قوافل الأحرار وشرذمة حكّام




لست أكتب وأنا من هواة الكتابة، أو من ذوي الباع الطويل فيها، ولكن وجدتني مدفوعاً إلى ذلك دفعاً؛ لشدة الهول والذهول ممّا تمارسه طغمة حمقاء جاهلة من حكّام ابتليت بهم أمّة الإسلام، عجب لا ينقضي منه العجب ! وألم يشتكي منه الألم !
إن جنس الإنسان محترم كريم في شريعة الإسلام، وقد تقرر ذلك في قول الله تعالى ولقد كرمنا بني آدم ويزداد الإنسان رفعة وتكريماً بإسلامه واستسلامه لله ربّ العالمين، وعلى هذا الأصل الرباني وهذا القانون السماوي في تفضيل وتكريم جنس بني آدم بنيت أحكام الشريعة الغرّاء، فهي قائمة على تقدير الإنسان ومراعاة أحواله، وحفظ حقوقه، وصيانة مصالحه وضرورات عيشه، حتى إنك لتعجب حين ترى الشريعة تتدرج في الأحكام، مراعاة لأحوال الناس الذين هم حديثوا عهد بها، وعلى احترام الإنسان فردا وجماعة بنى محمد صلى الله عليه وسلم الحضارة الإسلامية السمحة الفريدة.
إنّني أهيب بالقرّاء الكرام إلى مراجعة نظام الحكم عند محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدون، إنّكم حين تفعلون ستقفون على قوانين ونماذج وصور باهرة عجيبة قل نظيرها في أنظمة الحكم السابقة والمعاصرة !
لقد وقفت على شيء من ذلك فدهشت حقا، وعلمت لماذا يبذل أعداء الإسلام وأعوانهم جهودهم الجبّارة لتشويه صورة الإسلام؛ لأنهم يدركون أن الناس لو عرفوا حقيقة الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لما اختاروا عنه بديلا، ولدخلوا فيه أفواجا!
ستجدون في نظام الحكم عند محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدون، أمثلة تطبيقية عملية نادرة وسامية:
في حقوق الإنسان، وحرية التعبير، والشورى الدستورية، وتحقيق العدالة، واستقلال القضاء، ونزاهة الحكم، وحفظ المال العام، ومكافحة الفساد وقطع دابره، والأخذ على يد القوي الظالم للضعيف المظلوم، وحقن دماء الأمة وحفظ بيضتها ورعاية مصالحها والذود عنها.
ستجدون الصدق في إرادة الخير للبشرية وإسعادها، وتحقيق القيم الأخلاقية، وتعزيز الفضيلة ومكارم الأخلاق، معان سامية، ومدنية راقية، تغار منها الديمقراطية المعاصرة، المشوبة بكثير من المصلحة والنفعية والخداع على حساب المستضعفين، وعلى حساب الإنسانية السليبة التي ظلمت حين حرمت العيش تحت مظلة الإسلام النبوي الراشدي العادل.
إن الحكم في شريعة الإسلام: إنما هو عقد تعطيه الأمة لمن ترتضيه للحكم، ليقوم بموجبه على شؤونها وفق شريعة الإسلام، فإن نقض ما يتوجب عليه من المقتضيات والشروط، رجع الحق للأمة في تنصيب من هو أكفأ وأجدر في القيام بشؤونها وتحقيق مصالحها؛ وبناء عليه كان للأمة الحق في الرقابة والمراجعة والمحاسبة لمن يلي أمرها، وكان ذلك في حقيقته خير وقوة ومنعة للحاكم والمحكوم، وأمان وضمان من تسلل الشر والفساد الذي ينخر ويهدد بالانهيار.
وفي المقابل لما تقدّم من التوصيف المجمل للصورة الناصعة الباهرة لنظام الحكم المحمدي والراشدي العادل، ننتقل إلى نماذج يحار المرء معها في اختيار المفردات والتعابير والأوصاف اللائقة بها !
إنني اكتب هذه السطور والحكام في اليمن وليبيا وسوريا يتبارون في إبداعات الخزي وإحراز النقاط في الخسة والحقارة التي يأنف منها الأسوياء والعقلاء الشرفاء من بني آدم على اختلاف أديانهم.
نعلم الأطفال في المدارس ونغرس فيهم الخلق الكريم، والفضيلة والقيم النبيلة، والأدب والاحترام، وحفظ الحقوق وصيانتها، وحرمة الأنفس والأموال والأملاك، ثم يرون ونرى هذه الطغمة وهي تهدم ما بني، تخون وتغدر تقتل وتكذب، تنافق وتسفك الدماء، تهتك الأعراض وتخلف الوعد، جرائم فظيعة ضد الإسلام، وضد الإنسانية، وضد المبادئ الأخلاقية !
إنني أكتب وأنا أحرص على الموضوعية والحياد وهما من أهم المبادئ في الحقوق وإصدار الأحكام، ولكنها الحقيقة يا أمة الإسلام، فأول ما أساء اليه هؤلاء الحكام، إنما هو: الإسلام ذاته.
لقد طعنوه وخذلوه وخانوه حين ائتمنوا عليه، لقد أزروا بصورة الحكم الإسلامي أمام العالمين، وإن كنا نعلم مسبقاً أنهم ليسوا من حكم الإسلام في شيء، ولكن الخارج ينظر إليهم أنهم حكام في بلاد الإسلام، أسأل الله الذي رفع السماء بلا عمد أن يقبضني ومن يعز علي، ولا نكون يوماً تحت مثل هؤلاء الشرذمة.
ما كنت أظن أن سخيفا دجالا حين حاق به مكره السئ وأخذ يفلس ويحتضر، فإذا به يعلن شعوذته في قناته الرسمية، ويخوف العالم بالمربوط الليبي .. شر البلية ما يضحك !
ما كنت أظن أن أرى من يتقصد ويمنهج هتك الأعراض في نساء وطنه انتقاماً وحقدا لأنهم قالوا له : لا .
ما كنت أظن أن أرى من يستهدف جنائز تشييع الموتى ، حتى إن الدول الموغلة في الإجرام كإسرائيل وأمريكا تتجنبان ذلك؛ لأنه سقوط أخلاقي وسياسي.
ما كنت أظن أن أرى من يكذب ويعد ويخلف ويتلون أمام العالمين وكأنما هو غر ٌجاهل صغير.
ما كنت أظن أن أرى من يوغل في دماء شعبه، ويقتلهم بالغازات السامة.
ما كنت أظن أن أرى من يمنع حليب الأطفال ويقطع الكهرباء عن البيوت، وفيهم الهرم والمرأة والضعيف ومن حرّم الإسلام قتلهم حتى من الكفار في حال الحرب مالم يقاتلوا.
ما كنت أظن أن أرى من يقابل شعبه المسالم بالمجنزرات والدبابات، ويصنع منهم أنهارا وبركا من الدماء.
ما كنت أظن أن أرى من يحوك المسرحيات الساذجة المفتراة، ليمرر بها مؤامرة الفتك والقمع لشعبه.
ألا تباً وبعداً لهم وسحقا ..
وصدق الحق إذ يقول إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين .
اللهم إنا نبرأ إليك من فعل هؤلاء السفهاء وأعوانهم، ونعتذر إلى جميع الأسوياء في هذا العالم، وحسبنا في اعتذارنا أن يرى العالم هذه الجموع الغفيرة من قوافل الأحرار التي خرجت بصدورها العارية لتقول : قد ولى زمانكم يا هؤلاء وطويت صفحتكم فلستم أهلا للبقاء.
خرجت لتقول : لغير الله لن نركع.
خرجت لتقول :
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسـي حيـاة مثل أن أتقدمـا

خرجت لتعطي دروسا للعالمين وللتاريخ في حقيقة العزة والحرية الكرامة التي أراد الله لخليفته في الأرض أن يتبوأها.
ألا بوركت يا قوافل البِشر والخير، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول كما في الترمذي: «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره »

سيري قوافل الأحرار؛ لطي صفحة قاتمة حالكة السواد من تاريخ هذه الأمة.
سيروا على بركة الله يا من أنفتم حكم هؤلاء الجبابرة الحمقى الجهال الذين لم يتركوا رزية إلا ارتكبوها.
إن الأمة من ورائكم ترقب سيركم وترفع أكف ضراعتها طالبة من الله النصر لكم.
ووالله .. أقسم بها غيرحانث، لن يخذلكم المولى جلّ وعلا ومن أوفى بعهده من الله .
نسأل الله أن يبارك جموعكم ويوحد صفوفكم، وأن يكلل جهودكم بالنصر والظفر في مقارعة هذا الاستعمار المغلّف.
نسأل الله الفتح على أيديكم في معركة إعادة اليقظة ووعي الأمة، بعد غيبة طويلة وزيف وتضليل وقابلية للاستعمار والعبودية لغير الله تعالى.
نسأل الله أن يضمد جراحكم وأن يجعل لكم فيه سبحانه عوضا وخلفا من كل فائت.
وأسأله سبحانه أن يلتقينا بكم قريبا على أعتاب القدس الشريف، لتسترد الأمة باستعادة القدس دورها الحقيقي والريادي والحضاري اللائق بها.
تحيتي وسلامي لكم يا أهل تونس الخضراء فأنتم من قدح الزناد.
تحيتي وسلامي لكم يا أهل الكنانة فأنتم من ختم باعتماد النسخة وزاد عليها.
تحيتي وسلامي لكم يا أحفاد المختار، وصبر جميل والله وحده المستعان.
تحيتي وسلامي لكم يا أهل الحكمة والأفئدة الرقيقة في يمننا السعيد، فقد بهرتمونا بصبركم وحسن بلائكم، وصبر جميل والله وحده المستعان.
تحيتي وسلامي لكم يا أهل الشام وبيت المقدس المبارك ومجمع طلائع الفتح، وصبر جميل والله وحده المستعان.
تحيتي وسلامي لكم يا أهل بغداد الرشيد ودجلة والفرات، ويا أهل الإيمان في الأفغان، وذرى القوقاز، وصبر جميل والله وحده المستعان.
تحيتي وسلامي لكل حر شريف أبي يأنف الظلم ويراغمه ويدافعه بما يستطيع في كل مكان، وصبر جميل والله وحده المستعان.
تفاءلوا وأبشروا فقد هلت تباشير الصباح..
قطعت طريق المجـد والصبر وحـده رفيقي ومائي في الطريق وزادي
ولي من لهيب الشوق في حيرة السرى دليل إلى الشأو البعيد وحـادي
هو العمر ميدان الصراع وهل ترى فـتى شق ميدانـا بغـير جهاد


سيروا يا قوافل الأحرار..
استعينوا بالله ولا تعجزوا، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، أخلصوا لله تعالى، نقوا مقاصدكم من كل شائبة واسترشدوا بالكتاب العزيز وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، خذوا برأي وتوجيه العلماء الأمناء الأثبات الربانيين، والعقلاء المشهود لهم بالعقل الراجح والفكر النير، وختاما يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون .


فواز بن عادل بن غنيم
ينبع : 29 / 5/ 1432

fawazg2020@gmail.com