الإجازة الصيفية على الأبواب

فهل أنت مستعد للثواب أو العقاب؟!

الحمد لله الذي جعل الفصول الأربعة، وهيأها للمصلحة والمنفعة، وخلق رجالا يعملون فيها طلبا للرضا والثواب، وآخرين يجترحون فيها ما نتيجته الغضب والعقاب، فهذا الصيف أقبل بالسموم ورياح الخماسين وارتفاع في درجات الحرارة، بعد أن ولى الشتاء ببرده وزمهريره آخذا معه بروقََه ورعودَه وأمطاره، أقبل الصيف والناس يحصدون زروعهم، ويجتنون ثمارهم، ويجهز الناس ملابسهم الخاصة بالصيف، فيتقللون منها، وينتقون الخفيف، ليتفادوا الحرارة، مع مراعاة حفظ العورات، فالرجل لا يجوز له أن يتجرد من ملابسه فلا يبقى عليه إلا التبان وهو اللباس الداخلي أو ما يسمى بـ(الكلوت أو الكلسون أو الشورت) فتبدو عورته أي ما فوق الركبة أو ما تحت السرة، ولو كان ذلك بين أولاده وبناته، وأمه وعماته وخالاته، فكيف بغيرهم؟!
أما عورته في الصلاة فلو لبس إزارا فيغطي من سرته إلى أسفل من ركبتيه، وغطى برداء أو نحوه منكبيه؛ فلا مانع شرعا.
أما النساء والفتيات فلهن تخفيف ثيابهن مع المحافظة على عوراتهن، فلا يبدين ما فوق أنصاف سيقانهن، ولا يظهرن ما فوق مرافقِهن من أعضادِهن أو آباطِهن، ولا يكشفن عن صدورهن فيظهرن أثداءَهن وإن كنَّ مرضعات، وذلك أمام أبنائهن وإخوانهن أو أحفادهن، أو آبائهن أو إخوانهن أو أعمامهن أو أخوالهن.
أمَّا عورة المرأة أمام الرجال الأجانب فكلها عورة، فتلبس من الملابس المشروعة ما يستر جميع جسمها.
وعورة المرأة في الصلاة كل جسدها ما عدا وجهها وكفيها.
فعلينا ملاحظة ذلك في فصل الصيف لأن كثيرا منا من يتهاون في ذلك.
في الصيف يبحث الناس عن الظل الظليل، والهواء العليل، ظل الحيطان والدور، أو ظل العرائش والأشجار، أو يجلسون من ضيق المنازل على الطرقات، فإن كان كذلك فلنعطِ كل ذي حقٍّ حقَّه، فلنغض أبصارنا عن المحرمات، ونكف أذانا وغيبتنا عن الناس، ونرد السلام على من يسلم علينا، ونأمر بالمعروف من احتاج إليه، وننهى عن المنكر ممن وقع منه، كما ورد في البخاري ومسلم.
ولنحذر الجلوس في الشرفات وما يطل على العورات، فيجلب لنا الخطايا والسيئات.
في الصيف يقبل الناس على المثلجات، والماء المبرد، ولكن بعض من قل دينه واضمحل إيمانه يقبل على الخمور المثلجة، أو يستحل المشروبات المشتبهة؛ مثل مياه الشعير والفيروز.
في الصيف تكثر الرحلات إلى البحر وذلك من باب الترويح عن القلوب..
عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، قَالَ: (رَوِّحُوا الْقُلُوبَ تَعِ الذِّكْرَ). مصنف ابن أبي شيبة (13/475).
فإن رافق تلك الرحلة وقتا غير مناسب، أو مكانا غير مناسب، أو لباسا غير مناسب؛ فلنحذرْ من هذا الخطر، الذي يجلب غضب الرب سبحانه، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَوْرَاتُنَا؛ مَا نَأْتِى مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟! قَالَ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِى بَعْضٍ؟! قَالَ: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟! قَالَ: «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ». سنن أبى داود (4/72، ح 4017) وابن ماجة (1/324، ح1559)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع ح(203).

وفي الصيف تكون المناسبات السارة؛ فأكثر حفلات الزواج تكون في الصيف، فتقام الأفراح، والليالي الملاح، والترفيه بما هو مباح، وتكثر الدعوات والعزائم، ويكثر المهنئون والملبون والمقبلون على الولائم.
ومن ناحية أخرى؛ فلنحذر ما في حفلات الزواج من إسراف، ودعوة الأغنياء وترك الفقراء، وسهراتٍ تخدش الحياء، وتخلو من الأخلاق، مثل رقص الرجال مع النساء، وكشف العورات، وإيذاء للنائمين والمرضى بصخب الأصوات المندفعة من المسجلات عبر المكبرات الأصوات.
في الصيف يقدم الزوار والضيوف، ويعود الغائبون إلى أوطانهم، فيستقبلهم أهلوهم ومحبوهم بالترحاب والذبائح، فلنحذر الإسراف في الولائم لقوله سبحانه {إن الله لا يحب المسرفين}، ولنحذر كثرة الأيمان على الدعوات، قال سبحانه: {ولا تطع كل حلاف مهين}، {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم}.
ولنحذر المصافحة أو التقبيل بين الرجال والنساء للحديث "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له". الصحيحة (226)

وفي الصيف تكون الاحتفالات بنجاح البنين والبنات، فتوزع الحلوى أو تذبح الذبائح، فقد كانوا يفرحون بولدهم إذا حفظ القرآن ويذبحون ذبيحة، لكن لا ينبغي أن يتطور الأمر فيقبل الأخ أخته الناجحة على وجنتيها وخديها، أو العكس، بل الجائز تقبيل الولد والبنت والأب والأم، والخال والعم، والعمة والخالة، كل أولئك تقبيلهم يكون على اليدين أو الرأس والجبهة، أما تقبيل الوجنتين والخدين والشفتين فهذا خاص بالزوجين. فاللهم اهدنا سبل الرشاد.

الصيف يكثر فيه تبادل الزيارات العائلية والودية، ففي الحديث: "إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ"، مسلم. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ "أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ؛ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟! قَالَ: لا! غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ؛ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ".
أما ما يحدث في اللقاءات العائلية من نكات فاحشة، وتتعالى ضحكاتٌ متبادلة من الرجال والنساء ويترتب على كشف العورات، وإزالة لحواجز الحياء والأخلاق فهذا أمر خطير، وشر مستطير، في الحديث: "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا". سنن أبو داود.
***
في الصيف تكثر أوقات الفراغ، ويغبن فيها كثير من الناس، فمن المغبونين عافانا الله وإياكم من كل غبن؛ من اتخذ أماكن ليلقن الأطفال البدع والخزعبلات، ويزرعَ الحقد والسب، والشتم والعنف على المسلمين، والكراهية في قلوبهم، فكفى الأمة تفرقا وتشتتا وانهزامية.
وإياكم ومشاركة أولادكم في أماكن الترفيه بما يغضب الله تعالى، أو يخالف عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا.
وانتبهوا وتيقظوا أن تنشغلوا وتشتغلوا في أوقات الفراغ الثمينة بالأفلام الماجنة الرخيصة، والمسلسلات الهابطة، والبرامج التي تعصف بالدين والأخلاق.
ولا مانع من إقامة مراكز ترفيهية خالية من المخالفات الشرعية.
والأولى والأفضل التوجه إلى مراكز تعليم القرآن والسنة ومنهج سلف الأمة، ففي الحديث: "خَيْركُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن وَعَلَّمَهُ". البخاري. وفي الصحيحة (2829): "يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب، يقول لصاحبه: هل تعرفني؟ أنا الذي كنت أسهر ليلَك وأظمئ هواجرك، وإن كلَّ تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم، من وراء كل تاجر، فيعطَى المُلك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين؛ لا تقوم لهم الدنيا وما فيها، فيقولان: يا رب! أنى لنا هذا؟ فيقال: بتعليم ولدكما القرآن. وإن صاحب القرآن يقال له يوم القيامة: اقرأ وارقَ في الدرجات، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية معك".

كتبه أبو المنذر فؤاد
الزعفران غزة فلسطين
14/6/1431هـ
وفق 29/5/2010 رومية
للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني: zafran57@hotmail.com