من المؤسف أن يرى المرء نوعا من الناس قد صرفوا طاقاتهم إلى معارك لا ترهب عدوا و لا تسر صديقا. و يزداد الأسف إذا ادعى الواحد منهم حرقته على أمور المسلمين. و هذا النوع من السلوك يزداد أيام الانحطاط و الاستبداد، فتجد المرء حينها لا يجرؤ على مواجهة الأسد، فيشفي غليله في مصارعة قط.

مر علي هذا الكلام و قد استحسنته و رأيت اشراك غيري فيه.

الوصف تطرق لحال المسلمين في القرن الخامس الهجري.

أثر الاستبداد على الدين و الحياة:

قد يقال: أين جهاد العلماء في مقاومة هذه الفوضى؟ و الجواب يقتضينا شيئا نم التفصيل، فإن أصحاب العقول الكبيرة و الهمم البعيدة حاربهم الاستبداد السياسي و فض مجامعهم، فضاقت الدائرة التي يعملون فيها، و تضاءل الأثر الذي يُرتقب منهم، و المرء لا يسعه إلا الحزن لمصائر قادة الفكر الديني الذين قتلوا أو أهينوا و حيل بينهم و بين نفع الجماهير، مع غياب هؤلاء انفسح المجال لعارضي الأحاديث الذين يخبطون في السنة الشريفة خبط عشواء، و لفقهاء الفروع الذين خدعوا العوام بسلعهم و أوهموهم أنهم يشرحون لباب الدين و شعب الإيمان الكبرى، و هم في الحقيقة يذكرون تفاصيل ثانوية يكثر فيها الأخذ و الرد و لا تمس جوهر العقيدة أو الشريعة. إن الأحاديث الشريفة ـ بعد تمحيص سندها ـ تحتاج إلى الفقيه الذي يضعها موضعها في الإطار العام للإسلام الحنيف.

ـ معارك في فقه الفروع: أما فهاء الفروع فقد زادوا الطين بلة و زحموا أوقات الناس بصور من الأحكام تكتنفها التهاويل المزعجة، مع أنها لا تستحق هذا الجهد و لا هذا الوقت ثم أعلنوا حربا غير شريفة على من يخالفهم في تلك الأحكام الجزئية. روى ابن الجوزي عن الشيخ ابن عقيل، قال: رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز!! لا أقول: العوام، بل العلماء. كانت أيدي بعض الحنابلة مبسوطة أيام ابن يوسف ـ الحاكم السابق ـ فكانوا يتسلطون بالغبي على أصحاب الشافعي في لافروع ـ التي يخالفونهم فيها ـ حتى لا يمكنوهم من الجهر بالقنوت. و هي مسألة اجتهادية ـ يعني لا حرج في الاختلاف فيها ـ فلما جاءت أيام النظام و مات ابن يوسف، و زالت شوكة الحنابلة استطال أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظلمة فاستعدوا عليهم و آذوا عامتهم بالسعايات، و الفقهاء بالنبذ و الاتهام بالتجسيم.

قال ابن عقيل: فتدبرت أمر الفريقين، فإذا هم لم تعمل فيهم آداب العلم. و هل هذه إلا أفعال العسكر؟ يصولون في دولتهم و يلزمون المساجد في بطالتهم.“

المصدر: هموم داعية للشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ
الصفحة 43 ـ 45 مع شيء من الاختصار.