مقال مخرج العرب من أوضاعهم المتردّية (1ـ2) للشيخ عبدالله العنقري حفظه الله
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: مقال مخرج العرب من أوضاعهم المتردّية (1ـ2) للشيخ عبدالله العنقري حفظه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    239

    افتراضي مقال مخرج العرب من أوضاعهم المتردّية (1ـ2) للشيخ عبدالله العنقري حفظه الله

    مخرج العرب من أوضاعهم المتردّية (1ـ2)
    د. عبدالله بن عبدالعزيز العنقري*
    ما أكثر ما نسمع ونقرأ من تحليلات متباينة حول الأوضاع المتردّية التي تعانيها البلاد العربية اليوم!ولكن ما أقل أن نجد في هذا الضجيج الإعلاميِّ الصوتَ الذي يعرض الوجهة الشرعية المبنية على الدليل، مراعيا الاعتبار التاريخي الذي يُقايِس بين الأوضاع المتشابهة، ويستخلص من أحداث التاريخ السابقةِ العبرَ والدروسَ اللاحقة.
    ومن أوضح ما يؤكد على ذلك أنك تجد الكلام في هذه الأوضاع من قبَل عدد من المُحلِّلين يُصَوِّرها بمظهر الحالة الفريدة غير المسبوقة، بما يتيح لهم أكبر فرصة للحديث عنها، وكأنها بحاجة إلى وصفة نادرة، يتبارى الأطباء في إظهار مهاراتهم في علاجها. وهذا الأسلوب من الطرح هو في نفسه سبب في تعقيد الأمور، لأنه- بكل سهولة- يجعل الثرثرة هي المظهر السائد عند الحديث عن هذه الأوضاع الدقيقة.
    ولهذا لم يَعُد خافياً على أحد أن الناس سئموا كثرة ما سمعوا وقرؤوا حول هذه الأوضاع، لأن أكثره - بكل أسف - لا يحمل التوصيف السليم لأسباب هذه الأوضاع فضلا عن أن يحدد العلاج المبني علي التأصيل الشرعي والاعتبار التاريخي.
    والحق أن المتأمل في أحوال أمّتنا إبّان فترات عزّها، ثم ما آلت إليه أحوالها عبر تاريخها - وصولاً إلى هذه المرحلة - يوقن أنه لا مخرج حقيقي من هذه الأوضاع إلا باستدراك الحكام والمحكومين معاً ما سلف من الأخطاء السابقة التي أثمرت هذه الأوضاع اللاحقة.
    فإن من المؤكد أن أوضاعنا اليوم لا يمكن أن تكون وليدة الساعة؛ بل هي نتاج تراكم كثير من الأخطاء التي وقعت وظّلت بلا إصلاح، حتى ترسخ في الأذهان أنها غير قابلة للتغيير، بل ولا التفكير في التغيير. والسَّبْر الصحيح لهذه الأوضاع التي يعانيها العرب اليوم ينبغي أن نعيدها إلى أسباب رئيسة غير قابلة للتخرص والاحتمال؛ لأنها من الِكبَرِ بمكانٍ يستحيل معه أن تكون لأسباب يسيرة عابرة.
    وعند إعادة هذه الأوضاع إلى أسبابها الحقيقية نكون قد بدأنا بوضع اليد على الداء أولاً، ومن ثَمّ نستطيع أن نحدد المسار السليم للعلاج بعون الله.
    فأما الكلام الذي يصرفنا عن التشخيص الدقيق للداء فهو زيادة في العناء، وتشتيت سَمجٌ للأذهان.
    والمتأمل في الحِقبة التي تعيشها البلاد العربية اليوم لا يستطيع أن يُغفِل صلتها بفترة الاحتلال البغيض، المُسمَّاة بالاستعمار.
    وفي تلك الفترة عمَد المحتل - وعلى مدى عقود متطاولة - إلى ترسيخ أوضاع مغلوطة في شكل أنظمة ودساتير أثَّرت في مفاهيم هذه الأمة وهويَّتها تأثيراً يستعصى معه أن تُستقصى سلبيات تلك الجناية إلا بكلفة شديدة، نظراً لتعدد مجالات تلك الجناية وتشعّب آثارها، خاصة وأن المحتل تعمَّد ترسيخ بقاء تلك الأوضاع،حين أيقن بضرورة رحيله من البلدان التي احتلها، تماماً كما كان يدأب في إيجاد المشاكل الحدودية التي أبقاها من بعده، ليضمن استمرار النزاعات.
    ومطالبات اليوم الواسعة بإزاحة الظلم وإصلاح الفساد، وما نجم عنها من أحوال صرنا بها في عالم اليوم موضعَ الفُرجة، ومحل تنافس وسائل الإعلام الأجنبية في الحصول على السبق الإعلامي، أقول: كل ذلك من دلائل الفشل الذريع لتلك الدساتير التي أُسِّست أصولها في حِقبة مظلمة من تاريخ كثير من البلاد العربية، هي حِقْبة الاحتلال الأجنبي، والذي نشأت على إثر رحيله عدد من الأحزاب المتسلّطة التي اتخذت من الطابع الاستبدادي منهجاً ثابتاً في إدارة شئون عدد من البلاد العربية، وتطاول هذا الظلم لفترات متعاقبة عُومِل الناس فيها معاملةً بالغة القسوة، وهذا الوضع - وبالنظر إلى سنة الله في خلقه عبر التاريخ- لا يمكن أن يستمر، والغالب أن ينتهي نهاية غير محسوبة النتائج عند أكثر الناس.
    أمام هذه الحقائق فلابد لاستنقاذ أوضاع هذه البلاد من تعديل الخطيئة القاتلة المتعلقة بالدساتير التي ذكرتُ آنفاً ظروف نشأتها السابقة واللاحقة، وذلك يستدعي اليوم - وعلى وجه السرعة - ضرورة تظافر الجهود لإصلاح الوضع وعدم استمراره؛ لأن عواقبه المرَّة باتت الآن جلية معلومة للجميع، مع أن البصير بالأحوال كان يعي أن الأمور ستصل يوماً ما إلى مثل ما وصلت إليه اليوم.
    وعندما نكون في أمة عظيمة كهذه الأمة فلا ينبغي أن يَرِد هذا السؤال الجَهُول: ما البديل عن هذه الدساتير؟ فإن أمتنا هي أمة العدل والوسط الخيار بشهادة من لا تخطئ شهادته تعالى، حيث قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} (البقرة 143) ولهذا لا ينبغي - ونحن الذين في يدنا الحَلُّ - أن نسأل عن الحَلّ! فنكون كما قيل:
    كالعِيس في الصحراء يقتلها الظما#### والماء فوق ظهورها محمول
    وإذا كان التوصيف الخاطئ لهذه الأوضاع يُمثِّل إشكالاً يشتِت الأذهان، فإن اقتراح الحل الخاطئ، يُعد تعميقاً للتِّيه وترسيخاً للضياع، بما يجعل الانفراج أبعد منالاً وأشد مُحالاً، كتلك الحلول الجوفاء التي تُطرح وحاصلها مزيد من استمرار هذه الأمة العظيمة في مسلسل التبعيّة العمياء، وكأنها أمة لا تصلح إلا تابعة لا متبوعة، ومَقُودة لا قائدة، ولن يعسر عليك سماع هذه الحلول الجوفاء، لأنها هي التي تُبرز وتُشهر أكثر من غيرها بكل أسف، ويطرحها قوم يريدون التسلقّ على موجات المطالبة بالتغيير بهدف أن تسير نحو الوجهة الغربية، وكأن الأوضاع السائدة في الغرب هي الأنموذج المثالي الذي ينبغي أن يُحتذى في البلدان العربية، مع أن الجزء الأكبر من إشكالات البلاد العربية هو من الأساس عائد إلى فقدان الهويّة، والانجرار وراء السراب الغربي، الذي بات معلوماً لكل ذي لب أنه يتجه بالتدريج نحو الاضمحلال، حتى وإن كانت درجة هيمنته المادية اليوم قويّة عاتية.
    ولقد أثبتت وقائع التاريخ القديم والحديث، وبما لا يدع مجالاً للشك أن بَتْر البشرية عن سبيل الله تعالى جعلها في حال من التخبّط المُزْري، بلغت به البشرية في القرون المتأخرة رقماً قياسياً في انطلاق ألوان من التيارات الفكرية المتناقضة التي كانت تحمل حتفها بظِلفها، تهتف الجماهير بمبادئ أحدها ردحاً من الزمن، ثم ما يلبث التيار المختار أن ينهار، ليُبنَى على أنقاضه تيار جديد، يُبشِّر رموزه بمستقبل مُشرق ليس له نظير،لكن ما يلبث هذا التيار الجديد أن يصاب بالداء الذي أصيب به سابقه، وهكذا في تَرنُّح مرير، بَذَلَ فيه كثيرون في هذا العالم زهرة شبابهم، وكامل طاقاتهم ومشاعرهم في سبل مجَّها الناس وسئموها، بعد أن أوصلتهم إلى الحضيض في جوانب شتى من حياتهم. وظلّت الدعوة لهذه المبادئ تتوالى، مقرونة بالوعود الكاذبة بالوصول إلى الأوضاع المثالية، في ظل انحطاط فظيع للقيم الكريمة، وانقلاب مجموعات من البشر إلى ذئاب صائلة أوصلت الإنسان إلى رعب لا ينقطع، ومظالم لا ترتفع، ومع ذلك كله يستمر الترويج للعدالة المنتظرة من قبل مروجي هذه المبادئ، ولا عجب فهي المقطوعة عن نور السماء، المبنية على الأساس المادي الصرف، فماذا يُنتظر منها إلا التخبط والضلال ومزيد من التعاسة لهذا الإنسان؟
    وليس العجب أن يقع كل هذا في بلاد لا تعرف نور السماء، ولكن العجب أن يُروَّج لهذا في بلداننا العربية، وبأسلوب انتهازي رخيص يستثمر هذه الأوضاع المتردية، وكأن المراد ألا تخرج هذه البلدان من التِّيه، وأن تستمر أوضاعها المزرية في الانحطاط، في ظل لجََج مستديم، وجدل بيزنطي عقيم.
    * أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الملك سعود

    http://www.al-jazirah.com.sa/20110526/ar8d.htm

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    239

    افتراضي رد: مقال مخرج العرب من أوضاعهم المتردّية (1ـ2) للشيخ عبدالله العنقري حفظه الله

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابوعمر الدغيلبي مشاهدة المشاركة
    حال من التخبّط المُزْري، بلغت به البشرية في القرون المتأخرة رقماً قياسياً في انطلاق ألوان من التيارات الفكرية المتناقضة التي كانت تحمل حتفها بظِلفها، تهتف الجماهير بمبادئ أحدها ردحاً من الزمن، ثم ما يلبث التيار المختار أن ينهار، ليُبنَى على أنقاضه تيار جديد، يُبشِّر رموزه بمستقبل مُشرق ليس له نظير،لكن ما يلبث هذا التيار الجديد أن يصاب بالداء الذي أصيب به سابقه، وهكذا في تَرنُّح مرير، بَذَلَ فيه كثيرون في هذا العالم زهرة شبابهم، وكامل طاقاتهم ومشاعرهم في سبل مجَّها الناس وسئموها، بعد أن أوصلتهم إلى الحضيض في جوانب شتى من حياتهم.
    تأمل هذا الكلام؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    239

    افتراضي رد: مقال مخرج العرب من أوضاعهم المتردّية (1ـ2) للشيخ عبدالله العنقري حفظه الله

    مخرج العرب من أوضاعهم المتردية ( 2 ـ 2 )
    .. إذاً فلتنفض هذه الأمة عن نفسها غبار التبعية المقيتة الذي طال مداه، ولتتجه بعزيمة ثابتة إلى حيث جعل الله سعادتها في دنياها وأخراها، وذلك أمر لابد فيه من تكاتف علماء الأمة العاملين، مؤيَّداً بدعم الحُكَّام الذين لن تبرأ ذممهم أمام الله إلا بهذا، وعند ذلك فقط ستنتهي المظالم التي تشكو منها الرعية،
    وسيستريح الحكام من مطالبات رعيتهم، وما يصحبها من قلاقل قد تزلزل لاحقاً استقرار هذه المنطقة، فإن الأمور إذا ضُبِطت بميزان الشرع القويم فلن يكون بمقدور أحد - يعي معنى اتخاذ الموقف - أن يعترض على هذه العودة الكريمة بهذه الأمة إلى مصدر عزها وسؤددها.
    وقد جرّب الناس في فترات خَلَت إطفاء نار الفتن والخصومات، من خلال رجوع الأطراف المتنازعة إلى إقامة حكم الله فيما شجر بينهم، فلم يكن بمقدور طرف أن يبقى بمنأى عن هذا الحل، لأن ذلك يجعله في مقام المعترِض على الشرع، وهو ما لا يريد العاقل أن يُحسَب عليه.
    وهنا سيبقى المعترض بلا شكٍّ الطرَفُ الأجنبي الذي لا يريد لهذه الأمة أن تسلك هذا المسلك الرشيد؛ ليضمن استمرار هذه التبعية المفتوحة، التي يُسيِّر في ضوئها أوضاعاً كثيرة داخل هذه الأمة حسب ما يحلو له، فلا عجب أن يَقضّ مضجعَه أيُّ اتجاه بالأمة نحو سبيل رشدها، غير أن من المؤكد أن هذا الطرف لن يضير أمتنا بحال، إذا وُفِّقت لعزيمة صادقة مخلصة. والأطراف الأجنبية لا يُنتظَر منها - جزماً - أن تؤيد خطوة رشيدة في هذا السبيل، بل ينبغي - من الأساس - ألا يُلتمس منها رأي أو مشورة في شأن جليل كهذا، على حد قول الفرزدق:

    ما أنت بالحَكَم الْتُرضَى حكومته###### ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
    ولا سيما وعبارة: (عدم التدخل في الشئون الداخلية) هي المقولة الجاهزة التي سيوجهها لنا ذلك الطرف لو أنا أبدينا أي تعليق على شأن يخصّه، فكذلك نقول: ليتركونا وشأننا، فلسنا بالقاصرين المحتاجين لوصاية أحد.
    إذاً فطريق السلامة أمامنا جلية سالكة، وفيها حل قضايا بقيت معلقة شائكة، ولم يبق - بعد توفيق الله - إلا عزيمة الرجال وصدق المقاصد، لإقامة عدل حقيقي تنقطع به النزاعات وتنتهي عنده المطالبات، بل ويكون مضرب المثل بحول الله في عالم اليوم.
    ومعلوم أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم لن يُقِيمها شيء كالعدل، وكل بديل سواه فهو نكبة على الطرفين معاً، مهما ادُّعي بوجود حاجة إلى الحزم، بسبب وضع طارئ غير مستقر، فإن الحزم لا يعني إهدار العدل، ولذا فإن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حين استأذنه والي خراسان في استعمال السيف والسوط، لأن الناس بزعمه قد ساءت رعيتهم، فلا يُصلِحهم إلا ذلك، أجابه عمر بقوله: «كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم، والسلام» (ذكره ابن عساكر في تاريخه 1/760)
    وهذا العدل الذي رفع الله به ذكر عمر وأمثاله ممن قام به عبر التاريخ لا يمكن أن يكون إلا فيما أنزل الله، كما قال ابن تيمية رحمه الله: «على الحكام أن لا يحكموا إلا بالعدل، والعدل هو ما أنزل الله» ثم قال عن كتاب الله: «فالكتاب والعدل متلازمان، والكتاب هو المبين للشرع، فالشرع هو العدل، والعدل هو الشرع» (الفتاوى 35/ 361 - 366).
    ومن أعظم العدل الذي جاء به الشرع ما يتعلق بضبط علاقة الحاكم بالمحكوم، حيث جاء فيه بالميزان الذي لا شطط فيه، من خلال ضبط قُطْبَي هذه العلاقة الأكبرين: (الحقوق والواجبات) فألزم الشرعُ الحاكمَ بواجبات فرضها عليه، لأنها حقوق للرعية، وفي الوقت نفسه ألزم الرعية بواجبات تؤديها؛ لأنها حقوق للحاكم.
    ثم إن هذا الشرع العظيم أوضح ما ينبغي أن يكون عليه الحال فيما إذا قصّر الحاكم في أداء ما أوجب الله عليه، وذلك من خلال تشريع راقٍ منضبط، واضح المعالم، مُحدّد الدرجات، فيه الضمانة بإذن الله لإصلاح الخلل وإعادة الأمور إلى نصابها عند اختلالها، وهو ما سُمِّي شرعاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي يُعد من أجل المزايا التي تميزت بها هذه الأمة، ويعلم الله وحده كم أُصْلِح بهذا التشريع الحكيم من خلل، وكم استُرد به من حق، وكم رُفِع به من ظلم، في ظل أمن وارف، وكيان مستقر، وعيش رضِيّ، والموفَّق من الحكام والمحكومين من يعتبر بما وقع في هذه البلدان اليوم، فإن الله تعالى قد أنذرنا عاقبة التفريط في أمره، وتوعد عليه بوعيد عظيم يعيه ذوو البصائر، فقال سبحانه {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} (الأنعام 65)، قال ابن سعدي: «أو يلبسكم أي يخلطكم (شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) أي في الفتنة وقتل بعضكم بعضاً، فهو قادر على ذلك كله، فاحذروا الإقامة على معاصيه، فيصيبكم من العذاب ما يتلفكم ويمحقكم (انظر كيف نصرف الآيات لقوم يفقهون) أي يفهمون ما خُلِقُوا من أجله، ويفهمون الحقائق الشرعية والمطالب الإلهية) (التفسير ص222).
    فهذه النزاعات والقلاقل الداخلية قد نصَّت الآية الكريمة على سببها الحقيقي، بما يؤكد أنها نتيجة لمقدمات خاطئة سبقتها، وليست وضعاً فريداً فاجأ الناس، واحتاجوا معه إلى تلك التحليلات الشاطحة البعيدة، إذاً فليس ثمة مخرج لنا مما نحن فيه من هذه الأوضاع المتردية إلا بالرجوع إلى الله تعالى في الشؤون كافة، دون تشه أو انتقاء، وذلك يستوجب الرجوع إلى منهج السلف الصالح تحديداً، إذ هو المنهج الوسطي المبني على فهم خير القرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، السالم من الإفراط والتفريط، لا الرجوع إلى تلك المناهج المتخلّفة التي رسّخت الخرافة واستعباد الأتباع، وكأنهم قطيع من الدوابّ، لا صنفُُ من البشر، كما أن منهج السلف الوسطي بعيد عن تلك المناهج المتحررة البائسة، المتفلتة من كل قيد، والتي ذاق منها الناسُ الأمَرَّين لفترات متعاقبة، ثم يُدَّعى بعد ذلك أنها هي المناهج الوسطية!
    ولو رجعت الأمة اليوم إلى هذا النبع الصافي - منهج السلف - لما اقتصر توفيقها على صلاح أحوالها فحسب، بل لأصلح الله بها حال هذه البشرية التي تتردى في دياجير التخبط منذ قرون.
    وإنما أناط الله حِمل هذه المسؤولية الكبرى بهذه الأمة، وهو سائل عما استودع من هذه الأمانة، كما قال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (الزخرف 44).
    فإن وفقنا حُكّاماً ومحكومين لهذا السبيل القويم فلعل الله أن يخرج من هذه المِحَن التي حلت بديارنا مِنَحاً يعتدل بها المسار ويصلح بها الحال، فإن الله تعالى قد يُنعِم بالبلاء، ويتفضل بالعقوبة، كما ذكر ابن سعدي في تفسيره (ص592).
    وذلك بالنظر إلى ما يترتب على البلاء، من الرجوع عن الأخطاء وتلافي التقصير.فأما إن خَطِئَ الناس هذا السبيل فإن عواقب ما نحن فيه قد تكون شديدة مُوحِشة، لأن الله سبحانه إذا جعل للعباد نُذُراً تَزَعُهم عما هم فيه من الخلل، ثم لم يَرْعَوُوا ولم يستفيقوا فإن أنواع المحن والنكبات تظل تتوالى عليهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (آل عمران 117).
    ولله در الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، إذ قال في شأن قومه العرب: «كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العِزّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله» رواه الحاكم (207).
    ولعَمْرُ الله إن مقولة الفاروق هذه لمنهج حياة، لو التزمه العرب اليوم لتغيرت أوضاعهم المعاصرة، كما تغيرت أوضاع أسلافهم الغابرة، فإن المبدأ الكريم الذي غيّر من حالهم الكئيب قبل البعثة موجود بحمد الله، محفوظ بحفظ الله: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} (آل عمران 164)، ثبَّتَنا الله على ما امتن علينا به منه، وأكرمنا بصدق امتثاله، حتى نلقاه.
    د. عبدالله بن عبدالعزيز العنقري

    أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الملك سعود

    http://sunnahway.net/?q=node/211

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •