مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    1,063

    Lightbulb مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار





    الجزء الأول : كتاب المباني



    محمد بوسلامة



    الجزائر





    جاء في مجلّة الإصلاح السلفية الجزائرية العدد الحادي والعشرون رجب/شعبان 1431 ه الموافق ل جويلية/أوت 2010 م هذه الخريدة الفريدة والدرّة العصماء التي أبى الشيخ الأديب محمّد بوسلامة الجزائري نزيل العاصمة إلاّ أن يتحفّ بها القرّاء فلم أجد بدّا من نسخها ونقلها إليكم فلتتفضّلوها مشكورين :




    مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    كتاب المباني




    لقد كان من دأب البّلغاء أن يرسلوا في النّاس كلمات مختصرة تحوي في معانيها ما يغني عن طويل القصص ومسترسل الخطب ومديد الكلام ، فهم يصبّون جماما من المعاني في قوالب قليلة المباني ، تجمع من الحكم والعبر ما تحمله الأسفار ، فإذا استفتح مغاليقها مستفتح ؛ انهمر عليه من تلك الجمام سيل غزير .



    تلك هي الأمثال السّائرة الّتي يحفظها كلّ إنسان ، وتجري على كلّ لسان ، فهي الموعظة لمن أراد العظة ، والحجّة لمن طلب البرهان ، والسّلوان لذي المحنة ، والذّكرى لذي الغفلة ، وهي الأدب والطّرافة والنّبل والظّرافة .



    ولقد كان لنا من التّالد الموروث عن أسلافنا من هذا الكلم الرّفيع شيء كثير لا تحيط به الكتّاب ، ولا يحويه كتاب ، ولقد التقط بعض أدباء بلدنا من تلك الدّرر فرائد أنقذوها من متالف الزّمان ، وكان سعيهم مشكورا ، غير أنّ ما جمعوه هو قطرة من أمطار ودينار من قنطار .



    وإنّ ممّا أدرك النّاس من أمثال السّالفين من أهل بلدنا قول الحكيم : " لا يعجبك نوّار الدّفلى في الواد عامله ظلايل ، وما يعجبك زين الطّفله حتّى تشوف لفعايل " .



    وهي من رباعيات عبد الرّحمن المجدوب رحمه الله تعالى ، وقد نازعنا فيها أهل تونس المحروسة ، وزعموا أنّها تونسيّة () والمقطوع به أنّ الحكمة بهذه الصيغة من كلام المجدوب رحمه الله .



    وهي ثابتة في ديوانه المنقول إلينا منه نقلا متواترا ، وصورتها في الدّيوان على ما تقتضيه الصّنعة على هذا الضّرب .





    لا يعجبك نوّار الدّفله



    ..................... في الواد عامله ظلايل



    ولا يعجبك زين الطّفله



    ................... حتّى تشوف الفعايل





    وقد قطع بنسبة المثل إلى المجدوب العلاّمة المؤرّخ عبد القادر نور الدّين الجزائري ، وهو شيخ شيخنا الفقيه محمّد شارف ، مفتي الدّيار العاصميّة زمن إمامته بالجامع الأعظم ، وهو من المحقّقين .



    وكلام المجدوب في المرأة كثير ، ولعلّي أذكر منه شيئا آخر في هذا الكتاب يناسب المقام .



    ولقد سمعنا هذا المثل صغارا ، وفهمناه كبارا ، وقد بدا لي أن أشرحه على منوال شرحنا لقول الحكيم : " اللّسان الحلو يرضع اللّبة " .



    وهي طريقة استحسنها أهل العلم والأدب ، وأحسب أنّي لم أسبق إليها .



    وكان ممّا اخترته في هذه السّبيل ان أقدّم الكلام على المباني ، ثمّ أرجع إلى المعاني مراعيا لألفاظ الرّوايات الشّعبية ، وما ينبني عليها من المعاني والتخريجات النّحويّة .



    واعلم أنّ اعتناءنا باللّغة الدّارجة ليس غاية لمقاصدنا ، وإنّما هو موصل للمقاصد ، وإنّ في ذلك لبيانا لصلة كلامنا بكلام العرب في الألفاظ والأساليب ، فإذا سعينا بعد هذا في تهذيب الدّارجة كنّا على قرب من العربيّة الصّحيحة ، ولا شكّ أنّ تهذيب اللّسان من مظاهر الرّقيّ الحضاري .



    وأمّا اشتغالنا بالكلام البليغ من المنظوم والمنثور الجاري على الدّارجة الجزائرية ، ففيه تحصيل لأدب رفيع ، وإنّ في تضييعه لضياعا للأدب الجزائريّ الممتزج بتاريخ وأنساب أهل هذا الوطن ، ولقد وضع كبار علماء الجزائر شروحا على قصائد من الشعر الملحون ، كما فعل (أبو راس المعسكري) بقصيدة الشّاعر الفحل (سعيد المنداسي الجزائري) رحمه الله المشهورة ب (العقيقة) فأتى بالعجب ، وفي مقدّمة الشّرح يقول في شأن القصيدة : ( وهي وإن كانت من الشّعر الملحون ؛ فقد غحتوت على غرائب من اللّغة والبلاغة واللّحون حتّى انقادت تمائم القصائد إلى سحرها وصارت واسطة عقد نحرها ) اه .



    وقد شرحها - أيضا - غير أبي راس من أعلامنا .



    إنّ الكلام على صلة الدّارجة بالفصحى لقمين بأن يفرد بتصنيف مشتمل على أبواب ، ويبوّب فيه لغريب اللّغة في اللّسان الدّارجي ، وأساليب العرب في كلام النّاس ، وللإمام (البشير الإبراهيمي) تأليف في بعض ما ذكرناه ولم أره ، والظّنّ أنّه كتاب جليل ، فإنّ هذا الموضوع لا يخدي في فلواته إلاّ أمثال المراقيل الإبراهيميّة .



    وللأستاذ الكبير أبي العبّاس أحمد بن الهاشمي رحمه الله عناية عظيمة بالّغة الدّارجة ، ومن ذلك مقاله النّفيس الّذي نشر في جريدة (البصائر) منذ سبعين عاما بعنوان : (بعد غربة اللّغة العربيّة الفصحى أصبحنا نخشى على اللّغة الدّارجة) ، وفيه يقول - وبقوله أقول - : ( كأنّي بالقاريء وقد أخذ منه العجب مأخذه عندما يرى جريدة هي لسان حال علماء الجزائر تنتصر للغة عاميّة وتنتشر للدّعاية في التّرغيب فيها والحثّ على صرف طرف من الإهتمام في تحصيلها () على رسلك أيّها الأخ .. إلى أن قال : لكن من نظر في المسألة نظرة بحث وتحقيق ؛ انكشف له في الحال ما بين الفصحى والعاميّة من كمال النسبة وعموم الاتّصال ، ولا إخالني مجازفا إن قلت : إنّ اللّغة العاميّة عربيّة الأصل في نسبة ربّما لا تقلّ عن سبعين في المائة ، وفيه يقول : ومن جال في الأقطار الإسلامية وتتّبع لهجات الحواضر والبوادي ؛ بهره ما يتخلّل تلك اللّهجات من المفردات والأصول اللّغوية ؛ لذلك كان دأبي تقييد كلّ ما يلتقطه سمعي من مستملح العبارات ومحاسن الأمثال) انتهى محلّ الغرض منه ، وهو مقال طويل .



    ولقد عظّمت ابا العبّاس مذ قرأت مقالته وعلمت أنّه من نبلاء الأمّة ، ولا أدري ما فعل الزمان بما كنت تقيّده يا أبا العباس () ؟ ولقد طالت ذيول المقدمة ، وهذا أوان الشروع في المقصود .



    اعلم - علّمك الله - أنّ الكلام على المثل يجري على وجهين أحدهما يرجع إلى المبنى ، والآخر إلى المعنى ، وإنّي كما عرّفتك بطريقتي آخذ في الكلام على المباني وما يتعلّق بضبط الألفاظ على مقاييس الدّارجة ، والمثل كما ترى عربي في اللّفظ والأسلوب ، وقد صدّره الحكيم بحرف (لا) من قوله (لا يعجبك) ، وهي تأتي في كلام العرب لمعاني منها : النّهي نحو : لا تفعل ، ومنه قوله تعالى : ( لا تقنطوا من رحمة الله ) .



    ومنها النّفي ؛ نحو : لا أفعل ، ومنه قوله تعالى : ( لا أعبد ما تعبدون (6)) .



    ومن مجيئها للنّفي في كلامنا الدّارجي قول المثل الجزائري : (لا دار ()لا دوّار()) .



    وتأتي للدّعاء نحو ربّ لا تعذّبني ، ومنه قوله تعالى : ( ربّنا لا تزغ قلوبنا ) .



    وعلى هذه المعاني الثّلاثة تجري في كلامنا كثيرا ، وهي في المثل الشّعبي للنّهي ، وفي رواية شعبيّة (ما يعجبك ) ، وهي على هذه الرواية ما النّافية .



    وقد استعملت العرب (ما) لنفي الأسماء والأفعال ، غير أنّ دخولها على الأفعال أكثر ، وكذلك الشّأن عندنا ، وتاتي اسما موصولا كما في قوله تعالى : (حذوا مآ ءاتينكم) ، وكذلك نقول على قلّة ، ومن ذلك قولنا (خود ما اعطاك الله) ، اي الّذي أعطاك الله تقال له في سياق الحثّ على القناعة والرّضى بالمقدور .



    وقد اجتمعت (ما) النّافية والموصولة في قول الفقيه الأديب (بكر بن حمّاد الزّناتي الجزائري) من قصيدة يعتذر فيها :





    أبا حاتم ما كان بغضة



    ...................... ولكن أتت بعد الأمور أمور





    وممّا جاء باجتماعهما قول العامّة في تقليل الشّيء (ما كان ما كان) .



    وتأتي (ما) في كلام العرب موصولا حرفيا ، ومنه قوله تعالى حكاية : (قال يليت قومي يعلمون (63) بما غفر لي ربّي) ، أي بغفران ربّي ، ومجيئها على هذا الوجه في الدّارجة مسموع في بعض التراكيب ، ولا يحضرني من ذلك شيء إلاّ نحو قولهم : (بلا ما يفهم) أي : بلا فهم ، و (بلا ما يقول) اي بلا قول ، وموصوليّتها الحرفيّة على هذا التّركيب مطّردة في كلّ الافعال عندنا ، وقد كنت أحسب أنّ (ما) في نحو هذا التركيب زائدة على نحو ما تفعل العرب ، ثمّ بدا لي أنّها موصول حرفيّ كما رايت ، ولا يبعد أن يظفر لزيادتها بمثال من الدّارجة ، ولا يذهب بك الوهم أنّ معنى زيادتها استواء ذكرها وحذفها ، فالعرب لا تزيد لغير معنى ، والزّيادة هنا للتّقوية .



    وأمّا وصف النّحاة للحرف بالزّيادة ؛ فمرادهم انّ حذفه لا يخلّ بالغرض ، لا أنّه ليس في ذكره معنى ، وعليه فقد كره العلماء التّعبير بالزّيادة في إعراب القرآن الكريم لما في ذلك من الإيهام ، فيعبّرون بالصّلة ، ولا شكّ أنّ هذا أمر اصطلاحي والادب مطلوب .



    أمّا قوله (يعجبك) فهو مضارع (أعجب) وهو عندنا بمعناه عند العرب ، ونحن في باب الأفعال نجري على سنن العرب ، فنأتي بالماضي والمضارع مصدّرا بحروف المضارعة والأمر والمصدر ، ونأتي بالمفعل في المصادر والظروف على ما ذكره أهل التصريف .



    وقد يختلف بعض في القلّة والكثرة باختلاف نواحي القطر الجزائري ، ولبسط هذا موضع آخر .



    وفي رواية شعبية (لا يغرّك) بدلا من (لا يعجبك) ، وكلاهما يؤدّي الغرض في مقام التّحذير والتّنبيه ، ويشهد للرّواية الأولى قوله تعالى : (فلا تعجبك أموالهم ولآ أولدهم) ، ويشهد للثانية قوله تعالى : (لا يغرّنّك تقلّب الّذين كفروا في البلد (196)) ، وعلى كلتا الرّوايتين فالمثل جار على الأساليب الفصيحة .



    ثمّ إنّه يحتمل أن يكون الحكيم نطق بكلّ الرّوايات المذكورة في الحرفين والفعلين في أوقات مختلفة ، ثمّ نقل عنه كلّ راو ما سمع .



    ويحتمل أنّه نطق بلفظ واحد ، ثمّ نقله عنه بعض الرّواة بالمعنى ، وبهذا وجّهت أحاديث كثيرة وردت على هذا النّحو ، إذ كان كثير من الروّاة يروون الحديث بالمعنى ، ولهذا أعرض كثير من النّحاة عن الاستدلال بالحديث في مسائل النّحو ، وذلك لأنّه لا يجزم فيها باللّفظ النّبويّ ، وإن جزم بصحّة الحديث ، وقد انتصر لهذا القول جماعة من الأكابر وعابوا على الإمام ابن مالك إثباته للوجوه النّحوية بالحديث ، ولقد فرحت بهذا القول دهرا وكنت أحسبه التّحقيق ، ثمّ بدا لي أنّه خلاف التّحقيق وأنّ الحقّ مع ابن مالك ، وقد انتصر له جماعة من المحقّقين ، ولقد أدركت نحاة شنقيط وهم أئمّة هذا الشّأن في هذا العصر يثبتون الوجوه ويرجّحون الأقاويل النّحوية بالحديث ، وهذا مطلب قمين بأن يفرد بكتاب .



    أمّا (نوّار) فهو على زنة (رمّان) وهو النّور اي الزّهر ، واحده نوّارة ، واستعمال (نوّار) في الجمع و(نوّارة) في الإفراد عربيّ صحيح جرت عليه الدّارجة الجزائريّة ، وهو من كلام العرب الهلاليّين ، وهم ممّن استوطنوا المغرب الأوسط ، ونقل إلينا كلامهم بالنّقل المتواتر يرثه جيل عن جيل .



    وإنّ هذه اللّغة في الإفراد والجمع قد أهملها كثير من الكتّاب والبلغاء من الجزائريّين وغيرهم مع فصاحتها ، وموافقتها لأوزان العرب وتصاريفهم ؛ إذ قد استعملت العرب هذين الوزنين فيما تخرجه الأرض ؛ فقالوا : تفّاحة وتفّاح ، ورمّانة ورمّان ، فما المانع أن نقول ؛ نوّار ونوّارة ، وبهذا فقد صار المثل المذكور من شواهد هذه اللّغة النّادرة الإستعمال يستشهد به الأديب الألمعي ؛ فيقوم في عصرنا مقام ابن شميل والأصمعي :





    فهذه حكمتنا المأثورة



    ..................... قد أعربت عن لغة مهجورة



    قد ذكرتها كتب مشهورة



    .................... فمكثت مغمورة مستورة



    ثمّ غدت بين الورى منصورة



    .................... غالبة (ودارت النّاعورة) (1) .





    وقد استعملها الفصحاء من أهل بلدنا في الزمن القديم ، ومن ذلك قول ابن مرزوق الجد التلمساني :





    انظر النوّار في أغصانه



    ...................... يحكي النجوم إذ تبدّت في الحلك





    ثمّ إنّ بعض أهل القطر الجزائري قد نقل لفظة (نوّار) عن الجنسيّة إلى العلميّة ، فهو علم لرجل ، وهؤلاء يجعلون (نوّارة) أيضا علما لأنثى ، وهذا ما يسمّيه النّحاة العلم المنقول ، وهو ما استعمل في غير العلميّة ، ثم نقل إليها ويقابله ما لم يستعمل إلاّ علما ويسمّونه العلم المرتجل ، وكلاهما موجود في الدّارجة وإلى النّوعين أشار ابن مالك بقوله :





    ومنه منقول كفضل وأسد



    ......................... وذو ارتجال كسعاد وأدد





    وغالب الأعلام منقول عند العرب ، وكذلك الشأن عندنا ، ولفظة (نوّار) في المثل مركّبة مع لفظ (الدّفلى) تركيبا إضافيا على معنى اللاّم ، وهذا أحد معاني الإضافة ، ومثاله (كتاب زيد) ، وتأتي على معنى (من) كخاتم ذهب ، أي من ذهب ، وزاد بعض النحّاة معنى في نحو (قيام الليل) أي في الليل ، وكلّ هذه المعاني فاشية في كلامنا الدّارجي .



    أمّا (الدّفلى) فهي كلمة عربية تطلق على نبات معروف ، ويقال : الدّفل - أيضا - بغير ألف ، وقد ذكرها أهل اللغة وجرت في كلام الشعراء ، ومنه قول الشاعر :





    هيهات جئت إلى الدّفلى تحرّكها



    .............................. مستطعما عنبا حرّكت فالتقط





    ويقال لها في اللّسان الأمازيغي (إليلي) وهو الشائع في بلاد زواوة ، و(ثاليلي) وبعضهم يقول (إنيني) و(إيريري) ، وبقيّة الكلام على الدّفلى في (كتاب المعاني) ، والكاف المذكورة في المثل هي كاف الخطاب ، والخطاب هنا للمذكّر والتذكير ملازم لهذا التّركيب ، ولو كان المخاطب به أنثى ؛ لأنّ الأمثال تحكى ألفاظها من غير تصريف كما لو كان أصل وضع المثل لخطاب أنثى ، فإنّه يخاطب به الذكر كذلك بضمير المؤنّث ، كما في قول العرب ( الصّيف ضيّعت اللّبن) ، فإنه قيل أوّل الشأن لامرأة في قصّة معروفة عند العرب ، فهو يقال بتاء التّأنيث لكلّ من أضاع شيئا ، ثمّ طلبه بعد فواته ، ولو كان ذكرا ، وتأويله أنّ هذا مقام يقال فيه : (الصّيف ضيّعت اللّبن) ، وقس عليه الباب كلّه .



    ولكاف الخطاب مبحث بلاغيّ موضعه (كتاب المعاني)



    وأمّا قوله (في الواد) ؛ فجار ومجرور متعلّق بقوله : (عامله ظلايل) ، و(في) هنا للظرفية ، وهي أشهر معانيها عند العرب ، وكذلك الشأن عندنا وتأتي كثيرا في اللغة بمعنى (على) ، ومنه قول عنترة في معلّقته :





    بطل كأنّ ثيابه في سرحة



    .................... يحذي نعال السّبت ليس بتوأم





    أي على سرحة وهذا شائع في الدّارجة ، ومنه قولهم : (فلان في الجبل وفي السّطح) ، أي على الجبل والسّطح ، وتأتي لبيان السّبب ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم : ( دخلت امرأة النّار في هرّة ) أي بسبب هرّة ، ومن أمثلتها في الدارجة قول النّاس : (فلان ربح فيها جائزة) أي ربح بسببها ، و(فلان ادا فيها طريحة) أي بسببها ، والضّمير للوقعة أو الفعلة .



    وجملة (في الواد عامله ظلايل) جملة حاليّة من (الدّفلى) ، فهي في موضع نصب على الحال ، وصاحب الحال هنا مضاف إليه ، وقد علم في النّحو امتناع مجيء الحال من المضاف إليه إلاّ في مواضع .



    فإذا عرفت هذا ؛ فاعلم أنّ الحال هنا من الصّور الجائزة ، وهي هنا كون المضاف جزءا من المضاف إليه ، فإنّ (النّوار) بعض الشّجر ، قال في (الخلاصة) :





    ولا تجز حالا من المضاف له



    .............................. إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله



    أو كان جزء ماله أضيفا



    .............................. أو مثل جزئه فلا تحيفا





    ومنه قوله تعالى : (ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخوانا) [الحجر: 47] ، فإنّ (إخوانا) حال من ضمير (هم) ، وهو مضاف إلى (صدور) ، والمضاف هنا بعض من المضاف إليه كما هو واضح ، وما ذكرناه إنّما يتخرّج على رواية (عامله ظلايل) بالتّاء وهي الأشهر في الاستعمال .



    وأمّا على رواية (عامل ظلايل) بغير تاء ، وهي رواية صحيحة ، فلا يرد ما ذكرناه ؛ لأنّ (عامل ظلايل) يصير حينئذ حالا من (النوّار) لا من (الدّفلى) و(نوّار) مضاف ، وبحثنا كان في المضاف إليه على أنه يجوز أن تعرب الجملة نعتا (للدّفلى) لا حالا فتكون حينئذ في محلّ خفض لكون متبوعها مجرورا .



    فإن قلت : فكيف يصحّ هذا الوجه وقد ذكروا أنّ الجمل بعد المعارف أحوال وبعد النّكرات أوصاف ، ولفظ (الدّفلى) هنا معرّفة؟



    فجوابه هنا أن يقال : هذه قاعدة صحيحة غير أنّ هذا لازم فيما تمحّص للتّعريف أو التّنكير ، فغذا أشيبت المعرفة بتنكير والنّكرة بتعريف احتمل الكلام حينئذ الوجهين ، ولذلك جوّز المعرّبون الوجهين في قول الشاعر :





    ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني



    ...................... فمضيت ثمّت قلت : لا يعنيني





    فجوّزوا في جملة (يسبّني) الحاليّة والوصفيّة ؛ فإعرابها حالا: نظرا للفظ (اللئيم) ؛ فإنّه معرفة لاقترانه بأل التعريف ، وإعرابها نعتا باعتبار المعنى فإنّه لا يختصّ بلئيم معيّن ؛ لأنّ (أل) فيه للجنس فشابه في هذا المعنى النّكرات ، فصحّ أن تكون الجملة بعده نعتا ، وإلى ما سبق بيانه أشار العلامة (المجرادي) في منظومته المشهورة ب (المجرادية) بقوله :





    وإن وقعت من بعد محض معرف



    .............................. فإعرابها حال لما قبل قد خلا



    وإن وقعت من بعد محض منكر



    ............................. فإعرابها نعت لما قبل قد تلا



    ويحتمل الوجهين بعد منكر



    ........................... ومعرفة ليسا بمحضين فاقبلا





    فإذا علمت هذا ؛ لاح لك عدم تمحّص لفظ (الدّفلى) في المثل للتّعريف ، بل لفظه معرفة ومعناه نكرة لعدم دلالته على معيّن ، وذلك لأنّ (أل) فيه للجنس .



    وأما الواو من قوله : (ولا يعجبك زين الطّفلة) ؛ فهي واو العطف الدّالة على الاشتراك في الحكم ، وهذا أشهر معانيها ، ونحن نعطف بها على مقتضى لغة العرب ، فنشرك بها في الحكم من غير قصد الترتيب ولا مصاحبة ، وقد نريد ذلك غير أنه ليس بلازم ونحن في هذا على مذهب المحقّقين ، وقد أشار إليه ابن مالك في (الخلاصة) بقوله :





    واعطف بواو سابقا أو لاحقا



    .......................... في الحكم أو مصاحبا موافقا





    وبهذا اعترض فقهاؤنا المالكية على من أوجب الترتيب في بعض الأحكام مستندا إلى هذه الواو ، كما فعل من أوجب التّرتيب في الوضوء مستدلاّ بآية الوضوء ، وذلك لأنّ الواو لمجرّد الاشتراك ولمخالفنا أجوبة على طريقة المناظرة ، مطلبها في كتب الخلاف .



    واعلم أنّ الواو كثيرا ما يستعملها أهل قطرنا في المصاحبة فتكون حينئذ واو المعيّة لا العاطفة ، غير أنّ ذلك لا يظهر له أثر في اللّفظ لفساد الإعراب في اللّغة الدّارجة فلا يظهر النّصب كما في نحو قول العرب : (جاء الأمير والجيش) بنصب (الجيش) فيعتمد حينئذ على ضميمة خارجية ، ومع هذا فقد تخفى القرينة ، ولهذا فإنهم إذا أرادوا التنصيص على المعية في الدّارجة جاؤوا بلفظ (مع) .



    وممّا تجيء له الواو في كلامنا : القسم ، وبعض أهل الشّرق عندنا يأتون بباء القسم في بعض أقسامهم ، وكلّ هذه المعاني التي ذكرتها لك في هذا الحرف جارية على فصيح اللغة .



    وقوله : (زين الطّفله) اي جمالها ، و(الطّفله) مؤنّث طفل ، وهي بكسر الطّاء ، ونطقها على قانون الدّارجة بضمّ مشوب بفتح وهو مضطرد في نظائرها ، وأهل الشّرق الجزائري يضمّون الطّاء من لفظ (الطّفله) ضمّا خالصا ، والظّاهر أنه لحن ويجوز أن يكون شيئا مسموعا عند العرب القدماء .



    وفي كلّ حال فهو لحن أو لغة رديئة ، وكثيرا ما سمعت من أهل بلدنا ألفاظا كنت أظنها من قبيل ما تلحن فيه العامّة ، فإذا فتّشت عنها وجدتها لغة صحيحة .



    ومن ذلك أنهم يقولون : (الفقر) بالضّم وكنت أحسبه من لحن العّامة ، فإذا هو مسموع عن العرب ، ولا شكّ أنّ الفتح أفصح فلعلّ ضمّ لفظ (الطّفله) كهذا الضّم في السماع غير أنه أهملته الكتب .



    وقوله : (ظلايل) جمع ظليلة - بمعنى الرّوضة الكثيرة الشّجر - وهو جمع جار على أوزان العرب كما ترى فهم يقولون : ظليلة وظلائل ، كقولهم : صحيفة وصحائف ، وهو من أوزانهم القياسيّة ، ويجوز أن يكون جمع ظلّ على الدّارجة ، وكلاهما يتمّ به المقصود على ما يأتي ببيانه في (كتاب المعاني) .



    وقوله : (الفعايل) هو جمع فعل على تعبير الدّارجة ، وإنّ ما سهّل مجيئه على هذا الوزن اقترانه بلفظة (ظلائل) ، وقد يجوز في الشّيء مقترنا بغيره على وجه المشاكلة ما لا يجوز فيه منفردا ، ويكون ذلك من قبيل ضرورة السجع ؛ فإنّ لأوزانه ضرورة كضرورة الشّعر ، ولا شكّ أنّ هذا التناسب أكسب الكلام حسنا من جهة اللّفظ ، وهذا ما يسمّيه اهل البيان : ب (السّجع) ، وهو في النّثر بمنزلة القوافي في الشّعر ، وإلى هذا المعنى أشار (عبد الرّحمن الأخضري الجزائري) بقوله :





    والسّجع في فواصل في النّثر



    ............................. مشبهة قوافي الشّعر





    والسّجع في البلاغة من محسّنات الكلام ، وأصل الحسن فيه أن يكون اللّفظ تابعا للمعنى ، فإن انعكست القضيّة ظهر التّكلّف والتّنافر ، وما أحسنه في المثل الشّعبي ؛ (تبّع رخصّو ترمي نصّو) وليس ذلك بشرط ، وإنّما هو على ما يسمح به الحال ، وهل ضرّ الحكيم ترك السّجع حين قال : (لخبر يجيبوه التوالى) ، ولو رام متفاصح تسجيعه لبرّده ولذهب بطلاوته ، فليس السّجع محمودا في كلّ موضع ، وإنّما يحمد منه ما جاء طوعا ، وكأنّه لم يوضع إلاّ لذلك الموضع ، ولقد كلف كثير من الخطباء والكتّاب بالسّجع ؛ فحشروا الألفاظ في محشر الأسجاع ولسان حالهم يقول :





    نحن في الأسجاع ندعو الجفلى



    ........................ لا ترى السّاجع فينا ينتقر (2)





    فساقوا نوافرها شرّ مساق ، فتأتي مكبكبة ملتوية الأعناق ، قد أنهكتها المجاشم والقحم كما أنهكت الخطيب المعاني حين شغلته الألفاظ عن المعاني ، ثمّ بعد ذلك يصكّ بمنادل سجعه المسامع ويحسب أنه قد جاء بضرب من البديع ، وإنّ هذا ليذكّرني خطبة عيد شهدتها قديما التزم فيها خطيبها ما لا يلزم ، وتكلّف ما لم يكلّف ، وجاء بسجع على حرف الرّاء إلى خاتمة الخطبة () وقد ذهب به التّكلّف كلّ مذهب ؛ فاجتمعت الألفاظ على وحشت بينها ، كلّ لفظ ينطح جاره ولا يطيق جواره ، فكانت عناية خطيبنا بحرف الرّاء أكثر من عنايته بوعظ النّاس في ذلك اليوم المشهود ، وقد طال ما استطردنا به ، وهذا عود إلى ما كنّا فيه ، والعود أحمد .



    ومنه انّ حرف الظّاء من قوله : (ظلايل) قد اختلفت فيه ألسنة أهل البلاد ، فمنهم من ينطقها ظاء على الوجه الصّحيح وعليه جمهورهم ، غير أنّ من ينطق الظّاء صحيحة عندنا لا يميّز بينها وبين الضاد ، فهو ينطق الضاد ظاء ، فيقول في نحو رمضان والضوء : (رمظان) و(الظوء) بالظاء ، وذلك لعسر حرف الضّاد عليهم ، وهم يقرؤون القرآن الكريم على هذا النّحو فيلحنون ، واللّحن في الفاتحة أشدّ ؛ لتعلّقه بركن من أركان الصّلاة ، وهم يقولون : (ولا الظّالين) بالظاء من قوله تعالى : (ولا الضّالين) [الفاتحة : 7] وبعض فقهائنا يبطل الصّلاة بذلك خلف من لا يميز بينهما ، وهو أحد الاقوال في الصلاة خلف اللاّحن ، وذيول المسألة في كتب الفروع وغيرها .



    ولا شكّ أنّ التّمييز بينهما واجب على قدر الإمكان ، إذ لا يتأتّى ذلك لكلّ إنسان ، ولا يمكن في هذا العصر أن ينطق بحرف الضّاد على الوجه الصّحيح إلاّ بمشافهة شيوخ الإقراء .



    ولقد مكثت من عمري سنين أزعم أنّي أنطق الضّاد على وجهها ، وتشدّقت بذلك دهرا حتّى لقيت مشيخة الإقراء بدمشق الفيحاء ؛ فزالت حينئذ غمامة الإلباس ، وتبيّن لي أنّ ذهبي نحاس ، وانجلت الرّغوة عن اللّبن الصّريح ، واخذت الضّاد على الوجه الصّحيح في جملة علم الأداء .



    وبعض أهل الوطن يقول في : (ضلايل) بالضّاد ، وهؤلاء ينطقون الضّاد على الوجه الصّحيح أو قريبا من ذلك ، غير أنّ هؤلاء لا يكادون ينطقون بالظّاء ، فهم يقولون في نحو : (الظهر) و (الظّفر) و (الظّل) : (الضّهر) و (الضّفر) و (الضّل) بالضّاد ، وهكذا في الكلام كلّه ؛ وذلك لعسر حرف الظّاء عليهم ، وعليه لسان أهل مدينة الجزائر المحروسة وما قاربها .



    وبعض أهل البلاد ينطق الضّادّ دالاّ ، وبعضهم يميل بها إلى الطّاء ، وكلّ هذا من فساد اللّسان ، ولقد برم بهذا بعض شيوخ شيوخنا فقال :





    الضّادّ حرف عسير يشبه الظّاء



    .............................. .. لا الدّال يشبه في نطق ولا الطّاء



    لحن فشا منذ زمان قد اتبعت



    .............................. . أبناؤها فيه أجدادا وآباء



    من غير مستند أصلا وغايتهم



    ............................ إلف العوائد فيه خبط عشواء



    والحقّ أبلج لا يخفى على فطن



    ........................... إن استضاء بما في الكتب قد جاء



    هذا هو الحقّ نصّا لا مردّ له



    .......................... من شاء بالحقّ فليؤمن ومن شاء





    لكنّ في قوله يشبه الظّاء نظرا ؛ فهو يوهم أنه يشبهه في اللّفظ والسّمع ، وهذا غير صحيح ، وإن صرّح به بعض الأفاضل ، ولعلّ صاحب الأبيات يقصد أنه يشبه الظّاء في أكثر الصّفات .



    ومن اهل البلاد من ينطق الضّاد زايا خالصا ، وقد سمعت هذه الظّاء في إقليم توات في بعض قصورها ، وكان من خبر ذلك أنّي كنت في بعض مجالس المشيخة هنالك ، وكان حديثنا في التّعالم وأهله ، فقال رجل فقيه : (حبّ الزّهور يقصم الزّهور) ، وهي العبارة المشهورة عند النّاس ، فيقولون : (حبّ الظّهور يقصم الظّهور) .



    وكان ذلك أوّل العهد بهذه الظّاء التّواتيّة ، ثمّ سمعتها كثيرا في نطق بعض العشائر ، وأكثر أهل توات لا تجري هذه الزّاي في ألسنتهم ، وكنت أحسب أن نطق الظّاء زايا ممّا انفرد به أهل مصر ومن والاهم ، وعلى هذه الوجوه يجري النّطق بالظّاء في الحكمة الشّعبيّة على اختلاف ألسنة اهل بلادنا .



    وقوله : (حتّى تشوف) جاء لبيان الغاية .



    واعلم أنّ (حتّى) تأتي للغاية ، كما هنا ، ومنه قوله تعالى : ( وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط .. ) الآية [البقرة : 187]



    وتأتي للتّعليل نحو : (أصدق حتّى تكتب مع الصّادقين) ، وعلى المعنيين تجري في كلامنا العاميّ ، ومن العرب من يبدل الحاء من هذا الحرف عينا فيقول : (عتّى) .



    ولقد سمعت رجلا من أهل البوادي عندنا يميل بها إلى هذا النّطق ، ولا أدري اهي لغة قومه أو هو شيء صنعته البحّة ، ولم يطل مقامي بين القوم لاستقراء هذا الباب ؛ فإنّ اللّغات لا تثبت بمثل هذا كما هو معلوم .



    وقوله : (تشوف) فهو مضارع من الشّوف ، وهو التّطلّع والنّظر غلى الشّيء .



    وكذلك نستعمله في كلامنا الدّارجي ، وكلّ هذا يدلّ على أنّ لغتنا هي لغة العرب ، وانّ ما خالطها من كلام العجم أو ما طرا عليها من فساد لا يخرجها عن ذلك .



    وهذا ختام لكتاب المباني ويليه (كتاب المعاني) والحمد لله وبه استعين .



    ............................
    (1) هذه كلمة تستعمل في اللغة الدارجة بمعنى تحول الغالب إلى مغلوب ، والمغلوب إلى غالب .
    (2) أصل هذا البيت في قول صاحبه :

    نحن في المشتاة ندعوا الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر

    غير أنّي حوّلته إلى ما يناسب المقام .
    قال الشيخ العلامة حمود بن عبدالله التويجرى - رحمه الله - :" الألبانى علم على السنة والطعن فيه طعن فى السنة "

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,037

    افتراضي رد: مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    بارك الله فيك
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    1,063

    افتراضي رد: مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رضا الحملاوي مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك
    وفيك بارك الله أخي الكريم ولك عليّ نسخ - كتاب المعاني - بعد يوم - إن شاء الله
    قال الشيخ العلامة حمود بن عبدالله التويجرى - رحمه الله - :" الألبانى علم على السنة والطعن فيه طعن فى السنة "

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,037

    افتراضي رد: مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    جزاك الله خيرا أخي العاصمي ... ورفع قدرك ونفع بك وحفظك
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    1,063

    افتراضي رد: مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار






    الجزء الثاني : كتاب المعاني




    محمد بوسلامة




    الجزائر






    جاء في مجلّة الإصلاح السلفية الجزائرية العدد الثاني والعشرون رمضان/شوال 1431 ه الموافق ل سبتمبر/أكتوبر 2010 م هذه التتمة لما سبق من مقال الشيخ الأديب محمّد بوسلامة الجزائري نزيل العاصمة حول مثل الدّفلى والنوّار لعبد الرحمن المجدوب رحمه الله فلم أجد بدّا من ضمّ القرين إلى قرينه والنظير إلى نظيره فنسخت الحلقة الثانية من الشّرح ونقلتها إليكم فلتتفضّلوها مشكورين :




    مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    كتاب المعاني






    اعلم أنّ لكلّ مثل مقامات تناسبه ، وبقدر المناسبة والارتباط بين المثل والمقام يكون الوقع في النّفوس ، فيأخذ المثل من السّامعين مأخذه وكأنّه ما قيل إلاّ في ذلك الموضع .



    ولقد رأيت قوما من أهل بلدنا بلغوا الغاية في مراعاة ما ذكرناه مع غزارة حفظهم للأمثال ، بل يحفظون في الباب الواحد أمثالا كثيرة ، ولقد استمليت بعضهم ما استملحه من جواهر الأمثال إلاّ أنّني لم أكن في ذلك من أهل الحزم فكان حقّ المقام أن نعقد مجالس للإملاء على طريقة المحدّثين ، ولقد ندمت على ذلك ندامة الكسعى لمّا طلع النّهار ، والفرزدق لمّا طلّق نوار .



    وقد مضى على ذلك زمن طويل ولا أدري ما فعل بهم ، ولعلّ المنيّة قد ضربت فيهم بحظّها فماتوا وماتت معهم أخبارهم ونوادرهم ، وهكذا تذهب الرجال حيث تجهل أقدارهم وكأن لم يكونوا ، وربّما أكون في هذا الشّأن قد جريت على طريقة قومي في تجاهل أقدار الرّجال الكبار فإذا ماتوا قلت : كانوا وكانوا ، ولقد كان من عادة قومي تعليق عراجين التّمر في أعناق الأموات الذين حرموا لذاذة التّمر إذ كانوا أحياء ، وإنّهم ليفهمون كلّ الفهم المثل القائل : (كي كان حي مشتاق تمرة وكي مات علّقولوا عرجون) .



    وإن تعجب فعجب أن ترى الرّجل الجليل فينا يموت قبل أن يموت ، وإن كثيرا من الّذين ماتوا قبل أن يموتوا كانوا على عكس شجرة الدّفلى ؛ ظواهرهم حقيرة ونفوسهم كبيرة ، ولو أعارتهم الدّفلى نوارها لاكتمل لهم الشّرف ، وأقرّ لهم الجّاحد واعترف ، إذ أنّ زمنهم زمن المظاهر ، وأكثر هذه المظاهر يصحّ أن يقال فيه : (ما يعجبك نوار الدّفلى في الواد عاملة الظّلايل) .



    غير أنّ أنسب المواطن لهذا المثل هو مقام خطبة النّساء ؛ فإنّ الرّجل الخاطب يسمعه من أمّه أو أخيه او صديقه ، فصار هذا المثل في أيّام الخطبة من مألوف العادات ، وما يرسل بهذا المثل إلاّ تخويفا لمن جعل فضائل النّساء محصورة ، في القدود وحسن الصورة ولا شيء بعد ذلك ، فينزجر عن هذا الطّيش ويأخذ في النّظر بعد جمال الصّورة إلى جمال النّفس ومكارمها .



    واعلم أنّ الحكيم قد شبّه شيئا بشيء من غير تصريح بالتشبيه فكأنّه قال : إنّ المرأة الحسناء السّيّئة الخلق كالدّفلى الجميلة المنظر الخبيثة المذاق .



    فإذا علمت هذا فاعلم أنّ هذا النّوع يسمّى عند أهل البلاغة بالتّشبيه الضّمني ، وهو تشبيه لا يكون فيه المشبّه والمشبّه به على الصّورة المعروفة التي أشار إليها عبد الرّحمن الأخضري الجزائري في (الجوهر المكنون) بقوله :





    تشبيهنا دلالة على اشتراك ...... أمرين في معنى بآلة أتاك



    أركانه أربعة وجه أداه ......... وطرفاه فاتّبع سبل النّحاه





    فليس فيه شيء من هذه الأركان على وجه الصّراحة ، بل يلمح ذلك في الكلام لمحا ، ومنه قول المتنبّي :





    من يهن يسهل الهوان عليه ...... ما لجرح بميّت إيلام





    وهذا إنّما يؤتى به برهانا على إمكان ما ذكر ، فالمعنى المأخوذ من هذا البيت : من هانت نفسه ومردت على ذلك ؛ سهل عليها تحمّل الهوان ، وذلك لأنّ نفسه قد مات فيها الشعور بالإباء وعزّة النّفس ، وكانّ الشّاعر يقول : ليس هذا ادّعاء باطلا فإنّ شأن هذا الرّجل كشأن الميّت لا يشعر بألم الجراح ولو طعن ألف طعنة ، والمعنى المأخوذ من المثل على هذه الطّريقة ؛ إنّ المرأة الحسناء القبيحة الأخلاق لتغرّ الرّجل بجمالها حتى تورده موارد الهلاك ، فهلاكه في جمالها ، وكأنّ الحكيم يقول : ليس هذا ادّعاء باطلا فإنّ شأن هذه المرأة كشأن الدّفلى فإنّها بهيّة المنظر بديعة الحسن غير أنّ من رام مذاقتها اغترارا بحسنها فإنه لا يجني سوى خبث المطعم أو تلف المهجة ، فكلتاهما جميلة الظّاهر قبيحة الباطن ، وهذا مسلك لطيف جرت عليه أساليب البلغاء ، وتشبيه النّاس مع حسن المنظر بمرّ النّبات في باب التّحذير من الإنخداع للظاهر شائع عند أهل الحكمة والأدب ، وهو من حكم الدّريدية ، وفيها يقول ابن دريد :





    والنّاس كالنّبت فمنه رائق .... غضّ نضير عوده مرّ الجنى





    ولا شكّ أنّ المذكور في المثل حقّ ، فإنّ كثيرا من النّساء قد بلغن الغاية في الحسن حتّى يسبق إلى الوهم أنّ حظّها من جمال النّفس والخلق كحظّها من جمال الوجه والجسم فينخدع لها العاشق ، إذ أصيبت مقاتله بكلّ سهم راشق ، حتّى إذا سلك في طلابها كلّ حيلة ، وظفر بها لنفسه حليلة ، ونال منها ما اشتهى ، وبلغ من غايته المنتهى ، وتشوّفت نفسه إلى ما وراء الحسن الظّاهري وجد نفسا قبيحة وخلقا كريها فينكد عليه عيشه ، ولا يجد من معاني السّعادة إلاّ شيئا يسيرا ساعة المضاجعة ثمّ تزول الشّهوة وتبقى الشّقوة ، وتنسيه القباحة تلك الصباحة ن فلا تبقى له دينا إلاّ ألانته ن ولا رحما إلاّ مزّقته ، ولا ولدا إلاّ أفسدته ، وكم جنت هذه الدّفلى على كثير من الرّجال ، ولقد علق رجل من أصحابنا امرأة وضيئة ، وقد كان يذكر من جمالها ما يغيّب العقول فأعمل الحيلة في الوصول إليها ، وتلطّف في ذلك أيّما تلطّف حتى أمكنه الحال فخطبها ، وفي المثل الشعبي : (كلّ خطّاب رطّاب) ثمّ حدّثني بعد ذلك أنه رأى منها أشياء تنادي عليها برذالة النّفس ، فقلت له : (لي حب الشّباح ما يقول آح) ، ثمّ بعد أن تمّ له المأمول ساءت العشرة ونكد العيش ولم تحصل الألفة ، وافترقا على أسوء الأحوال ، ونعوذ بالله من سوء المنقلب ، ولولا الانخداع بالظّاهر لما وقع ما وقع ، وإنّ الانخداع بالظاهر خطأ قديم في قصّة الإنسان وذلك ما كان من انخداع آدم - عليه السلام - بظاهر إبليس إذ بدا له في ثوب النّاصحين ، ومن المعلوم أنّ سبب هبوط آدم - عليه السلام - إلى الأرض هو أكله من الشجرة الّتي نهي عنها ، فلو قال قائل : إنّ سبب هبوطه هو الاغترار بالظّاهر الّذي الّذي كان يخفي وراءه كلّ شرّ لما ابعد ، ولكان بحقيقة الأمور أسعد ، لكونه اطّلع على علّة العلّة ، ولا شكّ أنّ اغتراره بظاهر الحال من إبليس كان أسبق من أكل الشجرة ، ونظير هذا ما ذكروه في طرد إبليس ولعنه ، فالمعلوم أنه ترك السجود لآدم ، ولقد ذكروا أنّ أصل ذلك كبره ، إذ لو لم يستكبر لسجد كما سجد من هو أفضل منه ، فالكبر علّة علّته وشاهده في التنزيل ، وبعضهم يذكر في هذا الباب حسده لآدم .



    فانظر - أيّها اللبيب - كيف أخرج الإنسان اعتبار الظّاهر دون النّظر في حقيقة الأمور من السّعادة إلى الشّقاء ، فجرت هذه السّنة في ولد آدم من بعده .



    فكلّ من اتّبع الظّاهر إعجابا به دون النّظر إلى حقائق الأمور وما ترجع غليه أخرجه ذلك من السّعادة إلى الشّقاء فيغدو بعد عزّه ذليلا ، وبعد صحّته عليلا ، ولن تجد لسنّة الله تبديلا .



    وانظر - أيّها الفطن - إلى هذه المناسبة بين ما حدّثتك من شأن آدم - عليه السلام - وما جرى على ذرّيته من بعده ، فإذا رجعنا بهذه المعاني إلى ما كنّا بصدده وجدنا المرأة من اعظم المظاهر الخدّاعة التي تفتك بالرجال فتهلكهم كما تهلك الدّفلى طاعمها المغرور بحسنها .



    واعلم أنّ الحكيم إنّما اختار شجرة الدّفلى لعلمه بهذه الشّجرة ظاهرا وباطنا .



    وإنّي محدّثك عن هذه الشجرة لتعلم وجه المناسبة في هذا الباب ، ولم اختارها صاحب المثل دون غيرها .



    اعلم أنّ الدّفلى شجرة بهيّة المنظر ذات أزهار بديعة الألوان ، فمنها الأحمر والأبيض وغير ذلك ، وحينما تنوّر أغصانها ينبعث منها عرف زكيّ يتعبّق منه الهواء ، ولذا يغرسها أهل المدن في الحدائق وساحات العمران - يجمّلون بها مناظر المدينة - ، وخشبها من اطوع الخشب ، ولهذا كان صنّاع المغازل في بلدنا يصنعون من خشبها أفلاك المغازل والنّواعير لفتل الحرير وغزل الصّوف ، وهي مع جمالها مرّة المذاق خبيثة المطعم .



    ولها منافع ذكرها أهل الطّب ، وقد ذكرها قدماء أطبّاء بلدنا منهم : الطّبيب الحاذق عبد الرّزّاق بن حمادوش ، وغيرهم من أطبّاء المسلمين ، غير أنّهم لم يستعملوها في ظنّي إلاّ فيما كان من الأوجاع الظاهرية والجروح الخارجيّة ؛ لأنّها من النّبات القتّال ، وسمّها من أخبث السّموم ، وكلّ البهائم تعافها ، وعليه فلا يجوز أكلها ولا الاستياك بعودها لما فهّمتك من أمرها ، قال صاحب (المراقي) :





    والحكم ما به يجيء الشّرع



    ......................... وأصل كلّ ما يضرّ المنع





    ولقد كان أهل الجزائر يتّخذون منها سعوطا معطّسا يجعلون فيه الكمّون ثمّ يعطّسون به الصبيان وأصحاب الصّداع .



    وما ذكرته لك عن هذه الشّجرة إنّما يجري على مقتضى حكمة الله في الخلق ، فلا بدّ للشيء المكروه أن يشتمل وجوده على خير بوجه من الوجوه وكذا العكس ، وهذا باب واسع مطلبه في علم العقائد ، ولقد سمعت بعض ارباب المحاضرات يذكر حديث : (إذا وقع الذّباب في إناء أحدكم فليغمسه ثمّ لينزعه فإنّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) ، فذهب فيه على غير طريقة الفقهاء ، ثمّ رجع بعد شطط من القول بما حاصله التّشكيك في ثبوت الحديث الّذي رواه أمير المؤمنين في الحديث ، وأجمع النّاس على صحّته ، وكأنّه لم يخطر على قلبه أن يخلق الله شيئا فيه الدّاء والدّواء ، ولا سيما إذا كان هذا الخلق هو الذباب ، ثمّ إنّه ظنّ على ما بدا أنّ إثبات هذا الحديث في عصر العلوم الكونية والاكتشافات العلمية فيه تسهيل على الطّاعنين في الإسلام ، وكم ردّت نصوص صحيحة بمثل هذه الظّنون وكم اتّهم العقل البريء بأنّه لا يقبل هذا المعنى أو أنه يحيل ذلك المفهوم ، وما هو إلاّ ظلم للعقل ولو أعمل العقل الصّحيح لما ردّ حديث روي في الصّحيح ، ولقد أخبرنا أطبّاء النّصارى أنهم يستخرجون بعض الأدوية من سموم الحيّات والعقارب فصدّقناهم ثمّ جرّبنا ذلك فوجدناه نافعا ، ثمّ هم اليوم يستخرجون بعض المراهم من الحشرات الحقيرة ، أوليس الّذي جعل الدّاء والدّواء في الحيّات الّتي هي شرّ من الذّباب بقادر على أن يجعل ذلك في الذّباب ؟() بلى وهو الخلاّق العليم .



    ولست استظهر لقول الصّادق المصدوق بقول الأطبّاء ؛ فإنّ الوحي حجّة بنفسه غير أنّ الحقّ قد يقوى ويضعف باعتبار ما يقوم بالنّفوس ، أمّا هو في نفسه فلا يزال قويّا متينا ، وكلّ هذا استطراد ، واحسب انّه قد لاح لك منه ما بين الحسناء القبيحة الأخلاق والدّفلى من تمام المشابهة ، وإنّ صاحب المثل قد أحسن في المقابلة بينهما .



    وإنّما قيّد الدّفلى بكونها في الوادي ؛ لأنّ منبتها يكثر في الأودية ، ولأنّها أجمل ما تكون إذا كانت بالوادي .



    فحقّ لهذه الدّرة أن تنظم في سموط غرر القصائد ، وأن تحلّ من نحورها محلّ القلائد ، وأن تتباهى بها الشّعراء ، لا سيما من كان يدّعي معرفة أحوال النّساء .



    ولقد كان علقمة الفحل بصيرا بطباع النّساء ، كما ذكر عن نفسه في قصيدته (طحا بك قلب) حيث قال :





    فإن تسألوني بالنّساء فإنّني



    ....................... بصير بأدواء النّساء طبيب




    إذا شاب راس المرء أو قلّ ماله



    .................... فليس له من ودّهنّ نصيب




    يردن ثراء المال حيث علمنه



    ................... وشرخ الشّباب عندهن عجيب





    ولو ألقيت في روعه هذه الدّرة ؛ لنظمها في سمط قصيدته ن ولجعلها من حكمة سعره .



    ولو كان لي حكم في قصيدة علقمة ؛ لزدت على أبياته المذكورة ناظما لمعاني الحكمة فقلت :





    إذا ما رأيت الدّفل يوما بنورها



    ........................... فلا يغررنك الغصن وهو رطيب




    ولا المرأة الحسناء إن كنت راشدا



    ......................... إذا لم تكن منها الفعال تطيب




    فكن منهما في الحذر واسمع مقالتي



    ....................... فإنّك إن لم تستمع لسليب






    ولو ألقيت هذه المعاني التي اشتمل عليها المثل إلى أصحاب الأراجيز ؛ لتباروا في نظمها وكأنّي بهم إذ طاف بي طائف الخيال في سوق عكاظ ، وقد جلس لهم شيخهم العجاج ليحكم بينهم فيما هم فيه يرتجزون ، وقد ثار لعراكهم العجاج بين يديّ العجّج ، فما راعهم إلاّ إقتحامي جمعهم وأنا أقول :





    إذا رأيت نور دفلى في ظلل



    ........................ وغصنها ببرد حسن اشتمل




    فلا تظنّ طعمها طعم العسل



    ....................... بل سمّها في حسنها وكم قتل




    ومثلها أصاح عند من عقل



    ...................... حسناء شان حسنها قبح العمل




    ألبسها الجمال من أبهى الحلل



    ..................... حتّى بدت كقمر قد اكتمل




    فشغفت قلب المتيّم فزل



    ..................... وليس بعد أن غوى تجدي الحيل




    فلم ينل من حسنها إلاّ العلل



    ................... فطال سقمه وقد طال الأمل




    فكن من الدّفلى ومنها في وجل



    ................... واضرب لها من شجر الدّفلى المثل





    ولقد افحمت بها كلّ مفلق من أصحاب الأراجيز .



    فالمثل مغربيّ ونحن أولى به ، وكأنّي ببعض الرّجاز المهره ، لمّا سمع منّي ما بهره ، قد خامر قلبه داء الحسد ، فكاد يسطو عليّ سطوة أسد ، ثمّ ادّعى عليّ الانتحال ؛ فأنشدته في الحال بما ادهش العقول وعلى لسانه أقول :





    قد كنت دهرا في المعاني أرتقي



    ......................... ومن بحار الأدباء أستقي




    وقد جرت خيلي بشتّى الطّرق



    ....................... بين كميت وجواد أبلق




    حتّى أتى الجزائريّ بالسّبق



    ...................... من خيله وقبل ذا لم اسبق




    فجا بحكمة كماء البارق



    ...................... يروي الصديّ من صداه المحرق




    قد خفيت عن كلّ فحل مفلق



    ....................... فاسمع مقالا من حكيم صادق




    واسلك في أوضح الطرائق



    ..................... واعلم به خبيئة الحقائق




    إذا بدت دفلى بنور مورق



    ....................... وظللت بغصنها المرونق




    فكن كمن من الأفاعي يتّقي



    ..................... فسمها في عرفها المعبق




    كذلك الحسناء للصبّ الشقي



    ..................... إذا خدعته بالمحيا المشرق




    ومقلة من أسرها لم يعتق



    ...................... ولو رأى أفعالها لم يعشق





    وهذا عود من الخيال إلى الحقيقة ومشي في أقوم طريقة ؛ لئلاّ يأخذني ما أخذ أبا العلاء المعرّي في (رسالة الغفران) .



    ولا شكّ أنّ المرأة الجميلة الّتي هي في جنس النّساء كالدّفلى في جنس الأشجار من أعظم ملذّات الحياة ، أو هي أعظم ، حتّى إنّه ليخيّل للرّجل أنّها هي السّعادة عينها فيتركّب في ذهنه قياس مسلّم المقدمات لديه ؛ فتلزمه النتيجة فيقول : هذه امرأة جميلة وكلّ جميلة تجلب السعادة ، ينتج (هذه تجلب السعادة) ، بعد إلغاء الحدّ الأوسط المكرّر في المقدّمتين على طريقة المناطقة غير أنه حاد عن شروطهم ، وإنما يقيس هذا القيس من نظر بعين امرئ القيس ، حين أفقده صوابه وميزه ، حبّ أمّ الرّباب وعنيزه .



    وعليه فيجب إبطال هذا القياس بالقدح في بعض مقدّماته وهي الثانية في التّركيب ، ويقال لها (الكبرى) عند أهل المنطق فنقول : قوله : (وكلّ جميلة تجلب السعادة) هذه مقدمة كاذبة ؛ لأنّ الحسّ قد أثبت أن كثيرا من النسوة الملاح قد جلبن الشّقاء على أزواجهنّ ، وهذا شائع في العرب والعجم ولا مكابرة في محسوس ، فانهدمت هذه الكليّة التي بني عليها القياس ؛ فبطلت النتيجة .



    وهكذا يفعل بكلّ نتيجة يطلب إبطالها ؛ لأنّ التسليم في المقدّمات والمجادلة في النّتائج ليس من شيم العقلاء .



    قال العلامة الأخضري في (السّلّم المنورق) :





    ورتّب المقدّمات وانظرا



    ....................... صحيحها من فاسد مختبرا



    فإنّ لازم المقدّمات



    ..................... بحسب المقدّمات آت





    وإنّ كثيرا من النّاس تتركّب في أذهانهم أقيسة نتائجها مبنيّة على مقدّمات فاسدة .



    فالنّظر في المقدّمات هو سرّ النّتائج ، وينبغي أن يكون هذا قاعدة في حياة الإنسان .



    ولا شكّ أنّ الجمال في النّساء مطلوب ، بل في كلّ شيء وفي الحديث : (إنّ الله جميل يحبّ الجمال) ، وهذا عام في كلّ شيء جميل .



    واعلم أنّ حسن الصّورة قد تأنس به النفوس وتتوسم فيه حسن السّيرة ، وذلك شيء جبل عليه النّاس حتّى إنّ المليح إذا بدر منه ما يسوء شفع له حسنه ، وفي المعنى يقول الشّاعر :





    ألم ترى أني ظاهري وأنّني ....... على ما بدا حتّى يقوم دليل





    وظاهريّة هؤلاء تشبه ظاهريّة ابن حزم في إلغاء المعاني والدّلالات المعتمدة على القرائن والإشارات ، ولهذا قال علماؤنا : إنّ الفقهاء أسعد بالظاهر من أهل الظاهر ؛ لأنهم أعملوا كلّ ما دلّت عليه الألفاظ من المطابقة وغيرها من الدّلالات والإيماءات المأخوذة من الألفاظ ، وقد صارت بذلك من جملة الظاهر الّذي يجب التّمسّك به ، وهذه مناقشة لا يتّسع لها هذا الموضع ، وإنّما دعا إلى ما ذكرناه الكلام عن اتّباع الظاهر دون اعتبار دلائل أخرى ، والقصد أنه خطأ في كلّ شأن .



    غير أنّ الخطأ في شأن النّساء مرتعه وخيم يحاذره اللّبيب ويشفق منه على كلّ حبيب ، ولقد أشفق الخليل على ولده إسماعيل - عليهما السلام - من صحبة امرأة ساءت منها خصال ؛ إذ كانت تشكو شكاية يؤوس قنوط ، لا يرى نعم الله ولا نعم النّاس عليه ؛ فأمره بفراقها ولو أنها صبرت وأرخت سدول الستر على بيت زوجها لكان خيرا لها .



    ولا شكّ أنّ هذا النوع من النّساء إنّما يعيش لنفسه ، ولربّ رجل كان يؤمّل في امرأته ما ليس عندها ، وبعد أن لبث في صحبتها عمرا أدرك أنها لم تعش إلاّ لنفسها ، وأنّ تلك الصّحبة صفقة خسر فيها الفائدة ، بل خسر رأس المال ، وما أحوج الدّاخلين لهذه السّوق أن يستحضروا قول المجدوب رحمه الله :





    سوق النّسا سوق مطيار ... يا داخلوا رد بالك



    يورولك الربح قنطار ..... ويخسروك في راس مالك





    ولقد زدت على بيتي المجدوب ناظما لمعاني المثل الحكيم فقلت :





    ياك نوّار الدّفلى غرّار .... والزّين غير وحدوا هالك



    الزّين ياك ما يبني دار .... ولي فهم راه سالك





    فإذا قرأت الأبيات جميعا على نسق واحد انتظم لك اللّفظ والمعنى ، وكأنّها جميعا لقائل واحد .



    واعلم أنّ الخطاب في المثل هو لكلّ من له مدخل في هذا الشّأن ، وعليه فضمير الخطاب هنا خارج عن أصله في الدّلالة على معيّن ، وهذا أسلوب معروف عند العرب في مثل هذه المواضع ، وذلك لأنّ البليغ تارة يريد الشمول ، لكنّه لا يريد أن تضيع فائدة الخطاب حيث يشعر كلّ سامع انه معني بالخطاب ، فيحسن موقع الكلام في النفوس فيحصل ما أراده من العموم بألفاظ تدلّ بوضعها على الخصوص ، ولهذا عدّه بعض البيانيين من المجاز .



    ونظير هذا قول الواعظ :



    (تبارز بمعصيتك مالك ناصيتك ،وتجترئ بقبح سيرتك على عالم سريرتك).



    وقد جرى التّنزيل الحكيم على هذا في مواضع كثيرة ، وإليه الإشارة في قول عبد الرحمن الأخضري الجزائري في (جوهره) :





    والأصل في المخاطب التعيين ........ والترك للشمول مستبين





    والحديث عن المرأة ومحاسنها ومقابحها قد أكثر فيه الكتّاب ، وغرضنا هنا مقصور على شرح المثل ، ولو جرينا وراء مراميه لشطّ بنا المسير ، وجماع ذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلّم : (فاظفر بذات الدّين تربت يداك) .



    هذا ما صاده الخاطر وقيّدته المساطر من معاني المثل وقد أوثقت لك مصيدها في كتابين أحدهما للمباني والآخر للمعاني ، فإذا ضممت الأوّل للثّاني صار لك كتابا واحدا ، تجد فيه ضروبا من العلم والأدب والحكمة ، وربّما خرج بنا صيد الأوابد وتتبّع الشوارد إلى شيء من الاستطراد ، وذلك شأن الطّراد ، وقد جمعت لك في هذه الطّريقة ، بين الخيال والحقيقة ، ومزجت الجدّ ببعض الهزل ، وجعلت ذلك من وشي الغزل ، وقد ولجت موالج يكثر فيها العثار ، وسلكت مهيعا تزل فيه الخطى وتضلّ فيه القطا ، غير أنّي أستشفع لخطئه بصوابه ، ولزعاقه بعذابه .



    وقد تمّ ما وعدناك به ، والحمد لله وبه استعين .
    قال الشيخ العلامة حمود بن عبدالله التويجرى - رحمه الله - :" الألبانى علم على السنة والطعن فيه طعن فى السنة "

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,037

    افتراضي رد: مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    بارك الله فيك .. وأجزل لك المثوبة ... وثقل ميزان حسناتك
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    1,063

    افتراضي رد: مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رضا الحملاوي مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك .. وأجزل لك المثوبة ... وثقل ميزان حسناتك
    أحسن الله إليك وبارك فيك
    قال الشيخ العلامة حمود بن عبدالله التويجرى - رحمه الله - :" الألبانى علم على السنة والطعن فيه طعن فى السنة "

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,037

    افتراضي رد: مشارق الأنوار على مثل الدّفلى والنّوّار

    وإليك أحسن وفيك بارك ... حفظك الله
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •