الأصول التي ترجع اليها مسألة عذر الجاهل عند كلا الفريقين
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الأصول التي ترجع اليها مسألة عذر الجاهل عند كلا الفريقين

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    71

    افتراضي الأصول التي ترجع اليها مسألة عذر الجاهل عند كلا الفريقين

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أله وصحبه ومن والاه ... وبعد :
    فهذه كلمات أرتبها في حلقات في مسالة العذر بالجهل التي اتخذت عند البعض معقدا للولاء والبراء ،و جعلت فتنة بين أهل الصلاح والالتزام يختبر المرء منهم أخاه هل يعذر بالجهل أم لا يعذر ؟ فإن كان على ما هو عليه وإلا تغير قلبه عليه وحذر منه وصد عنه وعاداه وعده من جماعة أخرى مبتدعة لأجل مخالفته في هذه المسالة ،وإن كان موافقا في كل مسائل الشريعة !... والله المستعان
    بل وصل الامر أن نودي على المنابر أن من لم يعذر بالجهل فهو تكفيري خارجي ! وعلى الطرف الأخر نودي أن من يعذر بالجهل فهو مرجىء جهمي ! ..
    والكلام هنا ليس سردا لأدلة الفريقين ولا نقاشا حولها ، بل هو بمثابة التنبيه إلى أصول ومنطلقات الأقوال لكلا الفريقين أتناول في كل حلقة جزأ منها وأحرص على ذكر بعض الجوانب المغيبة في المسالة ، وأتناولها بطريقة مختلفة عن الطريقة التقليدية في سرد الأدلة وحشد النقولات، لعل أن تتكشف بعض المعاني التي قد تغيب عنا في زحمة الردود وحماس المناقشات ، فتساعد على تصور المسالة بصورة صحيحة ، فتتلاشى الخلافات الوهمية ويركز على الخلافات الحقيقية والتي قد يكون الحوار فيها أهم من مسالة العذر بالجهل نفسها .....
    لان غياب الأصول التي ينطلق منها كل فريق من المتنازعين عن الآخر - بل عن صاحب القول نفسه أحيانا - قد يؤدي إلى عدم تصور موقف كل طرف من الأطرف في المسألة كما ينبغي ،وبالطبع فإن هذا يعمل على استمرار الخلاف قائما بينهم دونما فرصة جدية للتوافق أو محاولة تقليص الخلاف أو حتى تصوره تصورا صحيحا ..
    لذا فسأذكر هنا ما أراه أصولا من وجهة نظري لكل طرف من خلال طرحه لها ، وقد أتعرض لبعض هذه الأصول للتنبيه على خطأها أو صوابها – أيضا من وجهة نظري- وقد اكتفي بذكرها ...
    وبالوقوف على تلك الأصول لكلا الفريقين أرى أنه قد يتوصل في وقت ما إلى توافق بين الفريقين أو على الأقل تقارب وتفهم ، إذا ركزت الجهود في مناقشة تلك الأصول والتوافق عليها ... والله الموفق

    ******************
    الحلقة الأولى :
    أبدأ أولا بذكر الأصول التي ينطلق منها الطرف الأول والذي يقرر من خلالها عدم العذر بالجهل في التوحيد وأصل الدين على تفصيل يأتي بيانه إن شاء الله ...
    ومن أهمها :
    الأصل الأول : حقيقة الإيمان الكفر..
    -فالإيمان والكفر متقابلان إذا زال احدهما خلفه الآخر ، ولا يجتمع أصل الإيمان وأصل الكفر قط ، كما لا يرتفع أصل الإيمان واصل الكفر قط كما قال سبحانه :"هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " فهما لا يجتمعان ولا يرتفعان في آن واحد ، ولكن قد تجتمع شعبة من شعب الكفر مع أصل الإيمان إذ أن الكفر أصل ذو شعب ، كما قد تجتمع شعبة من شعب الإيمان مع أصل الكفر فالإيمان أيضا أصل ذو شعب ... وهذا من أعظم أصول أهل السنة والجماعة ...
    وعندما نتكلم عن الإيمان الذي يقابله الكفر فإننا لا نتكلم عن الإيمان الكامل أو الواجب ، بل نتكلم عن أصله وحقيقته وهو توحيد الله سبحانه وتعالى ...
    هذه الحقيقة التي خلق الله الخلق لأجلها وفطرهم عليها وأرسل إليهم رسله وانزل كتبه ليعبد الله وحده لا شريك له، و يعبد بما شرع على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم ....
    قال سبحانه :" وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون"
    وقال سبحانه:" ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"
    والكفر في اللغة هو الستر والتغطية
    - وفي الاصطلاح فهو : " ضد الإيمان"
    قال شيخ الإسلام رحمه الله :
    ( والكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين سواء " اعتقد نقيضه وتكلم به" أو " لم يعتقد شيئا ولم يتكلم" ولا فرق في ذلك ) مجموع الفتاوى ( 20 / 86 )
    ومعنى قوله رحمه الله أن الكفر عدم الإيمان ،أن من لم يأت بالإيمان فقد كفر...
    وهو على ضربين :-
    - ضرب لم يأت به ولم يحققه وهذا هو الكافر الأصلي ..
    - وضرب أتى بالإيمان ثم ارتكب بعد ذلك بما ينقضه من المكفرات القولية أو العملية ..
    فكل من لم يأت بالإيمان أو يحققه سواء من لم يأت به أصلا أو أتى به ثم نقضه فقد لابس الكفر قطعا .. وسواء كان كفره أصليا أو طارئا....
    قال ابن القيم رحمه الله : ( والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له ، والإيمان بالله وبرسوله وإتباعه فيما جاء به ، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم ، وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل ..)
    فما لم يأت العبد بالإيمان فليس بمسلم سواء اعتقد نقيضه وتكلم به" أو " لم يعتقد شيئا ولم يتكلم" ولا فرق في ذلك...
    وكل ما يحيد بالمكلف عن تحقيق هذا فليس بعذر في كون صاحبه ليس بمسلم .. سواء كان جاهلا أو غير ذلك ، وإن كان قد يعذر لعدم البلاغ في لحوق العذاب به ...
    قال شيخ الإسلام رحمه الله : "... وفى السنن عن عوف بن مالك قال قال رسول الله أتاني آت من عند ربى فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهى لمن مات لا يشرك بالله شيئا وفى لفظ قال ومن لقي الله لا يشرك به شيئا فهو في شفاعتي وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون..."
    هذا هو الأصل الأول الذي ينطلق منه من لا يعذر بالجهل على تفصيل يأتي بعد ذلك...
    وخلاصته أن حقيقة الإيمان التي قررها الشارع سبحانه منتفية في حق المشرك الذي أشرك بربه ، فإذا ثبت الكفر والشرك فقد انتفى عنه الإيمان ضرورة ..
    فمن يثبت له الإيمان بعد ذلك فإنما يثبته بغير موجب أو يثبته على غير قواعد أهل السنة والجماعة ..

    الأصل الثاني :
    - النصوص الواردة في المسالة ..
    لا يوجد نص صريح في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع للأمة يدل على العذر بالجهل في التوحيد وأصل الدين فضلا عن عموم العذر بالجهل في كل مسائل الشريعة ...
    ولاشك أنه مع تقرير الأصل السابق لا يمكن أن يكون ثمة نص أو نصوص من الكتاب والسنة تثبت الإسلام لمن يشرك بالله سبحانه وتعالى الشرك الأكبر المخرج من الملة ...
    فيمتنع أن توجد نصوص تقرر اجتماع الإسلام والكفر، والشرك والتوحيد في رجل واحد في آن واحد ... هذا لا يكون قط في شرع الله ...

    الأصل الثالث :
    وهي اختلاف الجهل كعذر عن غيره من الأعذار الأخرى كالخطأ والنسيان والإكراه..
    فالجهل في حد ذاته لا يمنع من قيام حقيقة الكفر في نفس العبد ، ولا يحول دون تلازم الظاهر بالباطن ، فالذي يشرك بربه سبحانه وتعالى ما أشرك في عبادته إلا وقد سبق ذلك الشرك شرك آخر في ربوبيته وأسماءه وصفاته ، فلا يستغيث بغير الله في مالا يقدر عليه إلا الله إلا ويعتقد في المستغاث قدرة لا تكون إلا لله وعلما لا تكون إلا لله وصفات لا تكون إلا لله وهكذا في كل نوع شرك يشرك بالله فيه ....وهذا لا فرق فيه بين العالم والجاهل ...
    والذي يسب الله جاهلا أن حكم هذا العمل كفر، هو كمن يسبه عالما أن حكم هذا العمل كفر.. فكلاهما زال عنه عمل القلب وهو تعظيم الرب سبحانه وتعالى ،إلا أن العالم يزيد كفره عن كفر الجاهل بما يوجب له تغليظ العقوبة ..
    فالكفر يزيد في دركاته كما أن الإيمان يزيد في درجاته ...
    قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ" آل عمران
    وقال سبحانه : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً " النساء
    والمشرك الجاهل تقوم في نفسه من حقائق العبودية لغير الله كما تقوم في العالم تماما وكما كانت قائمة في أهلها قبل مبعث جميع الرسل ، وإن كان لا يتصور عالما يشرك بالله إلا على وجه يتأول فيه هذا الشرك بنوع من الجهل كما ذكر سبحانه عنهم : "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"
    -وهذا بخلاف بقية الأعذار كالخطأ والنسيان والإكراه ،فلا تقوم بها حقيقة الكفر في نفس العبد ولا يتلازم الظاهر بالباطن مع وجوده هذه الأعذار ضرورة انتفاء القصد والإرادة والاختيار ..
    - بل شرط كونها عذرا لصاحبها أن يطمئن قلبه بالإيمان ولا ينشرح بالكفر صدره ومع ذلك فالأدلة على ثبوت وعموم هذه الأعذار صريحة وقاطعة بخلاف الجهل ...
    - ولذلك لا يمكن أن يقال عن الجاهل الذي يشرك بربه أنه وحد الله في العبادة ،أو أنه أخلص العبادة لله .. أو يقال هذا موحد ... هذا لا يتأتى عقلا(إلا على مذهب أهل التثليث ) فضلا عن تقريره شرعا ..
    فالشرك نقض لحقيقة الدين وأصل الرسالة ،فلا ينفع مع هذا كون فاعله جاهل أو غيره ... وبيان هذا واجب متحتم على كل موحد ... وبيان غيره تغرير بالجاهل وتغيب لحقيقة الدين التي أرسل الله لها جميع رسله وأنزل جميع كتبه ...

    ****************
    هذه هي الأصول الهامة التي تعد منطلقا فيما أرى ، وثمة أصول أخرى ذات علاقة بالموضوع جائت ردا على أصول وأدلة الطرف الآخر منها :
    - أنه لا تلازم بين أحكام الكفر والإيمان في الدنيا وأحكام الثواب والعذاب في الآخرة ..
    - أنه لا فرق بين الكافر الأصلي وبين الكافر الطارئ في أن كلاهما لم يأتي بحقيقة الإيمان ..
    - ثبوت وصف الشرك قبل قيام الحجة الرسالية وعدم تأثير الجهل على ذلك ...
    - تقرير أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل ،فمن يشرك بالله فقد نقض ركن العمل ولا يثبت له الإسلام بالقول دون العمل إلا على منهج المرجئة ...
    - تقرير أن قصد الكفر غير معتبر في التكفير والدليل على ذلك إجماع الأمة على كفر الهازل مع عدم قصده للكفر قطعا ...
    هذا ما يظهر لي والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    تتبع
    الحلقة الثانية

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    1,394

    افتراضي رد: الأصول التي ترجع اليها مسألة عذر الجاهل عند كلا الفريقين

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الموحد السلفي مشاهدة المشاركة
    لا يوجد نص صريح في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع للأمة يدل على العذر بالجهل في التوحيد وأصل الدين فضلا عن عموم العذر بالجهل في كل مسائل الشريعة ...
    الحلقة الثانية
    جزاك الله خيرا على تفصيلك الماتع ، ولكن لا أرى موافقتك على هذه العبارة ، أرجو منك مراجعتها مرة أخرى ، لعل وعسى .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    24

    Lightbulb رد: الأصول التي ترجع اليها مسألة عذر الجاهل عند كلا الفريقين

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم وبعد..

    دلالات الإسلام كالصلاة لا يعتبر بها إذا كنا نعرف أننا نعيش وسط قوم يشركون بالله، ولو كان ذلك لأبطلنا الدين كله وقد حصل، فمرة تقول أن من أشرك فهو مشرك جاهلا كان أو عالما، وأن من أفتاه بجواز الشرك كافر وإن كان متأولا، ثم تثبت له الإسلام بصلاته وتهدر تلك القاعدة الأولى، وإن لم يكن الشرك موجبا للتكفير فما الموجب؟!

    أنا لا أعتقد بأن الجهل هو المكفر بذاته، وإنما الجهل هو مانع من الإسلام، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فهو مشرك كافر، وفي المقابل فإن العلم بالإسلام ليس هو الإسلام، وليس هو المدخل في الإسلام، وإنما الإسلام لا يقوم إلا بعد العلم به.
    وأظن أن الغلمان اللاهين يدركون هذا، أما نحن الذين نحمل الأقلام فرحنا نتفلسف تلك الفلسفة العقيمة، ونقيم الأدلة على أن العمل لا يتحقق إلا بعد معرفته.

    نسأل الله الهداية للجميع وأن نحتكم إلى كتابه الكريم وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فمن تبين له الحق فلا يتبع خطوات الشيطان وليتبع ما تبين له من الهدى ولا يتعصب، آمين والحمد لله رب العالمين.


    -------------------------
    موقع البيان الإسلامي
    www.bayanislami.com
    -------------------------

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,607

    افتراضي رد: الأصول التي ترجع اليها مسألة عذر الجاهل عند كلا الفريقين

    للربط

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •