رضينا بالله حكماً عادلاً
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالمين ، وبعد.
فسبحان من قهر خلقه بجبروته ، وأعز جنده ومكن لأوليائه بسلطانه ، وخذل الموتورين من أعدائه ، وبطش بالمتكبرين فزلزل عروشهم ، ودمر حصونهم فصاروا كأمس الدابر .
أيها القراء الكرام : غير خافٍ على الجميع متابعة ما يجري في مصر أرض الكنانة من تحقيقات مع رموز الفساد من أتباع النظام البائد ، وأن يدا العدالة قد طالت الجميع بما فيهم كبيرهم الذي علمهم السرقة والنهب والكبر والخيلاء والتعالي على الشعب ـ حسني مبارك وأولاده ـ فقد أمر النائب العام بحبس فريق اللصوص ـ عز ، وجرانه ، والعادلي ، وعزمي ،ولا شريف ،وآخرهم مبارك ونجليه وأودعوا سجن المزرعة بطره ،ـ عدا الأخير لمرضه ـ ،والبقية تأتي بإذن الله .
في نفس المكان الذي حبسوا فيه المظلومين والمقهورين ـ حبسهم الله فيه ـ جزاءً وفاقا .وسُطِّر ذلك بحبر المقهورين والمضطهدين .لأن الله لا يحب المفسدين
كذا الدنيا أيام ودول" وتلك الأيام نداولها بين الناس " لا تأمن فيها على نفسك أن تظلم أحد من عباد الله ثم تنام قرير العين وتنسى أن هناك مالك الملك ، ومدبر الأمر ، وخالق الخلق ، القوي المتين ، من يمُلي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، سبحانه لا إله غيره ، ولا رب بحق سواه .
والله ما يحب أحدنا أن يكون سجينا ولو ليوم واحد ولو كان ذلك واقعا عليه لافتدى نفسه من السجن بماله كله ، وهذا سجن الدنيا ، فما بال سجن الآخرة فما بال هؤلاء القوم ظنوا أنهم مخلدون في الدنيا ، وهم وارثوها ... لكن يأبى ربك إلا أن يري عباده قوة بطشه وجبروته وسطوته على خلقه ، لأن بعض الناس ظنوا أن هؤلاء يس لهم نهاية .. كلا فالخلق خلقه ، والملك ملكه ، وجميع العباد تحت إمرته وقوته ، فأرنا في الظالمين آية حتى يشفي صدور قوم مؤمنين ومضطهدين ومقهورين ، لكي يزدادوا عبودية للقوي والقهار والجبار سبحانه وتعالى على كل شيء قدير وبخلقه مطلع وبصير .
" طال تعجبي من مؤمن بالله عز وجل مؤمن بجزائه , يؤثر خدمة السلطان مع ما يرى منه من الجور الظاهر , فوا عجباً ما الذي يعجبه ؟ إن كان الذي يعجبه دنيوياً فليس ثم إلا أن يصاح بين يديه.. و أن يتصدّر في المجالس ويلوي عنقه كبراً على النظراء , ويأخذ السحت وهو يعلم من أين حصل.. ثم يقابل هذا أن يصادر ويعزل , فتستخرج منه تلك المرارة كلَ حلاوة كانت في الوِلاية , ثم تنطلق الألسنة المادحة بالذم .ثم لو سلم من هذا فإنه لا يسلم من الرقيب له والحذر منه , فهو كراكب البحر إن سلم بدنه من الغرق لم يسلم قلبه من الخوف " .أ.هـ صيد الخاطر
والتاريخ يعيد نفسه ، وكما قال علي بن أبي طالب " واستدل على ما لم يكن بما كان فإن الأمور اشتباه ".فهؤلاء بعد العز صاروا في ذل ، وبعد الغنى سيصيرون إلى فقر ـ بإذن الله ـ لأنهم ناموا عن دعوات المظلومين التي ترفع لرب العالمين غفلوا عنها، وما ربك بغافل عما يعملون .
يا راقد الليل مسرورا بأوله*** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

ولما قُتل البرامكة وزال سلطانهم , وسلبت أموالهم , وأودعوا السجون.. قال يحيى البرمكي لابنه جعفر : " يا بني دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها"
نعم إنها دعوة المظلوم ، كم من دعوة مظلوم قصمت ظهر طاغية، والعدل أساس الملك " وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً "
وسارية لم تسر في الأرضِ نبتغي *** محلاً ولم يقطعْ بها البيدَ قاطعُ

سرت حيث لم تُحْدَ الرِّكابُ ولم تُنَخ *** لورد ولم يقصُرْ لها القيدَ مانعُ

تمرُّ وراءَ الليلِ والليلُ ضارب *** بجثمانه فيه سمير وهاجِعُ

ألم يدري هؤلاء الذين سرقوا وأودعوا السجون أننا نشفق عليهم ونرحمهم وندعوهم إلى التوبة والإنابة والعودة إلى الله ورد المظالم للشعب المقهور ... قد يقول قائل بعد هذا ترحمهم وتشفق عليهم ... أقول نعم لأن الله سيجمعنا بهم في القيامة وسيأخذ للمظلوم ويقتص له من ظالمه .
ولقد سرقت دنانير من رجل صالح من خرسان ، فجعل يبكي ، فقال له الفضيل : لم تبكي ؟ قال : ذكرت أن الله سوف يجمعني بهذا السارق يوم القيامة ، فبكيت رحمة له .
فالأيام دول فيوم لك ويوم عليك ، ويوم نساء ويوم نسر.
ثمانية لا بد منها على الفتى *** ولابد أن تجري عليه الثمانية

سرور وحزن واجتماع وفرقة *** ويسر وعسر ثم سقم وعافية

وفي الأثر أن الله عز وجل يقول: [وعزتي وجلالي لا تنصرفون اليوم ولأحد عند أحد مظلمة، وعزتي وجلالي لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم ].
فاحذر ظلم العباد ، واحذر التكبر عليهم ، فلقد رأينا آية من آيات الله في هؤلاء اللصوص .
ألم يتذكر هؤلاء قول الشاعر :
مثل لنفسك أيها المغرور *** يوم القيامة والسماء تمور
هذا بلا ذنب يخاف لهوله *** كيف الذي مرت عليه دهور
فهؤلاء سيتحسرون على أعمال صالحة كان الأمل بعد الله عليها، ولكنها ذهبت في ذلك اليوم العصيب إلى من تعدوا حدود الله فيهم؛ فظلمتهم في مال أو دم أو عِرْض، فكنت مفلساً حقاً: " وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً "[طه:111] فيأخذ هذا من حسناتك، وهذا من حسناتك، وهذا من حسناتك، ثم تفنى الحسنات، فيطرح عليك من سيئات من ظلمتهم، ثم تُطْرح في النار .
اللهم جنبنا ظلم عبادك ، وارفع عنا مقتك وعقابك ، وجنبنا كربات يوم القيامة .
كتبه : أبو حاتم عبد الرحمن الطوخي