بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

فهذه كلمة لطيفة مختصرة في تفاضل الناس في الفَهم؛ ومراعاة حال المخاطَب؛ واعتبار مآلات الخطاب بعمومه العلمي والدّعوي والتربوي...

قال البخاريُّ في كتاب العلم: (بابُ: مَن خَصَّ بالعلم قومًا دون قوم؛ كراهية أنْ لا يفهموا؛ قال عليٌّ: "حَدِّثوا الناسَ بما يعرفون؛ أتحبُّون أنْ يُكذَّبَ اللهُ ورسُولُه").
والمراد بقوله : (بما يعرفون): أي: يفهمون. وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: "ودعوا ما ينكرون". أي: يُشتبَه عليهم فهمه. وكذا رواه أبو نعيم في "المستخرج"؛ وفيه دليلٌ: على أنّ المتشابه لا ينبغي أنْ يذكر عند العامّة. ذكره الحافظ في "الفتح".
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: "ما أنت بمحدِّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة". أي: حديثا لا يفهمونَهُ، ولا يُدركون معناه؛ والفتنة هنا : الضلالُ والحيرة. ذكره أبو العباس القرطبي في "المفهم".
وتقول العامّة: "حدّثوا الناس على قدر عقولهم"!
واستخرج أبو العباس الطبري الشافعي في جزء فوائد حديث أبي عمير (يعني ما فعل النُّغَير)؛ فذكر من فوائده: (وفيه دليل على أنّ للعاقل أنْ يُعاشر النّاس على قدر عقولهم؛ ولا يحمل النّاس كلهم على عقله).
وفي "أخبار الحمقى والمغفلين" لأبي الفرج: (قال ابن عقيل: كان شيخنا أبو القاسم ابن برهان الأسدي يقول لأصحابه: "إيّاكم والنحو بين العامة، فإنه كاللحن بين الخاصة". قال ابن عقيل: وتعليل هذا: أنّ التحقيق بين المُحَرِّفين ضائع، وتضييع العلم لا يحلّ؛ ولهذا روى: "حدثوا الناس بما يَعقلون، أتحبون أنْ يُكْذبَ على الله ورسوله"، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – : "يا أبا عمير ما فعل النغير"؛ ولَعب مع الحسن والحسين، وإنما نسب المعلمون للحماقة؛ لمعاملتهم الصبيان بالتحقيق).
وروى أبو الشيخ الحافظ وغيره من غير وجه: أن الشافعي لما دخل مصر أتاه جلة أصحاب مالك، وأقبلوا عليه، فلما أن رأوه يخالف مالكا، وينقض عليه، جفوه، وتنكروا له، فأنشأ يقول:
أأنثر درا بين سارحة النَّعَم * وأنظم منثورا لراعية الغنم
لعمري لئن ضيّعت في شر بلدة * فلست مضيّعا بينهم غرر الحِكَم
فإن فرّج الله اللطيف بلطفه * وصادفت أهلا للعلوم وللحكم
بثثت مفيدا واستفدت ودادهم * وإلا فمخزون لدي ومكتتم
ومن منح الجهّال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم. [السير للذهبي].
يقول الحافظ ابن حجر في "الفتح": (وممن كره التحديث ببعض دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجِرَابَيْنِ وأنّ المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي ، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد ، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب).
وفي "مجموع الفتاوى"؛ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن حديث: "أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم"؛ فأجاب: (هذا لم يروه أحد من علماء المسلمين الذين يعتمد عليهم في الرواية، وليس هو في شيء من كتبهم؛ وخطاب الله ورسوله للناس عام يتناول جميع المكلفين؛ كقوله: (يا أيها الناس)، (يا أيها الذين آمنوا)، (يا عبادي)، (يا بني إسرائيل)؛ وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب الناس على منبره بكلام واحد يسمعه كل أحد؛ لكن الناس يتفاضلون في فهم الكلام بحسب ما يخصّ الله به كل واحد منهم من قوّة الفهم، وحسن العقيدة).
ومما جاء في ترجمة ابن دقيق العيد من "الدرر الكامنة" لابن حجر: (وغلب عليه الوسواس في المياه والنجاسة وله في ذلك أخبار؛ ويقال: أنّ جدّه لأمه الشيخ تقي الدين المفرج الأصولي المشهور كان يشدّد ويبالغ في الطهارة).اهـ. فكأنّ الوسوسة التي ابتلي بها ابن دقيق العيد انتقلت إليه من تشدّد ومبالغة جدّه في الطهارة؛ ويستفاد من ذلك مراعاة حال الأبناء الصغار؛ وأنه ينبغي على المربِّي سلوك التوسُّط و الاعتدال في تربيتهم وتقويمهم وتعليمهم...

وختامًا: إنّ إدراك التفاضل الواقع في الفَهم؛ من الأسباب المعينة على تقليل هوّة حدّة الخلاف؛ والتماس العذر للمخالف؛ وعصمة المودّة من الخرق والنزغ؛ ثم إنّ مراعاة اعتبار مآلات الخطاب يعصم الأمّة من الوقوع في الكثير من الزلل؛ بدعوى تقرير أصل الأشياء؛ والنزاهة والموضوعية المطلقة في الطرح؛ دون اعتبار مآلات الخطاب "العلمي الموضوعي النزيه"! مع الواقع المشهود؛ فيخطيء الفقيه في التنزيل والتكييف؛ بسبب دعوى "العلميّة والموضوعية" ونسي أنّ اعتبار المآلات عموما؛ ثم اعتبار مآلات الخطاب خصوصا من الفقه الضابط لكثير من الفروع والمسائل؛ وصل الله على نبينا محمد؛ وعلى آله وصحبه وسلم؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.