (لا إله غير الله) هذا أبلغ في الإثبات من قول: الله إله واحد، لأن هذا قد ينفي التقسيم و لكن لا ينفي استحقاق غيره للعبادة.
ولهذا صار قوله - عز وجل - {لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}[البقرة:163]، وقول القائل (لا إله إلا الله) بل قوله تعالى {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون}[الصافات:35] جمعت بين النفي والإثبات، وهذا يسمى الحصر والقصر، ففي الآية حصر وقصر.
وبعض أهل العلم يعبر عنها بالاستثناء المفرغ وهذا ليس بجيد، بل الصواب فيها أن يقال هذا حصر وقصر، فجاءت (لا) نافية وجاءت (إلا) مثبتة ليكون ثم حصر وقصر لاستحقاق العبادة في الله - عز وجل - دون غيره.
وهذا عند علماء المعاني في البلاغة يفيد الحصر والقصر والتخصيص، يعني أنه فيه لا في غيره.
وهذا أعظم دلالة فيما اشتمل عليه النفي والإثبات". الشريط الثاني شرح الطحاوية



([1]) " اشتقاق أسماء الله الحسنى" للزجاجي (ص/24) .

([2]) "الصحاح" مادة (أله) (6/2223).

([3]) "لسان العرب" (1/114).

([4]) " النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (1/62).

([5]) " لسان العرب " (13/468).

([6]) "مدارج السالكين" (1/31).