نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس

الصحة والفراغ

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلَّمه، وفضَّله على كثير من خلق وكرَّمه، وأنعم عليه نعمًا كثيرة لا تُعدُّ لا تُحصَى، وأغدق عليه من إحسانه ما لا يستقصى ولا ينسى، ومنَّ عليه بنعمتي الصحة والفراغ، فاغتنم ذلك أهلُ الهممِ العالية؛ فعملوا فيها وجدُّوا طلبا للرضا والثواب، وغُبِنَ آخرون من ذوي الهمم الدنيَّة؛ فاجترموا فيها ما نتيجته الغضب والعقاب، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ =أي مخدوع= فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ". صحيح البخاري (6412)
[قَالَ ابن الْجَوْزِيِّ: قَدْ يَكُونُ الإِنْسَانُ صَحِيحًا وَلا يَكُونُ مُتَفَرِّغًا؛ لِشُغْلِهِ بِالْمَعَاشِ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا؛ وَلا يَكُونُ صَحِيحًا، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ عَنِ الطَّاعَةِ؛ فَهُوَ الْمَغْبُونُ، وَتَمَامُ ذَلِكَ؛ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، وَفِيهَا التِّجَارَةُ الَّتِي يَظْهَرُ رِبْحُهَا فِي الآخِرَةِ، فَمَنِ اسْتَعْمَلَ فَرَاغَهُ وَصِحَّتَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَهُوَ الْمَغْبُوطُ، وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُمَ ا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ فَهُوَ الْمَغْبُونُ؛ لأَنَّ الْفَرَاغَ يَعْقُبُهُ الشُّغْلُ، وَالصِّحَّةُ يَعْقُبُهَا السَّقَمُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ الْهَرَمُ، كَمَا قِيلَ:
يَسُرُّ الْفَتَى طُولُ السَّلامَةِ وَالْبَقَا ** فَكَيْفَ تَرَى طُولَ السَّلامَةِ يَفْعَلُ

يَرُدُّ الْفَتَى بَعْدَ اعْتِدَالٍ وَصِحَّةٍ ** يَنُوءُ إِذَا رَامَ الْقِيَامَ وَيُحْمَلُ]

فتح الباري بشرح لابن حجر (11/ 230).
فالصحة والفراغ من أعظم نعم الله تعالى على البشر، فباجتماعهما في الإنسان؛ يكون العملُ والعطاء، والجِد ُّوالاجتهاد، وتكون النتائجُ الحسنةُ المرجوَّة، والآثارُ الطيبةُ المطلوبة، فالصحةُ تاج على رؤوس الأصحاء لا يعرفها إلا المرضى، وقد أمرنا ديننا أن نحافظ عليها، بالاغتسال في الأسبوع مرة على الأقل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ، أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا». البخاري (898). والوضوء للصلوات، وغسل الأيدي والأفواه قبل الطعام وبعده، قال أبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: (الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَ الطَّعَامِ؛ يُورِثُ الْغِنَاءَ وَيَنْفِي الْفَقْرَ) الكنى والأسماء للدولابي (3/ 964) (1687). وقَالَ سَلْمَانُ: (غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَغَسْلُ الْيَدِ بَعْدَ الطَّعَامِ يَنْفِي اللَّمَمَ). الكنى والأسماء للدولابي (3/ 1020) (1788).
وعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ؛ قَالَ: (الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ). المجالسة وجواهر العلم (3/ 42) (640). [اللَّمَم: طَرَفٌ مِنَ الجُنون يُلَمُّ بِالإِنْسَانِ] النهاية في غريب الحديث (4/ 272)
وعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: (غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَكَنْسُ أَسْفَلِ الْخِوَانِ إِذَا رُفِعَ يَنْفِي الْفَقْرَ) الكنى والأسماء للدولابي (3/ 1021) (1789).
وعَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: (بَلَغَنِي أَنَّهُ مَنْ غَسَلَ يَدَهُ قَبْلَ الطَّعَامِ؛ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ رِزْقِهِ حَتَّى يَمُوتَ). المجالسة وجواهر العلم (3/ 42) (639)
وألاّ نتناوله حارًّا لا يطاق، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا ثَرَدَتْ، =[ثردْتُ الخبزَ ثرْدًا: كَسرته. من الصحاح تاج اللغة (2/ 451)= غَطَّتْهُ شَيْئًا حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرُهُ، ثُمَّ تَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ". مسند أحمد ط الرسالة (44/ 521) (26958)، صحيح ابن حبان (12/ 7) (5207) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (لا يُؤْكَلُ طَعَامٌ حَتَّى يَذْهَبَ بُخَارُهُ). الآداب للبيهقي (ص: 177) (428) السلسلة الصحيحة (392)، (659)
كلُّ ذلك حفاظًا على نعمة الصحةِ والعافية، من التلاشي والذهاب، أو الوهن والضعف. وألاّ نسرف في المأكل أو المشرب، {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: 31)
وأن نمتنع عن بعض الأغذية في حال المرض إن كانت تضرُّنا،
عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ بِنْتِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيَّة ِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلام، وَعَلِيٌّ نَاقِهٌ، =نَاقِهٌ، إِذَا بَرأ وَأَفَاقَ، وَكَانَ قَرِيبَ العَهْد بِالْمَرَضِ لَمْ يَرْجِع إِلَيْهِ كمالُ صِحَّتِه وقُوَّته. النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 111)= وَلَنَا دَوَالِي مُعَلَّقَةٌ، =الدَّوَالِي جمعُ دَالِيَةٍ، وَهِيَ العِذْقُ مِنَ البُسْر يُعَلّقُ، فَإِذَا أرْطبَ أُكلَ.. النهاية في غريب الحديث (2/ 141)= فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهَا، وَقَامَ عَلِيٌّ لِيَأْكُلَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِعَلِيٍّ: «مَهْ إِنَّكَ نَاقِهٌ!» حَتَّى كَفَّ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلام، قَالَتْ: وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسِلْقًا، فَجِئْتُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ! أَصِبْ مِنْ هَذَا فَهُوَ أَنْفَعُ لَكَ». سنن أبي داود (3856)، الترمذي ت شاكر (2037)، سنن ابن ماجه (3442)، الصحيحة (59).
وألاَّ نأكلَ إلاّ على جوعٍ وحاجةٍ للطعام، فالحِميةُ رأس الدواء، والمَعِدةُ بيتُ الداء؛ وعوِّدُوا كُلَّ بدنٍ ما اعْتَاد.
فإذا خالفنا هذه التعليمات النافعة؛ كنا من المغبونين في الصحة، ونتج عن هذا الغبن الأمراضُ والآفات، فاحتجنا إلى الأدوية والعلاجات، وأنفقنا على ذلك كثيرا من النفقات.
ومن الحفاظ على الصحة، الحفاظ على البيئة، وأفنية البيوت؛ من تلويثها ببقايا الإنسان والحيوان، فيجب علينا تنظيفُ ما نستطيع تنظيفَه، وتجنيبُ الأفنية والشوارع والطرقات، من النفايات والمخلفات، وإلقاؤها فيما أُعِدَّ لذلك من الحاويات، ومجمعاتِ النفايات، أو دفنُها في أماكن مناسبة، وأن نتجنب قدر الاستطاعة التخلُّصَ منها بالحرق، لما يترتب على ذلك من فسادٍ للبيئة، بانتشارِ غازاتٍ سامَّةٍ تؤثر على صحة الإنسان والحيوان، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَهِّرُوا أَفْنِيَتَكُمْ، فَإِنَّ الْيَهُودَ لا تُطَهِّرُ أَفْنِيَتَهَا» الطبراني في المعجم الأوسط (4/ 231) (4057)، الصحيحة (236). والأفنية [جمع فناء؛ وهو المتسع أمام الدار]. فيض القدير (4/ 271)
ومن الحفاظ على الصحة؛ التداوي مع التوكُّلِ على الله سبحانه، وتجنب الدواء الحرام، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: شَهِدْتُ الأَعْرَابَ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ... فَقَالُوا: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ عَلَيْنَا جُنَاحٌ أَنْ لا نَتَدَاوَى؟) قَالَ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ! فَإِنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، لَمْ يَضَعْ دَاءً، إِلاَّ وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلاَّ الْهَرَمَ»... سنن ابن ماجه (3436) صحيح الجامع (2930).
وعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ؛ فَتَدَاوَوْا، وَلا تَتَدَاووا بِحَرَامٍ». المعجم الكبير للطبراني (24/ 254) (649)، الصحيحة (1633).
والتداوي يكون باستخدام أدوية معروفة من ذوي الاختصاص، وهناك أدوية ربانية إلهية، وأهمها توحيدُ الله وعبادتُه، والإكثارُ من الأدعية والتطوعات والصدقات، يقولون: (فاللُّقم تزيل النِّقم)، وأقول: (وتزيد النعم)، والصدقة تقي مصارعَ السوء، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ، وَالصَّدَقَةُ خَفِيًّا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ، وَأَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ». المعجم الأوسط للطبراني (6/ 163) (6086)، صحيح الترغيب (1/ 216) (890) (حسن لغيره).
وقال صلى الله عليه وسلم: "صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ وَالآفَاتِ وَالُهَلَكَاتِ، وأهل المعروف في الدنيا؛ هم أهل المعروف في الآخرة". ورمز له السيوطي بـ(ك) عن أنس، وأورده في صحيح الجامع (3795).
إن التصدُّق على المسلمين يبرئ من الأمراض، عن [عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قُرْحَةٌ خَرَجَتْ فِي رُكْبَتِي مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ، وَقَدْ عَالَجْتُ بِأَنْواعِ الْعِلاجِ، وَسَأَلْتُ الأَطِبَّاءَ فَلَمْ أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: (اذْهَبْ فَانْظُرْ مَوْضِعًا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى الْمَاءِ؛ فاحْفُرْ هُنَاكَ بِئْرًا، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَنْبُعَ هُنَاكَ عَيْنٌ، وَيُمْسِكُ عَنْكَ الدَّمُ) فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرِئَ].
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: [وَفِي هَذَا الْمَعْنَى حِكَايَةُ قُرْحَةِ شَيْخِنَا الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ رَحِمَهُ اللهُ، فَإِنَّهُ قَرِحَ وَجْهُهُ، وَعَالَجَهُ بِأَنْواعِ الْمُعَالَجَةِ، فَلَمْ يَذْهَبْ، وَبَقِيَ فِيهِ قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ، فَسَأَلَ الأُسْتاذَ الإِمَامَ أَبَا عُثْمَانَ الصَّابُونِيَّ؛ أَنْ يَدْعُو لَهُ فِي مَجْلِسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَدَعَا لَهُ، وَأَكْثَرَ النَّاسُ في التَّأْمِينِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الأُخْرَى؛ أَلْقَتِ امْرَأَةٌ فِي الْمَجْلِسِ رُقْعَةً =أي ورقة= بِأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى بَيْتِهَا، وَاجْتَهَدَتْ فِي الدُّعَاءِ لِلْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَرَأَتْ فِي مَنَامِهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهَا: "قُولُوا لأَبِي عَبْدِ اللهِ: يُوسِّعُ الْمَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ" فَجِئْتُ بالرُّقْعَةِ إِلَى الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، فَأَمَرَ بِسِقَايَةِ الْمَاءِ بُنِيَتْ عَلَى بَابِ دَارِهِ، وَحِينَ فَرَغُوا مِنَ الْبِنَاءِ؛ أَمَرَ بِصَبِّ الْمَاءِ فِيهَا، وَطَرْحِ الْجَمَدِ =أي الثلج= فِي الْمَاءِ، وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الشُّرْبِ، فَمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُسْبُوعٌ حَتَّى ظَهَرَ الشِّفَاءُ، وَزَالَتْ تِلْكَ الْقُرُوحُ، وَعَادَ وَجْهُهُ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سِنِينَ]. (شعب الإيمان) (5/ 69) (3109)، صحيح الترغيب (1/ 233) (964) وقال الألباني: (صحيح مقطوع).

أما الحفاظ على نعمة أوقات الفراغ، وذلك بالاستفادة منها واغتنامِها في الطاعات أو المباحات، مما يعود بالنفع والخير على النفس خاصة والناس عامة، فوقت الفراغ يُغتَنم بذكر الله سبحانه، أو صلةِ رحم، أو زيارةِ صديق، أو عيادةِ مريض، أو السعيِ على أرملةٍ أو فقيرٍ أو مسكين، أو يُقضَى وقتُ الفراغ في زراعةٍ أو تجارةٍ أو صناعة، أو قراءةٍ نافعة، أو حضورِ برامجَ هادفةٍ في وسيلة من وسائل الإعلام؛ تزدادُ بها معرفة وعلما، أو خشيةً لله وذكرا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَقُولُ: (إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ). صحيح البخاري (6416)
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ". (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ). المستدرك للحاكم (4/ 341) (7846)، قال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم، صحيح الترغيب (3/ 168) (3355).
هذا الصفوُ في اغتنام الأوقات؛ يعكِّر عليه الغَبْنُ في الاستفادة منها، فكثير مِن الناس مَن عنده مِن أوقات الفراغ ما يحتار كيف يقضيه! هذا في ظنه، فيتوجه إلى التسكُّع في الشوارع والطرقات، إلى أنصاف الليالي، أو يعبدُ الفضائياتِ والشبكةَ العنكبوتيةَ ساهرا على المحرمات، أو يغبن في الأوقات الطوال، في الغيبة والقيل والقال، والساعات تسعى حثيثا سعيَ السحاب، والدقائق تدق الأعمار والآجال، دون إحساسٍ أو شعور بضياع ما هو أغلى وأثمن من الذهب والفضة وسائر الأموال.
وأنا أذكر هنا بهذه المناسبة صنفين من الناس عندنا في غزة، الذين أُمِروا بترك أعمالهم ووظائفهم؛ مع جريان رواتبهم وأرزاقهم، صنف منهم وهم المغبونون؛ من عَبَدَ الشبكة العنكبوتيه ليل نهار، لا يترك صفحاتِها الإباحية إلا لأكلٍ أو شرب، ينام على ذلك ويصحو عليه، يتضايق من الضيوف والأهل والزوجات، والأولاد والبنات.
وصنف آخر قد اغتنموا هذه الأوقاتِ والفراغَ فيها من العمل الوظيفي إلى الجدِّ والتحصيل؛ فمنهم من أنهى الدراسة الجامعية، ومنهم من أوشك على إنهاء الدراسات العليا، وما ذكرته علمته عبر من يتصل بي سائلا مستفسرا؛ من نساء أو رجال.
فهؤلاء في إجازة من وظائفهم لا يعلم متى تنتهي إلا الله جل جلاله، أما إجازةُ الصيفِ؛ فقد بدأت بوادرُها، وأقبلت في حَيرة فكيف نقضيها؟
فهذا الصيف أقبل بالسَّمومِ ورياحِ الخماسين، وارتفاعٍ في درجات الحرارة، أقبل الصيفُ والناس يحصدون زروعهم، ويجتنون ثمارهم، ويخرجون زكواتِ أموالِهم، ليرضى عنهم ربهم، تبارك وتعالى.
وفي الصيف يبحث الناس عن الظلِّ الظليل، والهواءِ العليل، ظلِّ الحيطانِ والدور، أو ظلِّ العرائش والأشجار، أو يجلسون -من ضيق المنازل- على الطرقات، فيتسامرون ويضيعون الأوقات، فإن كان كذلك؛ فلنعطِ كل ذي حقٍّ حقَّه، فلنغض أبصارنا عن المحرمات، ونكف أذانا وغِيبتنا عن الناس، ونرد السلام على من يسلم علينا، ونأمر بالمعروف من احتاج إليه، وننهى عن المنكر ممن وقع منه، كما ورد في البخاري ومسلم.
ولنحذرْ الجلوس في الشرفات، وما يطل على العورات، فيجلب لنا الخطايا والسيئات.
في الصيف تكثر الرحلات -في وقت الفراغ- إلى البحر، وذلك من باب الترويح عن القلوب.. عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، قَالَ: (رَوِّحُوا الْقُلُوبَ تَعِ الذِّكْرَ). مصنف ابن أبي شيبة (13/475)، والعقل وفضله لابن أبي الدنيا (ص: 65) (98)، وأخبار الشيوخ وأخلاقهم لأبي بكر المَرُّوْذِيُّ (ص: 190) (346).
ولا مانع من ذلك، فإن رافق تلك الرحلةَ وقتا غير مناسب، أو مكانا غير مناسب، أو لباسا غير مناسب؛ فلنحذرْ من هذا الخطر، الذي يجلب غضب الرب سبحانه.
وفي الصيف تكون المناسبات السارة؛ فأكثر حفلات الزواج تكون في الصيف، فتقام الأفراح، والليالي الملاح، والترفيه بما هو مباح، وتكثر الدعوات والعزائم، ويكثر المهنئون والملبون والمقبلون على الولائم.
ومن ناحية أخرى؛ فلنحذر ما في حفلات الزواج من الإسراف، ودعوةِ الأغنياء وترك الفقراء، وسهراتٍ تخدش الحياء، وتخلو من الأخلاق، كرقصِ الرجال مع النساء، وكشفِ العورات، وإيذاءِ النائمين والمرضى بصخب الموسيقى والأصوات، المنبعثة من المسجلات عبر المكبرات.
الصيف يكثر فيه تبادلُ الزيارات العائلية والودِّية، والتعارفُ على الأصدقاءِ عامة، وأصدقاءِ الوالدين خاصة، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: (أَصْلَحَكَ اللهُ! إِنَّهُمُ الأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ)، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: (إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ)، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ». مسلم (2552).
ويكون هناك وقت لعيادة المرضى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لا! غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ". مسلم (2567).
أما ما يحدث في اللقاءات العائلية من نكات فاحشة، وتتعالى ضحكاتٌ متبادلة من الرجال والنساء، ويترتب على كشف العورات، وإزالة لحواجز الحياء والأخلاق فهذا أمر خطير، وشر مستطير، في الحديث: عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ =هو حذيفة=، أَوْ قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لأَبِي مَسْعُودٍ مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: فِي «زَعَمُوا؟» قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا». سنن أبي داود (4972)، الصحيحة (866).
قال البيهقي: [فِي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ حِكَايَةِ مَا يُزَخْرَفُ بِهِ مِنَ الأَخْبَارِ، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْهُ]. شعب الإيمان (7/ 184).
عَنْ معاويةَ بنِ حيدةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ». سنن أبي داود (4990)، والسنن الكبرى للنسائي (11061)، ,صحيح الجامع (7136).
***
في الصيف تكثر أوقات الفراغ، ويغبن فيها كثير من الناس، فمن المغبونين عافانا الله وإياكم كلَّ الغبن؛ من انشغلوا واشتغلوا في أوقات الفراغ الثمينة بحضور الأفلام الماجنة الرخيصة، والمسلسلات الهابطة، والبرامج التي تعصف بالدين والأخلاق.
ومن المغبونين مَن يتركون أبناءهم يشاركون في أماكن الترفيه بما يغضب الله تعالى، أو يخالف عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا، ولا مانع من إقامة مراكزَ ترفيهيةٍ خاليةً من المخالفات الشرعية.
والأولى والأفضل التوجه إلى بيت من بيوت الله، نتعلمُ آيةً أو حديثا أو حكما شرعيا، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، =هما واديان من أودية المدينة= فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ = "نَاقَة كَوْمَاء" أَيْ مُشْرفةَ السَّنام عاليَتَه.= فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلا قَطْعِ رَحِمٍ؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ». مسلم (803).
فاغتنموا أوقات فراغكم بذكر ربكم، فالتسبيحة أو التحميدة أو التكبيرة، لا تستغرق إلا ثانية واحدة، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ (لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ)، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ (الحَمْدُ لِلَّهِ)». سنن الترمذي ت شاكر (3383)، وسنن ابن ماجه (3800)، وانظر الصحيحة (1497).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَالَ: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ، يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ". صحيح البخاري (6403).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ". صحيح البخاري (7563)، ومسلم (2694).
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الصافات: 180– 182)
كتب وألف بين الكلمات وخطب
أبو المنذر فؤاد بن يوسف أبو سعيد
الزعفران الوسطى غزة فلسطين
9/6/1432هلالية
وفق 11/6/2011 شمسية
للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني: zafran57@hotmail.com