من أيَّام الجامعة
في صحبة د. "خَالِد كَبِير علاَّل"


قبل عامين من كتابة هذه السطورـ وتحديدا ابتداء من صائفة عام 2004م ـ كنت أصرف سواد ليلي وبياض نهاري في التَّحضير لشهادة البكالوريا، وقد توِّج ذلك الإجتهاد ـ ولله الحمد ـ بالنجاح والتفوُّق، وما إن خرجت من ذلك الإضطراب النفسي الذي يلاحق عادة المترشحين لمثل هذه الشهادات، حتى وقعت في حيرة واضطراب من نوع آخر، كان سببه ازدحام التخصصات بين يدي وترددي في اختيار التخصص الذي يرضي ميولي ويناسب طبعي، وصرت كما قال القائل:
تكاثرت الظباء على خراش *** فما يدري خراش ما يصيد

فأي تخصص سأختار؟ وأنا الذي تتجدَّد ميولاتي ـ بل سَمِّها أهوائي ـ بين الحين والآخر، فتارة أغرم بالفلسفة، فتجدني أقرأ عن "ماركس" و"سارتر" وغيرهما، وتارة أميل للشريعة والتدين، فأرتدي جبَّة الفقيه وأقرأ لـ"ابن تيمية" و"ابن عبد الوهاب" وتارة أخرى يستحوذ علي الإعلام، فتجدني متابعا للأحداث، أقتني الجرائد وأكدِّسها، وأتابع البرامج الإخبارية، وهلم جرا، غير أني أدركت لاحقا أن تلك الميول والأهواء لم تكن في حقيقة الأمر سوى مراهقة فكرية، كان يغذيها الفضول وحب الإطلاع والتطفل، وكأنني أردت أن أحيط بكل علم وبكل فن، وأضرب في كل ميدان بسهم، فكنت أرهق نفسي وأشتِّتها في المطالعات المتنوعة التي ينقصها التوجيه والتهذيب، ولكن في الغالب لم تخرج تلك الميولات على تنوعها وتعددها عن الحيز الأدبي، فقد نفرت من العلوم الطبيعية والتقنية، بعد أن اكتويت بنار التكنولوجيا والكمياء والرسم البياني والرياضيات مدة حولين كاملين، وليس ذاك النفور لعجز فينا ـ عَلِمَ الله ـ فقد كنت مُبَرِّزا في الرياضيات ومولعا بالفيزياء والفلك ـ خاصة في المرحلة الإكمالية ـ المتوسطة ـ وذلك قبل أن تصرفني نوائب الحدَثَان وحوادث الأيام عن كل ما يتصل بلغة الأعداد، وإلا فلولا تلك المعوِّقات لكنت كما قال شيخنا "الطيب العقبي" رحمه الله:
لولا الحوادث قد حططن رحالا *** بحماي كنت الشاعر المفضالا
وسموت في طلب الكمال مبُرِّزا *** وتركت خلفي في الحضيض رجالا

***

وكان أثناء ذلك أن اهتديت إلى صديق قد خَبِرَ الحياة الجامعية، واكتوى بحلوها ومرها، وتقلَّب في نعيمها وجحيمها، أفضيت إليه بما أجد، وبما وقع لي من الحيرة والإضطراب بشأن هذه الميولات التي تتنازعني، فكان أن أشار علي باختيار أحد شعب "المدرسة العليا في الآداب والعلوم الإنسانية" للإمتيازات التي تتوفر عليها ـ كعقد التوظيف ـ وما إلى ذلك، ورغبني فيها ومدحها لي وشوَّقني إليها، حتى تمكَّن هواها من قلبي ونسخ ما كان يتنازعني من الأهواء، حتى خُيِّل إلي أني أشقى إنسان إذا لم أوفق للتسجيل في هذه المدرسة، وقد وَجَدتُنِي مطمئنا منشرح الصدر لهذا الإختيار، خاصة وأن هذه المدرسة تتواجد بعاصمة البلاد ـ الجزائر ـ ولا ينتسب إليها إلا المتفوقون، بل وقبل ذلك كنت كارها أن أوجه تلقائيا لمزاولة الدراسة غرب البلاد، لإعتقادي أنه لا يتوفر على ما تتوفر عليه العاصمة من المكتبات، والنوادي العلمية والثقافية، كما هو الواقع.
ولما رأى صديقي اطمئناني إلى ما أشار به علي، أخذ يلح علي مرة أخرى في اختيار شعبة التاريخ، وأخذ ـ مرة أخرى ـ في مدحها، خاصة وأنها الشعبة التي قضى فيها مدَّة خمس سنوات كاملة، غير أن صاحبي لم يدر أنه بعث في نفسي هوى قديما تعلقت به مذ دخلت سن التمييز وأخذت أعقل، لكنه يبقى هوى قديما تعاقبت عليه أهواء أخرى، إذا ما الذي سيغريني بالتاريخ؟ ربما ضرب زميلي على وتر العلامة النادرة التي تحصلت عليها في مادة التاريخ وهي علامة 17.5 من أصل 20 نقطة، وهي علامة نادرة في المواد الإنسانية ـ حسب ما أزعم ـ فربما عوَّل زميلي على هذه العلامة ليصرفني إلى شعبة التاريخ، وأنا أعتقد أن هذا لم يكن كافيا ليغريني بالتاريخ، خاصة وأني شغفت في تلك الأيام بالفلسفة، التي كنت متفوقا فيها وأخذت في تدريسها لزملائي بطريقة أبسط من تلك التي كان ينتهجها الأستاذ على حسب رأي البعض، ولشدة تعلقي بالفلسفة حينها كان البعض يطلق عليا بالمجان أسماء الفلاسفة والمفكرين، وكان يبدو لي أن الفلسفة هي قدري الذي لا مناص منه، بل وكنت أعتقد أني لن أجيد غيرها، وكان البعض يعتقد جازما أن الفلسلفة هي خياري الذي لن أتزحزح عنه.
إذا فهل سينجح صديقي " مصطفى" في صرفي عن الفلسلفة إلى التاريخ؟ أقول ـ وبكل صراحة ـ أنه كان سيفشل فشلا ذريعا، وكنت سأخيب أمله لو لم يحدثني عن واحد من أساتذة التاريخ بالمدرسة العليا، واحد ـ قال لي عنه ـ" أنه من المعادن النفيسة، بل ومن الكنوز النادرة التي تزخر بها الجزائر، واحد ستسعد كثيرا لو سنحت لك فرصة الإلتقاء به والتتلمذ على يديه" هكذا قال لي صديقي في حماس غير معهود، ثم أفاض الزميل الناصح مسترسلا في تعداد خلاله ومآثره، وكأن صديقي كان يشفق علي إذا لم أوفق في التتلمذ عليه.
انه خيار صعب يستدعي من أي أحد التريث والتأني قبل الإقدام، وليس من السهل أن أنقلب فجأة بين عشية وضحاها من مولع بالفلسفة غارق فيها إلى مولع بالتاريخ، إن تعلقي بالتاريخ استدعى من صاحبي أياما صرفها في تذكيري بمحاسن التاريخ وفضائله، حتى قلب الجو الفلسفي الذي كنت أعيشه إلى جو كله تاريخ وأحداث، ولكن أشد ما جذبني إلى هذا الفن هو ذلك الأستاذ الذي حدثني عنه صاحبي وأطنب في مدحه وسرد ومناقبه، وحقيقة استوقفني حديث زميلي عن هذا الرجل، واسترعى اهتمامي، حتى وجدتني متشوقا إلى لقاءه ومصافحته والتحدث إليه، قال زميلي " إنه ليس من جنس من درست عليهم، ولا من جنس من سمعت لهم، إنه من معدن نفيس نادر، ومن جنس فريد" وكنت لن أعير هذه العبارات أدنى اهتمام، لو قالها لي واحد من المهوِّلين المنبهرين الذين يصفقون لكل دَعِي متشدق متفيهق، فصديقي ليس من هذا القبيل، كنت أعرف منه النزاهة في الشهادة، والصدق في النصيحة، وخاصة وهو الذي ردَّد على مسامعي كثيرا قول ابن سيرين:" إن هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" كنت أعرف أن زميلي ليس من المبالغين، وهذا ما جعلني أعير اهتماما بالغا لما أدلاه من شهادات بخصوص هذا الأستاذ، وصديقي بهذا يكون قد رسم في ذهني صورة تزدهي بالألوان، تغري وتستوقف المرء أيَّا كان.
***

وكنت دائما أرغب في الجلوس بين يدي العلماء، العلماء الذين أثنى الله عليهم في كتابه والرسول في حديثه، العلماء الذين قرأت عن كثير منهم، ورأيت كيف كانوا يقطعون المفازات والمهالك، لأجل حديث واحد، وكنت أقول في قرارة نفسي أين أجد هؤلاء العلماء؟ بحثت عنهم في بلدي الصغير كله فلم أجد أحدا ؟؟ وأخير بدا يخيَّل إلي أن هؤلاء العلماء قد أقفرت منهم البلاد وانقرضوا وكدت أقطع الأمل في لقائهم، إلى أن جاء صديقي بنبأ ذلك الأستاذ، وقلت لعله آن لي أن أجلس إلى العلماء، وآن لي أن أسعد بالتتلمذ على يد واحد كالذين قرأت عنهم.
***

لم يكن ذلك الأستاذ الذي حدَّثني عنه صديقي مطولا، واخترنا التاريخ أملا في لقائه والتتلمذ على يديه، إلا أستاذنا الكبير:" خالد كبير علال" ـ حفظه الله ورعاه ـ
" خالد كبير علال": اسم لم يطرق قط مسامعي من قبل، كما لم يطرق مسامع كثير من المنتسبين إلى العلم والثقافة في بلادي، فضلا عن غيرها، وهكذا هي الجزائر دائما، وهذا هو حظ علمائها وأبنائها منها، وقد عبر الشاعر "محمد العيد" عن هذه الغربة التي يحياها أهل العلم في الجزائر، وعن ذلك التهميش الذي طالهم فيقول:
ما في الجزائر مجلس أُغنِي به *** نفسي وأستهوي إليه فؤادي
أصبحتُ لا منها ولا من أهلها *** والقوم قومي والبلاد بلادي

ومثله ما قاله الأستاذ الشاعر حمزة بوكوشة:
بئس أرض الجزائر اليوم أرض ... لا تحب الكرام والزعماءَ
بؤرة تبلع النبوغ وتصفو ... للمُرائِي وتفضح الأوفياءَ


وأحسن من هذا وذاك وأبلغ قول الشاعر الجزائري "محمد سعيد الزاهري" ذاتَ يأس:
وتغربت أنشر العلم في قو *** مي، فلم يأبهوا بنشر العلومِ
لم أجد في الشقاء من هو أشقى *** بحياة من علم محرومِ
لا ولا في متاعب الدهر صعبا *** مثل نشر العلوم بين العمومِ
أنا والله عفت فيهم حياتي *** وبقائي فوق هذا الأديم
ليتني ما تعلمت حرفا ولا *** أعرف فرقا بين كاف وجيمِ


***

والحاصل أني في آخر الأمر وجدت نفسي مطمئنا كل الإطمئنان لشعبة التاريخ، بل وأخذ ينتابني الخوف من توجيهي غير الوجهة التي استقر عليها رأيي، مما حذا بي إلى الإكثار من الدعاء رجاء أن لا يخيب أملي بعد ان تأكدت رغبتي وصحت عزيمتي في اختيار تلك الشعبة.
والحمد لله فلم يخب أملي، فما هي إلا أيام حتى أتتني رسالة تزف إلي البشرى، وكان ما اختاره الله لنا موافقا لما اطمئنت إليه نفسي، فالآن صار في وسعي أن أنام قرير العين هانيها، خالي البال، سابحا في الأحلام منتظرا بفارغ الصبر مجيء تلك الأيام التي نلتقي فيها أستاذنا الجليل "خالد كبير علال" ـ حفظه الله ـ.
***

وجاءت أيام التسجيل الجامعي فاصطحبت معي صديقي " مصطفى" الذي كان ولا يزال مرشدي ودليلي وخير معين لي ـ فبارك الله فيه ـ فانطلقنا في الصباح الباكر ووجهتنا العاصمة، وما كادت الخيوط الأولى من الصباح تطل حتى كنا في العاصمة ونزلت مِنْ على الحافلة، وخيِّل إلي وكأنني سافرت عبر الزمن لآجد نفسي في الحقبة العثمانية، رغم مظاهر التفرنج والطابع الأوربي الذي يطغى على العاصمة، ووجدتني أردد مقاطع شعرية من إلياذة الجزائر وبدا لي في الأخير أني في حلم سعيد لن أستيقظ منه، لأني استيقظت وهو بعد مستمر لم ينتهي... "فما أسعدني بك أيتها العاصمة"
ثم ضمتني جدران "المدرسة العليا" العتيقة، بطابعها العثماني، وأخذت هذه المرة أنظر لكل شيء بدهشة الأطفال وانبهارهم وأخذ يتنزل عليَّ بين الحين والآخر البيت والبيتين من الشعر، وصرت أحلق في أجواء المدرسة كالطائر الغرَّاد.
ثم دفعنا للإدارة ملف التسجيل واجتزنا ـ بنجاح ـ الإمتحان الشفوي وتم قبولنا ورجعت إلى الدار حاملا بطاقة الطالب والفرحة تغمرني.
***

ثم أقبلت أيام الدخول الجامعي وكان أن صادَفت دخول شهر رمضان، فاحترت بين أن أصوم مع الأهل، وبين أن أصوم في الجامعة، ورأيت أنه يحسن بي أن أصوم بضعة أيَّام مع الأهل وبضعة في الجامعة، فسافرت للدراسة تاركا الأهل والأصحاب والجلسات والسهرات التي أدمنتها إلى عالم جديد ليس لي فيه أهل ولا صاحب ولا خليل، استيقظت باكرا ذلك اليوم وركبت الحافلة، وهذه المرة كنت وحدي بعد أن ألفت اصطحاب صديق "مصطفى" ووصلت العاصمة وتوجهت مباشرة إلى "المدرسة العليا" وكان أن تفاجأت حين وجدتها شبه خالية إلا من الموظفين وبعض الأساتذة، فأصبت بصدمة عنيفة وبشيء من الإحباط وخيبة الأمل، بعد أن تصورت أني سأجدها عامرة بالطلبة والباحثين، ورغم هذا أخذت أتعرف على أركان المدرسة، توجهت إلى عدة قاعات، فوجدت قاعات مرقمة وقاعات تحمل اسم شخصيات تاريخية، تعرفت على قسم التاريخ والجغرافيا، وعلى سائر الأقسام الأخرى، كما تعرفت على المكتبة، وقاعة المطالعة، والنادي والمطعم، وبعد هذه الجولة السريعة دوَّنت في كراستي البرنامج الأسبوعي ـ التوقيت ـ وتوجهت إلى المكتبة لأجدها هي الأخرى مهجورة خالية من روَّادها، غير إني سعدت هذه المرة بكونها فارغة ليتسنى لي تصفح الفهارس والإطلاع على ما فيها من الكتب دون أن يزاحمني أحد من الطلبة، وكان أن بحثت أول ما بحثت عن كتب الدكتور "خالد كبير علال" التي حدَّثني صديقي عنها، فوجدت له عنوانين الأول حول تاريخ أهل السنة في بغداد، والثاني عن قضية التحكيم في موقعة صفين، وكان أن شد انتباهي هذا العنوان الأخير، إذ أن القضية التي يتناولها حساسة للغاية زلَّت فيها أقدام وضلت فيها أقوام، وغمرني الفضول لقراءة هذه الدراسة لأتعرف على وجهة نظر الأستاذ، وربما لم يكن حينها يسمح بإعارة الكتب مما حذا بي إلى البحث عنه في المكتبات العامة لاقتنائه، فبحثت طويلا ولكن دون جدوى، وبدا لي وكأن نسخ هذا الكتاب قد نفدت، ولكن الله وفقني إلى أحد المكتبات المتواضعة في ساحة الشهداء قرب مسجد كتشاوة لأكتشف فيها كتابا آخر للدكتور "علال" كان حول الثورة على الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ وبدا لي أني أطرق الآن أرضا بِكرًا لم أطأها من قبل، أقرأ موضوعا كان محظورا عليَّ من قبل، بل كنت أتحاشاه، خشيت أن أسيء الأدب مع صحابي جليل من غير قصد، ولكن أدركت بعد ذلك أن الكثير من الباحثين والكثير من طوائف المسلمين، تقرأ حوادث الفتنة الكبرى بصورة مشوَّهة،بعيدا عن الحقيقة والواقع والموضوعية، مما جعلها منفذا خطيرا من منافذ الطعن في الإسلام، وذلك بالطعن في الصحابة الذين هم نقلة هذا الدين، وهذا ما يستدعي من الباحثين والمؤرخين المنصفين اعادة تسجيل تلك الحوادث بصورة موضوعية منصفة، وهذا ما فعله أستاذنا "خالد كبير علال" مشكورا.
ومما جعلني أقبل على قراءة كتاب الثورة على عثمان ـ رضي الله عنه ـ بكل انشراح ورحابة صدر أن صاحبه ـ الأستاذ "خالد كبير علال" ـ قد وقَّر الخليفة بأن دعاه "سيدنا" في عنوان الكتاب مما يفهم منه أنه دفاع عن هذا الصحابي الجليل الذي كثيرا ما طعن فيه الطَّاعنون.
أخذت الكتاب لأقرأه في أقل من نصف ساعة، ثم أعدت قراءته مرارا وتكرارا، ولمحت من خلال الكتاب على وجازته مدى احاطة هذا الدكتور ومدى تبحره في علوم الحديث والجرح والتعديل فضلا عن علم التاريخ، وأدركت أنه كثير الإطلاع ، قد أحاط بالقضية التي يتناولها من كل الجوانب حتى لم يدع منفذا لطاعن أو لاعن، فرد كل الشبهات، وبدَّد كل الشكوك التي كانت تحوم حول ذلك الخليفة المظلوم والشهيد "عثمان بن عفان" ـ رضي الله عنه ـ فكان هذا الكتاب كالجواب الكافي والدواء الشافي لسؤال كان يعتلج في صدري قديما ولا أجد له جوابا.
إن قراءة ذلك الكتاب كانت كافية لتزيد في دفعي للتَّعرف أكثر على صاحبه عن كثب، وكان مما يحز في صدري أن لا أتمكن من التتلمذ على يدي الأستاذ "خالد" إلا في السنة الجامعية الثانية، مما جعلني أتحمل مكرها مرارة عام كامل في الصبر والإنتظار.
وكم كان ذلك العام مرَّا وقاسيا، كدت أن أندم أثناءها على اختياري، خاصة عندما وجدتني أدرس وحدات كنت نافرا منها لا أستسيغها كالإحصاء الوصفي وما قبل التاريخ والجغرافيا، بل أكثر من ذلك أن أجد الأستاذ(ة) المحاضر(ة) في وحدة "صدر الإسلام" مخيِّبا للآمال، مثبطا للهمم، فقد كان ركيكا في لغته، مضجرا في طريقته، وشحيحا في معلوماته، مما جعلني أهجر أغلب ساعات المحاضرات لأتوجه إلى "المكتبة الوطنية" التي كانت عزائي الوحيد في تلك الصدمة التي أصبت بها.
ومن حسن طالعي في تلك الأيام الرمضانية التي قضيتها في المدرسة في أول عهدي بها أن وُفِّقت إلى الإستماع إلى محاضرة للأستاذ " خالد كبير علاَّل"، كانت في 17 من رمضان بمناسبة غزوة بدر وكان معلنا عن هذه المحاضرة في أحد الأروقة، وكنت لن أعيرها كبير اهتمام ولن أحضرها لو لم ألمح اسم الدكتور ضمن قائمة المحاضرين.
وسبحان الله، كانت تلك المحاضرة مبرمجة في اليوم الذي عزمت فيه على العودة إلى الديار، مما حذا بي إلى تأجيل وقت العودة إلى ساعة متأخرة كي لا أفوِّت مثل هذه الفرصة النادرة.
فتوجهت إلى قاعة المحاضرات لأجدها ـ على غير المتوقع ـ مكتظة بالطلبة في انتظار حضور الأساتذة المحاضرين، وما هي إلا لحظات حتى دخل ثلاثة أساتذة وكنت إلى ذلك الحين لم أتعرف على وجه الأستاذ "خالد"، ولكن ما أن ارتقى الثلاثة منصَّة المحاضرة، وبدأ المقدم في كلمته حتى أشار للأستاذ وأعطى له الكلمة كأول محاضر، وأخذ الأستاذ في إلقاء كلمة ارتجالية حول غزوة بدر، وسكت كل الطلبة كأن على رؤوسهم الطير وكلهم اعجاب وانبهار بما يقدمه هذا الأستاذ من العلم والأفكار الجديدة، وبدا لي كما بدا للجميع أن الأستاذ "خالد كبير علال" كان فارس الحلبة بلا منازع، ثم جاء دور الأسئلة وكانت فرصة لا تضيع لأسأل الأستاذ سؤالا فضوليا خارجا عن موضوع المحاضرة، كان حول الاستشراق والشيعة، وكان حاصل جواب الأستاذ أن الإستشراق اتخذ من مرويات الشيعة منفذا للطعن في الإسلام بالطعن في عدالة الصحابة ونزاهتهم، وأن الإستشراق ضرره أكبر من نفعه، ولا خير فيه.
وبعد أن انفضَّت جموع الحاضرين وددت لو أتمكن من مصافحة الأستاذ وشكره شكرا خاصا على ما يبذله من جهود لكتابة تاريخ صدر الإسلام بصورة موضوعية نزيهة، ولكن حال دون ذلك حيائي وهيبة الأستاذ ووقاره.
ولكن سعدت بعد ذلك بمصافحة الأستاذ ومحادثته ـ في عامي الأول ـ مرتين احداهما حين استوقفته وهو خارج من "المدرسة العليا للأساتذة" لأسأله عن موقف الصحابي الجليل "عمار بن ياسر" ـ رضي الله عنه ـ من الفتنة الكبرى، أو دوره فيها، خاصة وأني كنت قد قرأت في أحد الكتب أنه كان من المحرضين على الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ فنفى ذلك وقال لي بأنه سيصدر له قريبا كتاب حول رؤوس الفتنة، فيه الجواب الكافي لسؤالي هذا، ولم يدم اللقاء إلا بضع دقائق، رأيت فيها من الأستاذ تواضعا جمًّا، ورأيت كيف أنه لم يتحرج من محادثة طالب على قارعة الطريق، وكم وددت أن أهطل عليه بوابل من الأسئلة التي يختلج بها صدري، ولكن لم يكن لا الوقت ولا المكان مناسبان لمثل هذه الأسئلة.
وأذكر أني سألته حينها عن مكان وجود كتبه لإقتنائها، فقال لي ربما سأجدها في "دار البلاغ" بباب الزوَّار، فهي التي طبعت كتاباته حول الفتنة الكبرى، وحقيقة ذهبت إلى باب الزوَّار وإلى "دار البلاغ" ولم أجد عندها إلا كتابا واحدا للأستاذ "خالد" كان عنوانه "مدرسة الكذَّابين في التَّاريخ الإسلامي" فاقتنيته واستفدت منه كثيرا.
أما المرة الثانية التي حادثته فيها فقد كانت بعد نجاح صديقي "مصطفى" في امتحان شهادة الماجستير، وبداية بحثه عن موضوع لرسالته، ومشرف عليها، ولم يكن ذلك المشرف إلا الأستاذ "خالد كبير علال" الذي وقف معنا بتواضعه المعهود، لأكثر من ساعة نتجاذب أطراف الحديث حول الكثير من قضايا التاريخ ومسائل العلم، وبدا فيها كالبحر المحيط، أو كالموسوعة الشاملة، كان واثقا كل الثقة من آرائه وأقواله، يلقيها ويحشد لها الأدلة والحجج، مما لا يدع مجالا لمتكلم، فلا يمكنك أمام ذلك الدفق الهائل من العلم إلا أن تسكت وتنصت، ولا مجال أمامك للرد أو الجدال، لا يمكنك أمام ذلك إلا أن تسأل وتسأل حتى تنتهي سؤالاتك، وتخرج من موضوع إلى موضوع، والأستاذ مسترسل في الإجابة والتوضيح كالفارس البطل الذي تهابه الفرسان والشجعان، وكان إلى ذلك يحيلنا في كل مسألة إلى المصدر الفلاني أو المرجع الفلاني للإستزادة، ولنكون على اطمئنان لما يلقيه.
وكان إلى جانب ذلك كله يصغي للآخر باحترام كامل، ويقدر رأيه وموقفه، ولا يلزم أحدا باتباع رأيه وقوله، بل كل ما يلزمنا به هو البحث والإجتهاد.
وفي الحقيقة كان هذا اللقاء من أسعد اللحظات التي عشتها في حياتي، تبين لي حينها أن صديقي "مصطفى" لم يجانب الصدق والحقيقة في كل ما قد قاله لي سابقا بخصوص الأستاذ، وأني كنت موفقا في اختياري لشعبة التاريخ.
وهكذا انقضى العام الجامعي الأول بفرحة منغصة بعض الشيء، ولكن استفدنا خلالها كثيرا من المكتبات العاصمية، والمحاضرات، والأمسيات الشعرية التي كنت قلَّما أفوِّتها.
***

وجاء العام الذي طالما انتظرته بفارغ الصبر، وجاءت الساعات الذهبية الموعودة، وصار بوسعي أن أرى الأستاذ "خالد كبير علال" بانتظام، وأحادثه وأنهل من علمه كل يوم ثلاثاء مدة ثلاث ساعات كاملة، ساعة ونصف صباحا في المحاضرة، ومثلها مساء في الأعمال الموجهة، وما أسعدني بتلك الساعات التي لو لم أستفد من الحياة الجامعية إلاها لكفتني، فكفى بها ساعات لا تعوض بثمن. وحقيقة كانت ستكون سنوات الجامعة مرَّة ومنغصة لولا تلك الساعات، التي استفدنا منها كل جديد ومفيد، وتعلمنا منها الشيء الكثير، وكأن تلك الساعات هي التي بعثت فينا الحياة من جديد، ودفعتنا للإجتهاد والبحث والمطالعة، ولو صرفت عشرات الصفحات في مدح تلك الساعات لكنت مقصرا وما وفيتها حقها، ويشاركني في هذا الإحساس وفي هذا الشعور عشرات ـ بل المئات ـ ممن تتلمذوا على يد الأستاذ "خالد كبير علال"
***

كانت قاعة المحاضرات تكتَّظ ـ وعلى غير العادة ـ بالطلبة الذين أدمنوا محاضرات الأستاذ "خالد كبير علال"وصار الواحد منهم يتأسف أشد الأسف إن هو ضاعت منه بضع دقائق من المحاضرة، فضلا عن ضياع المحاضرة كلها.
كان الواحد منا إذا تغيب عن محاضرة من محاضرات الأستاذ يعلم أن ضاع منه خير كثير فنقوم لتعزيته في مصابه الجلل، وهذا ما وقع معي مرة، إذ غبت عن المحاضرة لأني شغلت بالمطالعة في "المكتبة الوطنية" إلى ساعة متأخرة، والمكتبة تبعد عن "المدرسة العليا" مسافة 20 كلم أو أكثر، ومع الإزدحام المزمن الذي تعاني منه العاصمة، ضاعت مني المحاضرة، ولما دخلت المدرسة العليا التقيت أحد أصدقائي، وقال لي " عظم الله أجرك، اصبر واحتسب" وهَالَني الأمر، وحسبت أن مكروها قد أصاب أحد معارفي أو أقاربي، فتزايدت نبضات قلبي واحمر وجهي، ثم قلت له "ما الأمر؟" فقال لي:" فاتك خير كثير جراء غيابك عن محاضرة الأستاذ خالد" فقلت له: "روعتني ، لكن صدقت والله".
***

كان الطلبة يتسابقون أوقات محاضرة الأستاذ على المقاعد الأمامية، كي لا يفوِّتوا شاردة ولا ورادة، مما يقوله الأستاذ ـ والحمد لله ـ لم يضع مني المقعد المجاور لمكتب الأستاذ خالد إلا مرة أو مرتين.
ولقد بارك الله في أوقات أستاذنا فكان يجعل شطرا من المحاضرة للنقاش والحوار، وشطرها الآخر لتدوين وتقييد تلك العلوم، وكان الأستاذ كعادته، ـ وعلى غير عادة كثير من الأساتذة ـ يملي علينا محاضراته بأسلوبه السهل الجزل الغير معقد الخالي من التكلُّف من حافظته دون الرجوع إلى الكراسات والدفاتر، وهذا دليل آخر على أنه مدرك لما يقول محيط بالمسألة التي هو بصدد الحديث عنها ومناقشتها.
كما أن الأستاذ "خالد كبير علال" آية في حفظ التواريخ والأحداث وأسماء الأعلام والبلدان والكتب وغيرها، كما هو آية في الذكاء، يجيب على البديهة جوابا محكما، وكأنه يقرأ من كتاب.
***

أدركت الآن بنفسي أنَّ الأستاذ "خالد كبير علال" مميز بكل معنى الكلمة، وليس كسائر الأساتذة، ولا كسائر الدَّكاترة، فهو جادُّ مخلص للقضية التي يؤمن بها، مثالُ في الجد والإجتهاد والمثابرة، والنزاهة والموضوعية.
كان ـ حفظه الله ـ ولايزال يصرف سائر أوقاته في المطالعة والبحث والتأليف، وتكوين الأساتذة والأجيال، إنه بحر زاخر وجهبذ من جهابذة الجزائر، يكتب في المسألة الواحدة الصفحات الكثيرة والطويلة، حتى أنه لا يمل من الكتابة، يكتب جالسا ما شاء الله أن يكتب، فإذا شعر بالتعب أو أحس بالألم، لا يرتاح وإنما يكتب واقفا، ثم يكتب ماشيا، حتى أنه يكتب مستلقيا على ظهره أو على جنبه، وهذا يعرفه كل من درس على الأستاذ أو جالسه واستفاد منه.
وأجزم أنه لا يوجد كتاب في "المكتبة الوطنية" خال من بصمات الأستاذ "خالد كبير علال" فقد فلاها فليا، ونظر في كل كتبها، وأحاط بها احاطة البحر بالجزر، والهالة بالقمر، فليس هناك مصدر من مصادر التاريخ الإسلامي إلا نظر فيه، واستفاد منه، يقرأ كثيرا لعلماء مدرسة أهل الحديث، كابن تيمية، وابن القيم، والذهبي وابن كثير وغيرهم.
كان يثير استغراب الناس من حوله، حين يرونه وهو في الحافلة يكتب واقفا أو جالسا أو متَّكئا، رغم سير الحافلة واهتزازها.
وقد أثمرت مطالعاته بأن حاز على شهادة الدكتوراه في زمن قياسي ـ مدة أربع سنوات فقط ـ وكانت حول "الحركة العلمية الحنبلية و أثرها في المشرق الإسلامي، خلال القرنين السادس و السابع الهجريين "
والأستاذ بعيد كل البعد عن حب الظهور والتصدر والرياسة، فليس له همُّ إلا العلم والإستزادة منه، وهو بعيد عن كل المناصب الإدارية ليتفرغ لخدمة الطلبة وتكوينهم التكوين الجيد، وتوجيههم التوجيه السليم، يعمل بإخلاص متقنا لعمله، متفانيا فيه، يقول رأيه ووجهةَ نظره صراحة بلا مراء ولا مداهنة أو مداراة ولو أثارت استغراب البعض أو نفورهم.
وهو مع هذا حريص على نصرة الحق، غيور على السنة محبُّ لها، شديدٌ على البدعة وأهلها، لا يخاف في الله لومة لائم، وحين رأى أن معظم الطلبة يدرسون في وحدة ما قبل التاريخ نظرية "دارون" حول التطور والإرتقاء، ألَّفَ في دحضها كتابا قيِّما عنوانه "الداروينية في ميزان الإسلام والعلم" كي لا يغتَّر الطلبة بهذه النظريات، وهذا من غيرته على الإسلام، ونصحه للطلبة.

***

ولد الأستاذ "خالد كبير علاَّل" يوم التَّاسع من شهر ماي سنة 1961 بالجزائر، وتحصل على شهادة الماجستير سنة 1996، من جامعة الجزائر، وكان موضوع الرسالة: "الحركة الحنبلية و أثرها في بغداد ( ق: 3-5هـ)"، وحاز على شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي سنة 2003 من جامعة الجزائر وكان موضوعها ـ كما أشرت قبل قليل ـ: "الحركة العلمية الحنبلية و أثرها في المشرق الإسلامي ، خلال القرنين السادس و السابع الهجريين"، وهو الآن يشغل منصب أستاذ محاضر ودائم بالمدرسة العليا للأساتذة في الآداب و العلوم الإنسانية بالجزائر العاصمة، وأستاذ مؤقت بقسم التاريخ بجامعة الجزائر.
والأستاذ "خالد كبير علال" له الكثير من المؤلفات التي لم تر النور بعد، وهي تعد بالعشرات، والمطبوع منها قليل، أهمها "أخطاء المؤرخ ابن خلدون في كتابه المقدمة", "صفحات من تاريخ أهل السنة و الجماعة في بغداد ( ق: 2-3 هـ)"، - "الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث –خلال القرنين:5-6 الهجريين-"، كما أن له تحت الطبع كتاب "التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي" وكتاب "رؤوس الفتنة في الثورة على عثمان". كما أن له مخطوطا ينتظر النشر عنوانه: "مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية –خلال العصر الإسلامي"
***

أكتب هذه الشهادة في حق أستاذنا الجليل "خالد كبير علال" وأنا مجرد فرد واحد سعدت يوما ما بلقاءه والتتلمذ على يديه، أكتبها شهادة لله وللتاريخ، أملاها حبُّنا له وإعجابنا به وتقديرنا واحترامنا له، وأعلم جيِّدا أننَّي مقصِّر ـ ولا شك ـ في حقه، وربما يستطيع غيري ممن صحبه ولزمه أن يسجل له أكثر مما سجلت له من المواقف والمآثر، ولكن هذه مجرد لفتة، رجونا من خلالها أن يتعرف طلبة العلم وحملته على واحد من جنس الرعيل الأول لا يزال بين ظهرانينا. والله من وراء القصد.
وكتبها: جيلالي بن فرج حسين، يوم الجمعة 19 أكتوبر 2007م