>>اذكار: “يا حي يا قيوم برحمتك أستغثت أصلح لي شأني كُلهُ ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين„
تابع صفحتنا على الفيس بوك ليصلك جديد المجلس العلمي وشبكة الالوكة

التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))


إنشاء موضوع جديد
شاركنا الاجر


الموضوع: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

المشاهدات : 9081 الردود: 18

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    بسم الله الرحمن الرحيم
    سبق وأن كانت هناك مشاركة لأخي أبي منصور -وفقه الله- حول تزويج المرأة لنفسها بدون إذن وليها وتطرق الإخوان إلى حديث لا نكاح إلا بولي ، وإتماما للفائدة أنقل لكم تخريج الحديث ...


    قال شيخنا الشيخ مفلح -حفظه الله- في بحث له بعنوان (التحقيق الجلي لحديث لا نكاح إلا بولي) :

    ولقد روى حديث "لانكاح إلا بولي" عن جماعة من الصحابة ذكر أسماءهم الحاكم في المستدرك، فقد أخرجه من حديث عائشة وأبي موسى ثم قال: وفي الباب عن علي بن أبي طالب وعبد اللّه بن عباس ومعاذ بن جبل وعبد اللّه بن عمر وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعبد اللّه بن مسعود وجابر بن عبد اللّه وأبي هريرة وعمران بن حصين وعبد اللّه بن عمرو والمسور بن مخرمة وأنس بن مالك رضي اللّه عنهم، وأكثرها صحيحة( ).
    وقد صحّت الروايات فيه عن أزواج النبي ، عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ـ رضي اللّه عنهم أجمعين ـ اهـ( ).
    قلت: وفي الباب أيضاً عن أبي أمامة مرفوعاً، وعن أبي سعيد، وعمر بن الخطاب موقوفاً، وعن الحسن البصري مرسلاً( ).
    وقد أحصيت عدة هؤلاء فبلغوا عشرين صحابياً، لكن لا بد من حذف أحاديث بعضهم، فحديث أم سلمة الظاهر أن الحاكم يقصد به قولها : "قم يا عمر فزوج النبي "، وحديث زينب الظاهر أنه يقصد به قولها "زوجكن آباؤكن، وزوجني اللّه من فوق سبع سموات"، ولو كان مقصده غير ذلك لذكرهما مع الصحابة المذكورين في الباب، ولكنه لما علم أن هذين الحديثين يختلف لفظهما عن لفظ أحاديث الباب أشار إليهما مستشهداً بهما.
    هذا ما يظهر لي من صنيعه وإلا فقد يكون عنده علم خلاف ما علمت واللّه أعلم.
    وحديث عمران بن حصين وابن مسعود حديث واحد، فقد قيل: عن عمران بن حصين، عن النبي  وقيل: عنه عن ابن مسعود، عن النبي .
    والأول أولى وإن كان الحديث ضعيف الإسناد أصلاً، وقد روي من طريق آخر عن الحسن البصري مرسلاً ورجاله ثقات، فلذلك يكون عدد الصحابة الذين روي عنهم هذا الحديث سبعة عشر صحابياً، على ما في أسانيد بعض هذه الروايات من الضعف الشديد، وقد اقتصر الحافظ السيوطي في "الأزهار المتناثرة" على ذكره عن سبعة من الصحابة كما حكاه عنه صاحب نظر المتناثرة فقال: أورده في الأزهار منحديث أبي موسى وابن عباس وجابر وأبي هريرة وأبي أمامة وعائشة وعمران بن حصين سبعة أنفس( ).
    ثم تعقبه بما سنذكره فيما بعد مع التنبيه عليه.
    وأصح ما روي في هذا الباب حديث أبي موسى وأبي هريرة وعائشة وابن عباس وجابر بن عبد اللّه، ثم ما روي عن علي وعمر موقوفاً من قولهما، ثم ما روي عن الحسن البصري مرسلاً.
    فأما حديث عائشة وأبي موسى فقد صححهما غير واحد من أهل العلم وعليهما الاعتماد في إبطال النكاح بغير ولي.
    وأما حديث أبي هريرة وابن عباس فقد اختلف في رفعهما ووقفهما، وقد قواهما جماعة من أهل العلم أيضاً.
    وأما حديث جابر فهو أيضاً حديث قويّ لمجموع طرقه.
    وأما حديث علي فالصحيح عنه موقوفاً.
    وأما حديث عمر فقد روي عنه من طرق كثيرة وكلها موقوفة ولا يخلو واحد منها عن الانقطاع.
    وأما مرسل الحسن فقد سبق وصفه.

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    1ـ حديث أبي موسى رضي الله عنه.


    أما حديث أبي موسى فقال الترمذي رحمه اللّه: حدثنا علي بن حجر، أخبرنا شريك بن عبد اللّه، عن أبي إسحاق (ح) وحدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن أبي إسحاق (ح) وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق (ح) وحدثنا عبد اللّه بن أبي زياد، حدثنا زيد بن حباب، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أ[ي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول اللّه : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قال الترمذي: وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف.
    ثم بين هذا الاختلاف وأطال في الكلام عليه، وسأذكر كلامه مفصلاً في مواضع من هذا البحث، وأختصر منه ما يتم به بيان هذا الاختلاف فأقول: لقد روى هذا الحديث عن أبي بردة عن أبيه من ثلاثة طرق.

    أحدها: طريق أبي إسحاق وقد اشتهر عنه، واختلف عليه في وصلخ وإرساله.
    فرواه إسرائيل ومن تابعه عن أ[ي إسحاق عن أ[ي بردة عن أ[يه متصلاً.
    ورواه شعبة والثوري عن أ[ي إسحاق عن أ[ي بردة مرسلاً.

    ثانيها: طريق يونس بن أبي إسحاق وقد اختلف فيه على يونس، فرواه أبو عبيدة عبد الواحد الحداد عن يونس عن أبي بردة عن أبيه، وتابعه أسباط بن محمد وقبيصة بن عقبة.
    ورواه زيد بن حباب عن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، وتابعه عيسى بن يونس والحسن بن قتيبة على ذكر إبي إسحاق، واختلافهم على يونس لا يضر، لأنه لقي أبا بردة وسمع منه، فلا مانع من روايته له على الوجهين.

    وثالثها: طريق أبي حصين عن أبي بردة عن أبيه.
    ونحن نذكر بعون اللّه وحسن توفيقه هذه الطرق والمتابعات مفصلة، ونذكر ما وقفنا عليه من أقوال العلماء في هذا الحديث.
    الطريق الأول:
    أما طريق أبي إسحاق فقال الإمام أحمد رحمه اللّه:
    حدثنا وكيع وعبد الرحمن عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه قال: قال رسول اللّه : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    وقال الدارمي: أخبرنا مالك بن إسماعيل ثنا إسرائيل به( ).
    قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، وما علمت على إسرائيل خلافاً في وصله لهذا الحديث، وقد رواه عنه غير واحد من الثقات.
    قال أبو عبد اللّه الحاكم: فأما إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الثقة الحجة في حديث جده أبي إسحاق فلم يختلف عنه في وصل هذا الحديث.
    ثم أخرجه من طرق عن النضر بن شميل وهاشم( ) بن القاسم وعبيد اللّه بن موسى ومالك بن إسماعيل وأحمد بن خالد الوهبي وطلق بن غنام كلهم عن إسرائيل، به.
    وقال: هذه الأسانيد كلها صحيحة( ).
    قلت: وقد رواه عن إسرائيل جماعة غير هؤلاء منهم محمد بن قدامة بن أعين وعبد اللّه بن رجاء ويزيد بن هارون وغيرهم( ).
    وقد تابع إسرائيل عن أبي إسحاق على وصله شريك بن عبد اللّه وقيس بن الربيع وزهير بن معاوية وأبو عوانة ويونس بن أبي إسحاق فيما رواه عنه بعض أصحابه، ونحن نذكر هذه المتابعات بأسانيدها.
    المتابعات:
    1ـ أما متابعة شريك بن عبد اللّه فقال الدارمي رحمه اللّه:
    حدثنا علي بن حجر، أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي  قال: ((لانكاح إلا بولي)) ( ).
    قلت: وشريك سمع من أبي إسحاق قديماً كما قال الإمام أحمد.
    وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى بن معين: شريك أحب إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل قال: شريك أحب إليّ وهو أقدم، وإسرائيل صدوق، قلت: يونس بن أبي إسحاق أحب إليك أو إسرائيل قال: كل ثقة( ).
    2ـ وأما متابعة قيس بن الربيع فقال الطحاوي رحمه اللّه:
    حدثنا فهد قال: حدثنا محمد بن الصلت الكوفي (ح) وحدثنا أحمد بن داود قال: حدثنا أبو الوليد قالا: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى أن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    وكذلك أخرجه البيهقي من طريق شبابة ومن طريق أبي الوليد كلاهما عن قيس بن الربيع به( ).
    3ـ وأما متابعة زهير بن معاوية فقال ابن الجارود رحمه اللّه:
    حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا عمرو بن عثمان الرقي قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى  قال: قال رسول اللّه : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    وكذلك أخرجه البيهقي من طريق أبي الأزهر أحمد بن الأزهر، عن عمرو بن عثمان عن زهير به( ).
    قال البيهقي: تفرد به عمرو.
    قلت: يعني عن زهير وهو ضعيف، لكن له عنه أحاديث صالحة كما قال ابن عدي.
    4ـ وأما متابعة أبي عوانة فقال ابن ماجة رحمه اللّه:
    حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا أبو عوانة حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول اللّه : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قلت: ورجاله رجال الشيخين غير محمد بن عبد الملك فهو من رجال مسلم، وقد تابعه أبو داود وأبو الوليد الطيالسيان وقتيبة بن عسيد وسعيد بن منصور وغير واحد من الثقات عن أبي عوانة، عن أبي إسحاق( ).
    وخالفهم مُعلّى بن منصور فقال: عن أبي عوانة عن إسرائيل، عن أبي إسحاق.
    ورواه مرة فقال: عن أبي عوانة عن أبي إسحاق، فذكر الحديث.
    وفي آخره قال مُعلّى: ثم قال لي أبو عوانة بعد ذلك: لم أسمعه من أبي إسحاق بيني وبينه إسرائيل( ).
    قلت: قد صرح أبو عوانة أن أبا إسحاق حدثه به كما رواه ابن ماجة عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب عنه( ).
    وقد تابعه جماعة من الثقات فلم يذكر أحد منهم هذا القول غير مُعلّى وحده.
    ومُعلّى وإن كان ثقة فقد تكلم فيه الإمام أحمد قال الميموني عنه: ما كتبت عن مُعلّى شيئاً قط، وكذا قال الأثرم عنه، وقال أبو طالب عن أحمد: كان يحدث بما وافق الرأي وكان كل يوم يخطئ في حديثين وثلاثة، وقال أبو حاتم الرازي: قلت لأحمد: كيف لم تكتب عن مُعلّى قال: كان يكتب الشروط، ومن كتبها لم يخل من أن يكذب( ).
    5ـ وأما متابعة يونس بن أبي إسحاق، فقد تقدم أن الترمذي رواه عن عبد اللّه بن أبي زياد، عن زيد بن حباب، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق.
    وكذلك رواه عيسى بن يونس عن أبيه، عن جده أبي إسحاق، وكذا رواه الحسن بن قتيبة عن يونس عن أبي إسحاق، كذا أخرجه الحاكم من طريق قتيبة.
    وأخرجه البيهقي عن شيخه أبي عبد اللّه الحاكم كذلك، ثم أخرجه عن شيخه أبي زكريا بن أبي إسحاق بهذا الإسناد فأسقط منه أبا إسحاق، وسيأتي تفصيل هذا الاختلاف وبيانه فيما بعد.
    قال البيهقي بعد ما رواه من رواية الحاكم الآنفة الذكر: كذا قال "عن أبي إسحاق"، وكذلك رواه حجاج بن محمد وزيد بن الحباب عن يونس، وكذلك قاله عيسى بن يونس، عن أبيه، عن أبي إسحاق.
    ثم قال: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ أنبأنا مكرم بن أحمد بن مكرم القاضي ببغداد أنبأنا أبو الوليد محمد بن أحمد بن برد الأنطاكي، ثنا الهيثم بن جميل الأنطاكي، ثنا عيسى بن يونس، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى  قال: قال رسول اللّه  : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قلت: وممّا تقدم يتبين لنا أن أكثر أصحاب إسحاق وصلوا هذا الحديث عنه عن أبي بردة، عن أبيه، كما وصله غير هؤلاء ممّن رواه عن أبي إسحاق فقد قال الحاكم:
    وقد وصل هذا الحديث عن أبي إسحاق جماعة من أئمة المسلمين غير من ذكرناهم منهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ورَقْبَةُ بن مصقلة العبدي ومطرف بن طريف الحارثي وعبد الحميد بن الحسن الهلالي وزكريا بن أبي زائدة وغيرهم قد ذكرناهم في الباب( ).
    قلت: وقد أطلت البحث عن هذه الروايات فلم أقف على شيء منها إلا رواية أبي حنيفة فقد رواه عن أبي إسحاق عن أبي بردة، عن أبيه بمثل رواية الجماعة( ).
    مرسل شعبة والثوري:
    وأما مرسل شعبة والثوري فقال الطحاوي رحمه اللّه:
    حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي  أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)).
    حدثنا ابن مرزوق قال: حدثنا أبو عامر ـ هو العقدي ـ قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي  مثله( ).
    وكذلك رواه عبد الرزاق، عن الثوري به( ).
    وستأتي رواية أبي داود الطيالسي، عن شعبة( ).
    قلت: وقد رُوي عنهما موصولاً، قال ابن الجارود رحمه اللّه:
    حدثنا أبو بكر حمدان بن محمد بن رجاء بن السعدي ومحمد بن زكريا الجوهري قالا: حدثنا أبو كامل الفضيل( ) بن الحسين قال: حدثنا بشر بن منصور قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    وكذلك رواه الطحاوي عن يزيد بن سنان، عن أبي كامل به( ).
    قلت: وهذا إسناد لا مطعن في رجاله( )، ولكن المحفوظ عن سفيان المرسل.
    وأخرجه ابن حزم من طريق البزار قال: حدثنا محمد بنموسى الحرشي( )، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، عن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي))( ).
    قلت: ومحمد بن موسى الحرشي ليّن كما قال الحافظ في التقريب.
    وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريق سليمان بن داود ـ هو الشاذكوني ـ حدثنا النعمان بن عبد السلام، عن شعبة وسفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى  أن رسول اللّه  قال: ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قال الحاكم: قد جمع النعمان بن عبد السلام بين الثوري وشعبة في إسناد هذا الحديث ووصله عنهما، والنعمان بن عبد السلام ثقة مأمون، وقد رواه جماعة من الثقات عن الثوري على حدة، وعن شعبة على حدة فوصلوه، وكل ذلك مخرج في الباب الذي سمعه مني أصحابي، فأغني ذلك عن إعادتهما.
    وقال البيهقي: تفرد به سليمان بن داود الشاذكوني عن النعمان بن عبد السلام،وقد روي عن مؤمل بن إسماعيل وبشر بن منصور عن الثوري موصولاً، وعن يزيد بن زريع عن شعبة موصولاً، والمحفوظ عنهما غير موصول، والاعتماد على ما مضى من رواية إسرائيل ومن تابعه في وصل الحديث واللّه أعلم.
    قلت: أما رواية بشر بن منصور فتقدمت، وكذلك رواية يزيد بن زريع، وأما رواية مؤمل فلم أقف عليها، وهذا يدل على أنه تابع بشراً عن سفيان على وصله.
    وقد أخرجه الخطيب في تاريخه من طريق إسماعيل بن عمر القطريلي، حدثنا خالد بن عمرو الأموي قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه فذكره( ).
    قلت: وخالد بن عمرو رماه ابن معين بالكذب، ونسبه صالح جزرة وغيره إلى الوضع، كذا قال الحافظ في التقريب.
    وأخرجه الخطيب أيضاً في موضعين آخرين من تاريخه كلاهما من طريق الفضل بن عبد اللّه الهروي، حدثنا مالك بن سليمان، حدثنا شعبة وإسرائيل، فذكره موصولاً( ).
    قال الذهبي: الفضل بن عبد اللّه بن مسعود اليشكري الهروي عن مالك بن سليمان روى العجائب.
    وقال أيضاً: مالك بن سليمان الهروي قاضي هراة عن إسرائيل وشعبة وغيرهما، قال العقيلي: فيه نظر، وكذا قال السليماني وضعفه الدارقطني( ).
    رأي الإمام الطحاوي:
    قال الإمام الطحاوي بعد أن ذكر حديث عائشة "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها..." من طريق عن الزهري، عن عروة عنها وأطال في تعليله وتأويله قال: واتحج أهل المقالة الأولى أيضاً لقولهم ـ يعني من احتج بحديث عائشة ـ بما حدثنا... ثم ساقه من طريق إسرائيل موصولاً ثم قال: فكان من الحجة عليهم في ذلك أن هذا الحديث على أصلهم أيضاً لا تقوم حجة، وذلك أن من هو أثبت من إسرائيل وأحفظ منه ـ مثل سفيان وشعبة ـ وقد رواه عن أبي إسحاق منقطعاً ثم ساقه من طريق شعبة وسفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة مرسلاً ثم قال: فصار أصل هذا الحديث عن أبي بردة عن النبي  برواية شعبة وسفيان وكل واحد منهما عندهم حجة على إسرائيل فكيف إذا اجتمعا جميعاً.
    قال الطحاوي: فإن قالوا: فإن أبا عوانة قد رواه مرفوعاً كما رواه إسرائيل وذكروا في ذلك ما حدثنا فهد...ثم ساقه من طريق أبي عوانة عن أبي إسحاق موصولاً ثم قال: قيل لهم: قد روي عن أبي عوانة هذا كما ذكرتم ولكنا نظرنا في أصل ذلك فإذا هو عن أبي عوانة عن إسرائيل عن أبي إسحاق فرجع حديث أبي عوانة أيضاً إلى حديث إسرائيل، ثم ساقه من طريق مُعلّى بن منصور الرازي عن أبي عوانة كذلك، ثم قال: فانتفى أن يكون عند أبي عوانة في هذا عن أ[ي إسحاق شيء.
    قال الطحاوي: فإن قالوا: فإنه قد رواه قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق أيضاً كما رواه إسرائيل وذكروا في ذلك ما حدثنا فهد...ثم أخرجه من طريق قيس بن الربيع عن أبي إسحاق موصولاً ثم قال: قيل لهم: صدقتم قد رواه قيس كما ذكرتم وقيس عندهم دون إسرائيل فإذا انتفى أن يكون إسرائيل مضاداً لسفيان وشعبة كان قيس أحرى أن لا يكون مضاداً لهما.
    قال: فإن قالوا: فإن بعض أصحاب سفيان قد رواه عن سفيان مرفوعاً كما رواه إسرائيل وقيس وذكروا في ذلك ما حدثنا يزيد بن سنان...ثم ذكره من طريق بشر بن منصور، عن سفيان موصولاً كما تقدم ثم قال: قيل لهم: قد صدقتم قد روى هذا بشر بن منصور عن سفيان كما ذكرتم ولكنكم لا ترضون من خصمكم بمثل هذا أن تحتجوا( ) عليه بما رواه بعض أصحاب سفيان أو أكثرهم عنه على معنى ويحتج هو عليكم بما رواه بشر بن منصور عن سفيان بما يخالف ذلك المعنى وتعدون المحتج عليكم بمثل هذا جاهلاً بالحديث، فكيف تسوغون أنفسكم على مخالفكم ما لا( ) يسوغونه عليكم؟ إن هذا لجور بيّن( ).اهـ
    وقبل الجواب عن هذا التعليل ينبغي أن يلاحظ عليه ما يأتي:
    أولاً: لم يذكر رواية شريك ولا رواية زهير ولا رواية يونس، ولم يجب على هذه الروايات كما أجاب عن روايات إسرائيل وأبي عوانة وقيس وبشر بن منصور عن سفيان، وهذا يوهم أنه لم يروه متصلاً غير هؤلاء فكان يلزمه الجواب عنها.
    ثانياً: وقد ذكر أن من هو أثبت من إسرائيل وأحفظ منه مثل سفيان وشعبة وقد رواه عن أبي إسحاق منقطعاً، وهذا يوهم أنه قد رواه غيرهما فأرسله، وليس الأمر كذلك.
    مناقشة الإمام الطحاوي:
    وبعد أن ذكرت كلام الطحاوي بتمامه على هذا البحث اتضح لي أن أناقشه في أربع فقرات:
    الفقرة الأولى: قوله فكان من الحجة عليهم أن هذا الحديث على أصلهم لا تقوم به حجة وذلك أن من هو أحفظ من إسرائيل وأثبت منه قد رواه عن أبي إسحاق منقطعاً ـ إلى قوله ـ فصار أصل هذا الحديث عن أبي بردة عن النبي  برواية شعبة وسفيان وكل واحد منهما عندهم حجة على إسرائيل فكيف إذا اجتمعا( ).
    والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
    1ـ زيادة الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة بل هو ثبت في أبي إسحاق.
    2ـ وتابعه غير واحد من الثقات كما تقدم منهم الإمام أبو حنيفة، فهل له أن يرد رواية إمامه أو ينتقص من قدره.
    3ـ ومع ذلك فقد روي هذا الحديث من غير طريق أبي إسحاق وهو طريق متصل كما سيأتي.
    الفقرة الثانية:
    قوله ((قد روى عن أبي عوانة هذا كما ذكرتم ولكنا نظرنا في أصل ذلك فإذا هو عن أبي عوانة عن إسرائيل عن أبي إسحاق...)).
    أقول: قد تقدم أنه لم يروه عن أبي عوانة هكذا غير مُعلّى بن منصور الرازي وأن الثقات خالفوه في ذلك فلم يذكروا أنه رواه عن إسرائيل وأن أبا عوانة صرح بسماعه من أبي إسحاق وأن الإمام أحمد ترك الرواية عن معلى لكثرة خطئه في الحديث.
    الفقرةالثالثة:
    قوله: ((قد رواه قيس كما ذكرتم وقيس عندهم دون إسرائيل فإذا انتفى أن يكون إسرائيل مضاداً لسفيان ولشعبة كان قيس أحرى أن لا يكون مضاداً لهما)).
    الجواب عن هذه الفقرة هو:
    1ـ نحن لا ننكر أن قيساً عندنا دون إسرائيل وأن إسرائيل أيضاً عندنا دون شعبة وسفيان، ولكن إسرائيل أثبت عندنا في أبي إسحاق من جميعا أصحابه.
    قال محمد بن مخلد: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوري.
    وقال حجاج (بن محمد): قلنا لشعبة حدثنا حديث أبي إسحاق قال: سلوا عنها إسرائيل فإنه أثبت فيها مني( ).
    وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: إسرائيل ثقة متقن من أتقن أصحاب أبي إسحاق( ).
    2ـ وقد ذكرنا في الجواب على الفقرة الأولى أن أكثر أصحاب أبي إسحاق قد رواه موصولاً، وسنذكر فيما بعد عدة أمور معتبرة لترجيح الوصل على الإرسال.
    الفقرة الرابعة:
    قوله: ((فإن قالوا: فإن بعض أصحاب سفيان قد رواه عن سفيان مرفوعاً كما رواه إسرائيل وقيس ـ إلى قوله ـ قيل لهم: قد صدقتم قد روى هذا بشر بن منصور عن سفيان كما ذكرتم، إلى آخر كلامه.
    فالجواب عنه من وجوه:
    1ـ ليست حجتنا ما رواه بشر بن منصور عن سفيان، ولكن ما رواه إسرائيل وغير واحد عن أبي إسحاق.
    2ـ ورواية بشر إنما هي موافقة لروايات كثيرة موصولة فهي أيضاً صالحة للاحتجاج بها، وقد توبع بشر عن سفيان كما تقدم.
    3ـ وكما أسلفت فإن الاعتماد في هذا الحديث على طرقه وشواهده الكثيرة وعلى تصحيح من صححه من أئمة الحديث وحفاظه كالبخاري والترمذي والذّهلي وابن المديني وغيرهم.
    هل الراجح الوصل أو الإرسال؟
    والذي يراه البخاري والترمذي ترجيح الوصل، فقد سئل البخاري عن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي)) فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث( ).
    وقال الترمذي: رواية هؤلاء الذي رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي  ((لا نكاح إلا بولي)) عندي أصح، لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، فإن رواية هؤلاء عندي أشبه لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول قال رسول اللّه  ((لا نكاح إلا بولي)) فقال: نعم، فدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري عن أبي إسحاق( ) هذا الحديث في وقت واحد، وإسرائيل هو ثبت في أبي إسحاق سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم( ).اهـ
    قلت: وحديث شعبة الذي استدل به الترمذي على أن سماعهما من أبي إسحاق وقع في مجلس واحد أخرجه البيهقي من طريق الحسن بن سفيان قال: سمعت أبا كامل الفضيل بن الحسين يقول: حدثنا أبو داود، عن شعبة فذكره وزاد في آخره: قال الحسن: ولو قال عن أبيه لقال نعم( ).
    قلت: ويستخلص مما تقدم أمور:
    الأول: أن البخاري والترمذي يرجحان الوصل على الإرسال.
    الثاني: أن ابن مهدي يقدم إسرائيل في أبي إسحاق على سفيان الثوري.
    الثالث: أن الذين وصلوه جماعة وقد سمعوه من أبي إسحاق من لفظه في أوقات مختلفة.
    الرابع: أن سماع شعبة وسفيان لهذا الحديث من أبي إسحاق كان في مجلس واحد،وهذا السماع ليس من لفظ أبي إسحاق وإنما كان عرضا عليه من سفيان وشعبة يسمع بخلاف رواية الجماعة فإنها محمولة على السماع من لفظه كما صرح به أبو عوانة قال: حدثنا أبو إسحاق، فلا شك أن رواية الجماعة أولى بالترجيح.
    الخامس: أن هذا الحديث رواه يونس بن أبي إسحاق عن أبيه ويونس قديم السماع من أبي إسحاق، ورواه إسرائيل كذلك عن جده أبي إسحاق وهو من أثبت الناس في حديثه حتى قال ابن مهدي: إنه يحفظ كما يحفظ الحمد، ولا شك أن آل الرجل أعلم بحديثه من غيرهم.
    ولذلك فإن الراجح في نظري هو الوصل، كما ذهب إليه البخاري والترمذي.
    الطريق الثاني:
    وأما طريق يونس بن أبي إسحاق فقال الإمام أحمد رحمه اللّه: حدثنا عبد الواحد الحداد قال: حدثنا يونس، عن أبي بردة، عن أبي موسى أن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه (ح) ( ) ويزيد بن هارون قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه  : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قلت: وهذا إسناد صحيح، لأن يونس تابع أباه على روايته، عن أبي بردة، عن أبيه كما ترى، ولأن أبا عبيدة ـ وهو عبد الواحد بن واصل الحداد ـ قد رواه عن يونس، وتابعه عليه أسباط بن محمد وهما ثقتان.
    ثم وجدت لهما متابعاً ثالثاً قال ابن الجارود رحمه اللّه: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا قبيصة ـ وهو ابن عقبة ـ قال: حدثنالا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري  قال: قال رسول اله : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    وكذلك أخرجه الحاكم منطريق محمد بن سهل بن عسكر به وزاد قال ابن عسكر: فقال لي قبيصة بن عقبة: جاءني علي بن المديني فسألني عن هذا الحديث فحدثته به فقال علي بن المديني: قد استرحنا من خلاف أبي إسحاق( ).
    قال الحاكم: لست أعلم بين أئمة هذا العلم خلافاً على عدالة يونس بن أبي إسحاق وأن سماعه من أ[ي بردة مع أبيه صحيح، ثم لم يختلف على يونس في وصل هذا الحديث، ففيه الدليل الواضح أن الخلاف الذي وقع على أبيه فيه من جهة أصحابه لا من جهة أبي إسحاق واللّه أعلم.
    قلت: لكن قد ذكر الترمذي أنه قد روي عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ( ) يعني مرسلاً.
    ولكن لم أقف على من رواه عنه هكذا، ولا على من ذكر ذلك غير الترمذي.
    وقد رواه أبو عبيدة وأسباط بن محمد وقبيصة بن عقبة عن يونس عن أبي بردة عن أبيه متصلاً، ورواه عيسى بن يونس وزيد بن حباب وحجاج بن محمد عن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه متصلاً، وقد ذكرنا روايتهم مفصلة إلا رواية حجاج فلم أقف عليها وإنما أشار إليها البيهقي كما تقدم، وقد اختلف فيه على الحسن بن قتيبة كما سأذكره قريباً.
    وقد ذكر الترمذي أمراً آخر وهو قوله: ورواه أسباط بن محمد وزيد بن حباب عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي .
    قلت: أما رواية زيد بن حباب فهي كذلك، وقد أخرجها الترمذي نفسه كما سبق، وأما رواية أسباط بن محمد فليس فيها ذكر أبي إسحاق فقد رواها أحمد عنه عن يونس عن أبي بردة عن أبيه وقد تقدمت، وكذلك أخرجها الحاكم وعنه البيهقي من طريق الحسن بن محمد بن الصباح عن أسباط وسأذكر هذه الرواية بسندها.
    قال الحاكم رحمه اللّه: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، قال: حدثنا الحارث بن محمد قال: حدثنا الحسن بن قتيبة قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق.
    وأخبرني أبو قتيبة سلم( ) بن الفضل الآدمي بمكة قال: حدثنا القاسم بن زكريا المقرئ قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصبّاح قال: حدثنا أسباط بن محمد( ) قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى  قال: قال رسول اللّه : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    وكذلك رواه البيهقي عن الحاكم به قوال: وهذا بخلاف رواية أبي زكريا عن أحمد بن سلمان، وكأن شيخنا أبا عبد اللّه حمل حديث ابن قتيبة على حديث أسباط، فحديث أسباط كذلك رواه أبو بكر بن زياد عن الحسن بن محمد الصبّاح دون ذكر أبي إسحاق فيه.
    قلت: ورواية أبي زكريا التي قال البيهقي أنها تخالف رواية أبي عبد اللّه الحاكم أخرجها البيهقي قبلها بأسطر فقال:
    أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق قال: أنبأنا أحمد بن سلمان الفقيه قال: حدثنا الحارث بن محمد قال: حدثنا الحسن بن قتيبة قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى  قال: قال رسول اللّه : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    ويستخلص مما تقدم أن البيهقي روى هذا الحديث عن شيخيه أبي زكريا وأبي عبد اللّه كلاهما عن أحمد بن سلمان عن الحارث بن محمد عن الحسن بن قتيبة عن يونس، فأبو زكريا قال: عن أبي إسحاق والحاكم لم يذكره ثم اتفقا عن أبي بردة عن أبيه.
    وكأن البيهقي يرجح رواية أبي زكريا على رواية أبي عبد اللّه، ولذلك اعتذر عن شيخه أبي عبد اللّه بقوله: وكأنّ شيخنا أبا عبد اللّه حمل حديث ابن قتيبة على حديث أسباط يعني أن الحاكم أسند حديث الحسن عن يونس ثم أسند حديث أسباط عن يونس عن أبي بردة عن أبيه فذكره ولم يميز حديث الحسن بذكر أبي إسحاق فيه وإنما أدرجه مع حديث أسباط.
    أما أبو زكريا فرواه عن شيخ الحاكم بنفس الإسناد عن الحسن بن قتيبة عن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه ولم يتعرض لحديث أسباط فلعله حفظه هذا ما يستفاد من قول البيهقي.
    ولست أرى أن الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى إلا إذا وجدت من رواه عن الحسن من غير هذا الطريق، وقد أطلت البحث فلم أجده من طريق آخر وعلى كل حال فالحديث محفوظ عن يونس على الوجهين كما تقدم ذكره.
    ولا شك أن يونس بن أبي إسحاق لقي أبا بردة وسمع منه، وممّا يدل على ذلك ما رواه الدارمي بسند صحيح قال رحمه اللّه: أخبرنا أبو نعيم قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى عن أبي موسى قال: قال رسول اللّه : ((تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت لم تكره)) ( ).
    قلت: فقد صرح يونس بسماعه من أبي بردة كما ترى فلا مانع من روايته لحديث "لا نكاح إلا بولي" تارة عن أ[ي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، وتارة عن أبي بردة عن أبيه( ).
    الطريق الثالث:
    قال الحاكم رحمه اللّه:
    وممّن وصل هذا الحديث عن أبي بردة نفسه أبو حَصِين( ) عثمان بن عاصم الثقفي، حدثناه أبو علي الحافظ قال: أنبأنا أبو يوسف يعقوب بن خليفة بن حسان الأيلي بالأيلة، وصالح بن أحمد بن يونس وأبو العباس الأزهري قالوا: حدثنا أبو شيبة( ) بن أبي بكر بن أبي شيبة قال حدثنا خالد بن يزيد الطبيب قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول اللّه : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم موثقون، أبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة قال أبو حاتم: صدوق، وقال الخليلي: كان ثقة روى عنه الحفاظ، وقال مسلمة بن قاسم: كوفي ثقة، وأغرب بن القطان فزعم أنه ضعيف، وكأنّه اشتبه عليه بجده، وذكر البيهقي في السنن حديثاً من طريقه وقال: الحمل فيه على أبي شيبة فيما أظن، ووهم في ذلك وكأنه ظنّه جده إبراهيم بن عثمان فهو المعروف بأبي شيبة أكثر ممّا يعرف بها هذا وهو الضعيف( ).
    وخالد بن يزيد الطبيب أبو الهيثم المقرئ قال أبو حاتم: صدوق، وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقة، وقال الحاكمعن الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف( ).
    وأبو بكر بن عياش مشهور بكنيته والأصح أنها اسمه، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح وروايته في مقدمة مسلم( ).
    وأبو حصين عثمان بن عاصم بن حصين ثقة ثبت سني وربما دلس( ).
    أقوال العلماء في هذا الحديث
    قال الترمذي في العلل:
    حديث أبي بردة عن أبي موسى عندي واللّه أعلم أصح، وإن كان سفيان الثوري وشعبة لا يذكران فيه عن أبي موسى، لأنه قد دل في حديث شعبة أن سماعهما جميعاً في وقت واحد، وهؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى سمعوا في أوقات مختلفة.
    وقال : يونس بن أبي إسحاق قد روى هذا عن أبيه، وقد أدرك يونس بعض مشايخ أبيه فهو قديم السماع وإسرائيل قد رواه وهو أثبت أصحاب أبي إسحاق بعد شعبة والثوري( ).
    وقال الحاكم في المستدرك:
    سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى يقول: سمعت صالح بن محمد بن حبيب الحافظ يقول: سمعت علي بن عبد اللّه المديني يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان إسرائيل يحفظ حديث أبي إسحاق كما يحفظ الحمد.
    سمعت أب الحسن بن منصور يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: سمعت أبا موسى ـ هو ابن المثنى ـ يقول: كان عبد الرحمن بن مهدي يثبت حديث إسرائيل عن أبي إسحاق ـ يعني في النكاح بغير ولي ـ .
    حدثني محمد بن عبد اللّه الشيباني، ثنا أحمد بن محمد بن الحسن ثنا حاتم بن يونس الجرجاني قال: قلت لأبي الوليد الطيالسي: ما تقول في النكاح بغير ولي؟ فقال: لا يجوز، قلت: ما الحجة في ذلك؟ فقال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، قلت: فإن الثوري وشعبة يرسلان؟ قال: فإن إسرائيل قد تابع قيساً.
    حدثني محمد بن صالح بن هانيء ثنا محمد بن المنذر بن سعيد ثنا إسحاق بن إبراهيم بن جبلة سمعت علي بن المديني يقول: حديث إسرائيل صحيح في "لا نكاح إلا بولي".
    سمعت أبا الحسن بن منصور يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق الإمام يقول: سألت محمد بن يحيى عن هذا الباب فقال: حديث إسرائيل صحيح عندي فقلت له: رواه شريك أيضاً فقال: من رواه؟ فقلت: حدثنا به علي بن حجر وذكرت له حديث يونس عن أبي إسحاق وقلت له: رواه شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أ[ي بردة عن النبي  قال: نعم هكذا روياه، ولكنهم كانوا يحدثون بالحديث فيرسلونه حتى يقال لهم: عمن؟ فيسندونه( ).اهـ
    الخلاصة:


    وخلاصة القول أن حديث أبي موسى حديث صحيح متصل لا يقدح في صحته الإرسال لأمور أذكر منها:

    1ـ لقد رواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه متصلاً وهو ثبت في أبي إسحاق بل هو أثبت فيه من شعبة والثوري كما قال ابن مهدي وقال أيضاً: كان يحفظ حديث أبي إسحاق كما يحفظ الحمد.
    2ـ وقد وثقه البخاري وقبل زيادته فقال: زيادة الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة وإن كان شعبةوالثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث والبخاري مقدم على غيره في معرفة هذا الفن.
    3ـ ولقد تابع إسرائيل على وصله لهذا الحديث جماعة من الثقات فتابعه شريك بن عبد اللّه وقد سمع من أبي إسحاق قديماً كما قال الإمام أحمد، وتابعه كذلك أبو عوانة وهو ثقة، وقد صرح بسماعه من أبي إسحاق فلا يضره ما أعله به الطحاوي من أنه لم يسمعه منه.
    4ـ ولقد سمع هؤلاء وغيرهم هذا الحديث من أبي إسحاق في مجالس متعددة، بينما سمعه منه شعبة وسفيان في مجلس واحد، فدل ذلك على أن سماعهم أولى بالترجيح كما أشار إليه الترمذي.
    5ـ ولقد رواه يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى متصلاً وسماعه من أبي بردة صحيح، وقد قال ابن المديني لما بلغه حديث يونس عن أبي بردة عن أبيه: قد استرحنا من خلاف أبي إسحاق.
    فإن قيل: يونس قد رواه عن أبي إسحاق أيضاً؟.
    قلنا: نعم قد صح عندنا عن يونس على الوجهين، وذلك لا يضر.
    6ـ ولقد وصله أبو حصين عن أبي بردة عن أبيه فهذا طريق ليس فيه اختلاف وسنده حسن.
    7ـ ولقد حكم لهذا الحديث بالصحة غير واحد من الأئمة الحفاظ فقد صححه الذهلي وابن المديني وأثبته ابنمهدي واحتج به أبو الوليد الطيالسي ورجّح البخاري والترمذي تصحيحه، وصححه بعد هؤلاء ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم.


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    2ـ حديث أبي هريرة

    وأما حديث أبي هريرة  فقال ابن ماجة رحمه اللّه: حدثنا جميل بنالحسن العتكي، حدثنا محمد بن مروان العقيلي، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه : ((لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها)) ( ).
    وكذلك أخرجه البيهقي والدارقطني من طريق جميل بن الحسن به( ).
    قلت: وتابعه مخلد بن حسين، عن هشام بن حسان على رفعه.
    قال البيهقي: أخبرنا أبو سعيد عثمان بن عبدوس بن محفوظ الفقيه، حدثنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، حدثنا مخلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة  عن النبي  قال: ((لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها، إن البغية التي تزوج نفسها)) ( ).
    قال الحسن: وسألت يحيى بن معين عن رواية مخلد بن حسين عن هشام بن حسان فقال: ثقة، فذكرت له هذا الحديث قال: نعم قد كان شيخ عندنا يرفعه عن مخلد.
    قلت: وتابعهما عن هشام على رفعه عبد السلام بن حرب دون الجملة الأخيرة( ).
    قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي إملاء، حدثنا القاضي أبو محمد يحيى بن منصور، حدثنا أبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي، حدثنا يحيى بن موسى ختّ( )، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة  قال: قال رسول اللّه : ((لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسهها))، قال أبو هريرة : كنّا نعدّ التي تنكح نفسها هي الزانية( ).
    قال البيهقي: وكذلك رواه هنّاد بن السري وعبيد بن يعيش عن المحاربي.
    قلت: وخالفه الأوزاعي عن ابن سيرين فلم يرفعه.
    قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ وأبو عبد اللّه إسحاق بن محمد بن يوسف السدوسي وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي وأبو سعيد بن أبي عمرو وأبو صادق بن أبي الفوارس قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بحر بن نصر، حدثنا بشر بن بكر، أنبأنا الأوزاعي، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة  قال: ((لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها))( ).
    قال البيهقي: هذا موقوف، وكذلك قاله ابن عيينة عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، وعبد السلام بن حرب قد ميّز المسند من الموقوف، فيشبه أن يكون قد حفظه.
    قلت: وأخرجه الدارقطني من طريق محمد بن الصباح، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: كنّا نتحدث أن التي تنكح نفسها هي الزانية( ).
    حديث آخر لأبي هريرة
    وقد روي عنه من طرق أخرى بلفظ: "لا نكاح إلا بولي" وفي بعضها "وشاهدي عدل".
    قال ابن حبان رحمه اللّه: أخبرنا عبد اللّه بن أحمد بن موسى، حدثنا هلال بن بشر، حدثنا أبو عتّاب الدلال، حدثنا أبو عامر الخزّاز( )، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قلت: ورجاله ثقات غير أبي عامر هذا، وهو صالح بن رستم، وقد وثقه غير واحد، وليس بالقوي( ).
    وأخرجه الخطيب والبيهقي من طرق عن يعقوب بن الجراح، حدثنا المغيرة بن موسى المزني البصري، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة  عن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل)) ( ).
    قال أبو أحمد ـ هو ابن عدي ـ : حدثنا الجنيدي، حدثنا البخاري قال: مغيرة بن موسى بصري منكر الحديث، قال أبو أحمد: المغيرة بن موسى في نفسه ثقة.
    وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: منكر الحديث، شيخ مجهول( ).
    وأخرجه الخطيب في تاريخه وابن عدي في الكامل والطبراني في الأوسط من طريق سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، والسلطان ولي من لاولي له)) ( ).
    وسليمان بن أرقم متروك.
    وأخرجه الطبراني أيضاً من طريق عمر بن قيس وهو المكي، عن الزهري به بلفظ ((لا تنكح المرأة إلا بإذن ولي)).
    وعمر متروك أيضاً.

    الخلاصة:

    قلت: ويستخلص مما تقدم أن حديث أبي هريرة الأول اختلف في رفعه ووقفه على ابن سيرين.
    فرواه محمد بن مروان العقيلي ومخلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً.
    ورواه بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفاً.
    ويقول البيهقي: إن ابن عيينة رواه عن هشام فلم يرفعه.
    ورواه عبد السلام بن حرب، عن هشام فرفعه دون قوله "فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها".
    ورواه حفص بن غياث عن هشام فذكر هذه الجملة موقوفة دون أن يذكر أول الحديث.
    والظاهر أن البيهقي يرجّح الرفع لأن عبد السلام قد ميّز المسند من الموقوف.
    والراجح في نظري هو الرفع لأن عبد السلام ثقة ولم يتفرد برفعه عن هشام وإنما ميّز الجملة المدرجة في آخره.
    أما حديثه الثاني بلفظ "لا نكاح إلا بولي" فقد روي من طريقين يعضد أحدهما الآخر، فالحديث حسن بهذا اللفظ.

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    3ـ حديث عائشة


    وأما حديث عائشة رضي اللّه عنها فقال الحاكم رحمه اللّه: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو، حدثنا محمد بن معاذ، وأخبرنا عبد الرحمن حمدان الجلاب بهمدان، حدثنا محمد بن الجهم السمري قالا: حدثنا أبو عاضم الضحاك بن مخلد، حدثنا ابن جريج قال: سمعت سليمان بن موسى يقول: حدثنا الزهري قال: سمعت عروة يقول: سمعت عائشة رضي اللّه عنها تقول: سمعت رسول اللّه  يقول: ((أيما امرأة نكحت( ) بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصابها، وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
    قلت: أما كونه حديث صحيح فهو كما قال، وأما كونه على شرط الشيخين فليس كذلك، لأن سليمان بن موسى لم يحتج به البخاري، وإنما احتج به مسلم في المقدمة، وهو ثقة كما سأذكره إن شاء اللّه.
    وقد حكم له الحاكم بالصحة لتصريح رواته بسماع بعضهم من بعض، على أنه لا يعرف فيهم من يتهم بالتدليس سوى ابن جريج وقد صرح بسماعه من سليمان بن موسى، وسليمان بن موسى صرح بسماعه من الزهري وهو غير مدلس ولكن قال ابن علية عن ابن جريج أنه لقي الزهري بعد ذلك فسأله عنه فلم يعرفه وأثنى على سليمان.
    وإنما وافقت الحاكم على تصحيحه لهذا الحديث لأن الزهري لم يجزم بإنكاره له، ولأن سليمان بن موسى ثقة وقد توبع عن الزهري فيجب قبول خبره وإن نسي من أخبره به على ما هو المشهور عند المحدثين.
    قال الحاكم: وقد تابع أبا عاصم على ذكر سماع ابن جريج من سليمان بن موسى وسماع سليمان بن موسى من الزهري عبدُ الرزاق بن الهمام ويحيى بن أيوب وعبد اللّه بن لهيعه وحجاج بن محمد المصيصي.
    قلت: ثم أخرجه من طرق عنهم غير أنه لم يخرجه من طريق ابن لهيعة فقال:
    أما حديث عبد الرزاق فحدثناه محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أحمد بن سلمة ومحمد بن شاذان، وحدثنا أبو علي الحافظ، حدثنا عبد اللّه بن محمد قالوا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأن ابن جريج، أخبرني سليمان بن موسى أن الزهري أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة رضي اللّه عنها أخبرته عن رسول اللّه  نحوه( ).
    وأما حديث يحيى بن أيوب فحدثناه أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد قال: قرا عليّ محمد بن إسماعيل السلمي وأنا أسمع حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا يحيى بن أيوب، حدثني ابن جريج أن سليمان بن موسى الدمشقي حدثه، أخبرني ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه : ((لا تنكح المرأة بغير إذن وليها، فإن نكحت فنكاحها باطل)) ثلاث مرات ((فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها، فغن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    وأما حديث حجاج بن محمد فحدثناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنبأنا إسماعيل بن قتيبة، وأخبرني أبو يحيى أحمد بن محمد السمرقندي، حدثنا أبو عبداللّه محمد بن نصر، وأخبرني أبو عمرو بن جعفر العدل، حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي قالوا: حدثنا يحيى بن يحيى، أنبأنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني سليمان بن موسى أن ابن شهاب أخبره أن عروة أخبره أن عائشة رضي اللّه عنها أخبرته أن النبي  قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ولها مهرها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    قال الحاكم: فقد صحّ وثبت بروايات الأئمة الأثبات سماع الرواة بعضهم من بعض فلا تعلّل هذه الروايات بحديث ابن علية وسؤاله ابن جريج عنه وقوله: إني سألت الزهري عنه فلم يعرفه فقد ينسى الثقة الحافظ الحديث بعد أن حدّث به، وقد فعله غير واحد من حفاظ الحديث.
    قلت: لقد ساق الحاكم هذا الحديث بأسانيد صحيحة عن ابن جريج ليس فيها ما ينبغي أن نتعقبه عليه بكلام، غير أن يحيى بن أيوب الغافقي فيه كلام من قبل حفظه وهو صدوق استشهد به البخاري ووثقه احتج به مسلم( ).
    وهذا الإسناد الذي ساقه الحاكم من طريقه إسناد صحيح، لأنه تابع غيره عن ابن جريج بمثل روايتهم عنه فوجب تصحيح حديثه.
    روالية ابن علية لهذا الحديث
    وحديث ابن علية الذي أشار إليه الحاكم رواه الإمام أحمد في مسنده فقال رحمه اللّه:
    حدثنا إسماعيل ـ هو ابن علية( ) ـ حدثنا ابن جريج قال: أخبرني سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول اللّه : ((إذا نكحت المرأة بغير أمر مولاها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)).
    قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه، قال: وكان سليمان بن موسى وكان فأثنى عليه( ).
    قال عبد اللّه ـ هو ابن أحمد ـ قال أبي: السلطان، القاضي، لأن إليه أمر الفروج والأحكام.
    قلت: والمولى هو الولي، قال أبو عبيد: المولى عند كثير من الناس هو ابن العم خاصة، وليس هو كذلك، ولكنه الولي، فكل ولي للإنسان فهو مولاه/ مثل الأب والأخ وابن الأخ والعم وابن العم وما وراء ذلك من العصبة كلهم، ومنه قوله تعالى {وإنّي خفت الموالي من ورائي}، قال: وممّا يبين لك أن المولى كل ولي، حديث النبي : ((أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل)) أراد بالمولى الولي، وقال اللّه تعالى {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً}، أفتر إنما عنى ابن العم خاصة دون سائر أهل بيته( ).
    تخريج طرق هذا الحديث
    ولهذا الحديث طرق عديدة عن ابن جريج، فهو مشهور عنه.
    قال الحافظ في التلخيص: وعدّ أبو القاسم بن مندة عدّة من رواه عن ابن جريج فبلغوا عشرين رجلاً( ).
    قلت: بل هم أكثر من ذلك، وأكثرهم حفاظ كبار، ولعل من المناسب هنا أن نذكر أسماء الذين وقفت على روايتهم عن ابن جريج، وكذلك لم أقف على روايتهم وإنما وقفت على قول من أثبت لهم الرواية عنه من الحفاظ مرتباً أسماءهم على حروف المعجم مع الإشارة إلى موضع كل رواية وقفت عليها، وهذا بحق يعتبر تخريجاً للحديث وتحقيقاً له.
    1. إسماعيل بن علية، روايته عند أحمد في مسنده (6/47).
    2. بشر بن المفضل، روايته عند ابن عدي في الكامل( ).
    3. حجاج بن محمد، روايته عند البيهقي (7/105)،والحاكم (2/168).
    4. حفص بن غياث، روايته عند ابن حبان، انظر الموارد (1247).
    5. خالد بن الحارث، أشار إلى روايته ابن حبان( ).
    6. سعيد بن سالم، روايته عند الشافعي في مسنده (ص275).
    7. سفيان الثوري، روايته عند أبي داود في سننه (2083).
    8. سفيان بن عيينة، روايته عند الحميدي (328)، والترمذي (1102).
    9. الضحاك بن مخلد، روايته عند الدارمي (2190)،والحاكم (2/168).
    10. عبد اللّه بن رجاء، روايته في مسند الحميدي أيضاً (328).
    11. عبد اللّه بن المبارك، أشار إلى روايته أبو نعيم في الحلية (6/88).
    12. عبد اللّه بن وهب، روايته عند الطحاوي (3/7)، والبيهقي (7/105).
    13. عبد الرزاق بن همام، روايته عند أحمد (6/165ـ166).
    14. عبد المجيد بن عبد العزيز، روايته عند الشافعي (ص220).
    15. عبيد اللّه بن موسى، روايته عند البيهقي (7/113).
    16. عيسى بن يونس، روايته عند البيهقي أيضاً (7/125).
    17. الليث بن سعد، أشار إلى روايته ابن عدي( ).
    18. مسلم بن خالد، روايته عند الشافعي أيضاً (ص220).
    19. معاذ بن معاذ، روايته عند ابن ماجة في سننه (1879).
    20. همام بن يحيى، روايته عند أبي داود الطيالسي (1553).
    21. يحيى بن أيوب، روايته في المستدرك (2/168).
    22. يحيى بن سعيد الأموي، روايته في السنن الكبرى (7/125).
    23. يحيى بن سعيد الأنصاري، روايته عند الطحاوي (3/7).
    وبعد أن خرّجت هذا الحديث باختصار وذكرت أسماء الرواة الذين رووه عن ابن جريج، أذكر ما يستفاد من هذا التخريج وما يستخلص منه فأقول:
    1ـ لقد تبين لي أنه لم يتابع ابن علية عن ابن جريج على قوله "فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه" أحد ممّن روى هذا الحديث عن ابن جريج مع كثرة من رواه عنه، اللّهم إلا متابعاً واحداً هو بشر بن المفضل، وهو ثقة ثبت، ولكن في السند إليه سليمان بن داود الشاذكوني، وهو أضعف من كلّ ضعيف كما قال البخاري، فلا تعتبر هذه المتابعة لضعف سندها، وهي عند ابن عدي في الكامل كما سبق ذكره.
    2ـ لقد نق الترمذي في أثناء كلامه على هذا الحديث قول ابن جريج هذا فقال: قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره( ).
    ولقد روى هذا القول عن ابن علية، عن ابن جريج الإمام أحمد وابن معين وأبو عبيد وزياد بن أيوب وإبراهيم بن موسى فلم يقل واحد منهم "فأنكره" وإنما قالوا: "فلم يعرفه"( ).
    وفي لفظ "لست أحفظه"( ).
    والظاهر أن الترمذي رحمه اللّه أخذ هذا اللفظ من رواية جعفر الطيالسي عن ابن معين فهي أقرب الروايات لفظاً لما نقله الترمذي ولكنها مروية بالمعنى كما يظهر من سياقها، وهذا طرف منها:
    روى البيهقي من طريق جعفر الطيالسي قال: سمعت يحيى بن معين يوهن رواية ابن علية عن ابن جريج أنه أنكر معرفة حديث سليمان بن موسى، ثم ذكر الرواية بتمامها( ).
    وممّا يدلّ على أن هذه الرواية مرويّة بالمعنى أن أبا جعفر الطحاوي رواه عن أبي عمران، عن ابن معين فوافق فيه لفظ الجماعة كما تقدم الإشارة إليه في الحاشية، وكذلك رواه الدوري عن ابن معين وقد تقدم لفظه.
    ويستخلص ممّا تقدم أن لفظ "فأنكره" غير محفوظ وإنما المحفوظ "فلم يعرفه".
    3ـ وقع في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان سقط فاحش في سند هذا الحديث ولم يستدرك في جدول تصويب الأخطاء المطبعية فيحتمل أن يكون خطأً مطبعياً، ويحتمل أن يكون وقع كذلك في أصله فقد وقع فيه هكذا: "يعلى بن عبيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن موسى، عن عروة..." ليس فيه ذكر ابن جريج ولا الزهري، وهذا سقط لا شك فيه، لأن أبا نعيم والطحاوي أخرجاه من طريق زهير بن معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، قال أبو نعيم بعد أن أخرجه من هذا الطريق: ورواه يعلى بن عبيد وشجاع بن الوليد، عن يحيى بن سعيد، يعني كذلك( ).
    وقال الترمذي بعد أن أخرجه من طريق ابن عيينة، عن ابن جريج بهذا الإسناد: وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن أيوب وسفيان الثوري وغير واحد من الحفّاظ عن ابن جريج نحو هذا( ).
    قلت: ولذلك جزمت بأنّه سقط من سنده "عن ابن جريج"، وكذلك سقط منه "عن الزهري"( ).
    أقوال العلماء في هذا الحديث
    قال الحاكم رحمه اللّه: أخبرنا الحسين بن الحسن بن أيوب، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: وذكر عند ابن علية يذكر حديث ابن جريج في "لا نكاح إلا بولي" قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرفه، وأثنى على سليمان بن موسى، قال أحمد بن حنبل: إن ابن جريج له كتب مدونة وليس هذا في كتبه، يعني حكاية ابن علية عن ابن جريج( ).
    ثم قال الحاكم: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول في حديث "لا نكاح إلا بولي" الذي يرويه ابن جريج فقلت له: إن ابن علية يقول: قال ابن جريج: فسألت عنه الزهري فقال: لست أحفظه فقال يحيى بن معين: ليس يقول هذا إلا ابن علية، وإنما عرض ابنعلية كتب ابن جريج على عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد فأصلحها له، (فقلت ليحيى: ما كنت أظن أن عبد المجيد هكذا فقال: كان أعلم الناس بحديث ابن جريج)( )، ولكن لم يبذل نفسه للحديث( ).
    وقال البيهقي بعد أن ذكر عن شيخه أبي عبد اللّه الحاكم ما تقدم: وأخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ قال: سمعت أبا إسحاق المزكي يقول: سمعت أبا سعيد محمد بن هارون يقول: سمعت جعفر الطيالسي يقول: سمعت يحيى بن معين يوهن رواية ابن علية عن ابن جريج أنه أنكر معرفة حديث سليمان بن موسى وقال: لم يذكره عن ابن جريج غير ابن علية وإنما سمع ابنعلية من ابن جريج سماعاً ليس بذاك، غنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز، وضعّف يحيى بن معين رواية إسماعيل عن ابن جريج جداً( ).
    وروى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي بكر الأثرم قال: قلت لأبي عبد اللّه أحمد بن حنبل: يضعف الحديث عندك بمثل هذا أن يحدث الرجل الثقة بالحديث عن الرجل فيسأله عنه فينكره ولا يعرفه؟ فقال: لا، ما يضعف عندي بم**، فقلت: مثل حديث الولي، ومثل حديث اليمين مع الشهد، فقال: قد كان معتمر يروي عن أبيه، عن نفسه، (عن) عبد اللّه بن عمر، قلت لأبي عبد اللّه: من روى هذا عن معتمر؟ قال: بعض أصحابنا بلغني عنه( ).
    وروي من طريق الدارقطني قال: حدثنا محمد بن مخلد قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن سام قال: قلت لأبي عبد اللّه حبيش بن مبشّر الفقيه: حديث عائشة عن النبي  "لا نكاح إلا بولي"؟ قال: يحيى بن معين يصححه، فإن اشتجروا فإن السلطان ولي من لا ولي له فقلت: هذا من كلام عائشة؟ فقال: لا، هذا من كلام النبي  ولو لم يكن هذا الحديث ما كان السلطان ولي من لا ولي له عند الناس كلهم، فقلت: فابن جريج يقول: سألت الزهري عنه فلم يعرفه، فقال: نسي الزهري هذا الحديث كما نسي ابن عمر حديث صلاة القنوت، وكما نسي سمرة حديث العقيقة، ولم يقل هذا عن الزهري غير ابن علية عن ابن جريج كذا قال يحيى بن معين( ).
    وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا أبوعبد اللّه محمد بن يعقوب، حدثنا أبو بكر بن رجاء، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا شعيب بن أبي حمزة قال: قال لي الزهري: إن مكحول لا يأتينا وسليمان بن موسى وأيم الله إن سليمان بن موسى لأحفظ الرجلين( ).
    وروى من طريق أبي الحسن بن عبدوس قال: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قلت ليحيى بن معين: فما حال سليمان بن موسى في الزهري؟ فقال: ثقة( ).
    الإسناد
    الإسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين غير سليمان بن موسى، وهو ثقة كما قال ابن معين وابن سعد والدارقطني وغيرهم، وقد أثنى عليه الزهري وابن جريج وعطاء وسعيد بن عبد العزيز، وستأتي ترجمته مفصّلة.

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    وقد أعلّ هذا الإسناد بما لا يقدح في صحته، وذلك أن ابن جريج قال: "فلقيت الزهري فسالته عن هذا الحديث فلم يعرفه" والجواب عن هذه العلّة هو:
    أولاً: لم يذكر هذا القول عن ابن جريج غير ابن علية وحده، وفي سماعه منه ضعف كما قال ابن معين، وقال أحمد: إن ابن جريج له كتب مدونة وليس هذا في كتبه.
    ثانياً: لقد رواه عن ابن جريج ما يزيد على عشرين رجلاً فلم يذكر أحد منهم هذا القول، وكلهم ثقات، وفيهم من هو أثبت في حديث ابن جريج من غيره، كحجاج بن محمد وعبد الرزاق ويحيى بن سعيد الأنصاري.
    ثاثاً: على تقدير صحة هذا القول عن ابن جريج، فالجواب: أن الزهري قد نسي هذا الحديث بعد أن حدّث به، ولذلك لم يجزم بإنكاره له، وإنما قال: لست أعرفه، أو لست أحفظه أو نحو هذا، وهذا بخلاف ما إذا قال: ما رويت لك هذا، وما حدّثتك به وما أشبه ذلك فإنه حينئذ يكون جازماً بنفيه وإنكاره، وسيأتي تفصيل القول في هذه المسألة فيما بعد.
    والذي يستخلص من أقوال المحدثين والفقهاء أن هذه العلة غير قادحة في صحة الحديث وأن العمل به واجب( ).
    رابعاً: وقد صرّح سليمان بن موسى بسماعه من الزهري كما صرح ابن جريج بسماعه من سليمان فيجب القول وهذه الحال أن الفرع جازم بروايته وأن الأصل غير جازم بنفيه.
    خامساً: لم يتفرّد به سليمان بن موسى عن الزهري، فقد تابعه حجّاج بن أرطأة وجعفر بن ربيعة كما سيأتي ذكره على أن المتابعتين فيهما مقال، ولكن لا شك أنه يرتفع بهما الوهم عن سليمان بن موسى ويثبت بهما حديثه عن الزهري لا سيما متابعة جعفر.
    نبذة من ترجمة سليمان بن موسى.
    هو سليمان بن موسى الأموي مولاهم أبو أيوب ويقال أبو الربيع ويقال أبو هشام الدمشقي الأشدق فقيه أهل الشام في زمانه، أرسل عن جابر ومالك بن يخامر وأبي سيارة، وروى عن واثلة بن الأسقع وأبي أمامة وطاوس والزهري ةمكحول وعطاء وغيرهم.
    وعنه ابن جريج وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي وجماعة.
    قال سعيد بن عبد العزيز: سليمان بن موسى كان أعلم أهل الشام بعد مكحول.
    وقال عطاء بن أبي رباح: سيد شباب أهل الشام سليمان بن موسى.
    وقال الزهري: سليمان بن موسى أحفظ من مكحول.
    وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة، وعن ابن معين: ثقة في الزهري.
    وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحداً من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه.
    وقال البخاري:عنده مناكير.
    وقال النسائي: أحدالفقهاء وليس بالقوي في الحديث، وقال في موضع آخر: في حديثه شيء.
    وقال الدارقطني في العلل: من الثقات، أثنى عليه عطاء والزهري.
    وقال ابن سعد: كان ثقة، أثنى عليه ابن جريج.
    وقال ابن عدي: وسليمان بن موسى فقيه راو حدّث عنه الثقات، وهو أحد علماء أهل الشام، وقد روى أحاديث يتفرد بها لا يرويها غيره وهو عندي ثبت صدوق.
    وقال يحيى بن معين ليحيى بن أكثم: سليمان بن موسى ثقة وحديثه صحيح عندنا.
    وذكر العقيلي عن ابن المديني: كان من كبار أصحاب مكحول، وكان خولط قبل موته بيسير.
    قال خليفة وغير واحد: مات سنة تسع عشر ومائة( ).
    قلت: وقد أخرج له مسلم في مقدمة صحيحه( ).
    حكم من روى حديثاً ثم نسيه.
    قال ابو عمرو بن الصلاح رحمه الله: إذا روى ثقة عن ثقة حديثاً وروجع المروي عنه فنفاه فالمختار أنه إن كان جازماً بنفيه بأن قال: ما رويته، أو كذب عليّ أو نحو ذلك فقد تعارض الجزمان والجاحد هو الأصل، فوجد رد حديث فرعه ذلك، ثم لا يكون ذلك جرحاً له يوجب رد باقي حديثه، لأنه مكذب لشيخه أيضاً في ذلك، وليس قبول جرح شيخه له بأولى من قبول جرحه لشيخه فتساقطا.
    أما إذا قال المروي عنه: لا أعرفه، أو لا أذكره أو نحو ذلك، فذلك لا يوجب رد رواية الراوي عنه.
    قال أبو عمرو: ومن روى حديثاً ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطاً للعمل به عند جمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين خلافاً لقوم من أصحاب أبي حنيفة صاروا إلى إسقاطه بذلك وبنوا عليه ردّهم حديث سليمان بن موسى عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي  ((إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل...)) الحديث، من أجل أن ابن جريج قال: لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه،وكذا حديث ربيعة الرأي عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي  ((قضى بشاهد ويمين)) ( )، فإن عبد العزيز بن محمد الداروردي قال: لقيت سهيلاً فسألته عنه فلم يعرفه.
    قال ابن الصلاح: والصحيح ما عليه الجمهور، لأن المروي عنه بصدد السهو والنسيان، والراوي عنه ثقة جازم فلا يردّ بالاحتمال روايته،ولهذا كان سهيل بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة عني عن أبي ويسوق الحديث.
    وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدثوا بها عن من سمعها منهم فكان أحدهم يقول: حدثني فلان عني عن فلان بكذا وكذا.
    وجمع الحافظ الخطيب ذلك في كتاب أخبار من حدث ونسي( ).اهـ
    قلت: وقد حقق هذه المسألة أيضاً وأطال في تحقيقها في الكفاية فقد مثّل لها بما أخرجه من طريق الشافعي قال: أنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله  بالتكبير.
    قال عمرو بن دينار: ثم ذكرته لأبي معبد بعد فقال: لم أحدثكه، قال عمرو: قد حدثنيه، قال: وكان من أصدق موالي ابن عباس.
    قال الشافعي: كأنه نسيه بعد ما قد حدثه إياه.
    ومن طريق وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم قال: كان زوج بريرة عبداً، قال شعبة: لقيته بواسط فسألته عنه فلم يعرفه.
    ثم قال: وقد اختلف الناس في العمل بمثل هذا وشبهه، فقال أهل الحديث وعامّة الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما وجمهور المتكلمين أن العمل به واجب إذا كان سامعه حافظ والنسي له بعد روايته عدل، وهو القول الصحيح.
    وزعم المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة أنه لا يجب قبول الخبر على هذا السبيل ولا العمل به، قالوا: ولهذا لزم إطراح حديث الزهري في المرأة تنكح بغير إذن وليها، وحديث سهيل بن أبي صالح في القضاء باليمين مع الشاهد، لأنهما لم يعترفا به لما ذكراه.
    ثم أخرج هذين الحديثين ثم قال: والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أنه إذا كان راوي الخبر الذي نسيه عدلاً والذي حفظه عنه عدلاً فإنهما لم يحدثا إلا بما سمعاه ولو احتملت حالهما غير ذلك لخرجا عن حكمالعدالة، (وكان السهو) ( ) والنسيان غير مأمون على الإنسان، ولا يستحيل أن يحدثه وينسى أنه قد حدثه وذلك غير قادح في أمانته ولا تكذيب لمن روى عنه( ).
    وقال ابن حبّان:
    وقد أوهم هذا الخبر من لم يحكم صناعة الحديث أنه منقطع بحكاية حكاها ابن علية، عن ابن جريج أنه قال: ثم لقيت الزهري فسألته عن ذلك فلم يعرفه، وليس هذا ممّا يقدح في صحة الخبر، لأن الضابط من أهل العلم قد يحدّث بالحديث ثم ينساه، فإذا سئل عنه لم يعرفه، فلا يكون نسيانه دالاً على بطلان الخبر، وهذا المصطفى  خير البشرصلّى فسهى، فقيل له: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فلما جاز على ما اصطفاه الله لرسالته في أهم أمور المسلمين الذي هو الصلاة حين نسي، فما سألوه أنكر ذلك ولم يكن نسيانه دالاً على بطلان الحكم الذي نسيه، كان جواز النسيان على من دونه من أمّته الذين لم يكونوا بمعصومين أولى( ).اهـ
    قلت: وممّا يقوي حجة ابن حبّان هذه ما احتج به ابن حزم في المحلّى فقد قال بعد لأأن ذكر حكاية ابنعلية وجواب ابن معين عنها: فقد روينا من طريق مسلم بن الحجاج، حدثنا ابن نمير قال: قال لي عبدة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها قالت: كان النبي  يسمع قراءة رجل في المسجد فقال: ((رحمه الله، لقد أذكرني آية كنت أنسيتها)).
    ثم روى من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنالا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن ذر بن عبد الله المرهبي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن النبي  صلّى الفجر فأغفل آية فلما صلى قال: ((أفي القوم أبي بن كعب؟)) فقال له أبي بن كعب: يا رسول الله أغفلت آية كذا أو نسخت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((بل أنسيتها)).
    قال ابن حزم: فإذا صح عن رسول الله أنه نسي آية من القرآن، فمن الزهري ومن سليمان ومن يحيى حتى لا ينسى، وقد قال  : {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي}( ).
    تنبيه:
    قوله "فمن الزهري ومن سليمان ومن يحيى حتى لا ينسى".
    أما نسيان الزهري فهو المقصود بالبحث والتحقيق، وأما نسيان سليمان بن موسى ففيه بحث، واما نسيان يحيىفمن يحيى هذا الذي أراده ابن حزم؟ وما مناسبة ذكره هنا؟ وكيف تطرق النسيان إليه؟ ولعل الكلام يعود في ذلك كله إلى ما أخرجه ابن حزم قبل ذلك بأسطر من طريق عباس ـ هو الدوري ـ حدثنا يحيى بن معين: حديث ابن جريج هذا قال عباس: فقلت له: إن ابن علية يقول: قال ابن جريج (لسليمان بن موسى) ( ) فقال: (نسيت بعد) ( ) فقال ابن معين: ليس يقول هذا إلا ابن علية، وابن علية عرض كتب ابن جريج على عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد فأصلحها له، قال ابن معين: لا يصح في هذا إلا حديث سليمان بن موسى( ).اهـ
    ثم رجعت إلى تاريخ ابن معين فوجدت فيه كما في المحلى، وهذا بخلاف ما أخرجه الحاكم وعنه البيهقي عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، عن الدوري، عن ابن معين، والظاهر أن العبارة فيها سقط وخلل فاحش، بل لا أشك أنها عبارة محرّفة( )، وأن ابن حزم توهّم فظنّ أن سليمان بن موسى نسيه أيضاً وليس الأمر كذلك:
    لأن قو ابن علية هذا رواه عنه غير واحد كما مضى، وقد خرّجته في موضعه وذكرت عدّة من رواه عنه فراجعه( ).
    ولأن كلمة ابن معين التي وردت في آخر العبارة وهي قوله "لا يصح في هذا إلا حديث سليمان بن موسى" دالة على أن ابن معين إنما استثنى حديثه وصححه، لأنه يعلم أن سليمان هو المثبت للحديث وأن النسيان إنما وقع من غيره، وقد سئل ابن معين عن هذا الحديث وقول ابن علية فيه وعن حال سليمان بن موسى وروايته عن الزهري أكثر من سؤال فأجاب بأجوبة متّفقة لم تختلف إجابته ولم يتناقض رأيه في تصحيح هذا الحديث وتوثيق سليمان بن موسى والجواب عن قول ابن علية بما تقدّم، فدلّ ذلك على أن هذا الحرف الذي وقع لابن حزم من روايته عن إحدى نسخ التاريخ لابن معين إنما هو حرف محرّف لا شك فيه، وأن الصواب ما رواه الحاكم وعنه البيهقي من طريق أصل تلك النسخة، لأن كلتا الروايتين من طريق عباس بن محمد الدوري عن ابن معين، فرواية ابن حزم من طريق عباس بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن، حدثنا غيلان، حدثنا عباس، حدثنا يحيى بن معين فذكره، ورواية الحاكم عن أبي العباس الأصم، عن الدوري كما أسلفت، فهي أصحّ وأثبت عندي من التي قبلها، والله أعلم( ).
    رأي البيهقي وابن معين.
    قال البيهقي رحمه الله: وأما الذي روى عن يحيى بن معين أنه أنكر حديث "لا نكاح إلا بولي" فإنه لا ينكر رواية سليمان بن موسى، إنما أنكر ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في تاريخ يحيى بن معين حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: قيل ليحيى بن معين في حديث عائشة رضي الله عنها "لا نكاح إلا بولي" فقال يحيى: ليس يصح في هذا شيء إلا حديث سليمان بن موسى، فأما حديث هشام بن سعد فهم يختلفون فيه، وحدّث به الخيّاط ـ يعني حماد الخياط ـ وابن مهدي وبعضهم برفعه وبعضهم لا يرفعه( ).
    قال: وسمعت يحيى يقول: روى مندل عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي)) قال يحيى: وهذا حديث ليس بشيء.
    قال البيهقي: فيحيى بنمعين إنما أنكر ما بيّنه في رواية الدوري عنه، واستثنى حديث سليمان بن موسى وحكم له بالصحة، وأنكر حكاية ابن علية، عن ابن جريج في روايته، ثم في رواية جعفر الطيالسي عنه كما مضى ذكره، ووثّق سليمان بن موسى في رواية الدارمي عنه، فحديث سليمان بن موسى صحيح، وسائر الروايات عن عائشة رضي الله عنها إن ثبت منها شيء لحديثه شاهد وبالله التوفيق( ).
    رأي ابن التركماني
    وقال ابن الترمكاني في الجوهر النقي: ثم ذكر البيهقي حديث "أيما امرأة أنكحت نفسها"( ) من طريق ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، ثم ذكر بسنده عن محخمد بن مصفى، حدثنا بقية، حدثنا شعيب بن أبي حمزة قال لي الزهري: إن مكحولاً يأتينا وسليمان بن موسى وأيم الله إن سليمان لأحفظ الرجلين.
    قلت: ابن مصفى سئل عنه صالح بن محمد فقال: كان مخلطاً وأرجو أن يكون صدوقاً وقد حدث بأحاديث مناكير، ذكره صاحب الكمال.
    وبقية معروف الحال، والزهري معدود من أصحاب مكحول وممن روى عنه، فكيف يقول إن مكحولاً يأتيه، هذا بعيد.
    وسليمان بن موسى متكلم فيه، قال ابن جريج والبخاري: عنده مناكير، وقال ابن المديني: مطعون عليه، وقال العقيلي: خولط قبل موته بيسير، وقل أبو حاتم: في حديثه بعض الاضطراب فكيف يكون مثل هذا أحفظ من مكحول مع جلالته وسعة علمه وأنه لم يدع بمصر ثم العراق ثم المدينة علماً إلا حواه، وأنه أتى الشام فغربلها، والعجب من البيهقي كيف يذكر توثيق سليمان بمثل هذا الإسناد ولا يذكر من تكلم فيه، مث ذكر حكاية ابن علية عن ابن جريج أنه قال: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه وأن ابن معين قال: لم يذكر هذا عن ابن جريج غير ابن علية.
    قلت: على تقدير صحة هذا عن ابن معين، أي شيء يلزم من انفراد ابن علية بهذا وقد كان من الأئمة الحفاظ.
    قال ابن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال شعبة: ابن علية سيد المحدثين، وقال غندر: نشأت يوم نشأت وليس أحد يقدم في الحديث على ابن علية، على أنه لم ينفرد بذلك، بل تابعه عليه بشربن المفضل، قال ابن عدي في الكامل: قال الشاذكوني: حدثنا بشر بن المفضل عن ابن جريج أنه سأل الزهري فلم يعرفه، وذكر صاحب الكمال بسنده عن أبي داود السجستاني قال: ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ إلا ابن علية وبشر بن المفضل.
    قال ابن التركماني:
    ثم قل البيهقي: وقد روى ذلك عن الزهري من وجهين آخرين وإن كان الاعتماد على رواية سليمان بن موسى، قلت: في سند الوجه الأول ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، وابن لهيعة معروف الحال، وابن ربيعة قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء حكاه الساجي، وأخرجه أبو داود في سننه من هذا الوجه وقال: جعفر لم يسمع من الزهري كتب إليه، وقال صاحب الاستذكار: لا أحفظه إلا من حديث ابن لهيعة عن جعفر.
    والوجه الثاني من طريق الحجاج ـ هو ابن أرطأة ـ عن الزهري، والحجاج فيه كلام كثير ومع ذلك لم يسمع من الزهري كذا ذكر أحمد وأبو حاتم، وذكر العقيلي بسنده عن هشيم قال: قال الحجاج: صف لي الزهري فإني لم أره فظهر بهذا أن الوجهين واهيان، ولهذا قال البيهقي: الاعتماد على رواية سليمان ثم ذكر عن ابن معين أنه سئل عن حديث عائشة هذا فقال: ليس يصح في هذا شيء إلا حديث سليمان بن موسى.
    قلت: قد تقدم الكلام على سليمان بن موسى وعدم معرفة الزهري للحديث، ثم إن عائشة الراوية للحديث خالفته على ما سيذكره البيهقي في هذا الباب، وكذلك الزهري أيضاً روى الحديث ثم خالفه، قال صاحب الاستذكار: كان الزهري يقول: إذا تزوجت المرأة بغير إذن وليها جاز، وهو قول الشعبي وأبي حنيفة وزفر( )، هذا آخر كلامه.
    وبعد أن ذكرنا كلام ابن التركماني بتمامه على حديث عائشة نذكر الجواب عليه ملخصاً ومهذباً وبالله التوفيق.
    يمكن تلخيص كلام ابن التركماني والجواب عليه في أ{بع مقامات.
    المقام الأول:
    لقد أعلّ ابن التركماني ما أسنده البيهقي عن الزهري من قوله إن مكحولاً يأتينا وسليمان بن موسى وأيم الله إن سليمان لأحفظ الرجلين بأمور:
    1ـ بأن في سنده محمد بن مصفى وقد سئل عنه صالح بن محمد فقال كان مخلطاً وأرجو أن يكون صدوقاً وقد حدث بأحاديث مناكير.
    2ـ وفيه بقية وبقية معروف الحال ولم يذكر فثيه جرحاً ولا تعديلاً.
    3ـ ولقد قال: والزهري معدود من أصحاب مكحول وممن روى عنه فكيف يقول إن مكحولاً يأتيه هذا بعيد.
    وبعد أن أعل هذا الإسناد بما ذكرنا قال: وسليمان بن موسى متكلم فيه، ثم ذكر بعض أقوال أئمة الجرح والتعديل ممن تكلم فيه دون قول من وثقه وأثنى عليه، ثم تعجب من قول البيهقي كيف يذكر توثيق سليمان بمثل هذا الإسناد ولا يذكر من تكلم فيه.
    هذه خلاصة ما اعترض به على البيهقي في هذا المقام.
    وجواباً عليه أقول:
    1ـ أما محمد بن المصفى فقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال في أسماء شيوخه: صدوق، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مشهور حدث عنه ابن وضاح وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطيء( ).
    وقال الذهبي في الكاشف: ثقة يغرب، وقال في الميزان: كان ابن مصفى ثقة صاحب سنة من علماء الحديث لحق سفيان بن عيينة وآخر أصحابه موتاً عبد الغفار بن سلامة، وقع لنا من عواليه وحج في آخر عمره فأدركه الأجل بمنى سنة ست وأربعين ومائتين( ).
    2ـ وأما قوله "وبقية معروف الحال" فهذا يوهم أنه ضعيف أو ساقط أو نحو هذا، وليس الأمر كذلك، ونحن نذكر نبذة من ترجمته ليكون القارئ لهذا البحث على بينة من حاله، وهو بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي أبو يحمد الحمصي، قال ابن المبارك: كان صدوقاً ولكنه كان يكتب عمن أقبل وأدبر.
    وقال ابن سعد: كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفاً في روايته عن غير الثقات.
    وقال أبو زرعة: بقية عجب، إذا روى عن الثقات فهو ثقة وذكر قول ابن المبارك الذي تقدم ثم قال: وقد أصاب ابن المبارك في ذلك، ثم قال: هذا في الثقات فأما في المجهولين فيحدث عن قوم لا يعرفون ولا يضبطون.
    وقال النسائي: إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة، وإذا قال عن فلان فلا يؤخذ عنه لأنه لا يدري عمن أخذه.
    وقال ابن عدي: يخالف في بعض رواياته عن الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت وإذا روى عن غيرهم خلط، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه، وبقية صاحب حديث ويروي عن الصغار والكبار، ويروي عنه الكبار من الناس، وهذه صفة بقية( ).
    قلت: ويستخلص ممّا تقدم أن بقية إذا صرح بالسماع عن الثقات وخصوصاً عن أهل بلده فحديثه صحيح، وإلا فلا يحتج بحديثه، وقد صرح في هذا الإسناد بالسماع فأمنّا من تدليسه، وشيخه شعيب بن أبي حمزة حمصي من أثبت الناس في الزهري، وكذلك الراوي عنه محمد بن مصفى حمصي أيضاً وقد صرح بالسماع من بقية، فالإسناد حسن على أقل أحواله.
    وقد ورد ما يدل على أن الزهري أثنى على سليمان بن موسى من غير هذا الطريق.
    قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ـ هو ابن علية ـ حدثنا ابن جريج قال: أخبرني سليمان بن موسى عن الزهري فذكر الحديث بتمامه وزاد في آخره: قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه قال: وكان سليمان بن موسى وكان فأثنى عليه( ).
    قلت: لكن رجح الشيخ محمد ناصر الدّين الألباني أن الثناء المذكور على سليمان إنما هو من ابن جريج لا من الزهري، واستدل بما أخرجه العقيلي في ترجمة سليمان بن موسى ولفظه: قال ابن جريج: وكان سليمان وكان يعني في الفضل، قال: وهو ظاهر عبارة أحمد في مسنده، بخلاف ما رواه عنه الحاكم منطريق أبي حاتم الرازي قال: سمعت أحمدبن حنبل يقول وذكر عنده أن ابن علية يذكر ابنجريج في "لا نكاح إلا بولي" قال ابنجريج: فلقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرفه، وأثنى على سليمان بن موسى ثم ذكر قول أحمد( ) ثم قال: فظاهر قوله "أثنى" إنما هو الزهري، لأنه أقرب مذكور، وقد صار هذا الظاهر نصاً في نقل الحافظ في التلخيص( ) لهذه العبارة عن الحاكم فزاد فيها: وسألته عن سليمان بن موسى فأثنى عليه.
    فكأن الحافظ رحمه الله رواه بالمعنى الظاهر من عبارة المستدرك غير أن هذا الظاهر غير مراد لما تقدم من رواية العقيلي التي هي نص على خلاف ما فهم.
    نعم قد رواه ابن عدي على نحو ما عزاه الحافظ للحاكم، فروى من طريق الشاذكوني، حدثنا بشر بن المفضل، عن ابن جريج فذكر الحديث قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه فقلت له: إن سليمان بن موسى حدثنا به عنك قال: فعرف سليمان وذكر خيراً وقال: أخاف أن يكون وهم عليّ.
    قال الشيخ الألباني: لكن الشاذكوني هذا متّهم بالكذب، فلا يعارض بروايته رواية ابن علية عن ابن جريج( ).اهـ
    قلت: ولست أوافقه على ما ذهب إليه لأمرين:
    الأول: لقد ثبت أن الزهري أثنى على سليمان بن موسى كما رواه البيهقي بإسناد حسن عنه، وهو الإسناد الذي نحن في صدد الكلام عليه.
    الثاني: ولقد ثبت في رواية الحاكم المتقدمة ما يدل على أن الثناء المذكور إنما هو من الزهري لا من ابن جريج كما ذهب إليه الحافظ في التلخيص.
    وهناك أمر آخر وهو من المحتمل أن يكون ابن جريج قد أثنى على سليمان بن موسى كما أثنى عليه الزهري، وقد وقع عند البخاري في تاريخه كما وقع للعقيلي في روايته الآنفة الذكر( ).
    3ـ وأما قول ابن التركماني: "والزهري معدود من أصحاب مكحول وممّن روى عنه فكيف يقول: إن مكحول يأتيه، هذا بعيد".
    قلت: وهذا قول غريب جداً وما علمت عليه دليل ولا اصطلاح عند أهل العلم، بل المعروف عندهم خلاف ذلك، فقد روى الأكابر عن الأصاغر والأقران عن أقرانهم وذهب بعضهم إلى بعض حتى لقد طافوا الأرض في طلب الحديث الواحد، ومكحول من الرحالين في طلب الحديث قال ابن إسحاق: سمعت مكحول يقول: طفت الأرض في طلب العلم، وروى أبو وهب عن مكحول قال: عتقت بمصر فلم أدع بها علماً إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق ثم المدينة فلم أدع بهما علماً إلا حويت عليه فيما أرى ثم أتيت الشام فغربلتها( ).
    والزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الفقيه أبو بكر الحافظ المدني أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام متفق على جلالته وإتقانه.
    قال أبو داود: حديثه ألفان ومائتان، النصف منها مسند.
    وقال مالك: بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير.
    وقال أيوب السختياني: ما رأيت أعلم منه.
    وقال بقية: حدث شعيب بن أبي حمزة قال: قيل لمكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: ابن شهاب، قال: ثم من؟ قال: ابن شهاب( ).
    قلت: فإذا كان ابن شهاب بهذه المنزلة فكيف لا يأتي مكحول إليه وهو من أشد الناس حرصاً على طلب الحديث ومجالسة أهله، لا سيما وقد نزل الزهري بالشام واجتمع عليه الكثير من أهلها، وقد سئل مكحول من أعلم من لقيت فقال: ابن شهاب، فهذا دليل صريح على لقائهما وسماع كل منهما لحديث الآخر.
    وأما قوله: "وسليمان بن موسى متكلم فيه" ثم ذكره بعض أقوال أئمة الجرح والتعديل فيد دون أن يذكر قول من وثقه، ثم تعجبه من البيهقي كيف يذكر توثيق سليمان بمثل هذا الإسناد ولا يذكر من تكلم فيه.
    فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
    الأول: أن سليمان بن موسى قد تقدمت ترجمته، ومن تأملها وأنصف القول فيه تبين له أنه صدوق فقيه يتفرد بأحاديث لا يرويها غيره، ولكن لم يتفرد بهذا الحديث، فقد روي من وجهين آخرين عن الزهري، ومن وجه ثالث عن هشام بن عروة، عن أبيه كما سيأتي.
    الثاني: أن تعجب ابن التركماني من البيهقي مردود عليه، لأنه ذكر قول من تكلم في سليمان ولم يذكر قول من وثقه، وقد اختصر قول أبي حاتم فلم يذكره كاملاً وإنما قال: وقال أبو حاتم: في حديثه بعض الاضطراب.
    وقد قال أبو حاتم: محله الصدق وفي حديثه بعض الاضطراب ولا أعلم أحداً من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه.
    الثالث: أن الإسناد الذي انتقده ابن التركماني إسناد حسن فلا مؤاخذة على البيهقي في ذكره توثيق سليمان بهذا الإسناد.
    المقام الثاني:
    لقد اعترض ابن التركماني على البيهقي فيما أسنده عن ابنمعين أنه قال: لم يذكر هذا عن ابن جريج غير ابن علية ـ يعني قول ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه ـ ولقد قال: على تقدير صحة هذا عن ابن معين أي شيء يلزم من انفراد ابن علية بهذا وقد كان من الأئمة الحفاظ، ثم ذكر قول أحمد "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقول شعبة "ابن علية سيد المحدثين" وقول غندر "نشأت يوم نشأت وليس أحد يقدم في الحديث على ابنعلية، ثم قال: على أنه لم ينفرد بذلك بل تابعه عليه بشر بن المفضل، ثم ذكر ما رواه ابن عدي في الكامل عن الشاذكوني عن بشر وهو ما أشار إليه الشيخ الألباني آنفاً، ثم ذكر قول أبي داود "ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ إلا ابن علية وبشر بن المفضل.
    وقبل الجواب عن هذا الاعتراض ينبغي أن يلاحظ عليه ما يأتي:
    أولا: أنه لم يذكر قول ابن معين بتمامه، بل اقتصر على الكلمة الأولى منه، وهي لا تفيد العلة التي من أجلها قال ابن معين هذا القول.
    وثانياً: كان يلزمه أن يعترض على البيهقي فيما أسنده عن الإمام أحمد من إنكار حكاية ابن علية الآنفة الذكر، لأن سكةتع عن ذلك يوهم أن ابن معين تفرد بالطعن في حكاية ابن علية وليس الأمر كذلك، فقد أنكرها أحمد كما تقدم.
    ونحن نجيب عن اعتراضه على البيهقي بالجواب الآتي:
    قوله "على تقدير صحة هذا عن ابن معين" وهذا يوهم أن في سنده ضعف أو مقال، وقد أخرجه البيهقي من طريقين صحيحين عنه.
    وقوله "أي شيء يلزم من انفراد ابن علية وقد كان من الأئمة الحفاظ" وهو كما قال ولكن في سماعه من ابن جريج ضعف كما بينه ابن معين.
    وقوله "على أنه لم ينفرد بذلك تابعه عليه بشر بن المفضل" وفي سنده سليمان الشاذكوني وهو متهم بالكذب كما تقدم.
    ولما كان ابن التركماني قد ذكر سليمان بن داود الشاذكوني في غير هذا الموضع واستدل على جرحه بما نقله عن أئمة الجرح والتعديل وأفسد الإسناد المروي من طريقه هناك كان لزاماً عليه أن لا يحتجّ به هنا وحاله كما عرف، ولكنه إذا رأى الحديث موافقاً لمذهبه دافع عنه، وإن لم يكن كذلك طعن فيه، ومن تتبع أقواله في الجوهر النقي واعتراضاته على البيهقي تبين له ذلك، وهذا هو نص كلامه في الموضع المشار إليه قال: والشاذكوني قال الرازي: ليس بشيء، متروك الحديث، وقال البخاري: هو عندي أضعف من كل ضعيف، وقال ابنمعين: ليس بشيء، وقال مرة: كان يكذب ويضع الحديث( ).
    قلت: فقد سقط كما ترى الاعتبار بهذه الرواية التي زعم ابن التركماني أنها تصلح متابعة لابن علية لسوء حال الشاذكوني كما ذكره ابن التركماني نفسه عن البخاري وابن معين وغيرهما.

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    المقام الثالث
    لقد ذكر ابن التركماني قول البيهقي "وقد روى ذلك عن الزهري من وجهين آخرين وإن كان الاعتماد على رواية سليمان بن موسى" ثم تعقبه بقوله "في سند الوجه الأول ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري وابن لهيعة معروف الحال، وابن ربيعة قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء حكاه الساجي وأخرج هأبو داود في سننه من هذا الوجه وقال: جعفر لم يسمع من الزهري والحجاج فيه كلامكثير ومع ذلك لم يسمع من الزهري كذا ذكر أحمد وأبو حاتم،وذكر العقيلي بسنده عن هشيم قال: قال الحجاج: صف لي الزهري فإني لم أره.
    فظهر بهذا أن الوجهين واهيان ولهذا قال البيهقي: الاعتماد على رواية سليمان.
    وجواباً عليه أقول:
    أما ابن لهيعة فهو وإن كان ضعيفاً لسوء حفظه فإنه صدوق يعتبر بحديثه، والبيهقي إنما أخرج حديثه للإعتبار به،وقد رواه عن ابن لهيعة جماعة من الثقات، وقد صرح بسماعه من جعفر فمن المحتمل أنه حفظه منه.
    وأما جعفر بن ربيعة فهو ثقة من رجال الشيخين، ولم أر من ضعفه سوى ما نقله ابن التركماني وفي صحته نظر( ).
    وهو جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة( ) الكندي أبو شرحبيل المصري، وثقه أحمد والنسائي وابن سعد وقال أبو زرعة: صدوق( ).
    وأما قوله "والوجه الثاني من طريق الحجاج...إلى آخره" فهو كما قال، ولكن طريق الحجاج وطريق ابن لهيعة يعضد أحدهما الآخر فإن طريق الحجاج طريق مشهور رواه ابن المبارك وغير واحد عنه فهو صالح الإعتبار أيضاً.
    ولذا قال الترمذي: وحديث عائشة رضي الله عنها هذا عندي حديث حسن صحيح، وقد رواه الحجاج بن أرطأة وجعفر بن ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة، ورواه هشام بنعروة أيضاً( ).
    يعني عن أبيه عن عائشة كذلك( ).
    فقد اعتبر الترمذي كما ترى بطريق الحجاج وطريق ابن لهيعة كما اعتبر بهما البيهقي، وكذلك قد اعتبر بهما غير واحد من أهل العلم( ).
    وقوله "فظهر بهذا أن الوجهين واهيان" قول غير صحيح، لأن الطريق الواهي لا يكون واهياً إلا إذا كان أحد رجاله كذاباً أو متروكاً أو نحو ذلك.
    وقد استشهد ابن التركماني بحديث الحجاج في عدة مواضع( ) فكيف يستشهد بأحاديث واهية لمذهبه ويردها هنا وهي مخرجة على سبيل المتابعة والاعتبار.
    المقام الرابع
    لقد اعترض ابن التركماني علىالبيهقي فيما أسنده عن ابن معين أنه سئل عن حديث عائشة هذا فقال: ليس يصح في هذا شيء إلا حديث سليمان بن موسى فقال: قد تقدم الكلام على سليمان وعدم معرفة الزهري للحديث ثم إن عائشة الراوية للحديث خالفته على ما سيذكره البيهقي في هذا الباب، وكذلك الزهري أيضاً روى الحديث ثم خالفه، ثم ذكر قول صاحب الاستذكار "كان الزهري يقول: إذا تزوجت المرأة بغير إذن وليها جاز وهو قول الشعبي وأبي حنيفة وزفر".
    وسنناقش كلامه من ثلاثة وجوه:
    الأول: أنه لا يلزم من عدم معرفة الزهري للحديث أن يكون سليمان بن موسى وهم عليه في ذلك، لن الثقة قد يحدّث بالحديث ثم يسأل عنه بعد ذلك فلا يعرفه، فلا يكون ذلك قادحاً في صحة حديثه إذا كان الراوي عنه ثقة كما هو قول جمهور المحدثين والفقهاء، وقد تقدم كلام الخطيب وابن الصلاح في هذه المسألة، وقد أجاب ابن التركماني نفسه بهذا الجواب محتجاً لمذهبه ومعترضاً على البيهقي فقال في باب الأمة تعتق وزوجها عبد: ذكر فيه ـ يعني البيهقي ـ حديث شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة وكان زوجها حراً ـ يعني بريرة ـ قال شعبة: ثم سألته بعد فقال: لا أدري أحر هو أم عبد، قال البيهقي: قد رواه سماك بن حرب، عن عبد الرحمن، فأثبت كونه عبداً، قال ابن التركماني: شعبة إمام جليل حافظ، وقد روىى عن عبد الرحمن أنه كان حراً، فلا يضره نسيان عبد الرحمن وتوقفه على ما هو معروف عند أهل هذا العلم، وقد ذكر البيهقي في كتاب المعرفة في باب لا نكاح إلا بولي أن مذهب أهل العلم بالحديث وجوب قبول خبر الصادق وإن نسيه من أخبر( ) عنه( ).اهـ
    الوجه الثاني
    عمل الراوي بخلاف روايته لا يلزم منه الأخذ برأيه وترك ما رواه عن رسول الله  لأن المعتبر ما روى لا ما رأى.
    قال الحافظ في الفتح في باب الخلع بعد أن ذكر أن ابن عباس خالف روايته التي رواها أن الخلع طلاق، ثم أفتى بأن الخلع فسخ قال: وفي الحديث أن الصحابي إذا أفتى بخلاف ما روى أن المعتبر ما رواه لا ما رآه، لأن ابن عباس روى قصة امرأة ثابت بن قيس الدالّة على أن الخلع طلاق، وكان يفتي بأن الخلع ليس بطلاق( ).
    قلت: وقد أخذ الجمهور بجملة من الأحاديث التي رويت عن رسول الله  وروي عن أصحابها أنهم عملوا أو أفتوا بخلافها،وقد استوعب ابن القيم في إعلام الموقعين سرد هذه الأحاديث ثم قال: والذي ندين الله به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله  ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائناً من كان، لا راويه ولا غيره إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث أو لا يحضره وقت الفتيا أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة أو يتأول فيه تأويلاً مرجوحاً ويقوم في ظنّه ما يعارضه ولا يكون معارضاً في نفس الأمر أو يقلّد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أوقى منه.
    ولو قدّر انتفاء ذلك كلّه ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنّه لم يكن الراوي معصوماً ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك( ).
    وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه:
    إذا روى الصحابي عن رسول الله  حديثاً ثم روي عن ذلك الصحابي خلاف لما روى فإنه ينبغي الأخذ بروايته وترك ما روي عنه من فعله أو فتياه، لأن الواجب علينا قبول نقله وروايته عن النبي  لا قبول رأيه.
    ثم روى بسنده عن أبي شعيب البناني عن ابن سيرين قال: حدثني أفلح أن أبا أيوب الأنصاري  كان يفتيهم بالمسح ويخلع، فقيل له فقال: رأيت رسول الله  يمسح ولكن حبّب إليّ الغسل.
    وروى بسنده عن الشعبي، عن مسروق بن الأجدع قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله  فخطب الناس فقال: أيها الناس ما إكثاركم في صدقات النساء؟ فقد كان رسول الله  فيما بين أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى أو مكرمة لم تسبقوهم إليه فلأعرفنّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين أنهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم؟ قال:وما ذاك؟ قالت: أو ما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذاك؟ قال: قالت: أو ما سمعت الله تعالى يقول { وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً} قال: فقال: اللهم غفراً كل إنسان أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر ثم قال: أيها الناس إني كنت قد نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ وطابت به نفسه فليفعل( ).
    قلت: ويستخلص ممّا تقدم أن الاحتمالات المسوغة لترك الراوي روايته والعمل بخلافها كثيرة، ومن الأمثلة الدالّة على صحة ما ذكره ابنالقيم من هذه الاحتمالات ما رواه الخطيب في كتابه الآنف الذكر عن أصحاب رسول الله  فقد روى ثلاثة آثار وقد اكتفينا بذكر اثنين منها فمن شاء فليراجع ذلك في موضعه.
    الوجه الثالث
    أن قول الزهري "إذا تزوجت المرأة بغير إذن وليها جاز" لا يلزم منه ترك ما رواه عن رسول الله  ومن ثم الأخذ بفتواه، لأن المعتبر ما رواه لا وما أفتى به كما قدمنا، لا سيما وقد نسي الزهري هذا الحديث كما قال ابن علية فلذلك أفتى بخلاف روايته.
    وقد أخذ بهذا الحديث جماعة من السلف وتركوا ما روي عن عائشة والزهري من مخالفتهما له.
    قال ابنحزم رحمه الله: وممّن قال بمثل قولنا جماعة من السلف، ثم حكاه عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وابنعباس وحفصة أم المؤمنين، ثم قال: وروينا نحو هذا عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها( ) وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم النخعي، وروينا عن الحجاج بن المنهال حدثنا أبو هلال قال: سألت الحسن فقلت: أبا سعيد امرأة خطبها رجل ووليها غائب بسجستان ولوليها ههنا ولي أيزوجها ولي وليها قال: لا ولكن اكتبوا إليه قلت له: إن الخاطب لا يصبر قال: فليصبر، قال له رجل: إلى متى يصبر قال الحسن: يصبر كما صبر أهل الكهف.
    قال ابن حزم: وهو قول جابر بن زيد ومكحول وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وابن المبارك وفي ذلك خلاف قديم وحديث( ).
    قلت: وممن قال بهذا القول من الصحابة علي بن أبي طالب وابنمسعود، ومن التابعين شريح ومسروق وسعيد بن المسيب وعكرمة بن خالد كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
    رأي الإمام الطحاوي
    وممّن تكلم على هذا الحديث وأطال النفس في الكلام عليه وأعله من جميع طرقه وبالغ في تأويل متنه الإمام المحدث الكبير أبو جعفر الطحاوي رحمه الله، فقد أخرجه من طريق ابن وهب عن ابن جريج، ومن طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج أيضاً، ثم من طرق عن الحجاج عن الزهري، وعن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري، وعن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الزهري( )، ثم قال:
    فذهب إلى هذا قوم فقالوا: لا يجوز تزويج المرأة نفسها إلا بإذن وليها، ومّن قال ذلك أبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهما واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
    وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لمرأة أن تزوج نفسها ممّن شاءت وليس لوليها أن يعترض عليها في ذلك إذا وضعت نفسها حيث كان ينبغي لها أن تضعها.
    قلت: وهو قول الشعبي وأبي حنيفة وزفر.
    قال: وكان من الحجة لهم أن حديث ابن جريج الذي ذكرناه عن سليمان بن موسى قد ذكر ابن جريج أنه سأل عنه ابن شهاب فلم يعرفه، حدثنا بذلك ابن أبي عمران قال: أخبرنا يحيى بن معين، عن ابن علية، عن ابن جريج بذلك.
    قلت: قد تقدم الجواب عن حكاية ابن علية في أكثر من موضع.
    قال أبو جعفر: وهم يسقطون الحديث بأقل من هذا، وحجاج بن أرطأة فلا يثبتون له سماعاً عن الزهري، وحديثه عنه عندهم مرسل، وهم لا يحتجون بالمرسل، وابن لهيعة فهم ينكرون على خصمهم الاحتجاج عليهم بحديثه فكيف يحتجون به عليه في مثل هذا؟.
    قلت: للحديث ثلاث طرق عن الزهري، وله طريق رابع عن هشام بن عروة عن أبيه، وابن لهيعة وحجاج بن أرطأة قد تابعهما سليمان بن موسى عن الزهري وهو ثقة، وللحديث شواهد قوية من حديث أبي موسى وأبي هريرة وابن عباس فلا مرية في صحته.
    قال الطحاوي: ثم لو ثبت ما رووا من ذلك عن الزهري لكن قد روي عن عائشة رضي الله عنها ما يخالف ذلك.
    حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكاً أخبره عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي  أنها زوّجت حفصة بنت عبد الرحمن بن المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب بالشام فلما قدم عبد الرحمن قال: أمثلي يصنع به هذا ويفتات عليه؟ فكلمت عائشة (عن) ( ) المنذر فقال المنذر: إن ذلك بيد عبد الرحمن فقال عبد الرحمن: ما كنت أرد أمراً قضيتيه( ) فقرت حفصة عنده ولم يكن ذلك طلاقاً( ).
    قال: وحدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن القاسم فذكر بإسناده مثله.
    حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني حنظلة وأفلح، عن القاسم بن محمد في حفصة بمثل ذلك.
    قال الطحاوي: فلما كانت عائشة رضي الله عنها قد رأت أن تزويجها بنت عبد الرحمن بغير( ) أمره جائز، ورأت ذلك العقد مستقيماً حتى أجازت فيه التمليك الذي لا يكون إلا عن صحة النكاح وثبوته استحال عندنا أن يكون ترى ذلك وقد علمت أن رسول الله  قال: ((لا نكاح إلا بولي)) فثبت بذلك فساد ما روي عن الزهري في ذلك.
    قلت: وقد أجاب البيهقي في المعرفة على كلام الطحاوي هذا فقال: وقد أعلّ بعض من يسوّي الأخبار على مذهبه هذا الحديث بشيئين.
    أحدهما: ما رواه بإسناده عن ابن علية أن ابن جريج سأل الزهري عنه فأنكره ـ ثم أسند البيهقي عن أحمد وابن معين أنهما ضعّفا رواية ابن علية هذه ـ ثم قال: فهذان إمامان قد وهّنا هذه الرواية مع وجوب قبول خبر الصادق وإن نسي من أخبر عنه.
    الثاني: أن عائشة رضي الله عنها روي عنها ما يخالفه ـ ثم ذكر روايته المتقدمة وهي قصة تزويج حفصة من المنذر ـ ثم قال: ونحن نحمل قوله زوجت أن مهدت أسباب التزويج، وأضيف النكاح إليها لاختيارها ذلك وإذنها فيه، ثم أشارت على من ولي أمرها عند غيبة أبيها حتى عقد النكاح، ويدل على صحةهذا التأويل ما أخبرنا ـ ثم أسند ما سنذكره فيما بعد من روايته له في السنن ـ ثم قال: فإذا كان مذهبها ما روي من حديث عبد الرحمن بن القاسم علمنا أن المراد بقوله "زوّجت" ما ذكرناه، فلا يخالف ما روته عن النبي  ، قال: والعجب من هذا المحتجّ بحكاية ابن علية في ردّ هذه السنة وهو يحتجّ برواية الحجاج بن أرطأة في غير موضع، وهو يردّها ههنا عن الحجاج عن الزهري بمثله، ويحتج أيضاً برواية ابن لهيعة في غير موضع، ويردّها ههنا عن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري بمثله، فيقبل رواية كلّ واحد منهما منفردة إذا وافقت مذهبه، ولا يقبل روايتهما مجتمعة إذا خالفت مذهبه، ومعهما رواية ثقة( ).
    وقال في السنن: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأنا الربيع أنبأنا الشافعي رحمه الله أنبأنا الثقة عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة رضي الله عنها تخطب إليها المرأة من أهلها فنشهد فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوج فإن المرأة لا تلي عقد النكاح( ).
    قال البيهقي: هذا الأثر يدلّ على أن الذي أخبرنا ـ ثم ذكر حديث مالك ـ ثم قال: إنما أريد به أنها مهّدت تزويجها ثم تولى عقد النكاح غيرها فأضيف التزويج إليها لإذنها في ذلك وتمهيدها أسبابه.
    قلت: أما الأمر الأول فلم أقف عليه، وأما الثاني فليس كما ذكر، لأن الطحاوي نفسه قد رواه من طريقين عن ابن إدريس متصلاً كما سيأتي بيانه فيما بعد.
    قال الطحاوي رحمه الله بعد أن أطال في كلامه على حديث عائشة وأبي موسى وأعلهما من جميع الطرق المتقدمة،وقد ذكرنا كلامه بتمامه في موضعين من هذا الكتاب وأجبنا قدر طاقتنا العلمية عن بعض ما أعلّهما به قال:
    وما كلامي في هذا إرادة الإزراء على أحد ممّن ذكرت ولا أعدّ مثل هذا طعناً، ولكنّي أردت بيان ظلم هذا المحتجّ وإلزامه من حجة نفسه ما ذكرت، ولكنّي أقول: إنه لو ثبت عن النبي  أنه قال: ((لا نكاح إلا بولي)) لم يكن فيه حجة لما قال الذين احتجّوا به لقولهم في هذا الباب، ولأنه قد يحتمل معاني:
    فيحتمل ما قال هذا المخالف لنا إن ذلك الولي هو أقرب العصبة إلى المرأة،ويحتمل أن يكون ذلك الولي من تولية المرأة من الرجال قريباً كان منها أو بعيداً، وهذا المذهب يصح به قول من يقول: لا يجوز للمرأة أن تتولّى عقد نكاح نفسها وإن أمرها وليها بذلك، ولا عقد نكاح غيرها ولا يجوزأن يتولى ذلك إلا الرجال.
    وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مثل ذلك:
    حدثنا محمد بن خزيمة( ) قال: حدثنا يوسف بن عديّ قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها( ) جارية من بني( ) أخيها فضربت بينهما بستر ثم تكلمت حت لم يبق إلا النكاح أمرت رجلاً فأنكح ثم قالت: ((ليس إلى النساء النكاح))( ).
    قلت: وذكر الطحاوي احتمالاً ثالثاً سنذكره بعد الكلام على سند هذا الحديث الذي أورده مستشهداً به لصحة الاحتمال الثاني.
    وهذا الحديث قد أخرجه ابن حزم من طريق الطحاوي أيضاً قال: حدثنا الحسن بن غليب، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي، عن ابن جريج فذكره( ).
    وابن جريج مدلّس وقدرواه بالعنعنة،وقد سبق أن البيهقي أخرجه من طريق الشافعي عن الثقة عن ابن جريج، وفيه جهالة الثقة وعنعنة ابن جريج أيضاً، لكن للحديث أصلوهو ما رواه مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، فإن القصةواحدة غير أن بعض الرواة اختصرها وبعضهمرواها بلفظ أتم،وفي آخر الحديث من هذا الطريق زيادة لم يذكرها مالك في روايته وهي قوله "حتى إذا لم يبق إلا النكاح أمرت رجلاً فأنكح ثم قالت: ليس إلى النساء نكاح" وفي رواية الشافعي عن الثقة عن ابن جريج ما يقارب هذا اللفظ وهو قوله " فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: زوّج فإن المرأة لا تلي عقد النكاح" ولذلك فقد استدلا البيهقي بهذا اللفظ على تأويل لفظ حديث مالك بأن معنى قوله "زوّجت" أي مهدت أسباب التزويج ولم تتول العقد، وهو استدلال ظاهر، لكن الاستدلال بحديث ابن إدريس عن ابن جريج أظهر منه، لأ،ه ذكر القصة بعينها مختصرة وزاد هذه الزيادة المبيّنة لحقيقة الأمر والموافقة لما صح عن عائشة عن النبي  والله أعلم.
    قال الطحاوي:
    ويحتمل أيضاً قوله ((لا نكاح إلا بولي)) أن يكون الولي هو الذي إليه ولاية البضع من والد الصغيرة أومولى الأمة أو بالغة حرّة لنفسها، فيكون ذلك على أنه ليس لأحد أن يعقد نكاحاً على بضع الأولى (إلا ولي) ( ) ذلك البضع، وهذا جائز في اللغة قال اله تعالى {فليملل وليّه بالعدل} فقال قوم: ولي الحق هو الذي له الحق، فإذا كان من له الحق يسمّى ولياً كان من له البضع أيضاً يسمّى ولياً له.
    فلما احتمل ما روينا عن رسول الله  من قوله ((لا نكاح إلا بولي)) هذه التأويلات انتفى أن ينصرف إلى بعضها دون بعض إلا بدلالة تدل على ذلك إما من كتاب وإما من سنة وإما من إجماع( ).
    هذا آخر كلامه علة هذا الحديث.
    لقد ذكر الطحاوي ـ رحمه الله ـ ثلاث احتمالات لمعنى قوله  ((لا نكاح إلا بولي)) فقال: فيحتمل...إن ذلك الولي هو أقرب العصبة إلى المرأة، ويحتمل أن يكون ذلك الولي من تولية المرأة من الرجال قريباً كان منها أو بعيداً.
    قلت: أما الاحتمال الأول فهو المعنى الصحيح المفهوم من جملة ألفاظ هذا الحديث وممّا يدل على صحته ما ذكره أبو عبيد في غريب الحديث قال: حديث عليّ رحمه الله ((إذا بلغ النساء نص الحقائق ـ وبعضهم يقول: الحقاق ـ فالعصبة أولى)) قال: حدثنيه ابن مهدي، عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل،عن معاوية بن سويد بن مقرن قال: وجدت في كتاب أبي عن علي ذلك( ).
    قلت: وقد شرح أبو عبيد معناه شرحاً وافياً وقال في آخره: يقول فإذا بلغ النساء ذلك ـ أي مبلغ السن المناسب للزواج ـ فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محرماً مثل الأخوة والأعمام بتزويجها إن أرادوا، وهذا ممّا يبين لك أن العصبة والأولياء ليس لهم أن يزوجوا اليتيمة حتى تدرك، لو كان لهم ذلك لم ينتظر بها نصّ الحقاق، وليس يجوزالتزويج على الصغيرة إلا لأبيها خاصة، ولو جاز لغيره ما احتاج إلى ذكر الوقت.
    وأما الاحتمال الثاني فهو مردود بنص هذا الحديث، وذلك أنه قد ورد بلفظ ((لا نكاح إلا بولي، وأيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل،باطل، باطل، فإن لميكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي لها)).
    قال أبو داود الطيالسي: حدثنا همّام قال: حدثنا عبد الملك بن جريج( )، عن سليمان بن موسى، عن الزهرين عن عروة، عن عائشة أن النبي  قال: فذكره( ).
    قلت: وقوله ((فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي لها)) فيه دلالة واضحة على بطلان هذا الاحتمال، فلو أن امرأة جعلت أمرها إلى رجل ليس هو من أوليائها فزوجها من رجل آخر لم يصح العقد، ألا ترى أن عمر  جلد الناكح والمنكح وفرّق بينهما( ).
    وأما ما رواه الطحاوي بسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكحت رجلاً من بني أختها جارية من بنات أخيها فضربت بينهما بستر، ثم تكلّمت حتى إذا لم يبق إلا النكاح أمرت رجلا فأمكح ( ).
    قلت: كيف تكون البالغة ولية بضعها وقد قال: ((أيما امرأة لم ينكحها الولي فنكاحها باطل...)) ( ).
    فهذا القول عامّ في جميع النساء في سلب الولاية عنهنّ من غير تخصيص ببعض دون بعض، فيدخل فيه البكر والثيّب والشريفة والوضيعة وقد ختم الإمام الطحاوي كلامه على هذا الحديث بقوله: فلمّا احتمل ما روينا عن رسول الله  من قوله ((لا نكاح إلا بولي)) هذه التأويلات انتفى أن يصرف إلى بعضها دون بعض إلا بدلالة تدلّ على ذلك، إما من كتاب وإما من سنة وإما من إجماع.
    قلت: الحديث ظاهر المعنى صريح الدلالة غير قابل للتأويل، وهذه التأويلات التي ذكره الطحاوي فيها مبالغة وتكلّف في صرف الحديث عن معناه اللفظي ومفهومه الحقيقي، وقد اقتصر الطحاوي في كلامه على بيان معنى قوله  ((لا نكاح إلا بولي)) ولم يبين لنا معنى قوله ((أيما امرأة لم ينكحها الولي فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)).
    قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاذ، حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله  فذكره( ).
    وهذا الحديث أتمّ متناً وأكمل معنى من قوله ((لا نكاح إلا بولي))، وقد خرجه الطحاوي منطرق عن الزهري، عن عروة، عن عائشة كما تقدم ذكره، ومع ذلك لم يتعرض لبيان معناه، فلا أدري ما وجه اقتصاره على هذه الجملة القصيرة اللهم إلا أن يكون متعصباً لمذهبه كما قال البيهقي عنه فيما مضى من كلامه( )، وقد شرح الخطابي معنى هذا الحديث وذكر ما دلّ عليه من أحكام وكذلك البغوي رحمهما الله تعالى، وقد ذكرنا كلامهما بتمامه فيما بعد فراجعه( ).
    وبعد أن انتهيت من ذكر كلام ابن التركماني وكذلك الإمام الطحاوي على هذا الحديث وحاولت الإجابة الملخّصة من أقوال الأئمة المحققين أذكر بعون الله ما وعدت بذكره من أن سليمان بن موسى لم يتفرّد برواية هذا الحديث عن الزهري، ثم أذكر رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ثم أذكر بعد ذلك زيادة وردت في متنه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
    المتابعات
    وقد توبع سليمان بن موسى عن الزهري، تابعه حجاج بن أرطأة وجعفر بن ربيعة وعبيد الله بن أبي جعفر.
    فأما متابعة حجاج فقال البيهقي رحمه الله:
    أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا الأسود بن عامر، أنبأنا ابن المبارك، عن حجاج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    قلت: والحجاج صدوق ولكنه يدلس عن الضعفاء، وقد قيل إنه لم يسمع من الزهري( ).
    وأما متابعة جعفر بن ربيعة، فقال الإمام أحمد رحمه الله:
    حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا جعفر بن ربيعة، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله  : ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب من فرجها، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    وكذلك رواه أبو داود عن القعنبي، عن ابن لهيعة بهذا الإسناد( )، وأحال لفظه على لفظ حديث سليمان بن موسى فقال: بمعناه.
    ثم قال: جعفر لم يسمع من الزهري كتب إليه.
    قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن لهيعة فهو ضعيف( )، ولكن يعنبر بحديثه لا سيما وقد صرّح بسماعه من جعفر، ورواه عنه غير واحد من الثقات فلم يختلفوا عليه في هذا الحديث، إلا ما سنذكره في المتابعة الآتية.
    وأما متابعة عبيد الله بن أبي جعفر فقال الطحاوي رحمه الله:
    حدثنا ربيع الجيزي قال: حدثنا أبو الأسود قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن ابن شهاب فذكر بإسناده مثله( ).
    قلت: لم يذكر لفظه وإنما أحاله على لفظ حديث سليمان بن موسى ورجاله ثقات غير ابن لهيعة، ولم أجد من تابع أبا الأسود ـ وهو النضر بن عبد الجبار ـ على روايته عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، وقد رواه القعنبي وابن أبي مريم ومعلى بن عبد الرحمن وحسن بن موسى الأشيب وأسد بن موسى كلهم عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، والراجح في نظري رواية الجماعة.
    فائدتان
    الأولى: نقل الحافظ في التلخيص عن أبي القاسم بن مندة أنه ذكر أن معمراً وعبيد الله بن زحر تابعا ابن جريج على روايته إياه عن سليمان بن موسى، وأن قرة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزهري قال: ورواه أبو مالك الجنبي ونوح بن درّاج ومندل وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة( ).
    الثانية: نقل الذهبي في الميزان عن ابن عدي أنه قال: قد رواه مع سليمان بن موسى حجاج بن أرطأة ويزيد بن أبي حبيب وقرّة بن حيوئيل وأيوب بن موسى وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد فكل هؤلاء طرقهم طرق غريبة إلا حجاج فطريقه مشهور( ).
    قلت: وكذلك ابن لهيعة فطريقه مشهور أيضاً.
    طريق آخر لهذا الحديث
    وقد روي هذا الحديث من طريق آخر غير طريق الزهري، قال الدارقطني رحمه الله:
    حدثنا أبو ذرّ أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا أحمد بن الحسين بن عباد النسائي، حدثنا محمد بن يزيد بن سنان، حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) ( ).
    قلت: ويزيد بن سنان وابنه محمد ضعيفان،ولكن رواه الخطيب في تاريخه من طريق محمد بن المظفر الحافظ، حدثنا أبو الفضل العباس بن محمد بن معاذ النيسابوري قدم الحج حدثنا سهل بن عمار، حدثنا البيغ بن سعدان، حدثنا نوح بن دراج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أمّ المؤمنين قالت: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) ( ).
    ونوح بن دراج متروك وقد كذّبه ابن معين( ).
    ورواه الخطيب في موضع آخر من تاريخه من طريق عباس بن محمد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: روى مندل عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي)).
    قال يحيى: وهذا حديث ليس بشيء.
    قال الخطيب: وقال عباس في موضع آخر: سمعت يحيى يقول: مندل وحبان فيهما ضعف وهما أحبّ إليّ من قيس بن الربيع( ).
    زيادة في متن هذا الحديث
    وقد رواه عيسى بن يونس عن ابن جريج فزاد فيه "وشاهدي عدل"، وتابعه حفص بن غياث وخالد بن الحارث.
    قال ابن حبان: لم يقل فيه "وشاهدي عدل" إلا ثلاثة أنفس: سعيد بن يحيى الأموي عن حفص بن غياث، وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، عن خالد بن الحارث، وعبد الرحمن بن يونس الرقي، عن عيسى بن يونس ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر( ).
    قلت: كذا قال، وقد وجدت لهم متابعاً رابعاً وهو سليمان بن عمر، عن يحيى بن سعيد الأموي، فقد اتفق هؤلاء الأربعة عن ابن جريج على ذكر هذه الزيادة، ولم يذكرها بقية أصحاب ابن جريج وهم يزيدون على ستة عشر نفساً أكثرهم حفاظ.
    1ـ فأما رواية عيسى بن يونس فقال البيهقي:
    حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو علي الحافظ، حدثنا إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقّي، حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقّي، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله  : ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدي عدل فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له))( ).
    قال أبو علي الحافظ ـ وهو النيسابوري ـ: أبو يوسف الرقّي هذا من حفاظ أهل الجزيرة ومتقنيهم.
    وقال الدارقطني: حدثنا أبو حامد محمد بنهارون الحضرمي، حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقّي، حدثنا عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    قال الدارقطني: تابعه عبد الرحمن بن يونس، عن يونس، عن عيسى بن يونس، مثله سواء.
    وكذلك رواه سعيد بن خالد أن( ) عبد الله بن عمرو بن عثمان ويزيد بن سنان ونو ح بن درّاج وعبد الله بن حكيم أبو بكر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالوا فيه: شاهدي عدل، وكذلك رواه ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها.
    2ـ وأما رواية حفص بن غياث فقال ابنحبان رحمه الله:
    أخبرنا عمر بن محمد الهمداني من أصل كتابه( )، حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    3ـ وأما روايةخالد بن الحارث فلم أقف عليها ولكن من المحتمل جداً أن ابن حبان أخرجها في صحيحه( ).
    4ـ وأما رواية يحيى بن سعيد الأموي فقال البيهقي:
    أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبوالعباس عصم بن العباس الصبي، حدثنا محمد بن هارون الحضرمي، حدثنا سليمان بن عمر الرقّي، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((لا نكاح إلابولي وشاهدي عدل)) ( ).
    خلاصة القول في هذه الزيادة
    وخلاصة القول في هذه الزيادة أنها زيادة مقبولة، فقدلا صححها ابن حبان كما تقدم وكذلك صححها ابن حزم فقال: لا يصح في هذا الباب شيء غير هذا السند ـ يعني ذكر شاهدي عدل ـ وفي هذا كفاية لصحته( ).
    قلت: وقد أخرجه ابنحزم قبل هذا القول من طريق أبي عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا بكر بن إسحاق الإمام يقول: حدثني أبو علي الحافظ، قال الحاكم: ثم سألت أبا علي فحدثني قال: حدثنا إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقّي، حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي، حدثنا غيسى بن يونس فذكره( ).
    وقد سبق أن البيهقي رواه عن الحاكم بهذا الإسناد غير أنه لم يذكر روالية الحاكم له عن أبي بكر بن إسحاق( ).
    وتقدمت رواية الدارقطني له من طريق سليمان بن عمر الرقي، عن عيسى بن يونس وقوله: تابعه عبد الرحمن بن يونس، عن عيسى بن يونس مثله سواء، وتقدم قول ابن حبان وعبد الرحمن بن يونس عن عيسى بن يونس وهذا يفيد اتفاق الثلاثة عن عيسى بن يونس على ذكر هذه الزيادة، لكن خالفهم إسحاق بن إبراهيم الحنظلي فرواه عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج فلم يذكرها( )، وهو أوثق منهم جميعاً ولكن رواية الجماعة أولى بالترجيح، لأنه قد يحتمل أنه ترك ذكرها عمداً، أو أنه لم يسمعها منه، ولأن عيسى بن يونس لم يتفرد بذكرها حتى يحكم لرواية إسحاق عنه بالترجيح، ولا شك أن الراوي قد يذكر الحديث بلفظه المشهور ثم إذا سئل عن حكم شرعي وعنده فيه علم حدّث بما علم.
    فأما يوسف الرقي، فقد وثقه أبو علي النيسابوري فقال: من حفّاظ أهل الجزيرة ومتقنيهم.
    وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: صدوق( ).
    وأما عبد الرحمن بن يونس بنمحمد الرقي أبو محمد السرّاج، فقال أحمد: ما علمت منه إلا خيراً.
    وقال الدارقطني: لا بأس به.
    وذكره ابن حبان في الثقات,
    وقال مسلمة بن قاسم: ثقة( ).
    وأما سليمان بن عمر بن خالد الرقي فذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً( ).
    وخلاصة القول أن رواية عيسى بن يونس لهذه الزيادة محفوظة عنه، وأما رواية حفص بن غياث فإن رجالها ثقات، فأما شيخ ابن حبان فهو الحافظ الكبير صاحب الصحيح والتفسير أبو حفص عمر بن محمد بن بجير الهمداني، قال أبو سعد الإدريسي: كان فاضلاً خيّراً ثيتاً في الحديث له العناية التامة في كلب الآثار والرحلة( ).
    وأما شيخه فهو سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان الأموي أبو عثمان البغدادي، قال علي بن المديني: هو أثبت من أبيه، وقال يعقوب بن سفيان: هما ثبتان الأب والابن، وقال النسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق( ).
    وأما رواية خالد بن الحارث فلم أقف على سندها كما أسلفت، ولكن قد ذكر ابن حبان أن الاروي عنه هو عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، وهو ثقة روى عنه البخاري حديثاً( ).
    وأما رواية يحيى بن سعيد الأموي فهي من طريق أبي العباس عصم بن العباس الضبي، عن محمد بن هارون الحضرمي، عن سليمان بن عمر، عنه، كذا رواه البيهقي عن الحاكم، عن أبي العباس بهذا الإسناد.
    ورواه الدارقطني عن أبي أحمد محمد بن هارون الحضرمي، عن سليمان بن عمر الرقّي فقال: عن عيسى بن يونس.
    وهذا بخلاف ما رواه البيهقي إلا أن يكون سليمان بن عمر قد سمعه منهما جميعاً فذلك محتمل، وإلا فإن روايته عن عيسى بن يونس أولى بالترجيح لمتابعة الثقات له عليها، على أني لم أقف على ترجمة أبي العباس الضبي شيخ الحاكم، ولا على ترجمة أبي حامد الحضرمي شيخ الدارقطني.
    ويستخلص ممّا تقدم أن حديث ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) رواه ثلاثة من الثقات، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي  وهم:
    1ـ عيسى بن يونس، وهو ثقة مأمون، كما في التقريب.
    2ـ خالد بن الحارث، وهو ثقة ثبت، كما في التقريب.
    3ـ حفص بن غياث، وهو ثقة فقيه تغير حفظه قليلاً في الآخر كما في التقريب.
    وهناك رابعة هي رواية يحيى بن سعيد الأموي، وهو صدوق يغرب كما في التقريب.
    فإن كانت هذه الرواية محفوظة وإلا فالاعتماد على ما قبلها.
    وقد جاء بهذا اللفظ منطريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعاً رواه عنه جماعة من الضعفاء ذكرهم الدارقطني فيما تقدم، ولا شك أنه ذكر روايتهم للاعتبار بها، فقد ذكر هذه الرواية بعد أن رواه من طريق عيسى بن يونس، عن ابن جريج.
    ولهذا الحديث بهذا اللفظ شواهد يعضد بعضها بعضاً منها:
    1ـ ما أخرجه الخطيب والبيهقي من طريق المغيرة بن موسى، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل)) وقد تقدم تخريجه.
    2ـ وروى البيهقي بسنده عن ابن وهب أنبأنا الضحاك بن عثمان، عن عبد الجبار، عن الحسن أن رسول الله  قال: ((لا يحل نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل)).
    وروى البيهقي والدارقطني من طريق عدي بن الفضل بن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل...)).
    فتبين من ذلك أن ما زاده عيسى بن يونس ومن تابعه عن ابن جريج في متن هذا الحديث زيادة صحيحة مقبولة.
    الخلاصة

    وخلاصة القول في حديث عائشة أنه حديث صحيح متصل لا يقدح في صحته ما ذكره ابن علية عن ابن جريج أنه لقي الزهري فسأله عن هذا الحديث فلم يعرفه، لأن ابن علية لم يتابعه على هذا القول أحد ممّن روى هذا الحديث عن ابن جريج، وقد رواه عنه نحو عشؤين رجلاً كما قال أبو القاسم بن مندة، وفيهم من يقدم في إتقان حديث ابن جريج وحفظه على غيره، كيحيى بن سعيد الأنصاري وحجاج بن محمد المصيصي وغيرهما، بخلاف سماع ابن علية منه فإنه سماع مدخول كما صرح بذلك ابن معين، وعلى تقدير صحة قول ابن علية هذا فإنه يجب قبول خبر الصادق وإن نسي من أخبره به، وسليمان بن موسى ثقة، وثقه ابن معين وابن سعد والدارقطني وغيرهم، وأثنى عليه الزهري وقال: إنه أحفظ من مكحول، وكذلك أثنى عليه عطاء وابن جريج وسعيد بن عبد العزيز ومع ذلك لم يتفرد به عن الزهري فقد تابعه حجاج بن أرطأة وجعفر بن ربيعة كلاهما عن الزهري كما سبق ذكره.
    وكذلك روى هذا الحديث منطريق آخر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة كما سبق.
    وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها من تزويجها لحفصة منالمنذر بن الزبير فهو محمول على أنها مهدت أسباب التزويج ولم تتولّ العقد، وهو احتمال صحيح لما روي عنها من وجه آخر تقدم ذكره وفي آخره أنها قالت: ((إن المرأة لا تلي عقد النكاح)) وفي لفظ: ((إن النساء لا ينكحن)) فهذا موافق لروايتها المرفوعة وهو صريح في تأويل روايتها الموقوفة وحملها على ما ذكرنا.
    ثم إن المعتبر عند أهل العلم ما رواه الراوي لا ما رآه كما حققه ابن القيم في إعلام الموقعين والخطيب في الفقيه والمتفقه وغيرهما.
    وقد حكم لهذا الحديث بالصحة غير واحدمنن حفاظ الحديث، فقد صححه البيهقي والحاكم وابن حبان وابن الجوزي وابن حزم، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال ابن عدي: وهذا حديث جليل وعليه الاعتماد في إبطال النكاح بغير ولي( ).
    وقد سبقهم إلى تصحيحه ابن معين فقد سئل عنه فقال: سليمان بن موسى ثقة وحديثه صحيح عندنا( ).

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    4-حديث ابن عباس


    وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فروي عنه من ثلاث طرق
    الطريق الأول:
    قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا معمر بن سليما الرقي، عن الحجاج، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي منلا ولي له)) ( ).
    وكذلكأخرجه البيهقي منطريق سهل بن عثمان، حدثنا ابن المبارك، عن حجاج به دون الجملة الأخيرة( ).
    وأخرجه البيهقي أيضاً من طريق أبي كريب، حدثنا ابن المبارك، عن الحجاج، عن الزهري، عن عائشة رضي الله عنها، وعن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي)) وفي حديث الزهري ((والسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    وكذلك رواه ابن ماجة عنأبي كريب به( ).
    ففي رواية أبي كريب عن ابن المبارك أن هذه الجملة الأخيرة وهي قوله ((والسلطان ولي من لا ولي له)) من حديث عائشة لا من حديث ابن عباس، ثم وجدت لأبي كريب متابعاً عن ابن المبارك في كون هذه الجملة من حديث عائشة.
    فقد أخرجه البيهقي من طريق الأسود بن عامر، عن ابن المبارك به، دون أن يذكر حديث عكرمة عن ابن عباس( ).
    قلت: ومداره على الحجاج وهو ابن أرطأة وهو مدلس، ومع ذلك لم يسمع من عكرمة ولا من الزهري شيئاً كذا قال البخاري وأحمد( ).
    قال الحافظ في التلخيص: وغلط بعض الرواة فرواه عن ابن المبارك، عن خالد الحدّاء، عن عكرمة، والصواب الحجاج بدل خالد( ).
    قلت: وهذه الرواية التي أشار إليها الحافظ رواها الطبراني في معجمه الكبير فقال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا ابن المبارك، عن خالد الحدّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قلت: وسهل بن عثمان ثقة، والحسين بن إسحاق لم أقف على ترجمته فالظاهر أن الوهم منه.
    وممّا يؤكد ما قلت أن البيهقي قد أخرجه من طريق سعيد بن عثمان الأهوازي، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا ابن المبارك، عن حجاج فذكره( ).
    ولعلّ الحافظ قد وقف على رواية البيهقي الآنفة الذكر، فلذلك جزم بأن قوله "عن خالد الحداء" غلط وأن الصواب "عن حجاج”.
    وقد توبع سهل بن عثمان، عن ابن المبارك على قوله "عن حجاج"، تابعه أبو كريب كما تقدم ذكره.
    ثم إن الراوي عن سهل بن عثمان ـ وهو سعيد بن عثمان ـ ثقة أيضاً( )، فلا شك أن قوله "عن خالد الحداء" وهم كما قال الحافظ في التلخيص.
    وقد وقع وهم آخر في رواية أخرى عند الطبراني أيضاً وهذا سياقها:
    قال رحمه الله: حدثنا حميد بن أبي مخلد الواسطي، حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي( )، حدثنا معمر بن سليمان الرقّي، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    قلت: وقوله "عن عطاء" وهم، والصواب "عن عكرمة" كما رواه الإمام أحمد وقد تقدمت روايته.
    الطريق الثاني
    قال الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي وبشر بن المفضل قالا: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، لكنه قد أعل بالوقف كما سنذكره.
    وقال في الأوسط: حدثنا أحمد بن القاسم، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا عبد الله بن داود وبشر بن المفضل وعبد الرحمن بن مهدي كلهم عن سفيان بلفظ ((لا نكاح إلا بإذن ولي مرشد أو سلطان)) ( ).
    وقال لم يوره مسنداً عن سفيان إلا هؤلاء الثلاثة، تفرد به القواريري.
    قلت: وهو ثقة ثبت كما قال الحافظ في التقريب.
    وأخرجه البيهقي من طريق معاذ بن المثنى، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا عبد الله بن داود سمعه من سفيان ذكره عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال عبيد الله: وحدثنا بشر بن منصور وعبد الرحمن بن مهدي جميعاً قالا: حدثنا سفيان، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،عن النبي  إن شاء الله فذكره( ).
    قال البيهقي: كذا قال أبو المثنى معاذ بن المثنى، ورواه غيره عن عبيد الله القواريري فقال: قال رسول الله  من غير استثناء.
    قال البيهقي: تفرد به القواريري مرفوعاً والقواريري ثقة، إلا أن المشهور بهذا الإسناد موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما.
    ثم روي منطريق عبدالرزاق، عن الثوري، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما ولم يرفعه.
    ومن طريق سعيد بن منصور، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن جعفر بن الحارث، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لا نكاح إلا بولي أو سلطان، فإن أنكحها سفيه أو مسخوط عليه فلا نكاح له)).
    ثم رواه من طريق عدي بن المفضل، أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فإن أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل)) ( ).
    ثم قال: كذا رواه عدي بن المفضل وهو ضعيف، والصحيح موقوف.
    وقال الدارقطني بعد أن رواه من هذا الطريق: رفعه عدي بن المفضل ولم يرفعه غيره( ).
    قلت: ورواه الشافعي عن مسلم، عن ابن خثيم به ولم يرفعه( ).
    ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن ابن خثيم كذلك( ).
    ولذلك رجح البيهقي وقفه.
    فأما ما رفعه القواريري عن سفيان، عن ابن خثيم فقد ذكر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني أنه وجدله متابعاً فقال: أخرجه أبو الحسن في الفوائد المنتقاة من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري به بلفظ القواريري، وقال أبو الفتح بن أبي الفوارس في منتقى الفوائد: حديث غريب من حديث الثوري، تفرد به مؤمل بن إسماعيل عن سفيان والمحفوظ عن سفيان موقوف( ).
    قلت: وكأنّ ابن أبي الفوارس لم يقف على رواية القواريري ولذلك قال: غريب من حديث الثوري...إلى آخر كلامه.
    الطريق الثالث
    قال الطبراني في الكبير: حدثنا العباس بن الفضل الأسقاطي( )، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا الربيع بن بدر، حدثنا النهّاس بن قهم( )، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله  : ((لا يكون نكاح إلا بولي، وشاهدين، ومهر ما كان قلّ أو كثر)) ( ).
    وكذلك رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية من طريق قتيبة بن سعيد، عن الربيع بن بدر بهذا الإسناد، ولفظه: ((البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن لا يجوزالنكاح إلا بولي...)) والباقي سواء، وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله  والمتهم به النهاس قال يحيى: النهاس ضعيف، كان يروي عن عطاء، عن ابن عباس أشياء منكرة، وكان ابن مهدي يقول: لا يساوي النهاس شيئاً( ).اهـ
    قلت: والرواي عنه وهو الربيع بن بدر متروك كما في التقريب، لكن قد روي عن عطاء من طريق آخر بغير هذا اللفظ، فقال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن منصور بن أبي الأسود، عن أبي يعقوب، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابنعباس قال: قال رسول الله  ((أيما امرأة تزوجت بغير ولي فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    قال الهيثمي: وفيه أبو يعقوب غير مسمى فإن كان هو التوأم فقد وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين، وإن كان غيره فلم أعرفه وبقية رجاله ثقات( ).
    أقول: وسعيد بن سليمان هو الواسطي المعروف بسعدويه، وهو ثقة( )، ومنصور بن أبي الأسود وثقه ابنمعين وابن حبان( ).
    الخلاصة

    وخلاصة القول أن حديث ابن عباس روي عنه من ثلاث طرق.
    فأما الطريق الأول: فرواه ابن المبارك وغيره عن حجاج بن أرطأة، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ ((لا نكاح إلا بولي))، وفي رواية معمّر ((والسلطان ولي من لا ولي له))، والأصح أن هذه الزيادة من حديث عائشة لا من حديث ابن عباس، وهذا الطريق مداره على الحجاج وهو يدلس عن الضعفاء( )، ومع ذلك فإنه لم يسمع من عكرمة كما قال البخاري وأحمد فهذا الطرثق فيه ضعف.
    وأما الثاني: فرواه سفيان الثوري، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، واختلف في رفعه ووقفه على الثوري.
    فرواه عبيد الله بن عمر القواريري عن ابن مهدي وغيره عن سفيان بهذا الإسناد مرفوعاً، والقواريري ثقة، وتابعه مؤمل بن إسماعيل عن سفيان على رفعه.
    ورواه عبد الرزاق، عن سفيان فلم يرفعه، وتابعه غير واحد عن سفيان على وقفه.
    واختلف فيه كذلك على ابن خثيم فروي عنه كما تقدم، ورواه مسلم بن خالد وجعفر بن الحارث عن ابن خثيم موقوفاً.
    ورواه عدي بن الفضل عنه مرفوعاً، ولكنه ضعيف، وقد رجح البيهقي الوقف، ولا مناص من القول بترجيح الوقف على الرفع، لأن أكثر أصحاب سفيان رووه عنه موقوفاً، ورواه جماعة عن ابن خثيم كذلك، فالوقف في نظري أولى بالترجيح والله أعلم( ).
    وأما الطريق الثالث: فروي عن عطاء، عن ابن عباس من وجهين:
    أحدهما: ما رواه الربيع بن بدر، عن النهاس، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعاً، وهذا ضعيف جداً.
    والثاني: ما رواه سعدويه، عن منصور بن أ[ي الأسود، عن أبي يعقوب، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعاً ورجاله ثقات كما قال الهيثمي غير أبي يعقوب فقد تقدم قوله فيه( ).
    فأما عن ابن عباس فهو في غاية الصحة، وأما عن النبي  فإن صحته ممكنة لرواية القواريري له عن سفيان ومتابعة مؤمل له، ورواية عدي عن ابن خثيم، ورواية الحجاج له من وجه آخر.


    فائدة:

    ثم وجدت لحديث ابن عباس طريقاً رابعاً لكنه موقوف.
    فقد أخرجه البيهقي منطريق يعقوب بن سفيان، حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن خالد، عن رجل يقال له الحكم، عن ابن عباس قال: ((لا نكاخ إلا بأربعة: ولي وشاهدين وخاطب)) ( ).
    قال البيهقي: وله شاهد عن ابنعباس بإسناد منقطع، ثم أخرجه من طريق ابن المبارك، عن همّام، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ((لا نكاح إلا بأربع: خاطب وولي وشاهدين)) ( ).
    ثم قال: هذا إسناد صحيح، إلا أن قتادة لم يدرك ابن عباس( ) وروي من وجه آخر ضعيف عن ابنعباس مرفوعاً والمشهور عنه موقوف.
    قال: وروي ذلك عن النبي  من وجه آخر.
    قلت: ثم ساقه من طريق المغيرة بن موسى،عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً( )، وقد تقدم ذكره، وهو شاهد قوي لهذا الموقوف.
    ثم تعقبه بقوله: وروي ذلك أيضاً من وجه آخر ضعيف عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً، ومن وجه آخر ضعيف عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً.
    قلت: أما طريق أبي سلمة عن أبي هريرة فلم أقف عليه.
    وأما طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فأخرجه الدارقطني منطريق الزبير بن بكار، حدثنا خالد بن الوضاح، عن أبي الخصيب( )، عن هشام بن( ) عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله  : ((لا بدّ في النكاح من أربعة: الولي والزوج والشاهدين)) ( ).
    قال الدارقطني: أبو الخصيب مجهول، واسمه نافع بن ميسرة.

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    5ـ حديث ابن عمر

    وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فقال الدارقطني رحمه الله:
    حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا أبو خرسان محمد بن أحمد بن السكن (ح) وحدثنا محمد بن مخلد ومحمد بن عبد الله بن الحسين العلاف وعثمان بن أحمد بن السماك قالوا: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قالا: حدثنا إسحاق بن هشام التمار، حدثنا ثابت بن زهير، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) ( ).
    قلت: وفي سنده ثابت بن زهير، قال البخاري: منكر الحديث.
    وقال ابن عدي: يخالف الثقات في المتن والسند.
    وقال النسائي: ليس بثقة( ).
    وإسحاق بن هشام لم أقف على ترجمته( ).


  9. #9
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    6ـ حديث عمران بن حصين


    وأما حديث عمران بن حصين  فرواه عبد الرزاق عن عبد الله بن محرر( )، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) ( ).
    وكذلك أخرجه البيهقي منطريق أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عبد الله بن محرّر بهذا الإسناد( ).
    وقال: عبد الله بن محرر متروك لا يحتج به.
    قلت: وأخرجه الدارقطني من طريق بكر بن بكار،حدثنا عبد الله بن محرّر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  فذكره( ).
    قلت: وبكر بن بكار ضعيف، ولذلك أشار إليه البيهقي بقوله: وقد قيل عنه ـ يعني عبد الله بنمحرر ـ عن قتادة، عن الحسن، عن عمران، عن ابن مسعود  عن النبي  وليس بشيء.
    قلت: وإنما قال البيهقي ذلك، لأن أبا نعيم وعبد الرزاق اتفقا على روايته عن عبد اله بن محرر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، وخالفهما بكر بن بكار فزاد فيه "عن عبد الله بن مسعود" وعلى كل حال فالإسناد ضعيف لضعف عبد الله بن محرر( ).
    وقد رواه البيهقي بإسناد أصلح من هذا وإن كان مرسلاً فقال:
    أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق الزكي وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، أنبأنا الضحاك بن عثمان، عن عبد الجبار، عن الحسن أن رسول اله  قال: ((لا يحلّ نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل)) ( ).
    قلت: وهذا مرسل رجاله ثقات، والضحاك بن عثمان وثقه غير واحد( )، وعبد الجبار الظاهر أنه ابن وائل بن حجر.
    قال الشافعي رحمه الله: وهذا وإن كان منقطعاً دون النبي  فإن أكثر أهل العلم يقول به، ويقول: الفرق بين النكاح والسفاح الشهود( ).

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  10. #10
    ابن رجب غير متواجد حالياً عامله الله بلطفه
    تاريخ التسجيل
    ربيع الثاني-1428هـ
    المشاركات
    2,107
    المواضيع
    161
    شكراً
    0
    تم شكره 28 مرة في 24 مشاركة

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    وفيك بارك الله أخي الكريم ...


    7ـ حديث أبي أمامة

    وأما حديث أبي أمامة رضي الله عنه فقال الطبراني:
    حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا الحسين بن عمرو العنقري( )، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا عمر بن صهبان، عن أبي الزناد، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قلت: وهذا إسناد ضعيف، لضعف عمر بن صهبان هذا( )، وكذا الحسين بن عمرو العنقزي( ).

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    8ـ حديث معاذ بن جبل



    وأما حديث معاذ بن جبل  فقال الخطيب في تاريخه:
    أخبرنا محمد بن إسماعيل الداودي، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا محمد بن الحسين بن محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطبري، حدثنا الحسين بن إسماعيل بن خالد الطبري، حدثنا يوسف بن سعيد( ) أبو المثنى، عن أبي عصمة، عن مقاتل بن حيان، عن قبيصة بن ذؤيب، عن معاذ بنجبل، عن النبي  قال: ((أيما امرأة زوجت نفسها من غير ولي فهي زانية)) ( ).


    قلت: وكذا رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية( ) من طريق الخطيب بهذا الإسناد ثم قال: وهذا لا يصح، أبو عصمة اسمه نوح بن أبي مريم قال يحيى: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه، وقال السعدي: سقط حديثه، وقال مسلم بن الحجاج والرازي والدارقطني: متروك، وقال أبو عبد الله الحاكم: نوح وضع حديث فضائل القرآن.اهـ

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    9ـ حديث جابر بن عبد الله



    وأما حديث جابر  فقال أبو بكر الخطيب في تاريخخ:
    أخبرنا محمد بن عمر الداودي، حدثنا عبد الله بن محمد الشاهد، حدثنا العباس بن أحمد المذكر، حدثنا داود بن علي بن خلف، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    قال أبو بكر: وبإسناده عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  : ((من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة، قال أبو بكر: هذان الحديثان منكران بهذا الإسناد، والحمل فيهما عندي على المذكر، فإنه غير ثقة.

    قلت: أما حديث جابر فليس بمنكر، فقد قال الطبراني في معجمه الوسط: حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا محمد بن عباس بن الوليد الريبوني، حدثنا عمرو بن عثمان الرقي، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).

    قلت: وعمرو بن عثمان الرقي ضعيف( ).
    ومحمد بن عباس بن الوليد الزيتوني لم أقف على ترجمته.
    ومع ذلك فإن أبا سفيان واسمه طلحة بن نافع في سماعه من جابر مقال.
    قال أبو خيثمة عن ابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة.
    وفي العلل الكبير لعلي بنالمديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، وفيها: أبو سفيان يكتب حديثه وليس بالقوي.
    وعند البخاري: قال مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان جاورت جابرا بمكة ستة أشهر.
    وقال ابن عدي: لا بأس به روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة( ).

    قلت: وقوله "جاورت جابراً بمكة ستة أشهر" يدل على أنه سمع منه سماعاً صحيحاً ولذلك قال البخاري: كان يزيد أبو خالد الدالاني يقول: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، وما يدريه أولا يرضي أن ينجو رأساً برأس حتى يقول مثل هذا( ).

    قلت: وللحديث طريقان آخران
    فقد أخرجه الطبراني في الأوسط منطريق عبد الله بن بزيع، عن هشام القردوسي، عن عطاء،عن جابر به( ).
    وعبد الله بن بزيع قال الذهبي في الضعفاء: لينه الدارقطني.
    وأخرجه الطبراني أيضاً من طريق قطن بن نسير الذراع، حدثنا عمرو بن النعمان الباهلي، حدثنا محمد بن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً بلفظ ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) ( ).

    قلت: وسنده ضعيف، قطن بن نسير الذراع قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه فرأيته يحمل عليه، وذكر أنه روى أحاديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ممّا أنكر عليه.
    وقال ابن عدي: كان يسرق الحديث ويوصله.
    قال ابن عدي: حدثنا البغوي، حدثنا القواريري، حدثنا جعفر، عن ثابت بحديث ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها)) ( ) فقال رجل للقواريري: إن شيخنا يحدث به عن جعفر، عن ثابت، عن أنس، فقال القواريري: باطل.
    قال ابن عدي: وهو كما قال.
    وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له مسلم حديثاً واحداً في فضل ثابت بن قيس بن شماس( ).
    وعمرو بن النعمان الباهلي، قال أبو حاتم: ليس به بأس صدوق.
    وقال ابن عدي: روى عن جماعة من الضعفاء أحاديث منكرة، ولا أدري البلاء منه أو من الضعيف الذي روى هو عنه.
    وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه البزار( ).
    وأما محمد بن عبد الملك فتوقف في معرفته الهيثمي ثم الألباني.
    قال الهيثمي: فإن كان هو الواسطي الكبير فهو ثقة، وإلا فلم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
    وتعقبه الألباني بقوله: الواسطي هذا لم يوثقه غير ابن حبان، ومع ذلك فقد رماه بالتدليس، فقال في الثقات: يءعتبر حديثه إذا بين السماع، فإنه كان مدلساً( ).

    قلت: وكذلك أبو الزبير المكي، فإنه مدلس أيضاً.


  14. #14
    تاريخ التسجيل
    شعبان-1428هـ
    المشاركات
    135
    المواضيع
    15
    شكراً
    0
    تم شكره 3 مرة في 3 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    ما شاء الله بارك الله فيك جهد مبارك

    وفقك الله

    {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ }
    { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    10ـ حديث عبد الله بن عمرو


    وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقال إسحاق بن راهويه في مسنده:
    حدثنا عبد الله بن عصمة النصبي، حدثنا حمزة بن أبي حمزة، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي  قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن كان دخل بها فلها صداقها بما استحل من فرجها ويفرق بينهما، وإن كان لم يدخل بها فرق بينهما والسلطان ولي من لا ولي له)) ( ).
    وكذلك أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق إسحاق به( ).
    وزاد في آخره: قال إسحاق: قد أدرك حمزة عطاء ومكحولاً.
    قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث عطاء، عن عبد الله، تفرد بلفظة التفريق، وروي عن عروة، عن عائشة مثله في إبطال النكاح من دون لفظة التفريق.

    قلت: وعبد الله بن عصمة هذا قال في ابن عدي: رأيت له مناكير، ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً( ).
    وحمزة بن أبي حمزة أسوأ منه حالاً، قال ابن عدي: عامّة ما يرويه مناكير موضوعة، وقال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث( ).

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    11ـ حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه



    وأما حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد روي عنه مرفوعاً وموقوفاً.
    فأما المرفوع فله عنه طرق:
    الأول: ما رواه الخطيب في تاريخه بسنده عن الدارقكني قال: نبأنا محمد بن مخلد قال: نبأنا محمد بن الحسين البندار أبو جعفر قال: نبأنا أبو الربيع قال: نبأنا عباد بن العوام قال: نبأنا الحجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي، ولا نكاح إلا بشهود)) ( ).
    قال علي بن عمر ـ يعني الدارقطني ـ : هكذا حدثناه ابنمخلد مرفوعاً.
    قال الشيخ أبو بكر الخطيب: رواه معلى بن منصور، عن عباد بن العوام موقوفاً من قول علي، وكذلك رواه أبو خالد الأحمر ويزيد بن هارون عن حجاج موقوفاً.

    قلت: أخرجه البيهقي من طريق أبي كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر وعبيد بن زياد الفراء عن حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي  قال: فذكره( ).
    ثم قال: رواه يزيد بن هارون عن حجاج وقال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)).

    قلت: وأيما كان مرفوعاً أو موقوفاً ففي سنده الحارث الأعور وقد كذبه الشعبي.
    الثاني: وروى الخطيب في تاريخه في ترجمة الحسين بن أحمد( ) بسنده عنه حدثنا أبي أحمد الناصر وإسماعيل بن إبراهيم الفقيه قالا: حدثنا يحيى الهادي بن الحسين، حدثني أبي( ) الحسين، عن أبيه القاسم، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة( )، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب  قال: قال رسول الله  : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين)) ( ).

    قلت: وفي سنده حسين بن عبد الله بن ضميرة، كذبه مالك، وقال أبو حاتم: متروك الحديث كذّاب، وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف( ).
    الثالث: قال الزيلعي: وأخرجه ابن عدي في الكامل عن عمر بن صبيح بن عمران التميمي، عن مقاتل بن حيان، عن الأصبغ بن ثعلبة، عن علي، عن النبي  قال: ((أيما امرأة تزوجت بغير إذن ولي فنكاحها باطل، فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له)) وضعفه بعمر بن صبيح قال: وقد اضطرب فيه، فمرة رواه هكذا ومرة رواه عن مقاتل، عن قبيصة، عن معاذ( ).اهـ
    الرابع: عن أبي حنيفة، عن خصيف، عن( ) جابر بن عقيل، عن علي  أن النبي  قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين، من نكح بغير ولي وشاهدين فنكاحه باطل)) ( ).

    قلت: وخصيف ضعيف،وجابر بنعقيل لم أعرفه.
    ويستخلص ممّا تقدم أن هذه الطرق كلها ضعيفة ولا يعضد بعضها بعضاً لشدة ضعفها، فالحديث لا يثبت مرفوعاً عنعلي .
    وأما الموقوف فقال البيهقي رحمه الله:
    أخبرنا أبو عبدالله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنا أحمد بن عبد الحميد، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن معاوية بن سويد ـ يعني ابن مقرن ـ عن أبيه، عن علي  قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل لا نكاح إلا بإذن ولي)) ( ).
    قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وقد روي عن علي  بأسانيد أخر وإن كان الاعتماد على هذا دونها.
    ثم أخرجه من طريق عمرو بن علي ـ الفلاس ـ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن هشيم، عن مجالد، عن الشعبي أن عمر وعلياً رضي الله عنهما وشريحاً ومسروقاً رحمهما الله قالوا: ((لا نكاح إلا بولي)) ( ).
    وأخرجه من طريق محمد بن إسحاق ـ الصاغاني ـ حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا مجالد، عن الشعبي قال: قال علي وعبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ وشريح: ((لا نكاح إلا بولي)).
    ثم قال: وروي من وجه آخر عن مجالد، عن الشعبي أنه قال: ما كان أحد من أصحاب النبي  أشدّ في النكاح بغير ولي من علي بن أبي طالب  حتى كان يضرب فيه.
    أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد، حدثنا مجالد، عن الشعبي فذكره.
    وكذلك أخرجه الدارقطني من طريق أبي بكر بن أبي شيبة به( ).

    قلت: والشعبي هو عامر بن شراحيل وهو تابعي جليل قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول بعد الصحابة: ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه، وقال ابن معين: إذا حدث عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه، وقال ابن معين وأبو زرعة وغير واحد: الشعبي ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: مرسل الشعبي أحبّ إليّ من مرسل النخعي( ).
    قلت: لكن مجالد بن سعيد ليس بالقوي كما قال الحافظ في التقريب.
    وقال الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي عليه السلام قال: ((لا نكاح إلا بإذن ولي، فمن نكح أو أنكح بغير إذن ولي فنكاحه باطل)) ( ).

    قلت: وجويبر هو ابن سعيد وهو ضعيف جداً كما في التقريب.
    وقال عبد الرزاق: عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ، عن علي قال: ((لا نكاح إلا بولي يأذن)) ( ).
    قال البيهقي رحمه الله: وروينا عن علي  أنه أجاز إنكاح الخال أو الأم.
    ثم روى بإسناده عن قبيصة، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل أن علياً  أجاز نكاح الخال( ).

    قلت: ورواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي قيس، عن هزيل أن امرأة زوّجتها أمها وخالها فأجاز علي نكاحها( ).
    قال البيهقي: وقد روي عن أبي قيس الأودي عمّن أخبره عن علي  أنه أجاز نكاح امرأة زوّجتها أمها رضا منها، ثم أسنده عن سعيد بن منصور، حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن أبي قيس الأودي فذكره.
    قال البيهقي: وقد قيل عن الشيباني، عن أبي قيس الأودي أن امرأة من عائذ الله يقال لها سلمة زوّجتها أمها وأهلها فرفع ذلك إلى علي  فقال: أليس دخل بها؟ فالنكاح جائز، ثم أسنده عن سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أنبأنا الشيباني فذكره.
    قال البيهقي: رواه أبو عوانة وابن إدريس عن الشيباني، عن بحرية بنت هانئ بن قبيصة أنها زوجت نفسها بالقعقاع بن شور وبات عندها ليلة وجاء أبوها فاستهدى علياً  فقال: أدخلت بها؟ قال: نعم فأجاز النكاح.
    قال البيهقي: وهذا الأثر مختلف في إسناده متنه، ومداره على أبي قيس الأودي، وهو مختلف في عدالته، وبحرية مجهولة، واشتراط الدخول في تصحيح النكاح إن كان ثابتاً، والدخول لا يبيح الحرام.
    والإسناد الأول عن علي  في اشتراط الولي إسناد صحيح، فالاعتماد عليه وبالله التوفيق.

    الخلاصة:

    وخلاصة القول أن حديث علي  قد روي من طرق كثيرة مرفوعاً وموقوفاً، أما المرفوع فهو ضعيف من جميع طرقه، ولا يرتقي إلى درجة الحسن، لأن أسانيده لا تخلو عن مجروح شديد الجرح أو مجهول لا تعرف عدالته فلذلك لا يصح رفعه.
    وأما الموقوف فقد صح عن علي  من الطريق الذي صححه البيهقي، وهو ما رواه سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن معاوية بن سويد، عن أبيه، عن علي وهو شاهد قوي لحديث عائشة الذي رواه ابن جريج وإن كان موقوفاً.
    وقد جاء من وجه آخر وهو ما رواه عبد الرزاق عن قيس بن الربيع، عن عاصم، عن زر بن جبيش، عن علي، وسنده جيد.
    ثم إن رواية مجالد عن الشعبي ـ وإن كانت مرسلة ـ يعضدها ما روي عن علي من الوجهين السابقين، وكذلك رواية جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، عن النزّال بن سبرة، عن علي، فجميع هذه الروايات يشدّ بعضها بعضاً.
    أما ما روي عن علي أنه أجاز نكاح امرأة زوجتها أمها وخالها فهو مختلف في سنده ومتنه اختلافاً كثيراً، ومع ذلك فالأحاديث الصحيحة على خلافه، بل هو معارض بما صح عن علي نفسه كما تقدم والله أعلم.

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    12ـ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه



    وأما حديث عمر بن الخطاب  فقد روي عنه موقوفاً من طرق.
    1ـ قال البيهقي رحمه الله:
    أخبرنا أبوالحسين بن بشران ببغداد، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا معاذ بن معاذ، عن عمران القصير، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب  : ((أيما امرأة لم ينكحها الولي أو الولاة فنكاحها باطل)) ( ).
    قلت: وهو منقطع، الحسن لم يدرك عمر.
    2ـ قال البيهقي: وأخبرنا أبو زكريا، حدثنا أبو العباس، أنبأنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن معبد بن عمير أن عمر  ردّ نكاح امرأة نكحت بغير ولي( ).
    قلت: ورجاله ثقات رجال الصحيح غير ابن معبد هذا فقد ترجمه البخاري وابن أبي حاتم فقالا: عبد الرحمن بن معبد بن عمير ـ زاد البخاري ـ ابن أخي عبيد بن عمير الليثي، روى عن عمر وعلي رضي الله عنهما، روى عنه عمرو بن دينار المكي، منقطع( ).
    وكذلك ذكره ابن حبان في ثقات التابعين ولم يذكر قولهما "منقطع"( ).
    والذي يظهر لي أن البخاري يريد بذلك أن حديثه عن عمر وعلي منقطع.
    3ـ قال الدارقطني رحمه الله: حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن عكرمة بن خالد قال: جمعت الطريق ركباً فجعلت امرأة منهم ثيّب أمرها بيد رجل غير ولي فأنكحها فبلغ ذلك عمر فجلد الناكح والمنكح، ورد نكاحها( ).
    وكذلك رواه البيهقي عن أبي بكر بن الحارث عن الدارقطني بهذا الإسناد( ).
    قلت: وهو منقطع أيضاً، قال أحمد بن حنبل: عكرمة بن خالد لم يسمع من عمر وسمع من ابنه( ).
    4ـ قال الدارقطني رحمه الله: حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: عن عمر بن الخطاب  قال: ((لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان)) ( ).
    وكذلك رواه البيهقي عن أبي بكر بن الحارث عن الدارقطني بهذا الإسناد( ).
    قلت: ورجاله ثقات، لكنه منقطع أيضاً، سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر كما سيأتي.
    5ـ قال البيهقي رحمه الله: أخبرنا أبو حامد أحمد بن علي الحافظ، أنبأنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو بكر بن زياد النيسابوري، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب أن عمر  قال: ((لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل)) ( ).
    ثم قال: هذا إسناد صحيح، وابن المسيب كان يقال له راوية عمر، وكان ابن عمر يرسل إليه يسأله عن بعض شأن عمر وأمره.
    قلت: وسعيد بن المسيب أحد الأئمة الكبار المحتج بمراسيلهم، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر  قال أبو حاتم: لا يصح له سماع منه إلا رؤية رآه على المنبر ينعى النعمان بن مقرن .
    وقال يحيى القطان: سعيد بن المسيب عن عمر مرسل يدخل في المسند على المجاز.
    وقال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب؟ فقال: ومن مثل سعيد، ثقة من أهل الخير، فقلت له: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة قد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟!.
    قلت: وقوله "قد رأى عمر وسمع منه" ليس معناه أنه سمع منه جميع مروياته، وإنما يعني أنه سمع منه شيئاً يسيراً وهو صغير، لأنه قد أدرك ثمان سنين من خلافة عمر  وممّا يدل على ذلك ما رواه ابن سعد في الطبقات:
    قال رحمه الله: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر( ).
    قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات أثبات.
    وأما تصحيح البيهقي لحديث سعيد بن المسيب عن عمر فهو من باب تصحيح مراسيله فإنها صحيحة عندهم، لا سيما وهذا مسند عن عمر وهو من أحفظ الناس لأخباره كما أشار إليه البيهقي.
    وقال الليث عن يحيى بن سعيد: كان ابن المسيب يسمى راوية عمر، كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته.
    وقال الميموني وحنبل عن أحمد: مرسلات سعيد صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته.
    وقال الربيع عن الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن.
    وروى ابن مندة في الوصية عن يزيد بن أبي مالك قال: كنت عند سعيد بن المسيب فحدثني بحديث فقلت له: من حدثك يا أبا محمد بهذا؟ فقال: يا أخا أهل الشام خذ ولا تسأل، فإنا لا نأخذ إلا عن الثقات.
    وروى مسدد في مسنده عن ابن أبي عدي، حدثنا داود ـ وهو ابن أبي هند ـ عن سعيد بن المسيب قال: سمعت عمر بن الخطاب على هذا المنبر يقول: فذكر حديثاً في الرجم، قال الحافظ: هذا الإسناد على شرط مسلم.
    قلت: قد صرح فيه بسماعه من عمر كما ترى، وهذا معنى ما أشار إليه أحمد كما تقدم ذكره.
    وقال البخاري: قال لي علي عن أبي داود، عن شعبة، عن إياس بن معاوية قال لي سعيد بن المسيب: ممّن أنت؟ قلت: من مزينة، قال: إني لأذكر يوم نعى عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن على المنبر( ).
    6ـ قال عبد الله بن أحمد رحمه الله: حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا حصين، عن بكر بن عبد الله قال: كتب عمر بن الخطاب إلى الأمصار: ((أيما امرأة تزوجت عبدها، أو تزوجت بغير بينة ولا ولي فاضربوها وفرقوا بينهما( ).
    قلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد، رجاله ثقات رجال الشيخين، بكر بن عبد الله المزني تابعي فقيه أدرك جماعة من الصحابة، ولم يدرك عمر، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتاً مأموناً حجة، وكان فقيهاً( ).
    وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي، وهو تابعي أيضاً، وقد قيل إنه تغير حفظه في آخره، لكن هشيم من أثبت الناس في حديثه.
    قال أسلم بن سهل في تاريخ واسط: حدثنا أحمد بن سنان، سمعت عبدالرحمن يقول: هشيم عن حصين أحب إليّ من سفيان، وهشيم أعلم الناس بحديث حصين( ).

    الخلاصة


    وخلاصة القول أن هذه الآثار التي رويت عن عمر  آثار متعاضدة يشدّ بعضها بعضاً، وإن كانت أسانيدها لا تخلو عن إرسال فإن مراسيل ابن المسيب صحيحة عندهم، لا سيما ومرسله هذا مسند عن عمر وهو من أعلم الناس بأحكامه وأقضيته، ولذا صححه البيهقي كما تقدم، ثم إن له شواهد مرفوعة ومنها:
    مرسل الحسن البصري الذي قال الشافعي فيه: إن أكثر أهل العلم يقول به.
    ومنها: حديث المغيرة بن موسى عن هشام عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً وكلها بلفظ ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)).
    هذا من حيث إثبات اشتراط الشهادة في عقد النكاح، وأما اشتراط الولي فإن الأحاديث الصحيحة المسندة عن رسول الله  والآثار الثابتة عن الصحابة صريحة الدلالة على إثباته، فقد ثبت مسنداً عن خمسة من الصحابة وهم:
    أبو موسى وأبو هريرة وعائشة وجابر وابن عباس.
    وثبت موقوفاً عن عمر وعلي وعن أبي هريرة وابن عباس على تقدير وقفه عنهما( ) رضي الله عنهم أجمعين.
    كما ثبت ذلك عن جماعة من كبار التابعين وهم: شريح ومسروق وعكرمة بن خالد وعبد الرحمن بن معبد والحسن البصري وابن المسيب وبكر بن عبد الله المزني وغيرهم، وقد ذكرنا ذلك في مواضعه والحمد لله رب العالمين.

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    ذو الحجة-1427هـ
    المشاركات
    1,534
    المواضيع
    188
    شكراً
    0
    تم شكره 14 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: التحقيق الجلي لحديث ((لا نكاح إلا بولي))

    13ـ حديث أبي سعيدالخدري رضي الله عنه


    وأما حديث أبي سعيد الخدري  فقال البيهقي رحمه الله:
    أخبرنا أبو طاهر الفقيه وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق ـ هو الصاغاني ـ أنبأنا ابن الأصبهاني، حدثنا شريك، عن أبي هارون، عن أبي سعيد قال: ((لا نكاح إلا بولي وشهود ومهر، إلا ماكان من النبي ))( ).
    قلت: وأبو هارون هذا هو العبدي، واسمه عمارة بن جوين، قال ابن حبان: يروي عن أبي سعيد الخدري، روى عنه الثوري، كان رافضياً يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب( ).
    تنبيه:

    ثم رأيت الحديث في سنن الدارقطني( ) قال: حدثنا ابن أبي داود، حدثني عمّي، حدثنا ابن الأصبهاني، حدثنا شريك، عن الزهري، عن أبي سعيد فذكره( ).
    والذي يظهر لي أن قوله "عن الزهري" خطأ، إما تحريف من الناسخين، وإما وهم من بعض الرواة، وأن الصواب "عن أبي هارون" لأنه معروف بروايته عن أبي سعيد والله أعلم.

    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    صفر-1428هـ
    المشاركات
    974
    المواضيع
    287
    شكراً
    1
    تم شكره 17 مرة في 4 مشاركة


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك

الساعة الآن صباحاً 05:00


اخر المواضيع

طلب المخطوطة ”مائة فائدة“ للامام دين محمد السندي @ أستفتيكم في في فتاوى فقهية قرآنية @ ماهو عمر مدائن صالح الجيولوجي ؟! @ ما معنى (رسم الخموس والعشور)؟ @ ليس عندنا شيء يوجب لنا النصر !!!!!! . @ ما الرد على شبهة الصوفية في التوسل ؟ @ لماذا لا يُقتصر في تفسير الرؤى على الأحاديث النبوية فقط كما فعل البخاري ؟ @ مكتبتي هي لذتي الكبرى! د. حاتم العوني. @ تحرير الكلام في سنة الخلفاء الراشدين. @ ما حكم هذا الإسناد في الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس؟ @ بريال واحد أدع الى الإسلام ب 17 لغة فرصة نادرة قد لا تتكرر ( صورة ) @ جبن اليهود 2 @ آية قرآنية و قاعدة صرفية 10 ( متجدّد ) @ مخطوط: النصف الأول من صحيح البخاري @ لأول مرة: الخطبة والزواج في الفقه المالكي @ ما معنى: هنات؟ @ شاب يسأل : أرى المنكرات و أتردد في الانكار @ خطر الإفساد في الأرض : الشيخ أسامة خياط @ مكفرات الذنوب : الشيخ. د. عبد الله العسكر @ طلب عاجل لكتاب (نظرية البطلان في الشريعة الإسلامية والتوازن المدني) @