طلالة على بُحيْرة الدَّم: «فلسفة الجراح»
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: طلالة على بُحيْرة الدَّم: «فلسفة الجراح»

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    100

    افتراضي طلالة على بُحيْرة الدَّم: «فلسفة الجراح»

    كنتُ قد كتبتُ كلماتٍ على قصيدة الشاعر اليمني: عبد الله البردُّوني: «فلسفة الجراح» ونشرتُها في عدد من المنتديات، قبل بضع سنوات، لكنني لم أتمِم ما كتبتُ، واشتهت نفسي أن أكتبَ اليوم ما أُتِمّ به تلك الكلمات، فإليكموها كاملة بعُجَرِها وبجرِها:

    بسم الله الرحمن الرحيم



    ألمٌ يدفن آلامًا، وآمال تستوحش من مهجةٍ ألهبتْها جراحُ الروح، وفؤادٌ حائر لا يدري بأيِّ أولئك يشتغل وماذا يُعالج!
    وزحمةٌ من الهموم تنسي صاحِبَها أسبابَ حزنِه؛ لكنَّها تكتمُ روحَه فلا يجد لريَاحِ الأملِ الطيِّبَةِ منفذًا! فيقفُ مع نفسه ويحاور عقلَه محاولاً علاج حيرتِه والوقوف على منشأ ألمه، فيقول:


    متألِّمٌ، ممَّ أنا متألِّمُ؟ [] حارَ السؤالُ وأطرقَ المستفهِم



    ولم ينفعْه الإطراق وإثارة الفكر، فعليه أن يستثير الحس الداخلي ويفتِّشَ في الشعور، فيقول:


    ماذا أحِسُّ؟ وآهُ حُزْنِي بعضُهُ [] يشكو فأعرفُهُ وبعضٌ مبْهَمُ

    بي ما علمتُ من الأسى الدامي وبي [] من حُرقَةِ الأعماقِ ما لا أعلمُ



    ... وكيف يعلم عن تفاصيل جَمْرِ أعماقِهِ، وعقلُه مغطًّى بأدخنة مختلفة من الحيرة والقلق؟ بل إنَّ جراحَه الملتهبة وأحزانه المتراكمة وأوهامَه الكثيرة اجتمعن فأعمين بصيرتَه –كما عَمِي بصرُه- وترَكْنَه ضعيفَ الحيلة أمام روحِه التي صارت وقودًا لنيران جراحه الغائرة في أعماقه! وليس إلى إنقاذها سبيل –ولو في نظره- وليس له منها مهرب!

    وكأنَّ روحي شُعلةٌ مجنونَةٌ [] تطغى فتضرِمني بما تتضرَّمُ


    يا ويحَ نفسِه! لقد ذاق هذا الشاعرُ البئيس من الفقرِ والحرمان والإعاقة ما أفقر قلبَه من السعادة، وضمَّ إلى كل أولئك ضلال فكر لا بدَّ أنَّه قد حرم روحَه من موردٍ لا ينهل منه غيرُ أهل الإيمان واليقين.

    ولقد دلَّتْنا الأبياتُ السابقة على أنَّ ذلك الجريح على وشك الاحتراق! إذ ليس بعد الحريق إلا الاحتراق! ولكن ماذا بعد هذا الاحتراق؟!

    [] [] []
    بعد احتراق القلب!


    في «بحيرة الدَّم» نيران من أسى وحرمان وآلام أودَتْ بالقلب المضطرب فيها!

    فسعى الشاعر المفجوع وحيدًا في جنازة قلبه الهالك:


    وكأنَّ قلبي في الضلوع جنازةٌ [] أمشي بها وحدي وكلِّي مأتم


    لا جرَم أن «الوحدة» وحدها كافية لتمزيق قلبه وتضييق الأرض عليه!

    لكنَّه لم يكن وحده كما يقول؛ بل شاركه حشدٌ في تشييع جنازته والعويل –جزعا- على فقيده!
    لقد دارت به الدوائر حتى أحس بمن يشاركه في مأتمِه...!
    إنها مصائبه وجراحه الأليمة تكاثرت عليه، فكان صراخُ كلٍّ منها: مصيبةً وحدَه!


    أبكي فتبتسمُ الجراحُ من البكا [] فكأنَّها في كلِّ جارحةٍ فَمُ



    فصار يمشي بين الضجيج الذي أشغلَه عن نفسِه، بل أغفله عن درب الموت السريع!
    ولا تعجب! فهو القائل:

    تمتصُّني أمواجُ هذا الليلِ في شَرَهٍ صَمُوتْ
    وتُعيدُ ما بدَأتْ.. وتنوي أن تفوتَ ولا تفوتْ
    فتُثِيرُ أوجاعي وتُرْغمني على وجعِ السُّكوتْ
    وتقولُ لي: مُتْ أيها الذاوي...فأنسى أن أموتْ!

    ثم لا تنسى نعمةَ الله عليك أن وقاك مما ابتلاه، فالحمد لله على نعمه الوافرة!

    وإن مرَّ في قلبك طائف حزن أو عاصف حيرة، فأنشِد –إن كنت منشِدًا- مثلَ هذا:


    أنا يا ربِّ! حائرُ الخطوِ عانٍ [] أتراءى لديك خيرَ مصيرِ

    ربِّ! فاملأ بنورِ حُبِّك قلبي [] أرتشفْ كوثرَ الصفاءِ النضيرِ!

    [] [] []


    إنَّ مشاركة جراح الجوارح، ببسماتِها، لدموع الشاعر الباكي: يوقفُك على منظرٍ مثير!
    ترى عيونا يسيل منها الدمع، وتحت العيونِ جروحا مفتوحة، وتمتزج -هنا- الدموع بالدماء، لتسيل إلى جراحٍ أخرى أسفَلَ منها... أنتَ الآن لستَ تقابلُ نفسًا مجروحة، بل أنت أمام شبكة من الجراح!


    يا لابتسامِ الجرح، كمْ أبكي، وكمْ [] ينسَابُ فوقَ شفاهِهِ الحمرا دمُ


    وإنْ تطلَّع بصرُك إلى منتهى تلك الشبكة الأليمة، فسيجبُك الشاعرُ الباكي، بقوله:


    أبداً أسيرُ على الجِرَاحِ وأنتهي [] حيثُ ابتدأتُ فأينَ مني المختمُ


    لكنَّ هذا الجريح لا يركن إلى البكاء، ويضمُر في القنوط، بل يسير معارِكا، يطلبُ الأملَ، وإن وطئ جرحَه في كلِّ خطوة:

    وأُعارِكُ الدنيا، وأهوى صفوَها [] لكن كما يهوى الكلامَ الأبكمُ
    وأبارِكُ الأمَّ الحياةَ لأنَّهـا [] أمِّي، وحظّي جناها العلقمُ


    وهو مع ثُقلِ ممشاه، وشدة آلامه، ثم طموحه يصطدم بجدران اليأس مرات بعد أخرى. ومع ذلك سيصبر، وتراه كما يقول الجواهري في مقصوتِه الشهيرة:


    وتطوي الضُّلوعَ على نافذٍ [] من الصَّبرِ يُدمي كحزِّ المُدى


    ولن يرضَ بالاستسلام، وإنْ اكتفى بجعلِ مأساتِه المرَّة شيئا آخر له طعمٌ حلو.


    حرمانيَ الحرمانُ إلا أنَّني [] أهْذي بعاطِفةِ الحياةِ وأحلُمُ

    والمرءُ وإن أشقاه واقعُ شؤمِهِ [] بالغبْنِ، أسعدَهُ الخيالُ المُنعِمُ


    سيَنعم بمأساتِه، إن لم ينعَم بالخلاص منها!


    وحدي أعيشُ على الهمومِ، ووحدتي [] باليأسِ مفعمَةٌ، وجوِّي مُفْعَمُ


    وهو وإن اضطرم وحده في بركة آلامه الحمراء، فلن ينعَم بطعمِها الآخر وحدَه؛ بل سيشرِكُنا معه:


    لكنَّني أهوى الهمومَ لأنَّها [] فِكَرٌ أفسِّـرُ صمتَها وأترجِمُ

    أهوى الحياةَ بخيرِها وبشرِّها [] وأحبُّ أبناءَ الحياةِ وأرحَمُ
    وأصوغُ «فلسفَة الجِراحِ» نشائِداً [] يشدو بها اللاهي ويُشجى المُؤْلَم !


    أظنُّ أنك أخي القارئ ترى شبكةَ الجراحِ الآن بعينٍ غير التي كنتَ ترى بها قبل عشرة أبياتٍ !




    ناصر

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    100

    افتراضي رد: طلالة على بُحيْرة الدَّم: «فلسفة الجراح»

    لقد سقطت همزة (إطلالة) من العنوان، فحبذا لو تكرم أحدُ المشرفين بإعادتها.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •